pdf موقع التنمية البشرية ضمن الإصلاح الهيكلي

د/علي عبد الله – جامعة الجزائر

تمهيد :  تكشف المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية أن برنامج الإصلاح الهيكلي المطبق يقوم على الفصل يبن ما هو اجتماعي (تجربة المفهوم الكامل للتنمية )مع ترجيح الجانب الاقتصادي على الجانب الاجتماعي, ومعاملة الآثار الاجتماعية على أنها آثار جانبية على افتراض أن النمو الاقتصادي "دواء لكل داء " بينما تؤكد الوقائع الاقتصادية على أن هذا المدخل للتنمية مبتور, ويعاني من خلل جوهري, لأن الفعالية الاقتصادية مرهونة بالفعالية الاجتماعية, على اعتبار أن هذه الأخيرة أداة للحفاظ ودعم وتفعيل للأولى فالعلاقة بين الفعالية الاجتماعية  والفعالية الاقتصادية ليست في اتجاه واحد.

    من خلال هذه الورقة نحاول الإجابة على السؤالين التالين :

    1 هل يمكن تجزئة التنمية؟بمعنى آخر هل يمكن الفصل بين الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي؟

    2 هل أن أهداف برامج الإصلاح الهيكلي قابلة للتحقيق في غياب العناية والاهتمام بالتنمية البشرية .؟

لذا ينبغي أن نركز أولا على إبراز مكونات برنامج الإصلاح الهيكلي ومحدود يته, ثم نحاول أن نفرق بين النمو الاقتصادي والتنمية, مع التمييز بين مفهومي الموارد البشرية والتنمية البشرية, مع التركيز على أهمية هذه الأخيرة في انجاح تنفيذ برامج الإصلاح الهيكلي

1 نماذج التنمية الاقتصادية .

أ _ النموذج التنموي الأول : أن المتتبع للسياسات الاقتصادية التنموية خلال الخمسينات و الستينات والسبعينات من القرن الماضي يلاحظ أن بعض الدول النامية قامت بأدوار ضخمة تشمل ليس فقط الدور الحمائي, بل الرعائي والأشراف وتوجيه الحياة الاقتصادية باعتبارها المالك المستخدم, المنظم, السوق, البنك مع تضييق دور القطاع الخاص والمبادرات الفردية, بل بالحلول محلها, وأنه لكي يكون التدخل منظما ورشيدا فانه يمارس من خلال التخطيط.(1

    اتسمت السياسة الاقتصادية بالتحيز للبيئة الاجتماعية ممثلة في الفقراء حيث عملت على إعادة توزيع الدخل والأصول الإنتاجية لصالح المجموعات الأكثر فقرا, وإيجاد مناصب عمل وإنجازات هامة على مستوى إشباع الحاجات الأساسية محاربة الفقر ودعم وتعزيز الرعاية الصحية التعليم, لكن الثمن كان غالبا مأساويا على مستوى الحقوق المدنية والسياسية على افتراض إمكانية المقايضة بين الاحتياجات الأساسية والممارسة الديمقراطية _وأيضا على مستوى القيم الذهنية كتفشي الممارسات السلبية والبيروقراطية والاعتمادية والاتكالية مما جعل الناس يعتمدون على الدولة في تدبير احتياجاتهم بغض النظر عن إسهاماتهم في حين أن الرفاهية تكسب أساسا بالجهد والعمل المنتج, وليس من مصادر تحويلية بالدولة أو غيرها. وهو ما يمثل مدخلا ضيقا للتنمية (2 )

 

   وعلى الرغم من النجاح المتواضع الذي حققته هذه السياسة, لم يكن هذا النجاح مطردا كما أن هذه الدول لم تنجح في مواصلته لفترات طويلة تحت ضغط اختلال التوازنات المالية والنقدية لانخفاض موارد النقد الأجنبي وثقل المديونية الخارجية, وخدمة الدين عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية كانت سببا مباشرا في تحريك السياسة الاقتصادية في الاتجاه الآخر. وقد دعم هذا الاتجاه ظهور طبقة جديدة في الداخل تراكمت لديها الثروة ومن الخارج انهيار النظام الاشتراكي والذي كان سببا في تنفير الكثير من فكرة الاقتصاد المخطط, والتسهيلات المالية المسنودة من قبل صندوق النقد الدولي كإعادة جدولة الديون المتراكمة وعودة المعونات الأجنبية , والقروض وربما الاستثمارات للتدفق.(3 )

 

ب _ النموذج التنموي الثاني : مع بداية الثمانينات من القرن الماضي ظهرت موجة عالمية واسعة ترتكز أساسية حول تفعيل آليات السوق كموجة للإنتاج وتحويل ملكية القطاع العام والخاص, وتحرير العلاقات الاقتصادية اتجاه يقول : " ما يقرره السوق صالح أما تدخل الدولة فهو طالح " وهذا ما ندى به كل من مستشار الرئيس الأمريكي "ريجان " للشؤون الاقتصادية ومستشار رئيسة وزراء بريطانيا " مار جريت تاتشر ". يتميز بالدعوة إلى الحق والقوى الطبيعية في السوق لتوجيه الموارد وتحديد الأسعار, وتوفير مناخ جاذب للاستثمارات المحلية والأجنبية, كما يمتاز بأنه يعكس ميلين سياسيين منذ الثمانينات يصيغان ويقيدان السياسة الاقتصادية : أحدهما يمثل حماسة ثقافة متجددة من أجل المشروعات الخاصة, وثانيهما يعتبر حقيقة ملحة دائما لا سبيل لتجنبهما للحد من الإنفاق العام, (4 ) 

وقد أدى التقاء هذين الاتجاهين إلى انهيار السياسة الكنزية . 

مضمون الإصلاح الهيكلي : يتضمن ما يلي :

 

    1 ) الاستقرار الاقتصادي : وذلك باعتماد سياسات مالية انكماشية تهدف إلي معالجة المديونية الخارجية, والركود الاقتصادي من خلال : (5 )

         .  التخلص من العجز الداخلي وذلك بتقليص الإنفاق العام وإلغاء الدعم على الأسعار  مع تخفيض ميزانية التجهيز والتسيير للقطاع العمومي الاقتصادي والإداري

         .  تخفيض النفقات الاستثمارية مع التأكيد على انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي

         .  تجميد التوظيف مع التسريح الجزئي والجماعي في القطاع العمومي الاقتصادي  والإداري

         .  الضغط على الأجور الاسمية وتخفيض الأجور الحقيقية, وعدم التدخل في سوق العمل, وجعلها حرة تخضع لميكانيزمات العرض والطلب, مع العمل عل التقليص  من قوانين العمل التي تعرقل سير العمل.

    2 ) التحرير الاقتصادي : ويتمثل في تحرير الأسعار و إطلاق قوى السوق مع إلغاء الدعم 

الحكومي على الأسعار وجعلها في نفس مستوى السوق العالمية مع إلغاء مختلف القيود على التصدير والاستيراد بدعوى بث روح المنافسة(6 )

 

3 ) الخوصصة : يؤكد برنامج الإصلاح الهيكلي على تصحيح أداء المؤسسات بترشيدها و عقلنتها ,وزيادة حجم المنافسة في السوق,ومضمون هذا البرنامج هو استبدال المالك الذي ثبت أنه غير رشيد(الدولة)بمالك رشيد(القطاع الخاص)وفصل ملكية الدولة للمؤسسات التي تبقى في حيازتها عن الإدارة, والمساواة بينها وبين المشروعات الخاصة(7 )

 

محدودية مضمون برنامج الإصلاح الهيكلي : تؤكد نتائج تنفيذ البرنامج في الجزائر مثلا _تحقيق تحسن في الأداء على مستوى التضخم, والعجز الداخلي والخارجي وارتفاع احتياطي الصرف الأجنبي, غير أن مستوى النمو المحقق

 3 % كان نتيجة عوامل خارجية أكثر منها داخلية, حيث صاحب هذا التحسن في مستوى النمو تراجع محسوس في نسبة النمو في القطاعات الإنتاجية مما يدل على أن صعوبات هيكلية حقيقية لا زال يعاني منها الاقتصاد الوطني .

إن ما تحقق من نتائج إيجابية على المستوى الاقتصادي كان على حساب الجانب الاجتماعي بسبب صدمات التصحيحات الهيكلية وانعكاساتها فيما يخص تقليص النفقات العامة, وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين, وانتشار الفقر والبطالة كما كان انعكاسات جد سلبية على النسيج الاجتماعي، أما بالنسبة للبطالة فقد ارتفعت إلى ما يقارب 30 % نتيجة التسريح الجماعي وتجميد التوظيف وتراجع الاستثمارات, وقد ترتب على ذلك تدني مستوى المعيشة وزيادة الفقر حيث أضحى حوالي 40 % من السكان أو ما يعادل 17 مليون نسمة في دائرة الفقر, يعيش حوالي نصف هؤلاء في حالة فقر مدقع, مع انتشار ظاهرة التسول والإعاقة والتشرد, وعمالة الأطفال والأمراض الاجتماعية كالمخدرات والانحلال الخلقي وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي .

اتساع فجوة بين الأغنياء والفقراء, بحيث أصبحت تتراوح ما بين 10 مرات إلى 35 مرة, بين مداخل الأغنياء ومداخل الفقراء بسبب التدابير التقشفية تضاعفت الفوارق الاجتماعية, كما يؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة سنة 1999 أن عشرين بالمائة من أغنى الفئات تستحوذ على ما يقارب 50 % من الدخل الوطني لنفس السنة .

 

·        التعليم : إن انخفاض مخصصات التعليم انعكست سلبا على منظومة التربية والتكوين على المستويين النوعي والكمي وزيادة درجة الإعاقة أمام الوافدين لسوق العمل وخاصة في مستوى الإناث حيث بلغت نسبة الأمية مستويات خطيرة, 62,5 % في وسطهن من إجمالي الأميين البالغة 30 % *

·        الصحة : لقد عرفت النفقات الصحية تراجعا إذا ما أخذنا قيمة الدولار المرجعية يستنتج تدني المستوى الصحي, فقد انتشر مرض الجرب, السل, الملاريا وهو ما يعكس تدني الوضع الصحي للافتقار إلى خدمات الرعاية الصحية .

هذه العوامل ساهمت في تأرجح الجزائر من الرتبة 95 إلى الرتبة 100 ثم إلى الرتبة 106 مما يعكس تراجع مؤشرات مركب التنمية البشرية .

وهو ما يمثل دق ناقوس الخطر بشأن الأوضاع المتدنية للموارد البشرية ويتنافى مع توفير الحد الأدنى لدعم وتطوير وتنمية الموارد البشرية .

         إن تجارب التنفيذ لهذا البرنامج تؤكد نتائج مرضية على المستوى الاقتصادي, أما الهموم التنموية الهامة مثل التعليم, الرعاية الصحية, وإشباع الحاجات الأساسية والأمن والمشاركة في صنع القرار عوض الاكتفاء بتنفيذه لم تؤخذ في التحليل باعتبار أن السياسات الاجتماعية تشكل حاجزا أساسيا, ليس أمام النمو الاقتصادي فقط بل استمرار الحضارة الإنسانية, ويرى أصحاب الاتجاه ضرورة تخفيض الأجور الحقيقية والأعباء الاجتماعية التي تدفعها   المؤسسات لأنها ترفع التكلفة وتجعل المؤسسات في وضع تنافسي صعب ( مع حرية السوق العالمية والشركات الاقتصادية ), فالمعيار الرشيد للحكم على السياسة هو تأثيرها على الكفاءة في تخصيص الموارد,ومن ثم النمو الاقتصادي .(8 )

 

·        الإحصائيات يمكن الرجوع إلى "علي همال " و رابح عبد الباقي " آثار برنامج التصحيح الهيكلي على القطاع التربية الوطنية والملتقى الدولي حول آثار برنامج التصحيح الهيكلي على قطاع التعليم والصحة ……….. تاريخ 22 11 2000 نوفمبر 2000

 

لقد ترتب على سياسة الإصلاح الهيكلي تأثيرات سلبية على التنمية في المدى القصير, بل ومن الاحتمال على المدى البعيد من خلال حدوث تشوهات اقتصادية واجتماعية وسياسية, تعرقل التنمية في المستقبل .

 

إن التحرير الاقتصادي والخوصصة أمر حتمي وضروري, إذ يبدو بدونهما لا يمكن أن يتوافر المناخ والإطار الذي يضمن تنمية حقيقية, غير أن التحرير الاقتصادي وحده لا يحقق معدلات النمو المنشودة, كما أنه إذا قلنا أن الاعتماد على السوق وعلى الحافز الفردي, و إطلاق الحرية كاملة للقطاع الخاص سوف تؤدي إلى الانتقال بالدول النامية من مرحلة التخلف إلى مرحلة التقدم نكون قد ارتكبنا نفس الخطأ الذي ارتكبه دعاة التخطيط المركزي. (9 )

 

إن الانتقال من النقيض إلى النقيض على افتراض أن التخطيط والسوق ضدان لا يجتمعان وانهما بديلان في إدارة الموارد, يتعين على المجتمع اختيار الواحد منهما أو الآخر بشكل كامل كآلية وحيدة, ولذا لا يجب النظر إلى أي منهما على أنه آلية ذات قوة إبراء غير محدودة.

 

لا شك أنه لا يوجد خلاف بين الاقتصاديين على أن السوق هي التي توفر اكفأ إدارة لتبادل السلع والخدمات لتلاقي أو مقابلة العرض والطلب, فهي الأداة والآلية الأساسية لضمان اعتبار الكفاءة, غير أن الأسواق ذاتها تعاني من تشوهات تجعل الأسواق أقل كفاءة بفعل الاحتكارات والتدخلات الحكومية, وتشوهات كذلك في شكل تفاوت بين الناس الذين يدخلون السوق, فكثير منهم يفتقر  للمعلومات, وإمكانات النقل والملكات والمهارات الأزمة ليكونوا قادرين على المنافسة, بمعنى أنه لا ينبغي التركيز على كفاءة سوق السلع في تخصيص الموارد المادية فقط, بل يجب أن نركز على جوانب الإنصاف. (10 )

إن تجارب الماضي القريب والبعيد تؤكد أن الحكومات لا يمكن أن تقف موقف المتفرج, وصناعتها المحلية تنهار, أمام قوة المنافسة غير المتكافئة, فمثلا كانت استثمارات بصورة مباشرة, وغير مباشرة في اليابان لاقامة صناعة ناجحة للحاسب الآلي بوضع قيود وعراقيل أمام المؤسسات الأجنبية, حيث كانت المؤسسات اليابانية غير مستعدة للتنافس, كذلك مشروعاتالبحث والتطوير ممولة جزئيا من الحكومة ليس فقط في اليابان بل أيضا في دول أوروبا, ففي إسبانيا التي حققت أعلى معدلنمو على مستوى أوروبا في الثمانينات بلغت مساهمة المؤسسة العمومية فيها ما يوازي نصف الناتج المحلي الإجمالي على الأقل, وفي كل من بريطانيا وفرنسا ساهم القطاع التابع للدولة  بثلث الناتج الوطني, أما ألمانيا (القوة الاقتصادية الكبرى) فقد توسعت الحكومة في تملك أسهم متزايدة من الصناعات مثل السيارات والصلب والنقل وغيرها. (11 )

2 النمو والتنمية :أن فلسفة الإصلاح الاقتصادي تختزل مفهوم التنمية إلى مجرد النمو الاقتصادي الذي يوصف بأنه التوسع في الناتج الحقيقي أو التوسع في دخل الفرد من الناتج الوطني الحقيقي, بمعنى أن التنمية ليست إلا مرادفا للنمو الاقتصادي السريع, وهذا المفهوم يركز على زيادة الإنتاج من خلال مزج ملائم من المدخرات والاستثمارات والمعونات الأجنبية.(12 )

 

إن سياسات الإصلاح الاقتصادي تقوم أساسا على هذا الفصل المزعوم بين ما هو اقتصادي وما هو دون ذلك, وعلى محاولة علاج الآثار الاجتماعية السالبة باعتبارها آثار جانبية (النمو دواء لكل داء) وباتباع حلول مكملة أو تعويضية الخ ويهدف أساسا إلى تخفيض وطأة السياسات على غالبية الناس .(13 )

 

فالنمو الاقتصادي هو المحرك الذي يعمل على زيادة مستوى المعيشة ويوفر الزيادة في السلع والخدمات وفرص العمل الإضافية, وعادة ما يرتبط النمو بالأهداف حيث الزيادة في إجمالي الناتج عن الزيادة في السكان, وهذا يعني الزيادة في مستويات المعيشة. ودخل الفرد ( الزيادة في الدخل الوطني كأرضية للتخلص من الحلقة المفرغة ) والتي ساهمت في حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والتي بدورها هي التي تكون قادرة على مقابلة الاحتياجات الحالية والمستقبلية على المستوى المحلي والعالمي.(14 )

أن التجارب والوقائع تؤكد أن الزيادة في الدخل الوطني الحقيقي ونصيب الفرد ومعدلات الادخار تمثل فقط جزءا من المتغيرات الأساسية التي تتضمنها عملية التنمية.

 

إن حدوث نمو اقتصادي لا يعني بالضرورة تنمية, وأنه من المحتمل أن تحقق نمو اقتصادي سريع بينما قد يحدث تباطؤ في عملية التنمية, وذلك لعدم مواكبة تحسن النمو الاقتصادي تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية, فمثلا بلغ النمو الاقتصادي للدخل الوطني معدلات مرتفعة تقارب 6 % في بعض الدول النامية في أمريكا اللاتينية, ومع ذلك بقيت مستويات المعيشة فيها منخفضة واستمرت فئات واسعة من سكانها تعاني من الفقر والجهل والمرض والبطالة . كما أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء بل اتجهت نحو الاتساع حيث ارتفعت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر, فحين حققت دول أخرى معدلات نمو اقتصادي متواضعة في نمو الدخل الوطني, فقد استطاعت أن تحقق تقدما لا بأس به على مستوى مؤشر مركب التنمية البشرية في عدد المجالات المتصلة بإشباع الاحتياجات الأساسية, فمثلا استطاعت سيريلانكا في الثمانينات من القرن الماضي من رفع العمر المرتقب عند الولادة إلى 73 سنة وهو قريب من معدل الدول المتقدمة (74 سنة ) كما تمكنت من زيادة متوسط الملمين بالقراءة والكتابة إلى 78 %من السكان .(15 )

 

يمكن القول أن النمو الاقتصادي المتعاظم يوفر القوة والمناعة, كما أنه يوفر الإمكانات اللازمة لنشر الثقافة وإتاحة المعلومات وتسهيل التنقل والتواصل, وتوفير أماكن الترفيه والترويح, غير أنه وبالرغم من أهمية المدخل إلا أنه لا يعكس تحسنا في مؤشر التنمية البشرية لعدم إعطاء اهتمام بنفس القدر للتنمية الصحية والتعليمية والثقافية, وكذلك الحال يمكن القول أن التركيز على قضية الفقر تحديدا على الاستهلاك ومستويات الدخول يمثل مدخلا ضيقا للتنمية .

 

إن المعنى العام للتنمية الاقتصادية هو ذلك التعريف الذي يحدد التنمية ببلوغ عدد من معطيات التحديث مثل زيادة إنتاجية العمل, والمشاركة في صنع القرار وتطوير في المؤسسات والمواقف بحيث تسمح فاعلية وعقلانية النظام العام بالقضاء على الظروف التي تتسبب في حالة التخلف

 

وتأسيسا عل ذلك فان التعريف الذي اكتسب إجماعا واسعا هو الذي يعرف التنمية الاقتصادية "بأنها العملية التي من خلالها يزيد الدخل الحقيقي للفرد على امتداد فترة طويلة من الزمن" وهذا يعني أن الدخل يجب تصحيحه ليأخذ في الاعتبار عملية الزيادة في عدد السكان, وبالتالي فان توسع الدخل يجب أن يكون أكثر عدالة, وأن عدد الواقعين تحت خط الفقر لابد أن يقلل .

وعلى الرغم من التأكيد على أهمية هدف زيادة دخل الفرد إلا أن السائد أيضا هو التعبير عن التنمية الاقتصادية بالمجموعة من الأهداف الثانوية مثل عدد المواطنين المتواجدين تحت خط الفقر, الحد الأدنى للاستهلاك, الحد الأقصى للبطالة, العمر المرتقب عند الولادة, بمعنى أن مكونات التنمية يجب أن ترتكز على وجود التنمية, ولا يأتي ذلك إلا من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية بالإضافة للكفاءة الاقتصادية, فالتنمية الاقتصادية لا يمكن أن تستمر وتتواصل إلا بالاعتماد على إبداعات وطاقات الأفراد.

إن المفهوم الأوسع للتنمية جعل الاهتمام يحول من النمو الاقتصادي إلى قضايا التنمية البشرية, إن النمو الاقتصادي يشكل عنصرا ومكونا أساسيا لها إلا أنه ينبغي أن ينعكس كذلك على تحسين المستوى المعيشي والصحي والتعليمي للسكان, وتذويب الفجوة بين الفقراء والأغنياء, وفي غياب ذلك فان التحسن لا يمكن أن يستمر لوقت طويل, فالوضع الصحي المتدهور يعني الإعاقة الجسدية والتي بدورها تؤدي إلى ضعف الفعالية, والاعتلال الصحي يؤدي إلى فقدان كبير للوقت, العمل والإنتاج, والى مستوى منخفض من الإنتاجية للعمل, كما أن انخفاض المستوى الصحي المقترن بمستويات تعليمية منخفضة سوف يقلل من فرص الحصول على عمل وأن انخفاض هذه الفرص يؤدي إلى انخفاض الدخل. وبالتبعية العجز عن الحصول على أصول اقتصادية, وبذلك تكتمل دورة الفقر.(16 )

 

إن تحسين مستوى التعليم والتغذية والرعاية الصحية يعني اكتساب الأفراد القدرة على الانخراط في السوق والمنافسة فيها, وألا يستبعد أحد من المنافسة لأنه يفتقر إلى التعليم المناسب والصحة الضرورية, أو أي أصل إنتاجي, بمعنى استبعاد أي طرف أو أي شخص لأنه يفتقر إلى رأس المال البشري أو رأس المال العيني أو كلاهما.

وباختصار فان السوق التي تهتم بها التنمية البشرية هي السوق التي تمكن الناس من المشاركة الكاملة في تفاعلها, وفيما يتمخض عنها من نتائج والانتفاع بخيرات الإنتاج والتبادل في هذه السوق

وهذا المفهوم يعني انه بدلا من التركيز على اعتبارات الكفاءة وحدها, لابد من الاعتناء بضرورات واعتبارات التوزيع إلا هناك عدة متطلبات ينبغي توافرها كي تصبح السوق ذات وجه إنساني .(17 )

 

إن الإصلاح الاقتصادي يوفر مناخا أفضل لاستخدام رؤوس الأموال بكفاءة, غير أن هذه الكفاءة لا تحقق تلقائيا, و إنما يتم ذلك من خلال تصرفات تجري عليها من قبل العنصر البشري الموجود في المجتمع, فهو القادر وحده على خلق الاستثمار وتقييم البدائل المتاحة, وهو الذي يحقق كعامل فني ومبتكر, والقادر على تقليل أو زيادة المخاطر السياسية التي يتعرض لها الاستثمار, وبالتالي الإبقاء عليه أو تشجيعه على الهروب, كما أنه_ أخيرا_ هو القادر على المحافظة على هذا الاستثمار أو تدميره. (18 )

 

3 التنمية البشرية : يعتبر الجانب الاقتصادي أن الأمور المتعلقة بالتعليم, والتدريب, الرعاية الصحية والهجرة, والبحث عن المعرفة, هي البديل الحقيقي إلى إنجاز التنمية الاقتصادية ورفع مستوى الكفاءة الإنتاجية, فالشواهد الميدانية تؤكد على أن التقدم الاقتصادي يعتبر رهنا بما يستثمر في مجالات التعليم والتدريب والرعاية الصحية, وقد أوضحت الإحصائيات أن الاهتمام مثلا بعنصر التعليم وماله من أثر على تنمية قدرات الموارد البشرية يسهم إسهاما فعالا في رفع المعدل السنوي لنمو الدخل الوطني, بحيث تصل تلك النسبة أحيانا إلى 25 %من المعدل السنوي للنمو (19 ). كما تؤكد الأبحاث أن الفرق بين إنتاجية الأفراد وعوا ئدهم وتوقعات العمر المرتقب ترتبط إيجابيا بالأهمية التي تعطي لرأس المال البشري, بينما ترتبط مشكلات البطالة ارتباطا عكسيا, مما يؤكد على أن التنمية عملية شاملة يجب أن تساهم فيها القيم المادية وغير المادية على حد سواء.

 

هناك تداخل بين مفهومي تنمية الموارد البشرية والتنمية البشرية حيث يعتبر المفهوم الأول مفهوما اقتصاديا قابلا للحساب الاقتصادي, بينما المفهوم الثاني(التنمية البشرية)يعترض على ذلك باعتبار إن الإنسان هو مورد مبدع ومتجدد, لا تنضب طاقته, كما أنه صانع للتمويل قي الموارد الأخرى وموظف لها, وأنه الغاية والهدف من استثمار وتشغيل تلك الموارد, فلا يصح أن تقتصر تنميته باعتباره موردا اقتصاديا في عملية الإنتاج, كما أن الطاقات الإنسانية لا ينبغي اختزالها في مفهوم الإنسان اقتصادي منتج ومستهلك, ومن ثم فان مفهوم التنمية البشرية يتماشى مع مقولة "إن الإنسان هو صانع التنمية" كما ينبغي أن يكون هدفا_في نفس الوقت_ وعليه فان التصور المنطقي ينبغي أن يتجه إلى الإنسان بكل ما تتطلبه احتياجاته من عوامل للتنمية.(20 )

 

أن مفهوم الموارد البشرية ينظر إلى التعليم والتدريب والرعاية الصحية, من حيث هي عملية استثمار تتحول فيها قدرة الإنسان إلى عنصر من عناصر الاستثمار, مما يعني تحول البشر إلى مدخلات ومخرجات, بينما تعريف التنمية البشرية يركز على زيادة وعي الإنسان بقيمته كقوة فاعلة في هذا الركن للارتقاء بوجوده, الأمر الذي يرتفع به فوق الرضا بمتطلباته العيش وحده لأن الإنسان يفترض فيه أن يحيا وليس أن يعيش فقط.(21 )

 

وعليه لابد أن يتجاوز المنظور الاقتصادي لتنمية الموارد البشرية حدود المال والمكاسب المادية لتضمن زيادة قدرة الإنسان على فهم نفسه,وفهم محيطه ليتمكن من المشاركة الواعية للديمقراطية إن كلا من التنمية البشرية وتنمية الموارد البشرية يهدفان إلى تنمية الفرد بكافة أدواره, مستهلكا ومنتجا, باعتبارهما مجالي بحث متباينين لكنهما متكاملين حيث يركز الأول على أن يكون الناس محور التنمية, مما ينبغي إتاحة إمكانيات متساوية للجميع للحصول على الفرص الإنمائية في المستقبل .(22 ) ويركز الثاني على دور الفرد في زيادة إمكانية الإنتاج .

وهكذا يبدو أن مفهوم التنمية البشرية أوسع وأشمل حيث يتضمن العديد من العناصر التي تجعل من الصعب تحديده بشكل دقيق, فالتنمية البشرية عبارة عن تنمية طاقات البشر ورفع مستوى معيشتهم المادية والمعنوية عبر الزمن ويعني هذا المفهوم ضرورة حصول الفرد على جميع احتياجاته المادية من غذاء ومسكن لائق, وتعليم يكسبه مختلف المهارات التي تمكنه من العمل, ومستوى صحي,بالإضافة إلى تمتعه بالحرية السياسية, والاجتماعية, وحرية الإبداع وحقه في الاستمتاع بوقت الفراغ وهذا من شأنه أن يدعم مسيرة التنمية في الاتجاه الصحيح.

 

وما لم تكن هذه الخيارات الأساسية مكفولة, فان الكثير من الفرص الأخرى ستظل بعيدة المنال بيد أن التنمية البشرية لا تنتهي عند هذا الحد, فهناك خيارات إضافية, يهتم بها الكثير من الناس, وهي تمتد من الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى فرص الإبداع, واستماع الأشخاص بالاحترام الذاتي, وضمان الحقوق السياسية, فقد اعتبر البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أن الحكم والتنمية البشرية المطردة سواء لا يمكن فصل الواحد منهما عن الآخر, فالتنمية البشرية لا يمكن إن تحقق وتطرد في غياب حكم جيد, كما أن الحكم لا يمكن أن يكون جيدا ما لم يكفل اطرادا التنمية, ويضع البشر في قلبها.(23 )    

 

الخلاصة :  إن التعليم واكتساب المهارة لم يعد مرتبطا بحق الفرد في المعرفة فقط, و إنما أيضا بمصلحة الجماعة ومستقبلها, وقل مثل ذلك عن الصحة والثقافة, وحماية البيئة ووضع أسس التقدم الاقتصادي من بيئة أساسية مادية أو مؤسسية بما يوسع مجالات الاختيار للناس, وتتسع فكرة الخدمات العامة والاجتماعية مع زيادة التطور, وبذلك يضاف إلى المسؤولية مهام جديدة لم تكن معروفة ضمن الخدمات العامة مثل تأمين الأفراد ضد المخاطر الشيخوخة والعجز والبطالة،

وإعادة توزيع عادل للمزيا والأعباء الاجتماعية،وهي كلها تمثل استثمارات ذات طابع اجتماعي، وبالتالي فمن الضروري أن تتحمل الدول النامية إقامتها والإنفاق عليها، وسميت هذه _للتأكيد على دور الدولة _ رأس المال الاجتماعي، لتحسين أحوال البشر ، والارتقاء بالقدرات البشرية، والتوسع فيه من الناحية الكمية، والارتقاء به من الناحية الكيفية.

إن المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ألقت بظلالها على دول العالم أفضت إلى التأكيد أكثر من أي وقت مضى على ضرورة توفير مستوى مناسب من التعليم والرعاية الصحية والمعيشية والمشاركة السياسية كأولى الخطوات، وكذلك إعطاء فرص لتلك الاستثمارات البشرية للمساهمة في تحقيق النمو عن طريق المشاركة الفعالة في النشاط والقرار السياسي، فالبطالة سواء السافرة أو المقنعة من شأنها أن تعطل الكفاءات التي أكتسبها الأفراد عن طريق التعليم والتدريب بل أن هذه الكفاءات قد تتدهور نتيجة عدم الممارسة الفعلية كما أن عدم المسا وات في الحصول على فرص العمل وتوزيع الأجور قد يسبب في إحداث إحباط لدى الأفراد وإحجامهم على الإقبال على التعليم والتدريب وبالتالي تتدهور ثروة الأمة من الاستثمار البشري وتدخل حلقة مفرغة والتي تختلف كثيرا عن المعنى الضيق للتنمية المطردة .

المراجع :

1  إبراهيم العيسوي  التنمية في عالم متغير. دار الشروق.2001 ص.60                  

2 مدحت خليل العرافي المؤتمر العالمي السنوي الثاني والعشرون للاقتصاديين المصريين.التنمية البشرية في مصر  ص.25

3 إبراهيم العيسوي  مرجع سابق.ص 42 . 45

4 جون .د.ن دوناهيو  قرار التحول إلى القطاع الخاص .ترجمة حمود محمد مصطفى _ القاهرة.ص 80 _ 92

5 مجلة العمل العربية برنامج الإصلاح الاقتصادي و إعادة الهيكلة وانعكاساتها على مسائل العمل العدد 3/1997 ص.45 _60

6 منى قاسم   الإصلاح الاقتصادي في مصر _الدار المصرية  اللبية 1997

7 عاطف محمد عبيد  التنمية البشرية ركيزة أساسية لنجاح البرامج  الهيكلية _ مجلة الوحدة الاقتصادية العربية_العدد10 /06 أكتوبر 199310 _12

8 إبراهيم العيسوي  مرجع سابق.ص 25

9 إبراهيم العيسوي  مرجع سابق.ص 25 

10 عثمان محمد عثمان  الإصلاح الاقتصادي والتنمية البشرية. التغير في فكر التنمية وممارستها وملاحظات على التجربة المصرية .القاهرة.ص 18 _ 20

11 ليستر تار الصراع على القمة. مستقبل المنافسة الاقتصادية بين اليابان وأوروبا وأمريكا. ترجمة أحمد فؤاد  بليغ_بحوث اقتصادية عربية العدد6 /1996 ص. 165 .

12 إبراهيم العيسوي  مرجع سابق.ص 6

13 عثمان محمد عثمان  مرجع سابق.ص 3

14 محمد ناجي حسن خليفة  النمو الاقتصادي. النظرية والمفهوم. دار القاهرة  ص 7 _12 .

15 إبراهيم العيسوي  مرجع سابق.ص 78

16 صالح عبيدي محمد  النموذج القياسي في الجمهورية اليمنية_ بحوث  اقتصادية عربية العدد17 /199954 .

17 عبد الوالي هزاع مقبل   واقع المرأة ودورها الاقتصادي _بحوث اقتصادية عربية العدد 17 /1999 ص. 98 .

18 عثمان محمد عثمان مرجع سابق.ص 7 _8  

19 عاطف محمد عبيد  مرجع سابق.ص 12 

20 إبراهيم العيسوي  حتمية التحسين المستمر لأداء الموارد البشرية في  ظل المتغيرات الاقتصادية الجديدة مجلة العمل العربية العدد 60 ص . 28

21 حامد عمار العوامل الاجتماعية في التنمية. بحث مقدم في ندوة  تنمية الموارد البشرية نظمت بالكويت من المعهد العربي للتخطيط 1987 _ ص 1 . 2

22 تقرير التنمية البشرية بعنوان حقوق  مركز الإعلام للأمم المتحدة. صنعاء_2001 ص 17  الإنسان والتنمية البشرية

23 تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي  تقرير التنمية البشرية لعما 1990 وكالة الأهرام   للأعمال ص 18 .

24 إبراهيم العيسوي  مرجع سابق.ص 35