pdfدمقرطة السلطة و الانتعاش الاقتصادي...

الدول العربية نموذجا

د/بن حمادي عبد القادر- جامعة وهران

المقدمة :تتحدد العملية السياسية على أهمية الإيديولوجية التي تأخذ بها من خلال قدوتها على تحقيق التعبئة والتماسك الاجتماعي، فهـي أداة للتميز بين الـذات والغير أو بين الأنصار والخصم، ذلك أنها تضع خطاطاتها تبعا لذلك بحسن نوعية متلقية فالخطاب الموجه إلى الأنصار عادة ما يهدف إلى تبيان العلاقة بينهم بالتركيز على سلامة المبادئ التي يشتركون فيها، بينما يركز الخطاب الموجه إلى الخصوم على إضعاف مواقفهم و التشكيك في معتقداتهم و في الحالتين، فإن نجاح الإيديولوجية يتحدد بقدراتهم على الجمع بين الإستدلال العقلي و الشحن الوجداني و بما يقدمه من حلول ممكنة لأنهم إنشغالات المجتمع

-الطرح الديمقراطي وخصوصيات الواقع العربي:

مهما بلغت قساوة و معطيات الواقع العربي الراهن و ظلاميتها فإن القاعدية الإنسانية المستمدة من فاعلية الضمير الإنساني، تضعنا أمام مسؤولية الالتزام التاريخي بتغير الواقع الذي لا يتغير من تلقاء نفسه، و حينئذ يجب أن يكون ذلك بمثابة البداية لتنفيذ متطلبات المسؤوليات التاريخية الملقاة على الإنتلجسيا بصفة عامة المتواجدة في الوطن العربي و جدير بالذكر فان تحدد ملامح الخصوصية في طرح الديمقراطية في الواقع العربي يتم من خلال :

1-   البعد الحضاري و التاريخي : إن عرض قيم الديمقراطية في أرض الواقع العربي تواجه في حقيقة الأمر ثقافة و قيما لا يمكن تجاهلها وهي تملأ الفراغ الوجداني العقلي لدى الواقع العربي كله إن المواجهة التي قد تحدث بسبب أن الديمقراطية وليدة بيئة غريبة عن طبيعة وقيم المجتمع العربي، قد تلاقي مجالا خصبا للاقتناع و الحوار، إذا كانت مسارات الممارسة التي تمثل هذه المفاهيم خارجة عن إطار المصلحة الضيقة و المتعصبة لجهة دون سواها.

 إن الوطن العربي اليوم، مطالب أكثر من أي وقت مضى، بإلغاء تلك الصور البالية القديمة التي كانت تقوم على تمايز الناس و تفاوتهم اجتماعيا لتحل محلها صيغة موسعة تتأسس على أساس المساواة و التكافل ثم إرساء قيم إجتماعية مبنية على المبادىء المحاسبة و المسؤولية الحقة. 

2-   البعد النفسي الثقافي : إن أكبرعقبة تواجه طرح الديمقراطية في الواقع العربي كنظام و نسق للحياة مع ربط العلاقات هي الدهنية التى تنزع إلى السلطة الشاملة مع رفض النقد و عدم توفر الحوار، مدعية بذلك أن السلطة لها كل الحق في إمتلاك الحقيقة التى لا تعرف الشك أو المراجعة أو التفاعل المثمر بين الأفراد و الجامعات، و في كثير من الأحيان و إن وجد فإن ذلك لن يخرج من إطار الحلول الضرفية لتأكيد الحقيقة الواحدة" الأبوية "

إن مثل هذا الطرح من شأنه أن يولد حالة من الاغتراب العام و التكفل الاجتماعي و خلخلة القيم و التبعية، وبالطبع غياب كامل الديمقراطية، و في خصم هذه التناقضات، فإن الإنسان العربي يعيش حاليا و في كثير من الأحيان، الأمر بين استبدادية الحكم والهيمنة الإقتصادية لمختلف الموارد المتاحة للنظام السائد مع توليد الخوف الجماعي المستمر لدى الشعب

و في سعي الجماهير للتكيف مع هذه الأوضاع، تحدث الاستجابات المتناقضة التي يصعب تفسيرها و التي تتمثل في العودة إلى أشكال الطائفية و القبلية و العروشية.

 

3-   البعد الإيديولوجي : ابتداء من اليقظة العربية الحديثة مع منتصف بداية الخمسينات للقرن الماضي فإن محيط الخطاب العربي الإيديولوجي ما زال يشكل منظومة متشابهة إلى حد كبير – فالتصفيات الشائعة للخطاب العربي التى تتداول ما بين سلفي و ليبيرالي و قومي نجدها تختلف في أطورها المرجعية و في النموذج الإيديولوجي الذي تستوحيه أو تستند إليه يوجه عام و لكن الخطاب العربي يظل سجالا بالنسبة إلى الإشكاليات نفسها التي يطرحها، و في هذا الصدد قدم الجايري خريطة للخطاب العربي، فهناك الخطاب النهضوي الذي تعامل مع شروط النهضة العربية و الخطاب السياسي الذي تعامل مع مشكلة الدين و الـدولة و مسألـة الديمقـراطية المنشودة و الخطاب القومي الذي تعامل مع مسائل الوحدة القومية العربية و الخطاب الفلسفي الذي اختص بتوطيد جذور فلسفة الماضي و بالدعوة إلى فلسفة عربية معاصرة.

 

4-   البعد المؤسسي : إن الدولة الحـديثة في الواقع العربي بمؤسستها القانونية و السياسية،لم تأت خالصة نتيجة التطور داخلي طبيعي و لكنها في الأغلب جاءت مفروضة أو مقتبسة من أجل أجنبي، و في كثير من الأحيان صاحب تكوين الدولة استخدام القوة من جانب القوى الاستعمارية المحتلة و حتى إبان مراحل النضال الوطني ضد الاستعمار و حتى بعد الاستقلال فإن كثيرا من مؤسسات الدولة و تنظيماتها و رموزها ثم الاحتفاظ بها دون تغيير، فالدولة تتدخل في أنشطة المجتمع المدني كافة و تمارس عليه أقصى قدر من الضبط و التحكم، مما أدى إلى تقليص دوره و انكماش استقلالية إلى حد الذي جعل الدولة على دوام في المقدمة بينما المجتمع المدني دائما في خلفية المسرح.

 

ІІ- السلطة بين الوعي العربي و عقدة النخب الحاكمة:

         إن حالة احترام السلطة التي ينبغي أن تدرك في الوعي العربي سرعان ما تتحول إلى هيبة ثم خوف و هو ما يؤدي تدريجيا إلى استبعاد أي احتمالات للمراجعة أو المطالبة بالتغيير المستمر، لتؤدي بالذهن العربي في النهاية إلى القبول بحالة الاستبداد و الحكم القهري، و ما دام الأمر كذلك فهل يقبل الإنسان العربي السلطة المستبدة عن طيب خاطر و بخضوع تام.

          في الواقع إن الإنسان في الوطن العربي كثيرا ما يقبل هذه السلطة عن مضض و يثمن لها سطحيا أو ظاهريا إلا أن ذلك غالبا ما ينته به الأمر إلى وسائل التخويف و الردع التي تفرضها السلطة و من ثم فإن مظاهر الطاعة و الامتثال لمرجعية السلطة كثيرا ما تخفي وراءها مشاعر و مواقف مغايرة تماما و من هنا تأتى المواقف المتناقضة و المتنافرة ليس فقط على الصعيد الفردي و لكن أيضا على صعيد السلوك الجماعي العام، و هذا الإطار يمكن ذكر الإنتقاضات العفوية و المتكررة في الوطن العربي.

        إن استخدام السلطة لأحدث الوسائل في كجال القهر و البطش و دمغ مطالبهم العادلة فقد كانت النتيجة صدمة عنيفة في الوطن العربي و شرخا عميقا في الحياة السياسية العربية.

و كنتيجة فإن روح الانهزامية هي التي كانت سائدة حيث اقترنت بمشاعر اليأس و الإحباط أو حتى ضياع الأمل في إمكانية التغيير.

       إن جزء كبير من تاريخ البشرية يطالعنا على أساس الحكم هو القوة، ولا بل في الكثير من الحالات الرأي و الفكر أو كليهما معا يمثلان ركنا مهما في فرض الحكم. ففي واقعنا العربي، فإن وسائل الإعلام في كثير من الحالات تجعلنا نعيش بعقلية للمواطـن الهادئ و المطمئـن، بالرغـم من الضغـوطات و المصائب المتكررة و المتزايدة من فترة لأخرى.

       و في ظل هذه الأنظمة و البنى و المؤسسات و الاتجاهات الثقافية المعادية لروح الإنسان و طموحاته و قدرته على تحقيق ذاته و أمانيه و حقوقه الإنسانية لتحول الإنسان العربي إلى كائن عاجز و مسحوق تحت أثقال حاجته اليومية. 

 

IІI-دعائم و عوائق الانتعاش الاقتصادي البيني للدولة العربية

 

أ-دعائم  الإنعاش الاقتصادي:

         يمتلك الوطن العربي أكثر من غيره مقومات جديرة بانتباه والأهمية، ومن شأنها أن تؤهل الدولة إلى أي شكل من التعاون والتبادل التجاري. ومما زادت من إمكانية لاستغلال هذه الطموحات زيادة تطور موارده المتنوعة و المتخصصة والتي يمكن سردها فيما يلي:

1-   الموارد الطبيعية:

          تعتبر الموارد الطبيعية الركيزة الأساسية لأي تنمية اقتصادية تنشدها الدول ولما كانت الدول العربية تضم  موارد كبيرة، سواء كانت منها مستغل أولم  يتم اكتشافه بعد، بالإضافة إلى توفير الأراضي الزراعية الصالحة للإنبات حيث تتجاوز  233 مليون هكتار مع توفير عنصر الماء الذي قد يزيد  على الأكثر من 353 مليار م3  في السنة، فضلا عن الغابات و المراعي و الثروة الحيوانية، و التي تتنامى من سنة إلى أخرى. أما الثروة المعدنية و النفط فإن الوطن العربي يمتلك كميات كبيرة منها،  النفط الذي يبلغ إنتاجه بشكل خام20,6 مليون برميل يوميا بنسبة تقدر ب 28,3 % من الإنتاج العالمي، أما الغاز الطبيعي الذي يشكل إنتاجه13,9 %  من الإنتاج العالمي فإن احتياطه يقدر اليوم بنحو  21, 4% من إجمالي الاحتياطي العالمي، ناهيك عن الاكتشافات الجديدة و التي هي في طور الإنجاز.

 

2 – رؤوس الأموال:

لازالت عائدات النفط تشكل مصدرا مهما في مصادر رؤوس الأموال في عدد مهم من الدول العربية،  فقد بلغت مجموع العوائد النفطية للدول العربية الأعضاء الأوبيك  OPECما يزيد عن 138 مليار دولار عام 1979،  و لكنها لم تستثمر بالإتجاه الذي يخدم التنمية المستديمة  التي تنشدها هذه الدول، بل الأكثر من ذلك أن فائض العوائد المتراكم لنفس السنة و المقدر ب 175 مليار دولار كانت عبارة عن استثمارات  في الولايات المتحدة الأمريكية و الدول الصناعية الغربية.

 

و على الرغم من  التقلبات الكبيرة في أسعار النفط و بالتالي عدم استقرار العوائد النفطية نتيجة لذلك،  فقد سجلت  هذه الأسعار مستويات قياسية من الانخفاض في سنة 1998، الأمر الذي أدى إلى انخفاض عوائد الصادرات النفطية81,582    مليون  دولار مقارنة بسنة 1996 و المقدرة ب 115,858 مليون دولار و في سنة 1997 وصلت 117,404 مليون دولار.

إن مثل هذه الإنكسارات، من شأنها أن تدعو العرب جميعا إلى إستيعاب الدروس و اعتماد سياسات اقتصادية جريئة تؤدي إلى تحقيق تنمية متنامية حسب قدرات و مستويات دول الأعضاء.

 

3       - الأسواق العربية :

         تتصف هذه  الأسواق بضيق مساحتها لإستيعاب  منتجاتها، غير إن السيعة السوقية من خلال الكثافة  السكانية للوطن العربي التي أصبحت تتجاوز 280 مليون نسمة تعطي فرصا حقيقية للإنتاج،  وهو ما يزيد من فرص الاستهلاك  ثم التبادل التجاري خاصة عند تتبنى سياسة جمركية مشجعة على الإنتاج الاقتصادي، وهو من شانه أن يخلق  مجالا مفتوحا للتجارة البينية وتدفق رؤوس الأموال.

إن تفعيل مثل هده الآليات ومما لاشك فيه يعطى دفعا قويا لتنشيط عمليتي التبادل والتكامل   الاقتصاديين ويفتح آفاقا على رفع مستوى القدرة التنافسية للسلع و الخدمات في أسواق الدول العربية،  في وقت أصبحت سياسة التحرر إلى عولمة الاقتصاد و شمولية الطرح الأحادي، لاسيما مع بزوغ التجارة الإلكترونية التي باتت تؤثر، ليس فقط على هذه الأسواق من الجوانب  الخارجية،لا بل  و حتى الجانب الهيكل التنظيمي من حيث أخذها فكرة تكلفة الصفقات التي هي اليوم ليست في متناول قدرات هذه الأسواق 

ب- عوائق الإنعاش الاقتصادي :

من بين مشكلات الانتعاش الاقتصادي البيني للدول العربية نجد:

1-غياب الإرادة السياسية :

لقد شكل غياب الإرادة السياسية الصادقة وتقلب الحياة السياسية العربية و مزجيتها، عقبة  حقيقية أمام إتخاد  القرارات الفاعلة باتجاه كل المبادرات في الإطار التجاري، و كان سببا في إعاقة تنفيذ  ما يتخذ منها، و ما تأخر تنفيذ مختلف  القرارات  الخاصة باتفاقيات التسيير و تنمية التبادل التجاري بالسنوات طويلة إلا دليلا على ذلك.

وفي المقابل قد نجد اثر التوافق السياسي لبعض الدول العربية في مجال التجاري خصوص ما يشجع مثل هذه المبادلات التجارية و الاتفاقيات الثنائية …

و كمرجعية يمكن القول أن ذريعة السيادة الوطنية اكتسبت أهمية كبيرة في تصرفات معظم قيادات السياسية العربية التي لا تريد النجاح مثل هذه المبادرات لترتقى إلى مرحلة الاتحاد أو الوحدة الاقتصادية،  و هو ما عطل كثير من البرامج الطموحة لتولد في نهاية المطاف ميتة.

 

2-   تهميش و تغيب دور الجماهير و المنظمات غير الحكومية :

إن أهمية توفر الإرادة السياسية الصادقة و المخلصة هي التي تأخذ باليد المد الجماهير الشعبية و المنظمات الحكومية من أجل تفعيل و تجسيد  قراراها السياسية، و تلك هي خاصية تفتقر إليها الإرادة السياسية للدول العربية،وهو ما يعيق من فاعلية القرارات و اتفاقيات التكاملية التي أبرمت،  و في المجالات التجارية المختلفة بالخصوص. إن تفعيل مثل هذه الأدوار للجماهير الشعبية و المنظمات الغير الحكومية من شأنه أن يكون بمثابة العنصر المكمل و المدعم لصنع القرارات على جميع المستويات و العمل على متابعة تنفيذها.

 

3- التفاوت البنى الهيكلية و المؤسسية للدول العربية:

          تلعب البنى الهيكلية و المؤسسية للدول العربية في توزيع القوى و العناصر الإنتاجية لتكون بذلك  عاملا أساسيا في تكوين التبادل التجاري.غير أن التفاوت في مستويات التنمية، إذ أن مثل هذا التفاوت في تركيبة الهياكل الاقتصادية  و الاجتماعية في توزيع الموارد و الثروات يشكل عائق أمام محاولات التبادل التجاري و هو ما يجعل الكثير من الدول العربية تأخذ بمسارات التعامل مع الدول غير عربية نتيجة ضعف و تخلف البنى الأساسية الضرورية،كالنقل و المواصلات،  ناهيك عن تعقيدات البيروقراطية التي تتصف بها الأجهزة الإدارية بالخصوص.

 

-VI تحديات العولمة وأثارها على الإنعاش الاقتصادي  البيني للدول العربية

         يعد الانتعاش الاقتصادي البيني للدول العربية من  أقدم المحاولات التكاملية الإقليمية، إن تعثر مثل هذه المحاولات يرجع في الأساس إلى أسباب سياسية و اقتصادية بل وحتى إدارية في كثير من الحالات.غير أن إدراكنا لحقيقة التوجهات العولمية وما تستند إليها من قواعد،  خاصة مع انتشار الشركات المتعددة الجنسيات وتطور المعلوماتية، من شانه أن يشكل خطرا محدقا و باستمرار عندما لا يترقى القرار العربي إلى مستوى التحديات الاقتصادية المعاصرةالجديدة لإرساء نظام تكاملي قادر و مواجهة التكتلات الاقتصادية و المحافظة على المصالح العربية  في ظل عالم  لا يقيم وزنا إلى القوى الموحدة الكبيرة.إن أثار التي ستترتب على العمل الوحدوي المشترك قد تكون إقتصادية و سياسية و إدارية، و هو ما يجعل المعوقات التي عطلت مسيرة التبادل التجاري العربي أكثر فاعلية،  بما يخدم مصالح الدول الأعضاء جميعها، و يكون بذلك دفعا لرفع مستوى التحديات التي تطمح إليها الدول المنطقة.

 

إن المشاريع المنجزة حتى اليوم في إطار السوق الأورمتوسطية، و التي تعتبر خطوة على الطريق العولمة ماهي في واقع الأمر إلى تكريس واقع الغالب و المغلوب وتعمل على تفكيك أواصل العمل العربي المشترك.إن العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية و الاتحاد الأوروبي هي علاقات ثنائية إلى درجة قد تلحق أضرارا بالعلاقات الاقتصادية العربية إن في الكثير من الحالات قد تتصادم المصالح في عدم مواجهة هذا  الإتحاد الأوروبي  كالاتحاد عربي المشترك. 

إن  تحرير التجارة و الغوص في كتف العولمة لا يقدم شيئا ذا شأنا في ظل واقع الاقتصاديات العربية الراهنة بل كل مافي الأمر أن إقتصادات العربية ستصبح سوقا استهلاكية تتجه إليها فوائد الدول أخرى المتقدمة صناعية دون ماعوائق.إن التحديات السياسية لا تقل شأنا عن التحديات اقتصادية،  ذلك أن  الدعوة إلى ما يسمى بأرض بلا حدود و تهميش دور الدولة  الوطنية لصالح قيادة عالمية أحادية  وفتح المجال إلى القطاع الخاص وفق ما ينسجم و الخط الغربي الأمريكي بالخصوص، من شأنه أن يفتت الأواصر الأمة العربية و الطموحات التي تتوخاها.

 

إن الانضمام إلى مختلف المنظمات الدولية بالنسبة للدول الغربية  و بشكل انفرادي من شأنه أن يعيق إداريا و إجرائيا بعض الفعاليات للتكامل العربي فضلا عن الاتفاقيات الثنائية مع الدول  العربية ببعضها البعض أو حتى مع بعض الدول الأجنبية.

لقد اصبح واضحا بان التعاون الاقتصادي العربي ضرورة ملحة تمليها تحديات النظام العالمي الجديد المبني على تحرير المبادلات التجارية والتكتلات الإقليمية  لقد ظهرت في السنوات الأخيرة بوادر إيجابية تجلت بإنشاء منطقة التجارة الحرة الدول العربية، ولم ترقى هذه سوق للطموحات المنتظرة وذلك لعدم تأهيلها للدفاع عن مصالح وصفوف دول الأعضاء في المحافل الدولية. لهذا اصبح  من الضروري أن تتطور فالمستقبل لترقى إلى اتحاد جمركية على غرار الاتحادات الجمر وكية العالمية المتواجدة عبر الأنحاء العالم. 

إن الأوضاع المزرية التي عرفتها اقتصادات الدول العربية  في المجال التجاري البيني كانت من نتيجة  أن تقيدت الصناعات المحلية و تعثرت بذلك المبادلات التجارية البينية بل و تراجعت في كثير من الحالات حيث،  ما بين 1980 و 989،  ارتفعت التجارة الخارجية العالمية ( الصادرات و الواردات السلعية ) من 3802 مليار دولار  إلى 10635 مليار دولار أي بنسبة تقدر ب 180 %، في حين هبطت التجارة العربية الخارجية خلال نفس الفترة من 347 مليار دولار  إلى 290 مليار دولار أي بنسبة سالبة تقدر ب 16 %. و من هنا يظهر جليا أن التجارة العربية البينية انتقلت من 9,1 % من التجارة العالمية إلى7،2 % من التجارة العالمية  و خلال نفس الفترة.

 فافي بداية  هذه الفترة  كانت الصادرات العربية البينية تشكل 5،12 % من الصادرات العالمية فأصبحت في نهايتها لا تتعدى 2،5 % و انخفضت بدورها الواردات العربية من 8،5 % إلى 7،2 % من التجارة العالمية. كما أن الموازين  التجارية العربية تسجل فائضا بمبلغ 123 مليار دولار سنة 1980 و أصبحت تتحمل عجزا يقدر  ب 6 مليارات دولار سنة 1998.

لقد حدث هذا التباطؤ رغم تحرير التجارة العالمية من القيود الكمية و الرسوم الجمركية  ورغم وجود الاتفاقات التفضيلية التي عقدت في بداية التسعينات.

إن تسجيل مثل هذا تراجع يعود في واقع الأمر إلى عدة عوامل يمكن ذكر منها :

- إزدهار المبادلات الأوروبية و الأمريكية و الأسيوية بمعدلات عالية جدا في الوقت الذي تدهورت فيه الأسعار الحقيقية للنفط، مما أثر و بشدة في صادرات و ورادات الدول النفطية عموما و الدول العربية خصوصا.

- تسجيد التجارة البينية لمختلف التجمعات الإقليمية في حين سجلت التجارة العربية البينية ركودا واضحا بسبب وجود خلافات و نعرات حدودية في أغلب الأحيان للدول العربية المجاورة.  

 

V-الاستحقاقات الإصلاحية و الطرح الديمقراطي

         إن المطالبات بالمشاركة لتعبئة و تطوير النظام السياسي نحو الديمقراطية من قبل المجتمع المدني و القطاع الخاص بالخصوص في غاية الأهمية، حيث تعتمد علي مجهوداته في تكوين الثروة غير انه و في كثير الحالات. فدوره يقتصر فقط في أنشطة التوزيع السلعي، العقاري و في بعض الصناعات التحويلية.و أمام الأنشطة الأخرى. فان هذه القطاعات لا تمثل شيئا يذكر. فان امكان الانتعاش الاقتصادي لن يكون إلا من خلال برامج تخصص واسع النطاق يمكن من تخفيف هيمنة القطاع العام علي قطاعات اقتصادية.ولا شك أن عدم دينامكية العمل الاقتصادي و سيطرة القطاع العام على العمل الاقتصادي ينمي حال الركود السياسي. وهي ظاهرة تعانيها عدة دول في الدول العربية.

         إن المؤسسات الاقتصادية القائمة في الدول العربية و في مجملها تعتبر مؤسسات صغيرة  الحجم تتطلب معاينة و ربما اندماجا مع مؤسسات مماثلة في القطاع ذاته لكي تصبح أكثر جدوى اقتصاديا. و عندما يصبح مجتمع الأعمال نموذجيا و عقلانيا و يعتمد علي قيم الإنتاج و إدارة عصرية ربما يمكن للقطاع الخاص أن نساهم في تطوير الحياة الاجتماعية و تحسين مستوى المعيشية لأفراد المجتمع لا بل تحقيق الرفاه الاقتصادية و هو عمل يعز التطور الديمقراطي.

الخلاصة :

         إن تجسيد منطقة التجارة الحرة العربية تتم بتنمية التعاون العربي المشترك في عالم تسوده التكتلات الاقتصادية الإقليمية، لكن  هذا الهدف لن يتحقق إلا إذا نفذت دول الأعضاء في المنطقة التزامها بإلغاء الرسوم الجمركية الكمية على تجارة جميع أنواع السلع دون استثناء. فخلال السنوات الأولى 1998-1999 و 2000 التزمت جميع دول الأعضاء التزما كاملا بالخفض التدريجي للرسوم الجمركية. أما تنفيذ التزام بتقليص الضرائب ذات الأثر المماثل فلم تتجاوز 58 %، و أقتصر التنفيذ على بلدان مجلس التعاون الخليجي و التي لا تعرف  أصلا مثل هذه الضرائب،كما أتضح أن ضعف التفنيد إرتكز على القيود الكمية إذ لم تقم أي دولة بإلغائها  حيث نسبة  التنفيذ ما بين  39 % و 56 % فقط. و الواقع لا يقتصر هذا الضعف على منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، بل يشمل جميع الاتفاقات  الثنائية و متعددة الأطراف ذات الطابع الاقتصادي، فينبغي إذن  بذل الجهد لتذليل العقبات التي غالبا ما تتخذ بعد إداريا و من جهة أخرى لا بد من معالجة الآثار المالية السيئة الناتجة عن تقليص الرسوم الجمركية، إذ تعتمد البلدان العربية غير الخليجية على هذه الرسوم في إيراداتها العامة و تمويل نفقاتها.

 

كقاعدة عامة لا يمكن تنمية التجارة العربية البينية إلا إذا تمت معالجة مشكلة ضعف هياكل الإنتاج. فالعالم العربي ينتج موادا لا يحتاجها بتكاملهافي أسواقه المحلية، فالنفط مثلا لا يزيد الاستهلاك على 17 %من الإنتاج بينما يحتاج العالم العربي لأنواع عديدة من السلع، لا تنتجها أجهزته بصورة كافية على المستويين الكمي و النوعي.ففي المجال الزراعي فقد تبلغ الفجوة أكثر من 19 مليار دولار سنويا و تنصب أصلا على منتوجات لا تقبل الاستغناء عنها الحبوب، الحليب………..الخ أما المواد المصنعة فهي تستحوذ على 67 % من مجموع الواردات العربية و هي نفسها  النسبة التي تحتلها المنتجات الطاقية في الصادرات.

إن تحرير التجارة الحرة البينية للدول العربية قد يكون لها دورا ثانويا قياسا بدرجة مرونة هياكل الإنتاج، لذا ينبغي العمل على تنويع القاعدة الإنتاجية و تحسين كمية الإنتاج و رفع الكفاءة النوعية للمنتوجات.  و  في هذا إطار يمكن ذكر ما وصلت إليه التجارة البينية لدول أمريكا اللاتينية لأنها صناعية زراعية في آن واحد و لأن الجزء الأكبر من تجارتها ينصب على سلع تنتج محليا.

إن تنسيق الجهود بين الدول العربية بشأن التخصص في الإنتاج، أصبح أكثر من ضرورة  و هذا حسب الأحوال الإقتصادية لكل دولة، إذ أن وجود منطقة حرة مع إنتاج سلع قليلة و متشابهة في عدة أقطار عربية يؤدي إلى  متنافسة حادة دون الحصول نتائج إيجابية. و مما لا شك فيه أن المنافسة ضرورية للمنتجين على حد سواء.و لكن الاندماج العربي و هو الهدف من المنطقة الحرة لا يتحقق إلا عبر التخصص المنظم الذي يكفل تحسين المقدرة الإنتاجية.

إن هذا أسلوب من شأنه تشجيع الإسثثمارات العربية البينية و يوفر المناخ المناسب للإسثثمارات الأجنيبة ليجعل المنطقة العربية برمتها منطقة جدب كما يطور السلع العربية المصدرة إلى الخارج و عندئذ تنمو الصناعة و الزراعة و تزدهر الحياة الإقتصادية و الاجتماعية. 

المراجع والإحالات المعتمدة

 

1-     المجتمع المدنى في العالم العربي دراسة للجمعيات الأهلية العربية دار2

2-     المستقبل العربي سنة 1994 الديمقراطية أولا....الديمقراطية دائما  دمشق المستقبل العربي  1992.

3- واقع التجارة العربية البينية و آفاقها المستقبلية  في ظل المتغيرات الدولية المعاصرة

و نزار دياب عساق و دولة البصرة بغداد سنة 1999.

4- القدرة التنافسية للإقتصادات الدول العربية في الأسواق العالمية صندوق النقد العربي أبو ظبي  1999.

5- العولمة : فرص جديدة و تحديات صعبة التمويل و التنمية مارس 1996.

6- العولمة و أثارها على الإقتصادية على البلدان العربية جامعة الرموك الأردن 1999