نحو نقـد لسـاني عربي مؤسَّسٍpdf

-  جهود مصطفى غلفان نموذجا -

مبروك بركات

    جامعة ورقلة

لقد كان لاتصال الثقافة العربية بالغربية أثر بارز على الدراسات اللغوية، حيث راح الباحثون العرب ينهلون من معين المناهج اللسانية الغربية ، ويطعمون بها دراساتهم للغة العربية وتراثها . ما ساهم في بروز وجهات نظر لسانية  متعددة ، أثمرت خطابا لسانيا عربيا ، جعل بعض الدارسين يطلقون على أطيافه المختلفة تسمية ( اللسانيات العربية ) [1] .

أنتجت سيرورة البحث اللساني العربي  تراكما بحثيا ، ورؤى لسانية متشعبة ، عرف بعضها طريقه ، وآخر ادلهمت به السبل فراح تائها في خضم المفاهيم اللسانية المتهاطلة يوما بعد يوم ، فاستلزم هذا الواقع  أداة تتابع وتقيِّم مسيرة هذا البحث ، وهو ماتحقق في ما يسمى بـ : «النقد اللساني العربيrabic linguistic criticisme » .

$1·       مفهوم النقد اللساني :

يعتبر النقد اللساني أداة بحثية ملازمة لسيرورة البحث اللساني - ملازمةَ النقد الأدبي للنتاج الأدبي – من خلال تتبعه وسهره على مدى تطبيق النظريات اللسانية ، وبيان مدى نجاحها من عدمه ، وقد عرفه أحد الباحثين بقوله : " هو ذلك النقد الذي ينطلق إلى موضوعه المستهدَف نقدا بمرتكزات وأسس لسانية عامة أو جزئية خاصة "[2] .

أما الدراسات اللسانية التي ينبغي أن يعنى بها هذا النقد فأميل إلى أن تكون منصبة على الدراسات اللسانية العربية التي تأسست مع البنيوية ، ومع كتابها الأساسي دروس في اللسانيات العامة لدوسوسير ، - حيث شكلت أفكاره فاصلا حاسما في تأريخ البحث اللساني الحديث – إلى الدراسات المعاصرة لنا ، وبمختلف توجهاتها النظرية ( بنيوية ، تحويلية ، وظيفية ...) . و تكون البداية على وجه التحديد من قبيل منتصف القرن العشرين ، الذي شهد نشر عبد الواحد وافي لكتابه «علم اللغة » سنة 1941 ، الذي مهد فيه لعرض فروع ومجالات هذا المنهج الجديد .

وقد استخدم الباحثون مصطلحات متعددة ، تحمل مدلول النقد اللساني ؛ فقد استخدم مصطفى غلفان مصطلح « التحليل النقدي اللساني »[3] للدلالة عليه ، واختارت فاطمة البكوش هذا مصطلح « النقد اللساني »[4] وأسندته إلى مستوى النحو من بين المستويات اللسانية الأخرى ، واستعمل حافظ اسماعيلي علوي وامحمد الملاخ مصطلح « الكتابة النقدية » وجعلوه منضويا تحت مصطلح آخر وهو «ابستمولوجيا اللسانيات العربية » [5] .

والمصطلح الذي أقر به هو «النقد اللساني » حيث جاء مختصرا ، ومبينا للغاية  المنوطة به ، أما مصطلح التحليل النقدي اللساني فلا يدل دلالة مباشرة على ذلك ، فكلمة " التحليل " تسوغ للقارئ أن يفهم منها تحليل النقود اللسانية ، فتصبح نقدا على نقد ، وهذا المدلول – وإن كان مقصودا – فالمصطلح الذي ارتضيناه من الممكن أن يحتمله ، و أما مصطلح الكتابة النقدية فإنه إذا جاء في غير السياق الذي وردفيه فإنه لا يتيح للقارئ بيان المجال المقصود بالنقد ، إلا بإضافة تحديدية .

$1·       وظائف النقد اللساني العربي :  

للنقد اللساني وظائف عدة منها :

- توجيه الباحثين ، وإطْلاَعُهم على النظريات اللسانية الجديدة .

- القضاء على الهيمنة في مجال الدراسات اللسانية ، والمقصود بالهيمنة : سيطرة تفكير معين أو نظرية معينة في مجال محدد وعدم قابليته للرأي الآخر ، و يبرز أثر النقد اللساني هنا في أنه يستخدم إجراءاته النقدية على الإنجاز المهيمن ، فيكشف محاسنه و مثالبه ، وما له وما عليه بموضوعية، ما يدعو القارئ إلى إعادة النظر في آرائه حياله .

-  الحفاظ على النظريات اللسانية من التشويه الذي قد يلحقها جراء الترجمة والتطبيق وأخذها من غير أصولها ، فهو يحاول الرجوع بالنظريات إلى المصادر التي أخذت منها ، ونقد من جنح عن ذلك ، حتى يكون القارئ على هدى مما يقرأ .

- وصف سيرورة البحوث اللسانية ، والكشف عن اتجاهاتها المختلفة ، ومحاولة تصنيفها ، بناء على المرجعيات والنظريات التي متحت منها [6].

وإن هذه الوظائف تبين أنه لا يتصدى ولا يضطلع بمهمة النقد اللساني إلا باحث مطلع على النظريات اللسانية المختلفة ، ومتتبع لتطوراتها وسيرورتها في أصولها ومصادرها ، إضافة إلى ما ينبغي أن يتحلى به من الموضوعية والشك العلمي في الطرح والمعالجة .  

$1·       اتجاهات النقد اللساني العربي :

للنقد اللساني العربي اتجاهات ، حددها بعض الباحثين في ثلاثة ، وهي :

-1 النقد اللساني العام :

ويُوَجَّهُ النقد فيه إلى اللسانيات العربية في عموميتها ، دون تمييز بين نماذجها واتجاهاتها ، ودون الكشف عن الأسباب الحقيقية وراء ذلك الوضع الذي تعيشه اللسانيات العربية وضعف نتائجها .

وفي أغلب الأحيان ما يكون النقد في هذا الاتجاه بدافع الحماس والانتصار لاتجاه لساني والاستنقاص من الاتجاهات الأخرى [7]

وهو بهذه الأوصاف نقد وصاف ، لا يسعى إلى بيان الأخطاء والسلبيات من أجل تلافيها ، بل يسلط النقد كآلة حادة تنسف ما عداها ، ليخلو لها مجال البحث اللساني ، ولا جرم أن واقع البحوث العلمية يبين أنه ليس في إمكان باحث أن يدعي الحقيقة لنفسه أو لمنهجه ويدرأها عما سواه ، فطبيعة البحث اللساني التجدد والمثاقفة . 

- 2 النقد اللساني الخاص :

ويستهدف هذا النقد أحد اللسانيين أو إحدى المدارس اللسانية ، وقد يركز في نقده على فرع من فروع الدراسة اللسانية ( كالصوتي أو النحوي ... ) [8] .

ومن الدراسات النقدية التي استقطبت مدرسة من المدارس اللسانية ، كتاب : « العربية وعلم اللغة البنيوي » لحلمي خليل ، والذي ركز فيه على نقد بعض الدراسات اللسانية العربية التي استندت للمنهج البنيوي في دراسة اللغة العربية .

وقد صنف الدراسات اللسانية المستقطبة في ثلاثة تيارات :

1 / الوصفية ونقد التراث اللغوي :

وقد مثل لهذا الاتجاه بكتاب :«دراسات نقدية في النحو العربي 1957» لعبد الرحمن أيوب، وكتاب : «اللغة بين المعيارية والوصفية 1958» لتمام حسان ، و«دراسات في علم اللغة 1971» لكمال بشر[9] .

2 / التحليل البنيوي للغة :

ومن الدراسات التي تمثل هذا الاتجاه - في نظره – كتاب : «مناهج البحث في اللغة 1955» لتمام حسان ، و «علم اللغة مقدمة للقارئ العربي 1962» لمحمود السعران [10].

3 / تطبيق النظرية اللغوية الحديثة على اللغة العربية :

ويرى حلمي خليل أن كتاب : «اللغة العربية معناها ومبناها 1973» يقف وحيدا في مجال تطبيق البنيوية الوصفية على اللغة العربية [11].

وترى فاطمة بكوش أن هذا التيارات التي صنف من خلالها حلمي خليل بعض البحوث اللسانية التي استندت للمنهج البنيوي ، جعلها تمثل خطابات لسانية متعددة ، بينما تمثل في الأصل خطابا واحدا ، يستند للمنهج البنيوي [12]

ويبدو لي أن هذا الدراسة وإن لم تستند إلى أدوات ومقومات نقدية وإجرائية مؤسسة فإنها حاولت تسليط ضوء نقدي على مرحلة هامة من مراحل البحث اللساني العربي الحديث، ما يجعلها لبنة من اللبنات الهامة نحو نقد لساني عربي مؤسس .

أما النقود التي تستهدف أحد اللسانيين العرب فتأتي في أغلب الأحيان مبثوثة في ثنايا الكتب النقدية ، وسنضرب مثالا بتمام حسان ، الذي كانت دراساته وآراؤه محل نقد من باحثين كثر ، وأسجل في هذا السياق موقفين نقديين حيالها:

1 / نقد تنويهي :

وهو نقد مبطن بتعابير المدح والتنويه والتمجيد ، وقد لمسناه عند أحمد علم الدين الجندي، وهو يتحدث عن كتاب « الأصول » لتمام حسان ، قائلا : " أضفى الأستاذ على عمله منهجا جديد أبعد عنه السأم مما حببه إلى القارئ ، فلا فضول ولا التواء " [13].

وهذا النقد لم يستخدم أدوات نقدية ينقد من خلالها الأفكار التي وردت نقدا فاحصا ، بل  جنح إلى كلام متسم بالعموم والذاتية والمدح ،  وهذا النقد لا يساهم في الرقي بالبحث اللساني .

2 / نقد تجريحي :

ويلجأ فيه الناقد إلى التجريح والمصارعة ، وإلى تعداد المثالب ، وقد يصل به الأمر إلى اصطناعها ، وقد وقع في براثنه فخر الدين قباوة ، وهو يناقش تمام حسان في نص ساقه في كتابه اللغة العربية معناها ومبناها ، ذاكرا فيه مثالا هرائيا ومعلقا عليه ، يروغ من خلاله التدليل على كفاية المعنى الوظيفي في التحليل اللغوي ، دون حاجة إلى المعجم أو المقام ، وتمثل هذا النص في قوله : " انظر مثلا إلى ما يأتي :

قاص التجين شحاله بتريسه الـ   فاخي فلم يستف بطاسية البرن .               إن من حسن الحظ أن ابن اسحق رضي الله عنه لم يتأخر به زمانه حتى يقرأ ما يبدو هنا أنه أريد به أن يكون من قبيل الشعر لعده من شعر الجن أو لزعم أن آدم قاله قبل أن يعلمه الله الأسماء كلها "[14]

قام الأستاذ قباوة منهالا على تمام حسان بنقد تجريحي ، يقول فيه : " هذه عباراته بحذافيرها ، كما جاءت في كتابه ، بما فيها من خلل وتسيب وسخرية وخلل . فهو يريد عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي ، ولكنه لا يعرف كيف ينقل كنيته "[15] .

ولا يخفى ما في هذا النقد من تجريح خرج عن سياق النقد اللساني إلى التلاسن ، ومن نقد الآراء إلى نقد الأشخاص ،  بل إن توجه الأستاذ قباوة إلى هذا النوع من النقد كلفه ارتكاب جريرة علمية أراد أن يلصقها بتمام حسان ، فوقع في شراكها ، حيث إن تمام حسان لم يقصد بكنية "ابن إسحاق" النحوي عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي المتوفى سنة 117 هـ ، الذي كانت بينه وبين الفرزدق منافرات لغوية [16] ، وإنما قصد بها محمد بن إسحاق الراوية الذي كان له اشتغال بالمغازي والسير  ، ونص ابن سلام الجمحي دليل ذلك ، يقول : " وكان ممَّن أفسد الشعرَ وهجَّنهُ وحمل كل غُثَاءٍ منه ، محمد بن إسحاق بن يسار ... " [17]

وقد تجلى أن هذا النقد لم يتسلح بمقومات نقدية مضبوطة تعصم الناقد من النظرة الذاتية، وتمنعه من الجنوح كلما شطت نفسه. وهو الذي جعل هذا النقد لا يصل إلى أن يكون نقدا علميا مؤسسا ، يرقى بالبحث اللساني العربي إلى ما يصبو إليه .

- 3 النقد اللساني المؤسس : 

وهو ذلك النقد الذي يقوم على مقومات نقدية ورؤى منهجية تضمن للناقد رؤية واضحة، وترابطا منهجيا بين المقدمات والنتائج ، وصياغة الأسئلة والإشكالات قبل أن يتجه للإجابة عنها ، ويتسم هذا النقد بالتماسك والانسجام في التحليل[18].

وعلى الرغم من أن الثقافة اللسانية العربية لم تقطع شوطا كبيرا نحو هذا النقد فإننا لا نعدم وجود محاولات رامت تلمس الطريق إليه ، وتترجم هذه المحاولات جهودُ هيضل من اللسانيين العرب ، منهم :

- عبد السلام المسدي :  تناول في كتابه : «اللسانيات وأسسها المعرفية » بعض عقبات البحث اللساني العربي ، ناشدا من ذلك تشخيصها ، واقتراح بعض الحلول على العاملين في هذا الحقل حتى يبعثوا واقعا ، ووجها آخر للبحث اللساني[19] .

- عبد القادر الفاسي الفهري :

ذهب في مقال له بعنوان : «اللسانيات العربية نماذج للحصيلة ونماذج للآفاق » إلى أن "وضع اللسانيات في الأقطار العربية من وجهة معرفية خالصة يطبعه التشتت والتسيب"[20] .

ولم يكتف بهذا التوصيف ، بل راح يذكر بعض مظاهر هذا التسيب ( كالتسيب المرجعي و والتقصير في التوثيق و اضطراب المصطلح ...) ، وكان في عرضه لكل مظهر يبين السبيل الذي يمكن من خلاله للباحثين تخطي ذلك المظهر التسيبي .

وظهر الفهري موضوعيا في الطرح حيث لم يقتصر على تعداد مثالب البحث اللساني ، فقد قرر أن في اللسانيات العربية على مستوى الأفراد على الأقل ، ما يدعو إلى الشعور بالتقدم ، أو بضرورة التقدم في عدة مناح [21] .

وقدم في نهاية مقاله بعض الآفاق التي ينبغي على اللسانيات العربية أن تصل إليها ، وأبرز السبل الموصلة إلى ذلك[22] .

- عز الدين المجدوب :

نلمس في كتابه : «المنوال النحوي - قراءة لسانية جديدة - » رؤى نقدية قريبة إلى النقد اللساني المؤسس ، حيث تناول فيها بعض الدراسات النحوية التي نقدت التراث بالدراسة النقدية ، محاولا إعطاء كل دراسة قدرها ، مبرزا أخطاءها ونقائصها . والذي يبين مدى قرب هذه الدراسة من النقد اللساني المؤسس هو استعانها بأدوات نقدية مستمدة من الابستمولوجيا أو فلسفة العلوم[23]، إذ غرض هذه الأخيرة هو الدراسة النقدية " للمبادئ والفرضيات والنتائج العلمية "[24] ، ولا غرو أن هذه الإفادة ستساهم في علمنة هذا النقد .

ولكن هذه المحاولات على الرغم من أنها وضعت قدمها في مجال النقد اللساني العربي المؤسس فإنها بقيت بحاجة إلى بحوث نقدية  أخرى تتمم ما استهلته هذه الدراسات ، بحوث تحاول أن تبحث عن إجراءات نقدية أكثر علمية ، تستفيد من السابق ولا تلغيه .

ويبدو أن الحقل النقدي العربي لم يكن عقيما ، فقد ظهرت في نهايات القرن العشرين ، جهود نقدية للبحث اللساني لايسع الباحث إلا أن يصنفها في صنف الدراسات النقدية المؤسسة ، ولعل من أبرزها ، جهود الباحث مصطفى غلفان .

$1·       جهود مصطفى غلفان في النقد اللساني المؤسس :

عرض غلفان أفكاره النقدية في كتابه : « اللسانيات العربية الحديثة - دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية - »[25] ، ولم يكن اختيارنا لجهود مصطفى غلفان نموذجا لهذا الاتجاه النقدي  ناشئا عن غرض شخصي ، أو جغرافي ، بل هناك أسباب علمية ، منها :

- أبانت دراسته عن تتبع دقيق لبدايات اللسانية العربية وتطوراتها .

- إن مصطفى غلفان أتاح له الزمن أن يطلع على عدة محاولات نقدية لسانية ، ما يجعله يتخطى النقائص التي وردت فيها .

- لقد أظهر في دراسته السالفة الذكر تمكنا منهجيا في عرض القضايا وتحليلها .

- استفادة دراسته من علوم لها فائدة عظيمة في علمنة النقد ، ومنها الابستمولوجيا .

- جاءت دراسته مزاوجة بين التنظير والتطبيق .

وسنعرض في هذه الأسطر مشروع الأستاذ غلفان في النقد اللساني المؤسس ، ونرى أننتناولها  تحت مجالين ، مجال تنظيري ، ومجال تطبيقي .

1 / مجال تنظيري :

لقد استهل غلفان دراسته النقدية مصرحا باعتبارها "مساهمة أولية لرصد بعض الجوانب التاريخية والنظرية المتعلقة بالتجربة اللسانية في العالم العربي ، سواء من حيث إمكاناتها وحدودها"[26].

وقبل أن يلج إلى استقصاء البحث اللساني العربي مهد بطرح مجموعة من التساؤلات المنهجية حول اللسانيات العربية ، وما يكتنفها من غموض ملحوظ وعمومية ساذجة . ومن الأسئلة المطروحة : هل هناك فعلا لسانيات العربية[27] ؟ ما المقصود بها ؟ ، وما هي سماتها المنهجية ؟ .

وتنم هذه الأسئلة عن وعي عميق بالظروف التي نشأت فيها اللسانيات العربية ، وبتطوراتها ، وتعثراتها ، إذ على الرغم من وجود تراكم في الدراسات ، فإن الكثير منها إذا ما خضع للفحص المنهجي لن ينال أحقية الاندراج في البحث اللساني بالمعنى الدقيق [28].

وقد أسلمته تلك التساؤلات إلى أن اللسانيات العربية تعيش حالة أزمة ، ويقر بأن هناك دراسات لسانية عربية حديثة أشارت بصراحة إلى هذه الأزمة ، ولكن هذه الدراسات -في نظره-خلطت بين أمرين يتعين التمييز بينهما ، وهما :

- وضعية اللسانيات كما تمارس في الكتابات اللسانية التي ينجزها اللسانيون العرب .

- وضعية اللسانيات عند جمهور المثقفين والمتنورين العرب ، ويرى أن مايهم الباحث في اللسانيات العربية بالدرجة الأولى هو البحث في الجوانب المتعلقة بالوضعية الأولى [29] . وإن هذا الموقف فيه تلميح إلى أن النقد اللساني ينبغي أن يكون متخصصا ، لا يتناول كل ما يكتب في اللسانيات ، بل ينبغي أن يهتم أساسا بالدراسات اللسانية المتخصصة التي يكتبها مختصون .

ويخلص من ذلك إلى أن حقيقة أزمة اللسانيات العربية " أزمة أسس ، وأزمة في المنطلقات الفكرية والنظرية والمنهجية التي تؤسس مجالا معرفيا معينا وتحدد معالمه ، إما لعدم وضوحها بشكل كاف وإما لكون التراكم المعرفي المتوفر في هذا المجال قد وصل إلى طريق مسدود ما يتطلب إعادة النظر في الأسس، والمبادئ العامة " [30]/[31].

وبين وجود عوائق ساهمت في نشوء هذه الأزمة ، ويرى أن هذه العوائق تتجلى في مستويين :

- مستوى الموضوع : ومن بين المظاهر التي ساهمت في أزمة اللسانيات العربية على هذا المستوى:

- نظرة غير موضوعية للغة العربية من خلال اعتبارها لغة فوق اللغات .

- رغبة الباحثين المحدثين ربط الموروث اللغوي العربي القديم بأحدث النظريات والنماذج اللسانية ، وهناك عوائق هذا العمل ، منها الاضطراب المصطلحي .

- المستوى النظري والمنهجي : ومن مظاهر الأزمة فيه :

- عدم وجود رؤية منهجية تجاه قضايا اللغة العربية .

- انعدام برنامج لساني عام يحدد الأولويات ، وما يتطلبه واقع اللغة العربية.

- تخلف كبير في ملاحقة وتتبع ما يطرأ من تطورات في اللسانيات بشتى فروعها .

- تجاهل بعض المهتمين بقضايا اللغة العربية للنظريات اللسانية .

- البحث في قضايا لغوية غير مجدية كنشأة النحو العربي [32].

ولم يكتف بهذا التوصيف ، بل حاول البحث عن تفسيرات يمكن أن ترد لها العوائق السالفة الذكر من أجل تخطيها ، وأقر بصعوبة تفسير ها بكيفية موضوعية ، وذهب - مبدئيا – إلى أن سببها راجع أساسا إلى هيمنة بعض النماذج اللغوية ، قديمة - من التراث العربي -  ، أو هيمنة فكر لغوي غربي حديث من جهة ثانية .

ويبدو لي أن تلك التساؤلات المطروحة ، وبيان أزمة اللسانيات العربية وتشخيص العوائق التي اكتنفت سبيلها ، هي تمهيدات متسلسلة ، جاء بها غلفان لتبرير حاجة البحث اللساني العربي إلى نقد يسهر ويقيم مسيرته ، ويحاول أن يرسم خططا تساهم في الخروج به من غياهب العقبات والعوائق .

 تصورات تنظيرية للنقد اللساني المؤسس عند مصطفى غلفان :

ويستهل هذا التنظير مقررا أن الكتابات اللسانية العربية لم تقوم نظريا ومنهجيا ، تقويما دقيقا، وأرجع ذلك إلى غياب نقد لساني واضح المعالم والمنطلقات المنهجية [33] ، وحتى الدراسات المصنفة على أنها نقد لساني تأتي في حالات عديدة إما سيلا من المجاملات للعمل المستهدف ، أو سيلا من ألفاظ الاستهزاء والاستخفاف [34] .

ويخلص من ذلك إلى تصور عام للنقد اللساني المؤسس ، ولمن سيضلع بالقيام به ، يقول :" هو الذي يستطيع أن يخلق بينه وبين العمل المستهدف نقدا حوارا علميا مثمرا تكون له نتائج نظرية ومنهجية أو تطبيقية في مجال معرفي معين . إن المحلل الناقد هو بمثابة محاوِر ومناظر لغيره في الوقت ذاته " [35]  فبعبارة أخرى يمكن أن يسمى النقد اللساني بالحوار العلمي .

و حتى يكون النقد اللساني مضبوطا وفعالا سعى غلفان إلى وضع أسس له ، يُرْجَعُ إليها لتمحيص ما يصدره الناقد اللساني من تقويم في حق الكتابات اللسانية . وقد استعار في سبيل هذا من فيلسوف اللغة "سورل " التمييز بين نوعين من القواعد ، قواعد معيارية وقواعد مؤسسة .

أما القواعد المعيارية فترتبط أساسا بذات الناقد اللساني ووعيه ، وما يجب أن يتصف به من خلال أخلاقية ، كاتصافه بالموضوعية و احترام رأي الآخر وعدم الإساءة إليه ، و التخلي عن المجازفة في التعميمات والقطع في الإثبات أو النفي ، وهذه القواعد وإن كانت ذاتية فإن لها أثرا في تحديد طبيعة الدراسة النقدية اللسانية [36] .

أما القواعد المؤسسة فهي جملة من المبادئ القابلة للضبط والمراقبة ، ومن شأن هذه القواعد هو جعل النقد اللساني مقيدا شكلا ومضمونا ، ما يعطي للاستنتاجات المحصل عليها قدرا كبيرا من الموضوعية والوضوح ، وحتى لا يجنح إلى الأحكام الذاتية المرتبطة باعتبارات ظرفية وشخصية [37] .

تعتبر القواعد المؤسسة كثيرة ، ومن تلك القواعد ما تحدث عنها غلفان في دراسته :

-1 تعدد التيارات والنماذج اللسانية :

ينبغي على الناقد اللساني أن يؤمن بتعدد التيارات والنماذج اللسانية ،ويأخذ ذلك بعين الاعتبار في دراساته ، إذ ليس من حق تيار أن يقر الحقيقة لنفسه ، ويلغيها عن غيره ، فالمنافسة بين النظريات مشروعة وضرورية إذا هي أقرت بحرية الاختيار وتعدد المذاهب وحقها جميعا في الاشتغال باللغة العربية .

ولذلك فإن البحث اللساني العربي وبمختلف اتجاهاته[38]مدعو إلى التكامل قصد خلق وعي لغوي ، تكامل يراد من الانفتاح على كل الآراء دون إلغاء للاختلاف . وانطلاقا من هذا فإن على الناقد اللساني أن يكون منفتحا على كل التيارات والنماذج اللسانية، بحيث لا ينقد الكتابات اللسانية من وجهة تيار أو نموذج لساني معين .  

- 2 نقد المصادر اللسانية :

لقد أعطى غلفان للمصادر دلالتين : تدل الأولى منهما على الأصول الفكرية والمبادئ المنهجية التي ترتكز إليها نظرية لسانية معينة . أما الدلالة الثانية فتعني المصادر التي يعتمدها باحث معين في دراسة موضوع محدد .

وتكتسي دراسة المصادر أهمية بالغة في النقد اللساني ، من ناحية أنها تعصم الناقد اللساني من تحميل الكتابة اللسانية المستهدفة نقدا لم تهدف إليه ، أو يخرج عن مصادرها الفكرية العامة .

ويسمح نقد المصادر للناقد اللساني أن يقف على التقلبات التي يعرفها البحث اللساني وما يستجد فيه من معارف وتصورات ومناهج نظرية وتطبيقية [39] .

- 3 التقويم الداخلي :

ويقتضي هذا التقويم من الناقد اللساني أن يتعرف على الإطار النظري الذي تندرج فيه الكتابة اللسانية المستهدفة بالنقد ،حيث يسمح له ذلك أن يقف على الجوانب المعرفية التي قامت عليها تلك الكتابة ، ما يمكن من الوصول إلى نقد لساني أكثر موضوعية[40] .

- 4 الاهتمام بالقضايا ذات الأبعاد النظرية والمنهجية : 

حدد غلفان مجموعة من القضايا النظرية والمنهجية التي على النقد اللساني أن يقوم بها حتى يكون مساهما في الرقي بالبحث اللساني إلى الأفضل ، ويفضل أن تتناول -أولا- في نموذج لساني درس اللغة العربية ،  ومن تلك القضايا :

- بيان علاقة النموذج بالوقائع القابلة للملاحظة ، أي الوقائع اللغوية التي يمكن لنموذج لساني معين أن يبرزها ويعطيها دلالة نظرية أو منهجية خاصة .

- دراسة المفاهيم والمصطلحات التي يقترحها نموذج معين من خلال ربطها بما تعبر عنه من ظواهر لغوية .

- دراسة مستوى التقعيد المقترح لظواهر لغوية معينة من خلال التأكيد على الطبيعة المنهجية لعملية التقعيد[41]

ويخلص من عرضه لهذه التصورات إلى أن النقد اللساني ينبغي أن يستهدف تنمية البحث اللساني وترقيته ، من خلال تقويمه تقويما مبنيا على أسس منهجية محددة تنطلق من طبيعة البحث اللساني لا من اعتبارات خارجة عنه [42] .

2 / مجال تطبيقي :

وقد تجلى التطبيق النقدي عند غلفان في محاولته القيام بتصنيف للكتابات اللسانية العربية  الحديثة منذ بداياتها الأولى إلى وقت كتابته للدراسة ، وحاول أن يجعل تصنيفه مستوعبا لمختلف أطياف وتيارات هذه البحوث اللسانية .

وقد جاء تصنيفه منقسما إل قسمين :

1 / تصنيف إجمالي :

يرى أن البحوث اللسانية العربية الحديثة أفرزت خطابين متمييزين ، وهما :

- 1 خطاب لغوي نهضوي : 

ويقصد به كل الكتابات اللغوية التي ظهرت في الفترة الممتدة ما بين النهضة العربية ومنتصف القرن العشرين . بداية بـكتاب :  « التحفة المكتبية لتقريب القواعد العربية 1869 » لرفاعة رافع الطهطاوي ، لينتهي مبدئيا مع ظهور أول مؤلف عربي في علم اللغة الحديث في بداية الأربعينات من القرن العشرين لعلي عبد الواحد وافي [43]. ومازال هذا الخطاب ماثلا في كثير من الدراسات اللغوية في القرن الواحد العشرين .

لقد حدد الأستاذ غلفان جملة من السمات والملامح التي تميز بها الخطاب النهضوي ، نذكر منها [44]:

- اهتمامه ببيان دور اللغة في النهضة العربية سياسيا وفكريا واجتماعيا .

- يمتح من بعض المصادر و الأفكار التي دعا إليها المنهج التاريخي والمقارن في أروبا .

- يشيد هذا الخطاب باللغة العربية ، بل يعتبرها لغة فوق كل اللغات البشرية، كما يدخل اعتبارات غير لغوية في تحليلاته ، حيث يؤكد على الدور الحضاري والثقافي للغة العربية .

- اقتصاره على إعادة إنتاج قواعد النحو العربي القديم شرحا واختصارا .

- 2 خطاب لساني معاصر:

تترجم الخطاب اللغوي المعاصر تلك الكتابات اللغوية التي استندت نظريا ومنهجيا للمبادئ التي قدمتها النظريات اللسانية العربية (أوما يعرف باللسانيات العامة ) [45].

ويقر بصعوبة تصنيف البحوث اللسانية المعاصرة ، لعدة أسباب ، منها أن اللساني العربي الواحد قد يأخذ بأكثر من موقف دفعة واحدة أو قد ينتقل من موقف إلى آخر خلال فترات حياته العلمية [46].

2 / تصنيف تفصيلي :

تتبع غلفان بعض التطنيفات حاولت استقطاب الكتابات اللسانية العربية ، وحاول كشف النقص والاضطراب الذي اكتنفها ، وهو الأمر الذي دعاه إلى وضع تصنيف لها .

قبل أن يعرض لتصنيفه ، ذكر المعايير التي استند إليها في هذا تحديد تحديد نوعية الكتابة اللسانية العربية ، وهي : الموضوع والمنهج والغاية .

أما الموضوع فيقصد به المادة التي يبحث فيها أو يشتغل بها ، وهي في الخطاب اللساني العربي   إما نظريات لسانية ، أو التراث اللغوي العربي القديم من حيث أنه تصورات وطرق تحليل ومصطلحات ، أو اللغة العربية الفصحى القديمة أو لهجاتها.

أما المنهج فهو وجهة النظر المتبعة في بحث موضوع معين . أما الغاية فيقصد بها الهدف الذي يرومه الباحث اللغوي من خطابه اللساني ، كتبسيط المعرفة اللسانية ،أو التوفيق بين التراث اللغوي ومضامين النظريات اللسانية الحديثة ،وغير ذلك [47].

وتبعالهذه المعايير صنف الكتابة اللسانية العربية إلى عدة كتابات ، ذاكرا خصائص كل واحدة منها ، وهذه الكتابات هي :

- 1 الكتابة اللسانية التمهيدية :

وتمثلها تلك الكتابات التي حاولت إطلاع القارئ العربي على اللسانيات العامة ومناهجها ، وتزويده بالمعلومات الأساسية ، ويرى غلفان أن هذه الكتابة بقيت قيد العرض النظري ، إذ لم ينزل أغلبها إلى جانب التطبيق على اللغة العربية [48] .

وقد سجل بعض النقاط التي جعلت الكتابة التمهيدية العربية تتسم بالقصور المنهجي ، وهي :

- الارتباك في تحديد مجال البحث الللساني مفهوميا ومنهجيا .

- افتقارها إلى تقنيات التحليل اللساني .

- ترويجها لبعض الأخطاء المعرفية .

- عدم مواكبتها لتطور البحث اللساني ونماذجه [49].

- 2 كتابة قرائية (لسانيات التراث)[50] :

وتتسم هذه الكتابة بسعيها إلى التوفيق بين مضامين التراث اللغوي العربي ، وما تقدمه اللسانيات من نظريات ، وتعرف هذه الكتابة بالقراءة أو إعادة القراءة ، ويميز غلفان بين ثلاثة اتجاهات قرائية تعنى بها لسانيات التراث ، وهي :

- قراءة شمولية : تحاول ربط التراث اللغوي العربي في كليته وشموليته بالنظريات الللسانية الحديثة .

- قراءة قطاعية : وتتمحور حول مستوى أوقطاع معين من مستويات التراث اللغوي العربي ، كالمستوى النحوي أو الصرفي ... .

- قراءة قراءة النموذج الواحد : ويتمحور حول شخصية لغوية عربية قديمة يتناول فكرها

اللغوي وطريقة تصورها في مجال من مجالات البحث اللغوي [51].

ويقر بعدم نهائية هذا التصنيف لهذه الكتابة ، - وفي نظري - أن هذا رائز من روائز النقد المؤسس عنده . ويدعو في هذا المضمار الباحثين أن ينظروا للتراث على أنه إنتاج معرفي محدد بإطار تاريخي وثقافي ينبغي له  أن يتفاعل مع مراحل أخرى ، دون إلغاء للدور الحضاري لهذا التراث ، وستسمح هذه القراءة المتوازنة بالكشف عن القيمة العلمية للتراث في مجال علوم اللغة بشكل علمي صحيح ، يتيح عدة علمية يستطيع بها الباحث الرد على الهجمات التي تستنقص من قيمة التراث العلمية[52] .

- 3 لسانيات العربية :

تخص لسانيات العربية الكتابات اللسانية العربية التي نهلت من النظريات اللسانية في دراسة اللغة العربية نهلا كبيرا، كما أنها تعد من بين الدوافع المهمة التي دفعت الثقافة اللسانية العربية إلى التفكير في التأسيس لنقد لساني مؤسس ، لجرأة هذه الدراسات ولتشعب مساراتها .

ويتجلى لي النقد المؤسس عند غلفان حين يقف أمام هذه الكتابات وقفة إنصاف ، حيث لم يعمم في الحكم السلبي على هذه الدراسات -كما هومعهود عند بعض الدارسين – بل أشاد ببعضها وأقر بما وصلت إليه من قفزة نوعية .

واكتست لسانيات العربية عنده هذا الأهمية لأنها – في اعتقاده – ساهمت في" وضع اللبنات الأولى لبحث لساني عربي علمي دقيق وذلك بوضعها لأوليات نظرية ومفاهيم منهجية مغايرة كليا للدراسات اللغوية العربية السائدة، معبدة السبيل للأجيال القادمة نحو درس لساني عربي في مستوى الحداثة والعالمية " [53] .

وقد ميز مصطفى غلفان بين ثلاثة كتابات أساسية مصنفة تحت لسانيات العربية ، محاولا الكشف عن خصائص وسمات كل كتابة ، وهذه الكتابات هي :

3-1 الكتابة الوصفية العربية:

لقد أشاد غلفان بالكتابات الوصفية العربية الأولى ، ولكن لم تمنعه الإشادةة من الوقوف عند بعض سماتها والهنات التي اكتنفتها ومن أهمها - في نظره -:

- عدم تحديد المصادر والأسس النظرية والمفاهيم المنهجية توضيحا كافيا .

- الانتقائية في التعامل مع النظريات اللسانية الوصفية .

- السطحية في تداول المفاهيم والمبادئ اللسانية الوصفية .

3-2 الكتابة التوليدية العربية :

حاول غلفان تطبيق المبادئ النقدية النظرية من خلال تحليله لمصادر بعض الكتابات التوليدية التي اعتقد أن فيها إبداعا وتجديدا وذلك بتحديد الأسس النظرية و المنهجية للنماذج اللسانية المؤطرة لها ، مبرزا سماتها المميزة [54].

عرفت النظرية التوليدية تطورات عدة جعلتها تتسم بتعدد مصادرها وأصولها وأطرها ، وهو ما انعكس على الكتابة التوليدية العربية ، فقد تعددت النماذج والأطر النظرية المطبقة على الغة العربية ، ويرى غلفان في هذا التعدد إيجابياتأجملها فيما يلي :

- إثراء البحث اللساني العربي .

- تقريب الدرس اللساني العربي من واقع البحث اللساني العالمي .

- تعميق المعرفة العلمية باللغة العربية .

- إثارة إشكالات جديدة واقتراح الحلول المنهجية الممكنة .

- التحليل العميق والشامل للغة العربية [55].

ولكن هذه الجوانب الإيجابية لا تحجب وجود بعض الصعوبات التي قد تحد من فعالية الكتابة التوليدية العربية ، ومن تلك الصعوبات التي تناولها :

- صعوبة تقديم بحث توليدي متكامل للغة العربية .

- التناول التجزيئي لقضايا اللغة العربية .

- عدم التدقيق في ملاءمة تلك الأطر النظرية للتطبيق على اللغة العربية [56].

 وقد تمخض عن هذا الوضع اتسام الكتابة التوليدية العربية في تعاملها مع النماذج التوليدية برؤية مرحلية " لا تبحث عن المعالجة المعالجة الشمولية لظواهر اللغة العربية وإنما عن تقديم أشتات و » منوعات » من التحليل التوليدي الذي ينحصر في الاشتغال بمواد لغوية منتقاة من اللغة العربية أو مترجمة إليها من لغات أجنبية تلائم النموذج المقترح"[57] .

3-3 الكتابة التداولية الوظيفية العربية :

تعتبر هذه الكتابة من الكتابات اللسانية المتأخرة في الللسانيات العربية ، ولذلك حاول غلفان تتبع مسيرة اللسانيات الوظيفية ، وعرض مصادرها الأساسية ، وقد توزعت بين المنطق و الفلسفة وبعض النظريات اللسانية الحديثة[58].

ويعد مؤلفات أحمد المتوكل أبرز كتابات في الاتجاه الوظيفي العربي بمعناه اللساني المعاصر ، ومبرزا أسبابا علمية مؤيدا بها رأيه [59]، وأما الجانب التداولي فيذهب إلى أن الثقافة العربية الحديثة لم تعرف أي اهتمام حقيقي بالدراسات التداولية العصرية ، و يعد طه عبد الرحمان أحد المفكرين العرب الأوائل الذين حاولوا التعريف بالفكر التداولي وتطبيقه في بعض مناحي الثقافة العربية الإسلامية [60].

ويبدو أن قلة البحوث اللسانية العربية  في هذه الكتابة لم يتح له الوقوف عن كثب على سماتها المنهجية ، بقدر ما أكد على عرض قضاياها النظرية التي تتيح للقارئ العربي التعرف على أصولها ومصادرها .

وبعد هذا التناول للأفكار النقدية النظرية والتطبيقية التي أوردها غلفان في بحثه نصل إلى الإشادة بهذا الجهد الذي خطا به خطوات كبيرة نحو نقد لساني عربي مؤسس ، ولو استفاد اللسانيون العرب مما جاء فيه من أفكار وتتبع دقيق لخصائص وسمات وعقبات للبحث اللساني العربي - إلى وقت كتابة دراسته- ، فلا غرو أننا سنشهد ارتقاء في الكتابة اللسانية العربية .

ولا ينبغي أن يستفاد من هذا الكلام أني أروم جعل هذه الدراسة مهيمنة في مجال النقد اللساني ، وإنما هو إقرار بالموقع المهم الذي ينبغي أن تحوزه في مسيرة النقد اللساني العربي .

و إن إيماني يسيرورة البحث اللساني وبعدم جموده وركوده ، يجعلني أصنف هذه الدراسة كحلقة من الحلقات ، ينبغي أن تتلوها دراسات نقدية – تبني على ماهو موجود من دراسات – تستقطب بأدوات تقويمية نقدية مؤسسة ما جد من بحوث لسانية ، مساهَمَةً في الرقي بالبحث اللساني العربي وعلمنته .       

مراجـع البحـث :

-1 التحليل النحوي أصوله و أدلته ، فخر الدين قباوة ، الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان ، ط1 ، 2006 .

- 2  طبقات فحول الشعراء ، محمد ابن سلام الجمحي ، قرأه وشرحه أبو فهر محمود محمد شاكر ، دار المدني ، جدة ، ج1 ، ط2 ، 1974 .

- 3  العربية وعلم اللغة البنيوي – دراسة في الفكر اللغوي العربي الحديث - ، حلمي خليل ، دار المعرفة الجامعية ، د ط ، 1996.

- 4  قضايا إبستمولوجية في اللسانيات ، حافظ إسماعيلي علوي – امحمد الملاخ ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ط1 ، 2009 .

- 5 اللسانيات العربية الحديثة – دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية ،  مصطفى غلفان ، جامعة الحسن الثاني عين الشق ، رسائل و أطروحات  ، رقم 4 ، 1991 .

- 6  اللغة العربية معناها ومبناها ، تمام حسان ، عالم الكتب ، ط5 ، 2006 ، ص 183 . 

- 7 اللسانيات العربية نماذج للحصيلة ونماذج للآفاق ، عبد القادر الفاسي الفهري ،  تقدم اللسانيات في الأقطار العربية ، ندوة جهوية أبريل 1987 الرباط ، دار الغرب الإسلامي ، ط1 ، 1991.

- 8 اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة دراسة تحليلية في قضايا التلقي وإشكالاته ، حافظ اسماعيلي علوي ، دار الكتاب الجديد ، ط1 ، 2009 .

- 9  اللسانيات وأسسها المعرفية ، الدار التونسية للنشر ، تونس ، دط ، 1986.

- 10 من قضايا الفكر الأصولي وأثره في تيسير النحو ، أحمد علم الدين الجندي ، تمام حسان رائدا لغويا ، عالم الكتب ط 1 ، 2002 .

- 11 المنوال النحوي - قراءة لسانية جديدة - ، عز الدين المجدوب ، دار محمد علي الحامي ، تونس ، ط1 ، 1998 .

- 12 النحو العربي القديم والنقد اللساني الوصفي الخارجي ، حسين بوشنب ، مذكرة ماجستير ، المدرسة العليا للأساتذة ، بوزريعة ، الجزائر ، 2006 .

- 13 نزهة الألباء في طبقات الأدباء ، أبو البركات الأنباري ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، المكتبة العصرية  ، بيروت ، ط1 ، 2003 .

- 14  نشأة الدرس اللساني العربي الحديث دراسة في النشاط اللساني العربي ، فاطمة الهاشمي بكوش ، إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع ، ط1 ، 2004 .

- 15 نظرية التعليل في النحو العربي بين القدماء والمحدثين ، حسن خميس الملخ ، دار الشروق ، الأردن ، ط1 ، 2000 .



[1]ذهبت  الباحثة فاطمة الهاشمي بكوش إلى أن  اللسانيات العربية تمثلها : " جملة من المؤلفات والدراسات اللسانية التي ألفها لسانيون عرب منذ منتصف الأربعينات من القرن العشرين ؛ وفيها تبنوا مناهج النظر اللساني الغربي الحديث " . نشأة الدرس اللساني العربي الحديث دراسة في النشاط اللساني العربي ، فاطمة الهاشمي بكوش ، إيتراك للطباعة والنشر والتوزيع ، ط1 ، 2004 ، ص 12 .

[2] النحو العربي القديم والنقد اللساني الوصفي الخارجي ، حسين بوشنب ، مذكرة ماجستير ، المدرسة العليا للأساتذة ، بوزريعة ، الجزائر ، 2006 ، ص 45 .

[3]اللسانيات العربية الحديثة – دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية ،  مصطفى غلفان ، جامعة الحسن الثاني عين الشق ، رسائل و أطروحات  ، رقم 4 ، 1991 ، ص 56 – 57 .

[4] ينظر : نشأة الدرس اللساني العربي الحديث ، ص 57 .

[5] ينظر : قضايا إبستمولوجية في اللسانيات ، حافظ إسماعيلي علوي – امحمد الملاخ ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، بيروت ط1 ، 2009 ، ص 187 .

[6] ينظر : النحو العربي القديم والنقد اللساني الوصفي الخارجي ، 98 – 99 .

[7] ينظر : قضايا إبستمولوجية في اللسانيات ، ص 187 – 188 .

[8] ينظر : المرجع نفسه ، ص 189 .

[9]ينظر : العربية وعلم اللغة البنيوي – دراسة في الفكر اللغوي العربي الحديث - ، حلمي خليل ، دار المعرفة الجامعية ، د ط ، 1996 ، ص 167 – 198 .

[10] ينظر المرجع نفسه ، ص 198 – 219 .

[11] ينظر المرجع نفسه ، ص ، 219 .

[12] ينظر : نشأة الدرس اللساني العربي الحديث ، ص 04 .

[13]من قضايا الفكر الأصولي وأثره في تيسير النحو ، أحمد علم الدين الجندي ، تمام حسان رائدا لغويا ، عالم الكتب ط 1 ، 2002 ، ص 39 .

[14] اللغة العربية معناها ومبناها ، تمام حسان ، عالم الكتب ، ط5 ، 2006 ، ص 183 . 

[15] التحليل النحوي أصوله و أدلته ، فخر الدين قباوة ، الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان ، ط1 ، 2006 ،ص 286 .

[16]ينظر : نزهة الألباء في طبقات الأدباء ، أبو البركات الأنباري ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، المكتبة العصرية  ، بيروت ، ط1 ، 2003 ، ص 27 – 28 . 

[17] طبقات فحول الشعراء ، محمد ابن سلام الجمحي ، قرأه وشرحه أبو فهر محمود محمد شاكر ، دار المدني ، جدة ، ج1 ، ط2 ، 1974 ، ص 07 – 08 .

[18] ينظر : قضايا إبستمولوجية في اللسانيات ، ص 194 . 

[19] ينظر : اللسانيات وأسسها المعرفية ، الدار التونسية للنشر ، تونس ، دط ، 1986 ، ص 11 – 20 .

[20] اللسانيات العربية نماذج للحصيلة ونماذج للآفاق ، عبد القادر الفاسي الفهري ،  تقدم اللسانيات في الأقطار العربية ، ندوة جهوية أبريل 1987 الرباط ، دار الغرب الإسلامي ، ط1 ، 1991 ، 11 – 17 .

[21] ينظر : المرجع نفسه ، ص 21 – 36 .

[22] ينظر : المرجع نفسه ، ص 37 – 38 .

[23] ينظر : المنوال النحوي - قراءة لسانية جديدة - ، عز الدين المجدوب ، دار محمد علي الحامي ، تونس ، ط1 ، 1998 ، ص 05 -06 .

[24] قضايا إبستمولوجية في اللسانيات ، ص 21 .

[25] هذا الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه  في اللسانيات ، أشرف عليها الدكتور : أحمد المتوكل ، ونال بها غلفان درجة الدكتوراه سنة 1991 ، من كلية الآداب – عين الشق – الدار البيضاء ، بالمغرب الأقصى .

[26]اللسانيات العربية الحديثة – دراسة نقدية في المصادر والأسس النظرية والمنهجية ، ص 05 .

[27] تجدر الإشارة إلى أن مصفى غلفان يفرق بين مصطلحي : لسانيات العربية واللسانيات العربية ، فالأولى تهدف إلى الاشتغال باللغة العربية ووصفها في نسقها القديم أو الحديث أو الوسيط ، كما أنها لا تتحدد باللغة المكتوب بها ، بقدر ما تتحدد باللغة موضوع الوصف . أما اللسانيات العربية فمجالها أوسع إذ يمكن أن تشمل كل ما يكتب في اللسانيات باللغة العربية ، سواء تعلق الأمر باللسانيات العامة ، أو لسانيات العربية ، أو لسانيات أية لغة من اللغة الطبيعية . ينظر : المرجع نفسه ، ص 33 – 34 .

[28] ينظر : المرجع نفسه ، ص 09 – 10 .

[29] ينظر المرجع نفسه ،ص 19 – 20 .

[30] ينظر : المرجع السابق ، ص 20 .

[31] هناك باحثون آخرون كانت لهم نظرة مغايرة إلى الأزمة في اللسانيات العربية ، ينظر: اللسانيات في الثقافة العربية المعاصرة دراسة تحليلية في قضايا التلقي وإشكالاته ، حافظ اسماعيلي علوي ، دار الكتاب الجديد ، ط1 ، 2009 ، ص 58 – 62.

[32] ينظر : اللسانيات العربية الحديثة ، ص 23 – 26 .

[33] ينظر : المرجع السابق ، ص 53 .

[34] ينظر : المرجع نفسه ، ص 53 – 56 .

[35] ينظر : المرجع نفسه ، ص 56 .

[36] ينظر : المرجع السابق ، ص 58 .

[37] ينظر : المرجع نفسه ، ص 59 .

[38] ينظر :  المرجع نفسه ، ص 60 – 64 .

[39] ينظر : المرجع السابق ، ص 64 – 66 .

[40] ينظر : المرجع نفسه ، ص 71 – 73  .

[41] ينظر : المرجع نفسه ، ص 74 – 75 . .

[42] ينظر : المرجع نفسه ، ص 75 .

[43] ينظر : المرجع نفسه ، ص 80 .

[44] ينظر  :  المرجع نفسه ، ص80 - 83 .

[45]ينظر : المرجع السابق  ، ص84  .

[46]ينظر  :  المرجع نفسه ، ص 85 .

[47] ينظر : المرجع نفسه ، ص 90 – 91 .

[48]ينظر : المرجع السابق  ، ص104 .

[49]ينظر :  المرجع نفسه ، ص 108 .

[50] يسمي بعض الدارسين هذه الكتابة بالاتجاه التأصيلي . ينظر : نظرية التعليل في النحو العربي بين القدماء والمحدثين ، حسن خميس الملخ ، دار الشروق ، الأردن ، ط1 ، 2000 ، ص 224 .

[51]ينظر : المرجع السابق  ، ص136 – 137 . 

[52]ينظر :  المرجع نفسه ، ص 164 – 165 .

[53]المرجع نفسه ، ص 173 – 174 .

[54]ينظر : المرجع السابق ، ص 203 .

[55]ينظر :  المرجع نفسه ، ص 231 .

[56]ينظر : المرجع السابق ، ص 231 – 234 .

[57]ينظر :  المرجع نفسه ، ص 235 .

[58]ينظر :  المرجع نفسه ، ص 246 .

[59]ينظر :  المرجع نفسه ، ص 244 – 245 .

[60]ينظر :  المرجع نفسه ، ص 249 .