تجارب جمع الأدب الشفاهيpdf

 في وادي سوف

ـ الواقع والآفاق ـ

د.عادل محلو

قسم اللغة العربية وآدابها

المركز الجامعي بالوادي

لاشكّ في أنّ الاهتمام بالتراث الشعبي وجه من وجوه الارتباط بالجذور، وسبيل من سبل الكشف عن مسار الحياة والأفكار في مجتمع ما. كما أنـّه ضرب من ضروب الحفاظ على الذاكرة الإنسانيّة في كلّ تجلّياتـها وأبعادها.

وفي هذا الإطار تندرج محاولات جامعي التراث الأدبي الشفوي بالوادي، والتي بدأت تأخذ حيّزا هامّا من المشهد الثقافيّ بالولاية. وهذه المحاولات الميدانيّة هي التي ستتطرّق إليها هذه المداخلة.

أوّلا: الميدان:

1. وصف الميدان:

       تمتدّ ولاية الوادي على مساحة 44586 كم² ، وتـَعُدُّ حوالي 650 ألف نسمة يتوزّعون على 12 دائرة بـها 30 بلديّة. وسيتمّ التركيز هنا على وادي سوف دون وادي ريغ لأنّ المعلومات المتوفرّة لديّ عن مجال الأدب الشفاهي ومحاولات جمعه بوادي ريغ لا تؤّهلني للحديث عنه.

ووادي سوف ذو طبيعة صحراويّة تغطّيها الرمال، ويقلّ فيها الغطاء النباتي الطبيعي إلاّ في فصلي الخريف والربيع. وقد اجتهد أهله في الزراعة من تمور وخضر وفي تربية الحيوانات من إبل وماشية حتى كادوا يحقّقون اكتفاءهم الذاتي رغم جفاف الطبيعة وشدّة الحرّ والعواصف الرمليّة الهوجاء. 

وأما من جهة سكّانه فهم عربٌ تذكر كتب الأخبار أنـّهم في أغلبهم من الهلاليين دخلوا المنطقة في القرن الخامس الهجري وعايشوا بربر زناتة الذين كانوا يستوطنون المنطقة إلى أن غلبوهم عليها، مع بقاء بعض العناصر البربريّة(1).

ويحيط بوادي سوف تنوّع عرقيّ وثقافيّ هام:

ـ من الشمال والشمال الشرقي ولايات: تبسّة، خنشلة، بسكرة.

ـ من الغرب: وادي ريغ، ومنه إلى الجلفة.

ـ من الجنوب: ولاية ورقلة، ويحاذيه منها منطقة تقرت.

ـ من الشرق والجنوب الشرقي: الجنوب الغربي التونسي(واحات الجريد ونفطة...)، والشمال الشرقي الليبي (غدامس وبواديها وواحاتـها).

2. ميزات الميدان:

إنّ ميدانا كهذا لا بدّ أن يكون ثريّا لأنّ أهله قاوموا جفاف الطبيعة برواء الشعر، وجابـهوا وحشة الصحراء بأ ُنـْسِ السّردِ من قصص وحكايات وخرافات. ولعلّ أبرز أوجه ثرائه التي قد تغري الباحثين:

ـ التنوّع المحيط به، والذي يعدّ رافدا هاما من روافد الثقافة الشفاهية.

ـ العمق التاريخي خصوصا من خلال التعايش لمدّة أربعة قرون مع الزناتيـين البربر، من القرن الخامس إلى التاسع الهجري، وهو ما ترك بصماته في المعجم اللغوي لعرب سوف.

ـ التوتـّر بين عزلة المنطقة وسعي أهلها إلى الكسب والتجارة في مختلف البقاع حتى اشتهروا بالضرب في الأرض. فعزلة المنطقة تحافظ على خصوصياتـها الثقافية والأدبية، وحركة بعض أبنائها تربط جسور تواصل بينها وبين غيرها من الثقافات الشفاهيّة المحيطة بـها.

ـ الهجرات والرحلات التي وفدت إلى منطقة وادي سوف من جهات أخرى، كالهجرات المتعاقبة للقبائل والعشائر العربية، كمجيء طرود في القرن الثامن للهجرة، ثم الفرجان والربايع. وأيضا وفود بعض الشعانبة وبعض من أرباع الأغواط رفقة الناصر بن شهرة، وأيضا هجرة أولاد عمر نحو سوف.

ـ بكارة البحث الميداني الأكاديمي به، إذ لا تكاد تتعدّى الدراسات والجمع الأكاديمي عدد أصابع اليد لحدّ الآن، وبتوفـّر تكنولوجيات الحفظ والأرشفة الرقميّة المعاصرة، ووجود وسائل النقل والطرق والمسالك المؤديّة إلى مضارب البدو خاصّة سيكون عمل الأكاديميين أيسر مما كان عليه الحال قبل 10 أو 15 سنة.

ـ دور إذاعة سوف؛ إذ من خلال بثـّها وبرامجها الكثيرة التي اهتمّت بالتراث والأدب الشعبي في المنطقة كبرنامج "البيداء والقلم" للأستاذ أحمد زغب، و "كنوز من سوف" للأستاذ معمّر سعيّد و "بيوت عامرة" للأستاذ علي غنابزية وغيرها. فمن خلال ذلك صار كثير من حاملي التراث الشعبي ـ والشعر الشفاهي خصوصا ـ يسعون إلى الظهور في الإذاعة ـ بعد أن كانوا يضنـّون بما لديهم ـ ممّا وفّر لديها مادة لابأس بـها، وقد أرشفها رقميّا المهندس رضا ببّوش.

ثانيا: محاولات جمع الأدب الشفاهي بوادي سوف:

 1. السرديات:

       اهتمّ كثير من الباحثين بالنصوص السردية في المنطقة من خرافات وحكايات وقصص شفاهيّة. وأبرز تلك الجهود والدراسات هي التي قام بـها:

أ ـ الدكتور عبد الحميد بورايو في :" القصّة الشعبية في بسكرة"؛ حيث حضر إلى وادي سوف نـهاية السبعينيات وجمع كمّا هامّا من الحكايات والقصص ووثــّـقه، وقد كان وادي سوف في تلك الفترة تابعا إداريا لولاية بسكرة.

ب ـ الأستاذ مبروك سدرات:قام ببحث حول "القصّة الشعبية بمدينة وادي سوف"، ولم أتمكّن من الاطّلاع عليه.

جـ ـ الأستاذة ثريّا التيجاني: أنجزت رسالة ماجستير حول القصّة الشعبية بمنطقة وادي سوف، ثم أصدرتـها في شكل كتاب. ويبدو أنّ هذا العمل الأكاديمي لم يكن في مستوى ما يتوقّع منه كلّ قارئ يطّلع عليه؛ إذ جانب الدراسة فيه سطحيّ وضعيف.

د ـ الأستاذ معمّر سْعَيَّدْ الذي جمع عددا كبيرا جدّا من القصص والخرافات المحليّة ودوّنـها لكنـّها لا تزال مخطوطة.

       والملاحظ أنّ معظم الجهود هنا كانت ذات دافع أكاديميّ بغرض إعداد رسائل لنيل درجات علمية وهو ما يكسوها الصبغة المنهجيّة، ويوفّر للنصّ السردي الشفاهي في وادي سوف فرصة للدراسة واستخلاص القيم الاجتماعيو والثقافية والخصائص الفنيّة.

أمّا عمل الأستاذ معمر سعيد فهو بدافع الحفاظ على تراث المنطقة التي ينتمي إليها، و هو جهد يتوقـّف عند حدود الجمع والتدوين دون أن يضع دراسة تستنطق الجوانب الانثروبولوجية والاجتماعية وتكشف البنى الثقافية العميقة للفرد والمجتمع بوادي سوف. وإنّ ذلك لا ينقص من قيمة جهده المبذول في الجمع والتدوين لأنـّه قد لا يتوفّر على الأدوات المعرفيّة التي تؤهّله للقيام بمثل تلك الدراسة.

2. الأمثال والحكم والألغاز:

       إنّ أبرز مثال لجمع وتدوين الأمثال والحكم والألغاز الشفاهية هو ذلك الذي قام به الأستاذ: محمد الصالح بن علي في كتابه: ـ "1500 مثل وحكمة شعبية من وادي سوف" الصادر سنة 1998 عن مطبعة قرفي بباتنة. وفيه 1531 مثلا وحكمة شعبيّة مرتّبة ترتيبا ألفبائيا ومكتوبة بطريقة تقرّب نطقها في اللهجة ككتابة الـ:"ڤ " بدل الـ:" ق" وشكل الكلمات قدر المستطاع.

       لكن ليست كلّ تلك الأمثال من وادي سوف وهو ما أشار إليه الأستاذ بن علي.كما أنّ بضعا منها ألغاز وليست أمثالا كـ:" إذا جَتْ تـْجيبها شعرة وإذا مشتْ تْقطّع السلاسل"(2) أو " بُوليلتين يعشّي وبوثلاثة يْمَشّي وبوربعة يمشّي الماشي وين ماشي"(3)، وبضع أخرى هي أقوال فصيحة مثل:" أشهر من نار على علم" أو حتّى أحاديث نبويّة أو اقوال من الأثر لكن بصياغة لغويّة محليّة كـ:" إكرام الميّت دفنانه"(4) و:" تـْواضع لله يرفعك"(5).

وممّا يؤخذ على الأستاذ بن علي قوله في مقدّمة كتابه إنـّه " لا يخفى على أحد أنّ هناك أمثالا يجب أن تدخل القائمة السوداء"(6)، وهذا كلام غير علميّ و لربّما كان قصده تلك الأمثال التي قد تقدّم صورة سيّئة عن منطقة وادي سوف، أو تلك التي تدعو إلى سلوك غير سويّ؛ وبـهذا يكون الدافع لهذا الكلام غير علميّ لأنـّها جميعا تعبّر عن حالة من حالات الوجدان الإنسانيّ وجانبا من جوانب المجتمع.

       كما أنّ للأستاذ معمّر سعيّد جهود في هذا المجال لا تزال مخطوطة.

       والملاحظ أنّ هذا الميدان لم تطله بعد الدراسات الأكاديميّة العليا؛ أي تلك المنهجيّة المتخصصّة. وعلى العموم فجهود الأستاذ بن علي هذه هامّة وهي خطوة البداية التي يجب أن تنطلق الدراسات إلى ما يليها جمعا وتصنيفا وتحليلا.

3. الـشّـعـر:

       يمثّل الشعر الوجه الأبرز الذي تتناوله هذه المداخلة وذلك لأنـّه الجنس الأدبي الذي تُناط به خصوصيّة المنطقة لأنّ معظم القصص والحكايات والأمثال والألغاز مشتركة بين وادي سوف وما يحيط به من بيئات ثقافية أخرى.

       ووجوه الخصوصيّة هي تلك التي تمثّل تفاعل البدويّ في سوف مع الطبيعة، وتُبرز النواحي الاجتماعية من حيث بنيتها وعاداتـها ونوازع الثبات والتحوّل. كما أنّ الشعر حمل أيضا طرق صياغة وإيقاع وبناء فنيّ وموضوعاتيّ وأشكال أداء مميّزة له عن غيره من الشعر الشفاهي في المناطق المحيطة.

       وتنقسم جهود جمع وتدوين الشعر الشفاهي بوادي سوف إلى ثلاثة أصناف:

أ ـ الجمع العَقـَدِيّ:

إنّ كثيرا من المجموعات الشعريّة الشفاهية المتداولة في المنطقة عبارة عن أمداح تخصّ طريقة جامعها، فالدافع وراء ذلك عصبيّة للطريقة وليس تدوين وتوثيق مظهر من مظاهر الإبداع والنشاط الإنساني.

ومن أشهر تلك المجموعات:

ـ السفينة القادريّة جمعها الأستاذ قمعون عاشوري.

ـ السفينة العزوزيّة: جمعها الشيخ مصطفى سالمي.

ـ مجموعات أمداح تيجانية مختلفة كديوان علي بن حميّة أو أشعار عائشة بنت علي أو : " اطْويرْ".

       وهذه المجموعات لم تطبع وإنّما تُنسخُ وتوزّع على نطاق ضيّق داخل الطريقة وتتداول بين الأتباع والمريدين. ومن الجليّ أنّها لا تحمل أيّ جانب من الدراسة الفنيّة أو الأدبية بل هي خادمة لغرض عقديّ، وذلك رغم كون بعض الجامعين من الجامعيين كالأستاذ قمعون عاشوري الذي هو أستاذ بمعهد التاريخ بالمركز الجامعي بالوادي؛ فهو لم يقدّم للسفينة القادرية التي جمعها بأيّة مقدّمة علميّة ولم يستنبط منها أيّ مشروع لدراسة أكاديميّة.

ب ـ الجمع الهاوي:

 هناك بعض من محبّي ومتذوّقي الشعر الشفاهي قاموا بجمع قصائد متنوّعة أو قصائد شاعر واحد، وغالبا ما يكونون من أقارب الشاعر أو معارفه وأصدقائه المؤمنين بشاعريّته. وتظلّ هذه المجموعات مخطوطة  و/أو محفوظة في تسجيلات صوتيّة لدى أقارب الشاعر أو أولئك المتذوّقين كنوع من الوفاء لشخص الشاعر بسبب القرابة أو الإعجاب بشعره.

ومن أمثلة ذلك كتاب: الشاعر الشعبي الساسي حمُـّادي: حياته ومختارات من أشعاره" الذي ألّفه نجله: " حمّادي محمد نافع" و:" محمد الصالح بن علي"، وقد صدر سنة 2006 عن مطبعة مزوار بالوادي ضمن إصدارات دار الثقافة محمد الأمين العمودي بالوادي.

ويضمّ هذا الكتاب ترجمة للشاعر ثمّ وقفة عند أسلوبه والأوزان الشعريّة عنده، وأهمّ الأغراض التي تناولها.

       كما كان للشاعر علي عناد محاولة لتوثيق شعره ضمن شريط صوتيّ، وهي محاولة جديرة بالتنويه رغم ميله فيها إلى قصائد اجتماعيّة قليلة العمق الفنيّ وذات طابع هزلي في الغالب.

جـ ـ الجمع المحترف:

وهو ذلك الذي يقوم به أكاديميّون مسلّحون بالمنهجية العلميّة المحكمة والمعرفة الكافية بالفنّ الشعريّ الشفاهيّ وطرق تدوينه، وهو ما يمكّنهم من تمحيص النصوص وتدقيق نسبتها وتقييمها التقييم الفنيّ الصحيح، وتدوينها بشكل مناسب وإرفاقها بالشروح الملائمة.

       وأبرز العاملين في هذا الصنف الأستاذ الجامعيّ أحمد زغب الذي أصدر ديوانين:

ـ ديوان إبراهيم بن سمينة (1865-1945)، وذلك في أكتوبر 2004 ضمن إصدارات رابطة الفكر والإبداع بولاية الوادي. و يضمّ  ستّة وعشرين نصّا بشروحها تسبقها مقدّمة وافية حول: " تدوين الشعر الشفاهي واصطلاح الكتابة السمعيّة"، كما تميّز بمعارضة روايات المورّدين ببعضها بعض والإشارة إلى ذلك ضمن الهوامش. وفي ختام الديوان وضع الأستاذ أحمد زغب تعريفا بالمورّدين الذين روى عنهم نصوص إبراهيم بن سمينة مشيرا إلى ما أخذه من كلّ واحد منهم.

ـ أعلام الشعر الملحون لمنطقة سوف. وصدر ضمن مطبوعات دار الثقافة بالوادي سنة2006، ويضمّ تراجم ونصوصا مشروحة لخمسة وعشرين شاعرا  عاشوا في الفترة الممتدّة من القرن التاسع عشر إلى ستينيات القرن العشرين.وقد سبقت التراجم والنصوص مقدّمة عن تدوين الشعر الشفاهيّ ومشاكله، كما ختمه بتعريف بالرواة والمورّدين.

ثالثا: موازنة بين محاولات جمع الشعر الشفاهي:

       إنّ الموازنة بين الكتب المذكورة أعلاه كمحاولات لجمع الشعر الشفاهي بوادي سوف تقودنا إلى استنتاجات عامّة هي:

$11.  افتقاد كتاب "الساسي حـمـّادي" إلى قائمة المورّدين والرواة والتعريف بـهم، وهو ملمح نقص يجب تداركه خلال المحاولات المقبلة؛ لأنّ في ذلك التعريف بـهم منهجيّة وأمانة علميّة، خصوصا عند وجود روايات مختلفة في النصّ الواحد مما يبرّر اختيار الجامع أو المحقّق لواحدة من تلك الروايات دون الأخرى.

2. إنّ نمط الاختيارات في هذا الكتاب لم تُذكر مبرّراته؛ أهو على أساس المستوى الفنيّ للقصائد؟، أم على أساس تغطية كلّ الأغراض التي تناولها الشاعر؟ أم غير ذلك من الاعتبارات؟. فقد اختار المؤلّفان تسعة وثلاثين نصّا من بين مئة وعشرين نصّا(7) جمعاها للشاعر الساسي حُـمّادي، دون أن يذكرا في المقدّمة أساس الانتـقاء ودواعي الاختيار.

3. إنّ التقسيم على أساس الأغراض ليس مجديا في كثير من الحالات لأنّ كثيرا من القصائد وخصوصا المطوّلات منها تتعدّد فيها الأغراض، وقد لاحظ المؤلّفان ذلك وذَكَرَاه(8) دون أن يحاولا إيجاد طريقة مناسبة لعرض القصائد.

4. إنّ طريقة الكتابة السمعيّة التي استخدمها الأستاذ أحمد زغب في ديوان إبراهيم بن سمينة لا تزال غير مجدية؛ لأنّ معظم متتبّعي الشعر الشعبي من غير المتخصّصين في اللسانيات والصوتيات وبالتالي لن يتمّكنوا من استساغة تلك الرموز التي تضاف على الكتابة، ولربّما نفّرهم ذلك من قراءة الكتاب. وهو عينُ ما أدركه الأستاذ زغب حين أصدر الجزء الأوّل من " أعلام الشعر الملحون لمنطقة سوف"؛ إذ تخلّى عن الكتابة السّمعية واكتفى بشكل الكلمات مستعملا الحركات العربيّة التي يعرفها الجميع من جرٍّ وضمّ وفتح.

رابعا:قراءة في مستقبل جمع الشعر الشفاهي بوادي سوف:

       إنّ النظر إلى قائمة المورّدين في الجزء الأوّل من " أعلام الشعر الملحون لمنطقة سوف" للأستاذ أحمد زغب(9) يضعنا أمام توقّع قاتم فحواه أنّ كثيرا من شعر الشعراء القدامى في المنطقة معرّض للضياع، وذلك للأسباب التالية:

ـ إنـّّه من بين 17 مورّدا نجد أنّ 06 قد توفّوا بين 2000 و 2006 ؛ أي أن نسبة 35.29% من المورّدين قد توفّوا، وهو ما يعني أنّ بعض الأشعار التي لم توثـّق منهم ربّما لم يعد بالإمكان العثور عليها لدى غيرهم.

ـ إنّ 80% من المورّدين الذين لا يزالون على قيد الحياة يجاوزون سنّ السبعة والستـّين عاما، مما يعني أنّ كثيرا مما لديهم عرضة للنسيان بسبب الهرم وأعراضه أو للضياع بسبب الوفاة.

ـ إنّ 3 فقط من بين المورّدين هنّ نساء والبقيّة رجال. وسبب ذلك أنّ كثيرا منهنّ يتعفّفن عن رواية الشعر في كبرهن وخاصة بعض الأغراض كالغزل والهجاء، ولا يُردْنَ أن يروين سوى المدائح الدينيّة. وهو ما يعني كذلك أنّ جزءا من التراث الشعريّ الشفويّ بالمنطقة قد يضيع.

       وبمقابل هذه الصورة القاتمة هناك صورة أخرى قد تبعث بعض الأمل في الحفاظ على هذا الجانب من الذاكرة وتتمثّل نقاطه هذه الصورة فيما يلي:

ـ ازدياد اهتمام الباحثين في المنطقة بالأدب الشعبي خاصّة بوجود معهدَيْ الأدب والتاريخ في المركز الجامعي بالوادي، فهناك كثير من الطلبة يتحمّسون للبحث في هذا المجال وهم يمكن أن يجمعوا مدوّنات هامّة من محيطهم الأسريّ خاصة أنـهم من كلّ أنحاء المنطقة. وكذلك التحاق بعض أبناء المنطقة بالدراسات العليا في الأدب الشعبي في جامعات مختلفة كجامعة باتنة وغيرها.

ـ دور دار الثقافة محمد الأمين العمودي في تبنـّي الإصدارات التي تجمع وتوثّق وتدرس الأدب الشعبيّ بالمنطقة.

ـ دور إذاعة سوف المحليّة كمركز لتجميع تسجيلات سمعيّة كثيرة، وكذلك دورها كحلقة بحث بين الشعراء والباحثين.

ـ دور بعض الجمعيات الثقافية بالولاية التي تعقد ملتقيات على مستوى هامّ من التخصّص، كرابطة الفكر والإبداع التي نظّمت بالتنسيق مع مخبر أطلس الثقافة الشعبيّة ندوة حول الأدب الشعبي وقضايا الوطن ثمّ أصدرتـها في كتاب.

ـ توفّر التقنيات الرقمية الحديثة لتوثيق وحفظ التسجيلات السمعيّة.

إنّ ميدان الأدب الشفاهي في وادي سوف لا يزال يتطلّب جهودا كثيرة، وهو مفتوح لكلّ الدارسين لتقديم أعمال علميّة منهجيّة تؤلّف بين جمع المادة الخام وتصنيفها وتبويبها وبين  الدراسة الأكاديميّة التي تستنطق النصوص الشفاهيّة مستنبطة الجوانب الفنيّة والاجتماعية والانثروبولوجية.

لقد اجتهد عدد من أبناء المنطقة وغيرهم في جمع التراث الأدبي الشفاهي وتدوينه، منه ما طبع ومنه ما لا يزال مخطوطا، وهي جهود لا تُنكَرُ وجديرة بالإشادة والتنويه؛ لكنّ صار لزاما الآن أن تُحقَّقَ قفزةٌ في الجمع والدراسة من حيث الكمّ ومن حيث الكيف أيضا. من حيث الكمّ بجمع أكبر قدر ممكن من الأدب الشفاهي و تدوينه كتابة او تسجيلا صوتيّا أو حتّى مرئيّا، وأمّا من حيث الكيف فبعدم التوقّف عند الجمع بل الانطلاق في فضاء الدراسة والتحليل خدمة للأدب وللمجتمع معا.



(1)ـ لمزيد من الاطّلاع على الجوانب الطبيعية والتاريخية لوادي سوف انظر: الصروف في تاريخ الصحراء وسوف لإبراهيم بن عامر، و: وادي سوف من خلال الوثائق لمجموعة من الدارسين.

ـ تاريخ العدواني، تحـ: د. ابو القاسم سعد الله، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1996.

ـ الصروف في تاريخ الصحراء وسوف، إبراهيم العوامر، الدار التونسية للنشر، تونس، 1977.

(2)ـ 1500 مثل وحكمة شعبيّة من وادي سوف، بن علي محمد الصالح، مطبعة قرفي، باتنة،ط1، 1998،ص:14.

(3)ـ السابق، ص:21.

(4)ـ السابق، ص: 17.

(5)ـ السابق، ص:24.

(6)ـ السابق، ص:4.

(7)ـ الشاعر الشعبي الساسي حمادي: حياته ومختارات من شعره، بن علي محمد الصالح و: حمادي محمد نافع، مطبعة مزوار، الوادي، ط1،2006، ص:9.

(8)ـ السابق، ص:19.

(9)ـ انظر: أعلام الشعر الملحون في منطقة سوف، أحمد زغب، مطبعة مزوار، الوادي،ط1، 2006، ص:124-126.