التنشـئـة السيـاسيـة في الجزائر فـي ظـل العولـمـةpdf

بعض أعراض الأزمة ومستلزمات الانفراج

قاسم حجاج – جامعة ورقلة

ملخص : للعولمة وللعولـمـة السياسية عدة دلالات متضاربة وحسبنا أن نقول أن العولمة السياسية تعبر عنها مجموعة من المصطلحات المرافقة مثل القول بتراجع أو "نهاية" الدولة الوطنية و"نهاية" السيادة و"نهاية" الإقليم و"نهاية" الحدود الوطنية و"نهاية" السوق الوطنية و"نهاية" الهوية الوطنية النمطية، باختصار نهاية النموذج الحداثي المرتبط بالمجتمع الصناعي للمجتمع وللسياسة ومؤسساتها وبداية النموذج ما بعد الحداثي أو ما بعد الصناعي الذي يحفل كثيرا بمفاهيم التعددية السياسية والثقافية ونهاية النخبة المتنورة القائدة مع الدخول في عملية بناء مجتمع المعلومات...كل ذلك التحول يتم في المجتمعات المعاصرة بشكل متفاوت ويقتضي من بين ما يقتضيه قيام مجتمعاتنا ودولنا ومؤسساتنا الاجتماعية بجهود إصلاحية تكيفية عميقة تشمل أعلى وأسفل النظام الاجتماعي الكلي ومنه إقامة التنمية والتنشئة السياسيتين على أسس جديدة تعصم الأجيال الجديدة من مزيد من  الانفصام بين واقعها الوطني والمحلي المتأزم والواقع العالمي الشديد التغير. وهو ما تحاول هذه المقالة مناقشته.

الكلمات المفتاح : العولمة- العولمة السياسية- التنشئة السياسية- الشباب- المجتمع الجزائري- الأزمة الجزائرية- التنمية- الديموقراطية- الحوار- الأسرة.

*- مقـدمــة

يبدي علماء علم النفس السياسي وعلم النفس التربوي وعلم الاجتماع السياسي وعلوم الاتصال والإعلام وإلى عهود متأخرة علم السياسة، اهتماما كبيرا ومتزايدا بالهندسة الاجتماعية عبر التنشئة السياسية التي تضطلع بصياغة القيم وروابط الانتماء ومكونات الهوية والسلوك البشري وتهتم بآليات انتقالها وتوريثها للأجيال الجديدة ضمن الجماعة الوطنية الحديثة، وبدورها في تشكيل خـزان الدوافع المعيارية التي تشكل الفعل ورد الفعل، السلوك والسلوك المقابل، اهتمامها بالنظم التربوية والتعليمية وتكوين الرأي العام واتجاهاته ودور وسائل الإعلام والدعاية والاتصال وبالتصويت السياسي والنظم الانتخابية وبالتنمية الشاملة- ومنها التنمية السياسية- وما تطرحه على صناع القرار من مواجهة مشكلاتها المتعلقة أساسا ببناء الهوية السياسية الوطنية، وبالمشاركة السياسية الديمقراطية في صنع واتخاذ القرارات، وبالاندماج السياسي ضمن مؤسسات الجماعة الوطنية، وبالتوزيع السياسي الديمقراطي للموارد الاقتصادية بحيث تحقق آلياتها نوعا من العدالة والمساواة والديمقراطية الاجتماعية. إذ لا ديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية...كما تهتم تلك العلوم بما تتطلبه تلك العملية من اعتماد استراتيجيات وبرامج ومناهج ومؤسسات للتنشئة الاجتماعية ومنها – فيما يعنينا هنا- التنشئة السياسية.

وللتذكير فإن هذا الاهتمام العلمي البحثي والعملي تنامى خلال الفترة التي أعقبت الثورات الصناعية والإعلامية منذ بداية القرن العشرين وخاصة بعيد الحرب العالمية الثانية. ولكن يزداد هذا الاهتمام بتلك الجوانب المتعلقة بتوجهات الفئات الاجتماعية المختلفة إزاء العملية السياسية مع تسارع وتيرة ديناميكية التغيير الاجتماعي ومستويات الاعتماد المتبادل بين الدول وتداخل وتشابك المجالات الوطنية واختراق الحدود الجيو- سياسية والجيو- ثقافية والجيو- معلوماتية والجيو-اقتصادية، أي مع ما أصبح يسمى بالعولمة - أو بالأحرى العولمات - بكل تداعياتها وأبعادها وأشكالها: ثقافية وسياسية واقتصادية وتكنولوجية وعلمية واجتماعية وروحية واستراتيجية وبيئية...الخ.

إن لديناميكية العولمة تأثـيرات، ومن بينها تأثيراتها على طريقة تـمثل أبناء المجتمعات المعاصرة لقيمهم وتصورهم للأنا والآخـر، للصديق والعدو، للداخلي والخارجي، للخصوصي والعالمي، للمحلي والكوكبي، للقريب والبعيد. 

ومن هنا أطرح بين يدي المقالة الأسئلة التالية:

أولا: أسئلة أساسية :

-كيف تعمل العولمة – وبالذات العولمة السياسية- عملها التغييري في المجتمعات المعاصرة؟

- ما هي أهم فرص ومخاطر العولمة السياسية؟

- ما هي جوانب أزمة التنشئة السياسية في الجزائر في ظل العولمة؟

-كيف يمكن تكييف منظومتنا الوطنية للتنشئة الاجتماعية عامة والسياسية خاصة ( قيمها، مناهجها، وسائلها،أساليبها، مؤسساتها، وأهدافها) التي بها تتشكل التوجهات السياسية المستقبلية للشباب الجزائري ؟ أي ما هي معالم ومستلزمات التنشئة السياسية للتكيف مع مقتضيات العولمة الجارية ؟

ومن هنا ستكون خطتنا للإجابة على هذه الأسئلة كالتالي:

-تعريف العولمة عامة

-تعريف العولمة السياسية

-بعض مضامين وفرص العولمة السياسية

-بعض مخاطر العولمة السياسية

-بعض مظاهر وخصائص الأزمة الانتقالية الحالية في الجزائر

-بعض مستلزمات إصلاح منظومة التنشئة السياسية في الجزائر في ظل العولمة

 

ثانيا: تعريف العولمة عامة

إن العولمة – حسب عدة الباحثين – تعتبر مسارا وسيرورة تاريخية، مركبة ومتعددة الأبعاد، أو هي اتجاه مستقبلي ثقيل وقوي يؤثر في كافة الأنساق. كما أنها أيضا ديناميكية موضوعية تدفع جميع المجتمعات المعاصرة - بما فيها القوى المعولمة الكبرى الرئيسية كالولايات المتحدة الأمريكية(1) – على ظهر هذا الكوكب – الوطن – على حد تعبير إدغار موران – تدفعها إلى إعادة هيكلة متعددة الأبعاد والمستويات والوتائر لقيمها وهياكلها ونظمها وقوانينها ومؤسساتها، حيث غيرت ديناميكيتها مضامين مفاهيم ومسلمات كثيرة موروثة عن قرون النهضة الصناعية وعملية التحديث الموروثة عن عهد الأنوار الأوروبية ومسلمات الدولة القومية الحديثة لما بعد معاهدة ويستفاليا لعام 1648م، مثل مفاهيم الزمان والمكان والدولة والهوية والمواطنة والديموقراطية والحدود والسيادة والاقتصاد والعمل والقيمة...الخ. حتى أضحى كثيرون يتحدثون عن أن ما يشهده العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة خاصة، عبارة عن مرحلة انتقالية تاريخية ومنعطف تاريخي غير مسبوق تمر به البشرية، معبرين عن ذلك ببادئات مثــل: نهاية، ما بعد، بلا، عابر، متعدي، متعدد(2).

 

كما تؤدي ديناميكية العولمة إلى حدوث ردود فعل متباينة إزاءها قبولا ورفضا وانتقاء أي تأرجحا بين الرفض والقبول، بحسب الموقف والمصلحة والفهم وتفاوت القدرة على التمييز بين حقائقها وأوهامها، بين جوانبها الدعائية الأيديولوجية وجوانبها الموضوعية، فانقسم المختصون بين قائل بأنها جزء من استراتيجيات كوكبية لقوى سياسية وعسكرية دولية كبرى، وبين قائل بأنها تطور انتقالي نحو موجة حضارية ثالثة على حد أطروحة ألفن طوفلر ودانيال بيل وغيرهما.

ولعل سبب الجدل حولها أنها تحمل في طياتها عدة مفارقات منها أن العولمة تحمل في طياتها اتجاهات متناقضة: اتجاهات توحيدية تنميطية تدفعها مثلا قوى السوق الكوكبية والقوى المؤمنة بعالمية القيم الغربية وصلاحيتها لكافة الأنساق الحضارية واتجاهات تفتيتية خصوصياتية يسعى بعضها لتأكيد الذات والآخر لاستعادة الأمجاد الوطنية المفقودة والآخر يعبر عن وجوده بمواجهة قوى السوق الساحقة للثقافات الناهبة للثروات الوطنية باسم مناطق التبادل الحر، بحيث يتجاور الفقر المدقع مع الثراء الفاحش والخطاب الديمقراطي مع ممارسات ديكتاتورية شمولية.

 

 إذا هي مسار مفارقي الطابع. وهكذا ينبغي التعامل معها فوسائلها تتيح – كإمكانية - فرصا متساوية – بفضل خصائص الثورة الرقمية والتكنولوجيات الجديدة- لبلدان ومجتمعات الشمال والجنوب على السواء.

 

فالعولمة عولمات: عولمة الاتصالات والمعلومات والإعلام، وعولمة المبادلات الاقتصادية، التجارية، المالية، وعولمة الثقافات والأديان والأفكار، وعولمة السياسات والنظم والقوانين، وعولمة المعايير والمقاييس العلمية والتقنية، وعولمة التفاعلات الإيكولوجيا، وعولمة الاستراتيجيات الأمنية والعسكري...

 

لذلك استباحت الخصوصيات القوية خصوصيات ضعيفة باسم نشر قيم ولغات ومثل و نماذج عالمية (أطروحة  نهاية التاريخ لفوكويامـا..)وانهارت النظم الشمولية وتداعت أركان الديكتاتوريات واستفاقت النزعات الخصوصية القومية وما قبل القومية من النزعات القبلية، العروشية، الطائفية، اللغوية، الجهوية من قمقمها بعد طول اختفاء وكمون وكبت خلف أسوار الخطاب الأيديولوجي الدعائي التسطيحي التنميطي ( القومية، الشيوعية، الرأسمالية، الإسلامية، العلمانية..) لحقبة الحرب الباردة، لتظهر نزعات ما بعد القومية من قبلية إلكترونية وأحزاب إلكترونية وانتخابات إلكترونية وجمهوريات إلكترونية... وتزداد بذلك الاختراقات للمجالات الوطنية وللحياة الخاصة بل وللحياة الطبيعية (الهندسة الوراثية واكتشاف خصائص الجينوم الوراثي والاستنساخ..) والمحلية والأسرية والشخصية(3). مما زاد من احتمالات طمس الثقافة والدين والإنسان والبيئة والصحة...

 

حيث يبدو أن الشمولية –في ظل العولمة-قد لبست حلة جديدة مع محاولات الأمركة الجارية خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م ومن خلال التركز المالي والمعرفي والإعلامي والثقافي والغذائي والدوائي من خلال استحواذ واحتكار شركات متعددة الجنسيات وبعض الميريارديرات (حوالي 360 ميليارديرا) على مقدرات شعوب بملاييرها مثل الإمبراطوريات الخاصة لـ: بيل غيتس وروبيرت ميردوخ وبيرليسكوني وماكدونالد وسي.أن.أن وشركة أول- تيم ورنر ومونسونتو ولاقاردير وداسو…وخطورة تلك التركزات على مستقبل الحرية والتربية والتنشئة الاجتماعية عموما والسياسية خصوصا.(4) خاصة وأن العديد من تلك الشركات متخصصة أصلا في قطاعات الكهرباء والإعلام الآلي وصناعة السلاح والمياه والهاتف والبناء، محولة الإعلام والتربية والتعليم إلى مجرد بضاعة وميدانا للتنافس الرأسمالي ومنه اختراق ووضع اليد على المنظومات الثقافية الأخرى.

 

فإذا اعتبرنا العولمة تغيرا اجتماعيا كوكبيا واتجاها ثقيلا، فإن موقف أي نظام أو فاعل اجتماعي إزاء هذه الظاهرة لا يمكن أن يشذ عن تبني إحدى الاستراتيجيات التكيفية الثلاث التالية:

1- الاضمحلال مثل الديناصورات مع أو بدون كرامة، في صمت أو في صخب.

2- تكييف متدرج وذكي -ضمن الخصوصية الحضارية والوطنية- للقيم والسلوكيات والأهداف والمنظومات الكلية للمجتمع.

3- صناعة وإبداع مستقبلات بديلة عبر القدرة على التأثير على البيئة المحيطة.

 

حيث أن العولمة في أحد تعريفاتها المتكاثرة والمضاربة تعبر عن:"تقاطع/convergence عالمي للمواقف والقيم التي تساهم في إقامة أجواء نفسية، روحية، وجدانية متداخلة للمجموعة البشرية العالمية بشكل غير مسبوق فيما مضى."(5)

 

ومن هنا إشكالية هذه الورقة التي تحاول أن تستقرئ آثار هذا التغير أو الاتجاه الثقيل (صدمة العولمة ) على عملية التنشئة السياسية للأجيال الجديدة وما تستلزمه العولمة من تكييفات وإصلاحات إيجابية ومتوازنة لمنظوماتنا التربوية، التكوينية، والسياسية التي لم تعد تستجيب لمقتضيات العولمة والإفادة من مزايا ثورة المعلومات وما تقتضيه من شروط أساسية لبناء مجتمع المعلومات التي تمس بتغيراتها جميع المؤسسات: المدرسة، الدولة، الجيش، الجامعة، التجارة، الإعلام وغيرها.

 إذا، يكتسي إثارة هذا الموضوع حاليا أهمية خاصة لما لتنشئة الأجيال من أهمية حيوية خاصة في بلداننا النامية التي تشهد انفجارا ديموغرافيا وحركية سكانية سريعة، مصحوبة بأزمات تنموية وسياسية جعلتها تدور في حلقة مفرغة للتخلف، مما يقتضي ضبط استراتيجيات مستقبلية محكمة للتنمية الشاملة والسياسية للناشئة عامة وللشباب خاصة. هذا الشباب الذي يشكل الغالبية العظمى للتركيبة البشرية لمجتمعاتنا والتي تراهن عليها قوى عديدة في الداخل والخارج تنتمي إلى عالم السياسة والمال والدين والفن والرياضة والاستخبارات والتسويق والإعلام والتجارة والإجرام والإرهاب(6) والحركات المتطرفة والأصوليات المختلفة وتسعى للتلاعب ببنياتها العقلية والإدراكية والسيكولوجية وقيمها عن بعد مسوقة أوهام وأحلام ومشاريع بعض قوى العولمة.

ولكن ما هي أهم مضامين العولمة السياسية بالذات حتى نحدد مستلزمات التنشئة السياسية لمواجهة مخاطرها والاستفادة من فرصها؟

 

ثالثا : تعريف العولمة السياسية:

يمكن أن نقتصر على تعريف للعولمة السياسية من وضع أستاذ العلوم السياسية بيرترون بادي فحواه أن مصطلح العولمة " يصف عملية تشكل نظام دولي يتجه نحو التوحد في قواعده، وقيمه، وأهدافه، مع زعمه العمل على إدماج مجموع البشرية ضمن إطاره."(7)

 

إذا ، العولمة  السياسية تمثل نهاية  الدولة الدائمة والشديـدة الحضـور /L’état omniprésent  والتحويل للمزيد من السلطات نحو السفل أي اللامركزية مع الانخراط نحو الأعلى ضمن مؤسسات متعددة الأطراف جهويا أو دوليا والشركات والمؤسسات العابرة للقوميات الاقتصادية والاجتماعية.

إنها تجسيد لسعي بعض القوى المعولمة لإضفاء العالمية والتعميم والانتشار والتبشير علـى بعض القيم السياسية والاقتصادية المرتبطة بقيم الخصوصية الحضارية الغربية، مما يثير ردود فعل الخصوصيات الأخرى غير الغربية مطالبة بالمساهمة في إعادة تعريف محتوى القيم العالمية السياسية التي يمكن قبولها إراديا مثل قيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية والحريات الفردية والجماعية وحقوق الإنسان والشعوب...الخ

 

رابعا:بعض مضامين وفرص العولمة السياسية

   يمكنني أن أوجز أهم محتويات ديناميكية العولمة الجارية في الخصائص والظواهر والفرص التالية:

- استمرار الدولة- الأمة رغم العولمة كقوة ووحدة رئيسية في العلاقات الدولية بحيث تعززت الدول الأمم بأساليب تكيف جديدة مع تغير – لا نهاية – الحدود الوطنية.

- التحول من الديموقراطية النيابية والمركزية إلى ديمقراطية المشاركة واللامركزية. إذ  إما أن تكون الديمقراطية محلية أو لا تكون. كما أنه لا ديمقراطية بلا ديمقراطيين وبلا ثقافة وتنشئة ديمقراطية.

 

وتتيح آليات الديمقراطية الإلكترونية التفاعلية عدة فرص جديدة لتعزيز ديمقراطية المشاركة. التحول من ديمقراطية المجتمع الصناعي على ديمقراطية المجتمع ما بعد الصناعي من الديمقراطية غير المباشرة على الديمقراطية المباشرة الإلكترونية من الديمقراطية المركزية إلى المحلية.

- تحول أساليب إدارة الإقليم الوطني من الأساليب المركزية إلى الأساليب اللامركزية. ومن التنظيم الهرمي الجامد إلى التنظيم الشبكي التفاعلي الديناميكي ومن الاقتصار على أساليب تنظيم قائمة على العلاقات الإنسانية إلى التفاعل إنسان – آلة رقمية.

- انتشار ثقافة حقوق الإنسان ومفاهيم المواطنـة والديمقراطية السياسية والتعددية السياسية، وتزايد المطالبة المجتمعية بالمزيـد مـن الشفافية والشرعية والإدارة الديمقراطية للحكـم والشؤون العامة بحيث تطالب بجهاز دولتي فعال اقتصاديا.

- الانتقال من العلاقات الثنائية دوليا إلى بناء علاقات متعددة الأطراف وعقد تحالفات وتجمعات إقليمية وكوكبية عبر الاتحاد الأوروبي، مناطق التبادل الحر العربية الأورومتوسطية، الكوميسا، الإيغاد، الأزيان ، النافتا، منظمة التجارة العالمية، الناتو والشراكة من أجل السلام، منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، الآبيك، الأوبيك، منظمـة التجـارة والتعـاون الاقتصـادي (OCDE) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية(UNCTAD) برنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية/UNDP...الخ

- الأخذ بمبدأ النسبية الثقافية والتعددية الثقافية في بناء الجماعات الوطنية لتلافي  انفراط رابطة العقد الوطني ولتعبئة جميع الموارد البشرية الوطنية المتاحة بكافة ألوان طيفها بعيدا عن السياسات والنماذج المفرطة في التجانسية التنميطية للهوية الوطنية.

- إعادة تعريف مفاهيم سياسية كلاسيكية(8) مرتبطة بالظروف التاريخية الحضارية لظهور الدولة الوطنية الحديثة مثل: السيادة الوطنية، الهوية الوطنية، الحدود الوطني، الاقتصاد الوطني، السوق الوطنية، الهوية الوطنية، اللغة الوطنية... بحيث تنسجم مع التحولات التي تدفع إليها ديناميكية العولمة الاتصالية والاقتصادية...

- تنامي أدوار ووظائف المجتمع المدني وطنيا وعبر الأوطان وتزايد الوعي المواطني بأهمية المشاركة السياسية محليا ووطنيا وكوكبيا للحيلولة دون تداعي عدوى الأزمات والأمراض العابرة للحدود الوطنية وحلها ضمن شروط ممارسة الديمقراطية المحلية والوطنية عن طريق الحركة الجمعوية .

- الأخذ بمبدأ الحكم الصالح والشفافية والنظافة السياسية في إدارة الشأن العام وتنمية الموارد الاقتصادية بعيدا عن المحسوبية والرشوة والمحاباة والغموض واللصوصية وإهدار الموارد في مشاريع ترفيه بذخية ترهن مستقبل الأجيال القادمة وتحول دون تحقيق تنمية مستديمة..

- زيادة درجة التسييس لأوساط واسعة من البشر بعد طول احتكار للمجال السياسي من طرف السياسيين وأساليبهم السرية في إدارة الشأن العام وانكشاف الكثير من ممارساتهم عبر السلطة الرابعة ومواقع الإنترنت والقنوات الفضائية والمعارضات السياسية وهذا أتاح فسحة من الإعلامية أكبر وقلص من حدة تهميش أو هامشية الدور السياسي لقطاعات سكانية كثيرة.

- تزايد وثيرة الحراك الجيلي وسرعة تنضيج وعي الصغر والشباب من الأجيال الجديدة التي عاصرت ثورة المعلومات والاتصالات والدمقرطة مما يضغط في اتجاه التجديد الجيلي والتداول الجيلي على السلطة والقيادة – على أساس الإدارة عبر الفريق والذكاء الجماعي على المستويات المحلية والمركزية، خاصة لما أضحى يتطلبه الفعل السياسي من مهارات لا تكفي فيه القدرة الخطابية وكاريزما الشخصية والإنجازات البطولية قيادات الجيل المخضرم من الأجيال الشبانية السابقة.

- تعقد العمل السياسي وتزايد تكاليفه المعنوية والمادية على المستوى الفردي والمحلي والوطني والدولي مما يتطلب تكوينا مستمرا للنخب السياسية وتعبئة للذكاء الجماعي الوطني والتقليل من نموذج الدولة الشديدة التدخل في التفاصيل والمشكلات الصغيرة لمواجهة تعقدية وتسارع وتيرة الأنشطة الإنسانية المتدفقة عبر الحدود الهلامية.

 

خامسا: بعض مخاطر العولمة السياسية

   يمكن أن نوجز مجموعة من المخاطر والتغيرات السلبية التي تصاحب العولمة السياسية وهي كما يلي:

1- انهيار دولة الرفاهية الاجتماعية في ظل سيطرة أيديولوجيا الليبرالية الجديدة، وغياب طريق ثالث أو حلول بديلة مستقلة عن الفكر الأحادي السائد، ما عدا محاولات محتشمة لما يسمى باقتصاد السوق التضامني / الإنساني وتجارب أخرى تعيش الحصار تستند إلى الأطروحة الاقتصادية الإسلامية.

2- أزمة تماسك الدولة الوطنية(الدولة الأمة) وابتذال سيادتها بسلطة التكنولوجيات القديمة والجديدة خاصة، وانكشافها الأمني ( الاستخباراتي )، وانطماس الحدود بين الداخل والخارج (كثافة التفاعلات العابرة للأنساق الوطنية و تزايد الاعتماد المتبادل وتلاعب الأقوياء بالتبعية المتبادلة وتسارع عمليات التدويل)، اختراق القيم الأخلاقية والدينية والثقافية والتلاعب بها باستغلال التناقضات الداخلية وإعادة تكييف المنظومات والمؤسسات الاجتماعية والدينية والقانونية الوطنية تحت ستار الإصلاح والشراكة والتعاون.

3- التوظيف الذرائعي المصلحي التبريري والكيل بمكيالين إزاء قضايا حقوق الإنسان والديموقراطية.

4- تفكيك البنى الوطنية والتقليدية لحساب القوى الكوكبية بتأليب إحداها على الأخرى وضرب الاقتصاديات الوطنية عبر ضرب منظومة القيم.

5-تنامي نفوذ قوى العولمة من شركات كوكبية ولوبيات ضاغطة وحكومات ومنظمات نافذة

وإمبراطوريات كوكبية (شموليات جديدة) اقتصادية، إعلامية علمية، خاصة تستخدم تكنولوجيات الفضاء والإنترنت- التي تتجه إلى التصغير والإتاحة والشبكية والرخص – للتلاعب بالبنيات العقلية والإدراكية والسيكولوجية وتعلب وتسوق قيم السوق الاستهلاكية عن بعد وتضبط الأجندات السياسية لشعوب بأكملها – بحكوماتها- وفق مشيئتها.

6- انتشار الجريمة المنظمة والفساد الاقتصادي والسياسي والرشوة الدولية والوطنية مما يضفي على النشاط السياسي في أي بلد حالة من الشك وعدم الثقة.

7- استحواذ البيروقراطية والتكنوقراط على القرار السياسي الوطني وتوظيف المعرفة والخبرة التقنية والفنية في إدارة الأزمات والملفات بالتنسيق مع مثيلاتها دوليا بعيدا عن الرقابة الشعبية الوطنية والمحلية ديمقراطيا على قراراتها المصيرية.

 

كما أن هذا الوضع النخبوي المتأزم يدل على اختراق واستتباع أجزاء هامة من النخب الاقتصادية والإعلامية والسياسية والعلمية الوطنية فأصبحت تشكل- شعوريا أو لاشعوريا- تلك الفروع والامتدادات للنخبة البورجوازية الكوكبية التي تتلاقى مصالحها العابرة للقوميات (منتديات كرون مونتانا، ودافوس ومنظومة الأمم المتحدة ومنظومات الشركات المتعددة الجنسيات) بحيث تنقطع عن الهموم الوطنية وتنغلق في عالمها الخاص الوظيفي.

8- تزايد مخاطر خوصصة الدولة – كمجال عام – إلى جانب خوصصة الشركات العامة، على يد بعض النخب المتنفذة من مافيات المال والسياسة وتحويل قوى العولمة الاقتصادية للحكومات الوطنية إلى مجرد حكومات محلية تقوم بإدارة ملفات محلية عن طريق المناولة والشراكة والدبلوماسية الاقتصادية بحيث تحول الوطن إلى"مشروع شركة" على حد تعبير ضياء رشوان(9). وتحولت الحكومات إلى إدارات أعمال محلية للشركات الكبرى الدولية.

9- تزايد عمليات توحيد وتنميط وتدويل المقاييس والمعايير عبر العديد من المنظمات والتكتلات العابرة للقوميات التي تعد مجالا حيويا للتأثير والنفوذ الحضاري للخصوصية الغربية واتساع تلك العملية من المجال التكنولوجي، البيئي، العلمي، الاقتصادي إلى المجال السياسي والتربوي - التعليمي، الإعلامي والديني مما يهدد الخصوصيات الوطنية والحضارات غير الغربية بالسحق الحضاري. ومن أمثلة ذلك الاتجاه دفع الولايات المتحدة الأمريكية بمشاريع " إصلاحية" للمنظومات التعليمية والدينية والثقافية إلى البلدان العربية تحت ستار مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه(خطة ابنة ديك اتشيني – باول لدمقرطة مجتمعات الشرق الوسط ).

10- سهولة استثارة النزعات الأقلياتية وصناعة الهويات الانفصالية عبر التوظيف الذرائعي المصلحي لثقافة حقوق الإنسان لتهيئة الأجواء للمزيد من النهب والاستحواذ على الثروات الوطنية التي أساءت بعض النخب المحلية إدارتها لصالح تنمية وطنية متوازنة ودائمة ناجحة لصالح الأجيال الصاعدة الجديدة.

11- ترهل الرابطة الوطنية وامتهان رموزها وتحول الخطاب الوطني إلى نوع من الضحك على الأذقان وممارسة التضليل السياسي على الممارسات اللاوطنية واللاديموقراطية عبر انتشار لغة الخشب والرقابة على الفكر الحر والتضييق على الحريات الفردية والجماعية وتنامي القيتو الجهوي والطائفي وألوان من التعصب القبلي والعروشي واللغوي والمذهبي والأيديولوجي والحزبي الضيق كتعويض عن فشل الانتماء الوطني التنميطي الذي ساد خلال تطبيق نظم الحزب الواحد، وخاصة فشله في تحقيق المساواة والحريات والإشباع الكافي للحاجات الإنسانية الأساسية في الغذاء والصحة والتعليم والسكن... بما يحفظ الكرامة الإنسانية.

 

ذلك أن الانتماء مطامنة للقلق الأساسي، ومعزز للأمن مع الذات ومع الآخرين، ولا يترسخ الأمن إلا بالمقدار الذي تتكامل فيه حلقات الانتماء ويتسع مداها، لكن الأمن يضيق عندما تتأخر  وتتصارع حلقات الانتماء وتبرز التناقضات بينها، تناقضات تغذيها قوى ذات طموحات ضيقة ومصالح ومآرب معينة في الداخل والخارج. فيصبح الانتماء في حلقاته الأضيق – خلال الأزمات- ملاذا للكثيرين ومنطلقا لتشكيل قوى المعارضة السياسية التي يمكن في أن لحظة أن توظف من قوى العولمة.

 

حيث أن مشكلة أزمة الانتماء الوطني ليس في الواقع ناتجة عن التمايزات الطبيعية المتأتية من السن والكفاءة والجنس ومكان الميلاد، لأن التعددية والتنوع ثراء للذات الفردية والجماعية وليست تهديدا لها، إذ التمايز ضروري لإغناء الذات، ويمكن من التكامل والتفاعل طالما أنه لا يشكل وسيلة لزيادة الامتيازات ومن ثمة الإخلال بالعدل والمساواة مما يؤدي إلى تزايد الخلل والمظالم الاجتماعية ومنه إلى التباعد والتفكك فالانفجار إذ لم تتحرك قوى الاندماج السياسي- الاجتماعي الإيجابي والوفاق الديموقراطي مع النفس ومع الآخرين ضمن الوطن الواحد.(10)

12- صعود نفوذ وسلطة التكنوقراط والأدوكراسي /L’ah-docratie على حساب السياسة والسياسيين في تقرير مصير الحياة العامة للدولة- الأمة. ومن هنا أطروحة نهاية السياسة وأزمة السياسة التي تتغذى - من وجهة نظر الفلسفة السياسية - من فرضية نهاية الحداثة وبداية ما بعد الحداثة. إذ الأمر يتعلق بخفوت وهج السياسة وهامشيتها خاصة مع انتعاش الخطاب النيوليبيرالي مع العولمة الجارية منذ الثمانينيات الأخيرة وصعود التقنوقراطية الوطنية والدولية التي تدافع عن ضرورة استقلال المؤسسات الدولية عن السياسة لضمان فاعليتها في أداء وظائفها على أكمل وجه بعيد عن النزعة التمركز حول الذات التي تميز السياسة والسياسيين.. علما أن الخطاب التقنوقراطي يستند إلى مطلبين أساسيين:

أ)- إزالة الهالة على السياسة وعن قدرتها الأسطورية الحالمة وتحويل وظيفته على مجرد وظيفة تسييرية لأمور المدينة(الدولة)

ب)- التخفيف الأقصى من تأثير السياسة على المؤسسات المتعددة الأطراف. فالخبير كفيل بإيجاد الحلول والإجابة اللائقة تقنيا على المشكلات القائمة.

كما يرى الوظيفيون والبنيويون أن السياسة فقدت من جوهر وظيفتها بسبب تحكم الاحتكارات في الزمن العالمي، فالخيارات السياسية الوطنية تجد نفسها محكومة بمنطق الأسواق المالية المعولمة. وحتى من جهة السياسات الاجتماعية الوطنية نجد النخب الوطنية تتبنى استراتيجيات تضفي مرونة على سوق العمل والمنظومة الاجتماعية الموروثة عن الثورة الكينيزية ودولة الرفاهية الاجتماعية بهدف حفز الاستثمارات الأجنبية المباشرة للدخول إلى الأسواق الوطنية.

 

كما أن نهاية وأزمة السياسة يرتبط بنهاية الإقليم الوطني ونهاية الدولة الأمة ونهاية الحدود بمفهومها التقليدي الذي طالما كان فضاء تنمو وتنتعش فيه الرابطة الاجتماعية الوطنية الواحدة،  ذلك أن الإقليم طالما شكل المخيال السياسي للإنسان خلال القرون الثلاثة الأخيرة. لكن التبادلات والتدفقات والاتصالات المادية واللامادية العابرة للقوميات والحدود قد فجرت الهوية المتماسكة للإقليم الوطني ومن ثمة للوحدة الوطنية بمفهومها التنميطي الموروث عن التجربة الأوروبية منذ عصر الأنوار. 

 

مما سبق نفهم كيف يحدث ابتعاد السياسة والسياسيين عن المواطن العادي بحيث تصبح السياسة مجالا وامتيازا تحتكره اللوبيات الوطنية المتحالفة مع اللوبيات والطبقات والهيئات الدولية الكبرى التي لا تعبأ بآراء ومواقف ومصالح المواطن المحلي والوطني كثيرا(11)، والتي باتت تشكل طبقة كوسموبوليتية كوكبية لها تقاطعاتها الأيديولوجية والمصلحية.

 

ومن هنا نفهم أيضا – حسب نظرية يورغن هابرماس حول السيطرة-كيف تحدث أزمة الدافعية وهي أزمة تكامل اجتماعي تضاف إلى أزمة العقلانية التنويرية في المجتمعات الغربية الرأسمالية بالذات. وهي إحدى أزمات التكامل في النسق(النظام الاجتماعي عامة) ومصدر أزمة الشرعية حيث أن الدولة لا تصبح في هذا الوضع أداة للتوفيق بين المصالح المتضاربة لمواطنيها الذين تحكمهم ويصبح مبرر وجودها محل تساؤل وجدل.

وإذ يؤثر طغيان الدولة وزيادة سيطرة الطبقة التكنوقراطية، تلك السيطرة اللازمة لإدارة الأزمات، على وظائف الدولة وعلى فعالية الفعل السياسي، فإنه يؤثر على إضعاف دافعية الناس للمشاركة السياسية مشاركة فعالة في النظام على أي وجه من الوجوه. بل إن الملاحظ هو تراجع الدافعية عن المشاركة في الحياة العامة عموما.(12)

 

إذا كانت أزمة الدولة –الأمة في المراكز الغربية حقيقة تشهد بها القوى المناهضة للعولمة داخل الغرب نفسه، وتشهد بها الدراسات الأكاديمية – مثلا دراسات يوغان هبرماس  الاجتماعية النقدية - التي تنبه على وقوع الدول الوطنية والديمقراطية الغربية والرأسمالية البورجوازية رهينة قوى إنتاجية متطورة متمركزة بيد  أقلياتية ذات روابط شبكية كوكبية تتذرع بسلطة بيروقراطية وإيديولوجيا بورجوازية تقنوي علموي شمولية قمعية ذات بنيات معرفية تعمل مستقلة عن الأهداف والغايات العليا التي رسمت لها ابتداء فأضحت بلا  مبرر أخلاقي إذ هي بعد أن سيطرت على الطبيعة تسعى إلى بسط سلطتها على الإنسان كنوع. فما هو سمات الأزمة الانتقالية التي تشهدها بلادنا في ظل العولمة الجارية؟

 

سادسا: بعض مظاهر الأزمة الانتقالية الحالية في الجزائر:

     إن الأزمة المفتوحة التي تعيشها بلداننا ومجتمعاتنا العربية الإسلامية ومنها بلادنا الجزائر تنبئ بعمق أزمة التنمية عامة ومنها التنمية السياسية وهو ما عبر عنه مؤخرا التقرير العربي الأول عن التنمية الإنسانية من خلال قياس مستوياتها بمؤشرات إحصائية ونوعية : وهو التقرير(13) الذي لخص مصادر أزمة التنمية البشرية في البلاد العربية في ثلاثية :

1- نقص الحرية ومنه أزمة التنمية والمشاركة والتنشئة السياسية. ذلك أن القصور في الحرية وغياب الحكم الصالح مما يضعف التنمية الإنسانية ويشكل أحد أكثر مظاهر تخلف التنمية السياسية إيلاما.

2- نقص المعرفة اكتسابا ونشرا واستيعابا وإبداعا (الفجوة الرقمية )في ظل بناء البنى التحتية لمجتمع المعلومات.

نقص تمكن المرأة  وضعف مشاركتها في المجهود التنموي.

إلى جانب ذلك أشار التقرير إلى مكامن أزمة التنمية البشرية الأخرى في بلداننا ممثلة في أزمة التنمية الاقتصادية والصحية والبيئية.

   ويمكن في عجالة أن نوجز أهم مظاهر الأزمة الاجتماعية العامة ومنها أزمة الأسرة الجزائرية التي تؤثر حالتها المتأزمة على عملية التنشئة السياسية و تعقد مهمة المؤسسات الاجتماعية الأساسية التي يناط بها مهمة التنشئة الاجتماعية والسياسية والتي يؤدي تنمية قدراتها إلى ضمان قيامها بدور طليعي في هذا المجال التنموي  ذي الأولوية. ومن تلك الأزمات يمكن الإشارة إلى ما يلي:

 

1 )- المستوى المعيشي: نسجل ما يلي :

ـ ارتفاع مستوى الأسعار ( تضخم مرضي طويل المدى ) أي غلاء معيشـة مس الأساسيـات مـن غـذاء ودواء ولباس وتعليم…رغم وفرة السلع والخدمات بفضل الاستيراد الواسع (شركات استيراد- استيراد) مع تذبذب في الأسعار يتجه حاليا نحو الاستقرار لكن في مستويات عليا لا تتناسب مع القدرة الشرائية لأرباب الأسر وعدم قدرة مدا خيل 80 %منهم على تغطية النفقات الأساسية: الغذاء، النقل، اللباس، الكهرباء، الغاز، الماء، الاستشفاء وشراء الدواء، التمدرس فضلا عن السكن وغيره.

ـ زيادة مظاهر الفقر ووتيرة التفقير الواسع. وسوء التغذية ونقص المناعة وضعف البنية الفيزيولوجية ونقص الحديد في الدم وبعض الفيتامينات المهمة وعودة ظهور الأمراض المتوطنة الوبائية / المعدية التي طالما قضي عليها مثل : التيفوئيد والسل وغيرها.

 

2)- على المستوى النفسي (الشعور العام بشدة صدمة التحول)

ويمكن هنا أن نشير إلى الأثر النفسي الصادم للعولمة بتسارع تدفقاتها عبر الحدود وخلخلتها لمفاهيم موروثة عديدة وللأثر الصادم لعملية الإصلاح الهيكلي للاقتصاد الوطني وفق وصفة الأفامي وبسبب تبعية اقتصادنا الشديدة للمحروقات ومن هنا تتصف الحالة النفسية للإنسان الجزائري بمظاهر لـ:

ـ فقدان الأمل والثقة في المستقبل وانسداد الآفاق أمام عيون الأجيال الجديدة الشابة خصوصا وانتشار مشاعر اليأس والقنوط والتشاؤم والإحباط.

ـ النزوع إلى تبني الأفكار والمواقف المتطرفة والمتشنجة والانفعالية وردود الفعل المتهورة والغضب والحدية السريعة في الحديث والطرح والاستجابة للاستثارة بسرعة والقلق بكافة أشكاله والتوتر العصبي والتدين المغشوش والمنحرف والخيارات الأيديولوجية الاستقطابية الحادة.

 

3)- على المستوى الاجتماعي:

- أزمة البطالة المزمنة التي تخيم على كاهل المجتمع منذ عشريتين بدون أي آفاق للتخفيف الكبير منها في أفق الخوصصات القادمة لمئات الشركات العامة والتسريحات المحتملة لآلاف المعيلين للأسر الجزائرية، مما يزيد من حدة الفقر والبؤس ويقلص من حجم الطبقة المتوسطة التي يفترض أنها الطبقة الحاملة للتغيير الاجتماعي النوعي المضطلعة بمهمة التنشئة السياسية.

ـ العزوف عن الزواج تهربا من تحمل مسؤولية الزواج والأسرة والتأخير الكبير والاضطراري أو الإرادي لسن الزواج وما ينجر عنه من تراكم لكبت الغريزة والطاقة الجنسية وما ينتج عن ذلك من انحرافات في تصريف تلك الطاقة في غير مصارفها الشرعية والأخلاقية والإنسانية الفطرية والقانونية المشروعة. وزاد من حدة الاستثارة الجنسية التعرض للتدفق الإعلامي والمعلوماتي للمواد الجنسية عبر القنوات الفضائية للبث المباشر منذ1987 والإنترنت منذ 1995 وغيرها من  الوسائط المعلوماتية والسمعية – البصرية.

ـ العنوسة الإرادية والاضطرارية  اللاإرادية والبوار في الوسط النسوة.

ـ الطلاق وتزايد آثاره وفداحة فاتورته اقتصاديا، اجتماعية، ونفسيا وتربويا علي المطلقين والأبناء (علي الأسرة ).

ـ غلاء المهور والمغالاة فيها وارتفاع تكاليف الأعراس وغياب تقنينات ملائمة لذلك وتحكم التقليد والمفاخرة والمجاملات في مراسيم الزواج وعاداته وهذا بشكل مناف لتعاليم الإسلام الصحيح، فضلا عن الرشادة في الاستهلاك والإنفاق.

ـ تدهور ظروف وشروط الحياة الحضرية ( في المدن ) والريفية تحت ضغط سكاني متزايد وتنقل حركية سكانية غير مسوقة بحثا عن السكن، الأمن، المعيشة ... ومنه تدهور بيئي.

ـ صعوبة مهمة التربية والتكوين في ظرف اقتصادي وأمني متدهور وفي وسط اجتماعي تكثر باستمرار فيه الانحرافات الفكرية والسلوكية: تدخين ومخدرات في الوسط الابتدائي، انحرافات جنسية، عنف جسدي ولفظي.. مما يعقد مهمة الأسرة والمنظومة التعليمية (التي أضحت تمارس التعليم أكثر مما تمارس التربية) في تنشئة الأبناء والأجيال الجديدة.

ـ انحرافات سلوكية تشهد بها القضايا المطروحة أمام المحاكم مثل: السرقة، اللصوصية والجريمة المنظمة، القتل العمدي، الانتحار، انتهاك الحرمات والأعراض، التهريب، الإدمان على المخدرات والتدخين والخمور، تبييض الأموال، التحايل على القوانين، البزنسة بكل شيء وبكل قيمة ومبدأ تقريبا، التهرب الضريبي الجبائي، اللاعدالة في توزيع أعباء الجباية...

ـ ظهور أو استفحال آفات اجتماعية أخرى كالرشوة، المحسوبية، التسول، التعصب والنكوص إلى الانتماءات الضيقة (قبيلة، عرش، عشيرة، جهة، دوّار حي، مدينة )وإحيائها بحثا عن الأمن والطمأنينة وتعظيما للمنافع والامتيازات والمطامع والمصالح حيث افتقد الانتماء الواسع كالانتماء الوطني والإسلامي والإنساني والعالمي أهميته وفعاليته وأصبح لدى الكثيرين مجرد عاطفة شكلية، ومشروع طوباوي مثالي، ديماغوجي غير مجدي ماديا…

وذلك شأن مفارقات العولمة المتوحشة الداروينية الاصطفائية الاقصائية الجارية حيث يتجه الأفراد والجماعات إلى إعادة بعث الانتماءات الضيقة نتيجة الإحساس بالذوبان في محيط يزداد توحدا وحدود تزداد اختراقا ومسامية وزئبقية وتحولا مثل الرمال المتنقلة بين الحين والآخر في صحرائنا الشاسعة.

 

4) - على مستوى الدولة الجزائرية (علاقة الحاكم بالمحكوم …) 

ـ أزمة الدولة الوطنية وأزمة السياسة والأحزاب والتنظيمات الوطنية أزمة الثقة أساسا…من حيث غياب الديموقراطية وفتح أبواب المشاركة الواسعة. إضافة إلى التخبط الحكومي(11حكومات – برؤسائها- تعاقبت على السلطة مدة عشر سنوات ما بين 1989 / 2003) وغياب وحدة السلطة أي تشتت السلطة من الداخل ( فالسلطة أضحت سلطات ) منذ 1985م على الأقل. وغياب دولة قوة القانون واستفحال دولة قانون القوة، فباتت القوانين تفصل على مقاس الأطراف الأقلية المتنفذة ذات الامتيازات الاحتكارية وليس على مقاس الأغلبية. فكان أن تمت خوصصة الدولة (كمجال عام) فأصبحت مجالامستباحا لأقليات مصالحية ومجموعات مافيوية مسكونة بعقلية ( القبيلة والغنيمة ) تعبث بمصالح الشعب وأموال الدولة كيفما تشاء، فأصبحت الدولة مستباحة من طرف المصالح الأجنبية التي ربطت تلك الأقليات الغير وطنية بمصالحها الاستراتيجية في ظل قوانين حالة الطوارئ وعدم الاستقرار الأمني.

ـ انتشار آفات سياسية كالزبونية والوصولية والانتهازية السلبية والرشوة السياسية والتزوير الانتخابي للإرادة الشعبية والاستخدام المكيافيلي لآليات الديموقراطية لإقامة ديموقراطية صورية، واجهاتية، شكلية.  

ـ انتشار ثقافة وسلوكيات الصراع والتطرف والحدية والمواجهة وطغيان التطرف والإقصاء والتعصب بكافة أشكاله: فكري، لغوي، جنسي، عرقي، أيديولوجي، جهوي، سياسي، اقتصادي، ديني، واستفحال الفكر الأحادي وغياب ثقافة الحوار والمثاقفة والنقاش الهادئ والتفكير الحر المفتوح والوعي الفردي المستقل وانتشار تربية صناعة الأتباع والتماثل والتجانس في الجماعات والمجتمع والمؤسسات والتبرم من الاختلاف والتنوع واعتبارهما تهديدا للذات والجماعة والمؤسسة والوطن لا فرصة للثراء والغنى والإبداع، وذلك بسبب عدم فهم كيفية تحقيق الوحدة الوطنية ضمن التنوع والتعدد مما يسد الآفاق أمام أي فرص لانفراج الأزمة.

ـ تغير دور الدولة الاقتصادي وتحولها من دولة راعية محتكرة ومهيمنة ومتكفلة كليا تقريبا بالمجتمع، من دولة مستثمرة ومتدخلة بكثافة في الشأن الاقتصادي والجهد التنموي عموما إلى دولة منسحبة من ساحة الاقتصاد لصالح قوى السوق الداخلية والخارجية. ورغم الشروع في برنامج الإنعاش الاقتصادي (2001) وبداية تحرك محتشم في وتيرة التنمية المعطلة، فإن مشاريع الواجهة التي لا تنتج قيما مضافة ولا مناصب شغل جديدة هي التي تأخذ حصة الأسد من أموال الدولة ودافع الضريبة الوطني. بل يجري تخلي الدولة عن مؤسسات عمومية وخوصصتها تدريجيا على النموذج الأرجنتيني، مما يوسع دائرة الفقر والبؤس الاجتماعي عبر تسريح العمال وارتفاع مؤشر التضخم- رغم التحكم مؤخرا فيه نسبيا- مع تدني الإنتاج الوطني وإبقاء قيمة العملة الوطنية متدن رغم التنامي غير المسبوق للاحتياطات النقدية خلال سنوات200-2003م إلى حوالي 22 مليار دولار سنويا.

 

         إن جميع هذه المظاهر من الأزمة الانتقالية للجزائر قد هز أركان المنظومة الوطنية ومنها أركان المنظومات التربوية والسياسية والأسرية والإعلامية ذات الأثر المباشر في التنشئة السياسية والسلوكيات السياسية. وما يزال التردد وعدم الاتفاق بشأن الكيفيـات والقيـم العليا لورشـات الإصـلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي والإعلامي والإداري والقضائي التي فتحها الرئيس بوتفليقة، بسبب مقاومات هنا وهناك للتغيير الجاري في البيئة الخارجية الذي ينساب عبر الحدود المختلفة غير عابئ بالقوى المحافظة والمتحفظة هنا وهناك بشأن العولمة والشراكة والانفتاح، وبسبب غياب ثقافة الحوار ووجود مؤسسات الديمقراطية بدون ديمقراطيين وطغيان الثقافة الريعية والأحادية مما يعرض عملية التنشئة السياسية الوطنية–  من خلال تعطل قطار التنمية الوطنية الشاملة- لأزمة توافق خطيرة مع محيطها وعصرها وتطلعات الأجيال الصاعدة.

وبعد هذا العرض لفرص العولمة ومخاطرها، وبعد هذا التشريح العام لواقع الأسرة والمجتمع الجزائري في ظل تداعيات العولمة عليه، يمكن أن نضع مجموعة من المستلزمات لقيام تنشئة سياسية تستفيد من فرص العولمة وتتجنب مخاطرها.

 

سابعا : بعض مستلزمات التنشئة السياسية في ظل العولمة

إن التنشئة السياسية في أبرز تعريفاتها هي:" تعليم القيم والتوجهات السياسية بواسطة أدوات التنشئة كالأسرة والمدرسة وجماعات الأصدقاء ووسائل الإعلام، وهي العملية التي يتم من خلالها نقل الثقافة السياسية للمجتمع من جيل على جيل، وترتبط كمفهوم بمفاهيم أخرى مثل الشرعية والهوية والولاء والمواطنة، وتهدف لتحقيق الاستقرار في العلاقة بين الشعب والدولة." (14)

وتتحقق أهداف التنشئة السياسية باستبطان الفرد للقيم السياسية السائدة في المجتمع والعالم الذي أصبح قرية اتصاليا ومن هنا إدراكه لمعاني الحق والعدالة والخير والشر والحوار والصراع.

إن من مستلزمات تكييف منظوماتنا الوطنية المعنية مباشرة أو بشكل غير مباشر بالتنشئة السياسية أن تؤكد أي عملية تنمية على مجموعة من البدائل والخيارات الجديدة ضمن أولوية تعزيز منظومة القيم الثقافية والأخلاقية التالية وهي قيام التنشئة السياسية والتنمية الشاملة عامة على:

أ)- الحرية بدل من السلطوية.

ب)- المعرفة بدلا من الامتلاك المادي.

ج)- العمل عوضا عن الحظوة) من السلطة والمال).

د)- العمل الجماعي عوضا من الانفرادية.

هـ)- حرية المرأة بدلا من تسلط الرجل.

و)- المؤسسات بديلا للفردية .

ز) –الإبداع عوضا من الإتباع.

التعاقد الاجتماعي بدلا من الولاءات الضيقة.

ح)- الكفاءة بديلا للمحسوبية. (15)

وأعتقد أن الخروج من أزمة التنمية والتنشئة السياسية التي تشهدها مجتمعاتنا يتوقف على كفاءة عملية إصلاح النظام الوطني والعربي والإسلامي التي تتوقف على مستوى النسق الكلي على حل حقيقي وجذري لأزمات ثلاث كبرى هي: أزمة الهوية والتعايش والقيم وأزمة الشرعية وبناء المؤسسات ودولة القانون وأزمة التنمية والتحديث.

 

لكن ينبغي التأكيد على أن أول خطوط المواجهة الجديدة في ظل طوفان العولمة الجارف يكمن في إصلاح الداخل وتمتين حدودنا من الداخل ابتداء من الإنسان- الفرد إلى الإنسان – الجماعة، من الحارة والحي إلى البلدية إلى الولاية إلى الجهة إلى الوطن، ومنه يمكن أن نأمن على أجيالنا الجديدة السباحة في أمواج العولمة العاتية.(16)

 

لذا فإن توفير بعض مستلزمات التنشئة السياسية في ظل التغيرات المذكورة يتطلب إقامة التنمية السياسية الوطنية والمغاربية والعربية... ابتداء من مدخلها الرئيسي وهو مدخل التنشئةالسياسية للأجيال الجديدة. على أن تضطلع كل خلية اجتماعية بمهمتها في التنشئة ابتداء من الأسرة إلى الروضة على المدرسة إلى الجامعة إلى المسجد على مؤسسات الإعلام إلى الأحزاب إلى البرلمان إلى البلدية إلى الولاية إلى النقابات إلى الجمعيات إلى مؤسسة الخدمة الوطنية على مؤسسة الجيش وغيرها.

 ومن تلك المستلزمات نذكر ما يلي :

- تجسيد القائمين على شؤون الحكم للقدوة السياسية والأخلاقية العملية لا الخطابية في التصدي للشؤون العامة باعتبار هذا أول شروط التعليم السياسي للأجيال الجديدة، وهذا شرط أساسي لتجسيد فكرة الحكم الصالح.

- فهم ديناميكية العولمة بمفارقاتها وفرصها ومخاطرها وتطوير سياسات لإصلاح منظوماتنا الوطنية والمحلية والأسرية، كما بيناه أعلاه.

- ضبط القيم الأساسية المرجعية التي يقيم عليها النظام السياسي- الاجتماعي تنميته المستقبلية بحيث تقام التنشئة السياسية ( إدارة العنف الاجتماعي رمزيا / التربية= إدارة العنف سلميا) على قيم الإسلام المعتدل وقيم الوطنية المعترفة بالخصوصيات والناشدة للعالمية والقيم الإنسانية السامية التي تكرم الإنسان بلا تمييز مطلق وتروم إسعاده عبر الحوار السلمي والديمقراطية الشاملة الحقة ونشدان الوحدة والائتلاف في ظل التسامح والتعدد.

- الفصل النهائي في مسألة الجدل حول الهوية الوطنية بتنشئة الأجيال الجديدة على اكتشاف الآخر والتعارف والاعتراف والمعرفة على حد قول المفكر علي يحي معمر. فالجزائريون يحملون عن بعضهم البعض العديد من الصور النمطية التمييزية والكليشيهات الراسخة منذ آماد سحيقة في الذاكرات الجماعية والثقافة الشعبية والتي تورث للأجيال الناشئة ألوانا من الكراهية للآخر والتبرم من التنوع والاختلاف واعتباره تهديدا للأنا المحلية أو الوطنية. وهذه من مهام الأسرة والمدرسة والإدارة والأحزاب والخدمة الوطنية وغيرها من مؤسسات التنشئة الاجتماعية والسياسية.

 

- تصحيح أخطاء التفكير الشائعة والقاتلة في تربيتنا الأسرية والاجتماعية والسياسية عموما والتي تنعكس على مستوى تنميتنا ومشاركتنا السياسية التي لم ولـن تتماشى مع مستلزمات ومقتضيات بناء مجتمعات المستقبل أي مجتمع المعلومات، منها: ضعف التفكير العلمي والمنهجي- التعميم الخاطئ- الربط الخاطئ- الميل إلى الراديكالية والغلو والتطرف- القطع في الظنيات أو الأمور الاحتمالية- المبالغة في التبسيط- النظرة الأحادية- افتراض خيارين لا ثالث لهما- الخلط بين الآراء والحقائق- التعامل الخاطئ مع الأخبار من خلال الخلط بين الرواية والتقويم  ومن خلال تأثير العاطفة على قبول الخبر ورفضه- الاعتراض بالمثال- الغلو في اعتقاد المؤامرة – الجهل بأساليب التخطيط والبرمجة الاستشراف والتطلع إلى مستقبلات بديلة للخروج من مآزق الحاضر وتجاوز مستقبلات متشائمة- افتقاد العلاقة الصحيحة بين الأسباب والنتائج – تأثير الخبرة الشخصية المحدودة- الدفاع عن واقع المجتمع- تضخيم الانحراف والفساد- الانشغال المصالح الخاصة- الانشغال بالنقد على العمل- انتظار البطل والمخلص القادم...الخ

 

ومما ينبغي أن تتخلص منه منظومة التنشئة عامة تلك الخصائص النمطية للفكر السائد في الوطن العربي بالعمل على غرس الخصائص النمطية التي يتطلبها عصر المعلومات والعولمة(17).


عينة من أنماط فكر عصر المعلومات والعولمة

عينـة مـن أنمـاط الفكـر العـربي

فكر ابتكاري                      Creative

فكر تقليدي                Traditional

فكر مفهومي                 Conceptual

فكر سطحي                    Superfical

فكر خلافي               Controversial

فكر دوجماتي                     Dogmatic

فكر تفنيدي              Contradictive

فكر استسلامي                 Sumissive

فكر علمي                       Scientific

فكر لا علمي              Non scientific

فكر منظومي                   Systimatic

فكر دمجي                     Monolithic

فكر استشرافي               Progressive

فكر رجعي               Retrospective

فكر حدسي                       Intuitive

فكر قاطع                 Deterministic

فكر مبادر                        Initiative

فكر سلبي                           Passive

فكر محدد                         Concrete

فكر غير محدد             Nonconcrete

فكر متوازن                  Concurrent

فكر توفيقي            Compromising

فكر جمعي                       Collective

فكر فردي              Individualistic

فكر عولمي                            Global

فكر محلي                               Local

فكر بدائلي             Combinatorial

فكر أحادي        One-dimensional

فكر حوسبي           Computational

فكر سردي                     Narrative

فكر تواصلي         Communicative

فكر انطوائي                Introversive

فكر توليدي                 Genterative

فكر الأمثلة                 Exemplative


- التنشئة على مبدأ تحمل المسؤولية وعدم التهرب من تحمل تبعاتها بدل تحميل المسؤولية وتلفيقها للآخرين وذلك بتنمية ثقافة الاعتذار والاستقالة والتنازل والاعتراف بالخطأ والتقصير عند تأكد حدوثه حتى لا تتكرر الأخطاء وتقل الفضائح المتعلقة بالحق العام.

الاهتمام المبكر بالإدراكات السياسية للناشئة من خلال المناهج المدرسية التي ينبغي أن تتضمن قيم الشورى والديمقراطية وقيم التسامح والأخوة والصدق والوفاء والوطنية الصادقة وغيرها من القيم الاجتماعية والسياسية العالية.

- ضرورة التحديد والفهم الصحيح لجملة من المفاهيم الإسلامية الأسرية والاجتماعية الدالة على العلاقة السلطوية مثل مفاهيم: القوامة والشورى والديمقراطية والوطن والشهادة والمواطنة والالتزام والمسؤولية والحرية والقانون و الشريعة والأمانة والأخوة العالمية. ونصرة المظلوم والتكامل والتدرج في التغيير والعفو والاعتذار والقيام بالواجبات مع المطالبة بالحقوق والتعاون...وغيرها من المفاهيم والقيم.

- ضرورة تكامل أدوار الأسرة ومؤسسات التنشئة السياسية الأخرى في ترقية الوعي لا تزييفه وربط الفرد بهموم وطنه وأمته وهموم الإنسانية جمعاء.

- بناء إنسان مشارك مبادر يقدم المصلحة العامة على الخاصة إذا تعارضتا ويفرق بين المجال العام والخاص لممارسة الحقوق والمسؤوليات دون خلط مع الاستعداد للدفاع عن الوطن وحمايته من أنواع الفساد والظلم الاجتماعي عبر تقديم ثقافة أداء الواجب – على حد تعبير المفكر الجزائري مالك بن نبي- لأنه بأدائها تتحقق الحقوق تلقائيا.

- نشر الثقافة السياسية الدينية الإسلامية الصحيحة في أوساط الشباب من غير غلو ولا تعصب وبعقلانية وانفتاح على الثقافات والأديان من غير كراهية للآخر لأنه آخر. وهنا يؤكد واقع التنشئة السياسية في مستوياتها المختلفة عندنا على غياب البعد الحضاري الذي يستهدف إعداد إنسان تتشكل علاقته بالخالق والكون والحياة الدنيا والحياة الآخرة والبشر طبقا للرؤية الإسلامية الصحيحة المتزنة. وهذا يتوقف بدوره على حل المشكلات الحيوية الأساسية للأجيال الجديدة المتعلقة بالتعليم والشغل والسكن والزواج وإلا كان ت الشروط الموضوعية متوفرة لتفريخ السلوك السياسي المتطرف.

- تطوير الإعلام الشباني نحو المزيد من التفاعلية والمباشرة بما يثقف فكره ويحرر عقله ويخلّق سلوكه ويهذّب ذوقه بدل ما تشهد مثلا أكشاكنا من غزو لصحافة الإثارة والميوعة والعنف الجنسي.

- استعادة مكانة الطبقة المتوسطة في المجتمع لدورها الأساسي في رفع سقف الثقافة السياسية للطبقات الدنيا ولدورها في التقريب بين الطبقات وزيادة التماسك الاجتماعي ورفع نسبة المشاركة السياسية وتفعيل منظمات المجتمع المدني لتجسير الفجوة بين النخب السياسية المعزولة عن المجتمع العام...

- تنمية أهمية بناء مجتمع وثقافة الوحدة في ظل التنوع السياسي، الثقافي، الحزبي، الفكري، اللغوي، الحضاري...

- ترقية ثقافة التداول على السلطة والعمل الجماعي ضمن فريق بعيدا عن الأنانية أي بعيدا عن تضخم الذوات واستفحال الأنوية أي التمركز حول الذات.

- حماية الأجيال الجديدة – عبر القدوة على كل المستويات- من آفات: الكذب السياسي وأشكال من الرشوة والزبونية والنفعية والمحاباة والمحسوبية والعنصرية والتعصب والخيانة والغدر والأنانية السلبية والوصولية والانتهازية والنفاق وعبادة الأشخاص..

- إقامة المنظومة التعليمية على أسس تنمي الإبداع والابتكار والعصامية في التكوين وتحويل العلاقة أستاذ- تلميذ أو طالب إلى علاقة شراكة لا علاقة تبعية وأبوة ووصاية. وأيضا التوقف عن طرق التلقين والحفظ عن ظهر قلب وترديد المعلومات وإملاء المعارف في ظل اكتساح الذاكرة الصناعية والعقول الصناعية لعالم المعرفة، مع إهمال العناية بقدرات الطالب على التحكم في زمام المعرفة. فبدل تعلم تكديس المعلومات وأكوام متفرقة من الحقائق لا رابط بينها كلما في الأمر أنه يراد استعادتها عند الطلب، فإن هذه الطريقة لا تتماشى مع عصر المعلومات والتفاعلية بين الآلة والإنسان، لأنها طريقة تكرس الاعتماد على الآخرين، بينما التفكير فعل مستقل، وأما التعليم القائم على الحفظ تعليم يدرب على الاعتماد على السلطة وغياب الفكر النقدي وتضخم الفكر النقلي وهي طريقة صالحة فقط لصناعة الأتباع والمتكفل بهم وغير المستقلين في شخصيتهم. إنه تعليم لا يراعي الاختلافات والفروق بين الناشئة والمناطق ويشجع على الامتثالية والتجانسية والجماعية ويؤكد على المركزية بدل اللامركزية وعلى القيم  الأحادية بدل قيم التنوع وعلى الجماعية بدل التوازن بين الجماعية والفردية وعلى الطاعة والاتباع بدل  الاختيار الحر ... 

وخلاصة القول : أود أن أؤكد أنه لا تنمية حضارية بدون تنمية شاملة ولا تنمية شاملة بلا تنمية سياسية ولا تنمية سياسية بلا تنمية اقتصادية ولا تنمية اقتصادية بلا تنمية ثقافية وأخلاقية وذوقية راقية.كما أنه لا ديمقراطية سياسية بلا ديمقراطية اجتماعية، بلا ديمقراطية ثقافية. ولا ديمقراطية وطنية إن لم تكن محلية وكوكبية أيضا.

*- قائمة المراجع



(1) – يذكر أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون صرح بشأن العولمة قائلا:" إننا قمنا بتحليل الأوضاع في الولايات المتحدة ولما شعرنا أن لدينا اقتصادا قويا قررنا  تسريع خطوات العولمة." مما يعني أن العولمة فعل إرادي.

(2) – مثل مقولات: نهاية التاريخ ونهاية السياسة ونهاية الخصوصية ونهاية النيوليبيرالية (بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية) ونهاية الأيديولوجيا ونهاية الفلسفة ونهاية الدولة الوطنية ونهاية المكان ونهاية الجغرافيا ونهاية المدرسة ونهاية المدرس ونهاية الكتاب نهاية الورق ونهاية الفيزياء ونهاية المكتبة ونهاية العمل نهاية الخطية ونهاية الوسطاء ونهاية الذاكرة نهاية المونولوج وبداية الديالوج... التي هي في الواقع بدايات لتحولات جديدة غير مسبوقة تاريخيا.

ومقولات: ما بعد الحداثة وما بعد الصناعة وما بعد القومية وما بعد التيلورية وما بعد الكينيزية وما بعد الكتابة وما بعد البترول وما بعد عصر المعلومات ما بعد الإنترنت وما بعد الفوردية...الخ

ومقولات مصانع بلا عمال وتعليم بلا معلمين وبرمجة بلا مبرمجين ومركبات بلا سائقين وطيارات بلا طيارين ومدرسة بلا أسوار واتصالات بلا خيوط وموظفون بلا مكاتب وسياسة بلا نواب وترحال بلا انتقال وجيرة بلا قرب..الخ من المقولات التي تبدأ ببادئة مثل متعدد اللغات متعدد الجنسيات ومتعدد الاختصاصات وعابر للحدود وعابر للقوميات وعابر للاختصاصات وعابر للقارات وعابر للأقاليم...الخ

للمزيد أنظر: نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي، العدد 265 من سلسلة عالم المعرفة، إصدار المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت.يناير 2001م.ص 14- 19 .

(3) – أنظر مقالة لـ: شوقي رافع، "الخصوصية انتهت ... والفرد أصبح مكشوفا". مجلة العربي، عدد 491. أكتوبر 1999م. ص158-162.

(4)- Voir : Day-Robert Dufour, « La fabrique de l’enfant « post- moderne » ,Malaise dans l’éducation », in : Le Monde Diplomatique. N°572-48é année. Novembre 2001. p10-11.

Et :Ignacio Ramonet, « Médias Concentrés»,in : Le Monde Diplomatique, N°585-49é année. Décembre 2002.p01.

Et : Janne et Greg Brémond, « Face au monopole Lagardère, La Liberté d’édition en danger », in : Le Monde Diplomatique, N°586-50é année. Janvier 2003.p01et 04.

(5)– تعريف العولمة من صياغة الأمين العام للأمم المتحدة الحالي كوفي عنان ورد في  دراسة  فرنسية ينظر :

William D. Angel, » les jeunes et la mondialisation : Acteurs et     victimes »,in :Agora.. N° 19. 1er trimestre 2000.pp17-29. voir p      

(6)– تشير الأرقام التي نشرها بعض الخبراء الجزائريين – منهم الباحث محمود بوسنة من جامعة الجزائر- خلال أشغال الملتقى الدولي حول الإرهاب خلال 28-29/10/2002 بالجزائر من تنظيم وزارة الدفاع الوطني إلى أن المنتمين إلى الجماعات المسلحة كانت نسبتهم حسب أعمارهم كما يلي:

- أقل من 25 عاما   07%

-  26 إلى 30 سنة    21.94%

- 31 إلى 35 سنة     32 %

- أكثر من 35 سنة     42.49 %

أنظر يومية الخبر عدد 361 .28/10/2002.ص 02

مما يدل على أن فئة الشباب هي الفئة الأغلب بين المنتمين لهذه الجماعات إذا اعتبرنا الفئة الشبانية تمتد من سنة 15 إلى سن 35 سنة على اعتبار أنها تمتد على طول هذه السنين بسبب ظاهرة النضج المبكر جنسيا وفكريا في مرحلة المراهقة ونظرا أيضا لتمدد فترة الشباب إلى مراحل متأخرة بسبب طول مدة التمدرس والتكوين فالخدمة الوطنية وطول فترة العزوبية وتأخر غشيان عالم الشغل أزمة البطالة المزمنة ومن ثمة تأخر دخول الأجيال الجديدة عالم الراشدين المستقرين اجتماعيا المشاركين سياسيا بتبني خط سياسي تغييري سلمي معتدل..

(7) - in : CD - ROM , L’état du Monde, 1981-1997, éd. La Découverte. Paris.

 (8) - Voir :Ignacio Ramonet,” La mutation du monde”, in: Le monde diplomatique, n°d’octobre1997.p01

- (9)   أنظر: ضياء رشوان، " الخطاب العربي الكوكبي الجديد وممارساته (3من3)، تحويل الوطن إلى " مشروع شركة" يدمر معنى الوطنية"، جريدة الحياة اليومية اللندنية .العدد 12585. 14 أوت 1997م.ص 07.

 (10)- أنظر: د. نزار الزين،" إنماؤنا النفسي الوفاقي" محاضرة ضمن ندوة الدراسات الإنمائية بعنوان الإنماء والوفاق الوطني المؤتمر الوطني التاسع في 28-29/03/1980 ببيروت لبنان تحت إشراف د. رياض الصمد ط1. 1401هـ-1981م نشر المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع. بيروت.ص 59-76. أنظر الصفحات 72-75.

 (11)  – Hakim Ben Hammouda, « Perspectives structurelles sur la Mondialisation »,in : Bulletin du Cordesria. Dakar-Sénégal.N°01.2000.p30-39. surtout p31. Voir aussi : http://www.sas.upenn/african-studies/cordesria/codes-menu.html.

 (12)– إيان كريب، تر: محمد حسين غلوم، النظرية الاجتماعية من بارسونز على هابرماس، العدد 244 من سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت. ذو الحجة 1419هـ/ أفريل 1999م. ص357-359.             

(13) – راجع التقرير العربي حول التنمية الإنسانية، لسنة 2001م الصادر عن الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية تحت إشراف الدكتور نادر الفرجاني. أنظر التقرير المنشور كاملا – بفصوله الثمانية وملاحقه الثرية- على موقع الإنترنت التالي:

http://www.undp.org/ rbas/ahdr/abychapter. htm

(14) - هبة رؤوف عزت، المرأة والعمل السياسي، رؤية إسلامية، رسالة ماجستير مطبوعة، صادرة عن دار المعرفة. الجزائر.2001.ص206-207.

(15) - أنظر في التقرير أعلاه الصفحة 116.

(16)– أنظر: عاطف الغمري، " خط المواجهة الجديد في الداخل"، يومية الأهرام الدولي، عدد 14 جوان 2000م.

(17)– د. نبيل علي، مرجع سابق. ص166.