واقع المخطوط في توات بين الماضي و الحاضرpdf

أ.عبد القادر بقادر

جامعة ورقلة

الملخص:

     تعالج هذه الورقة واقع المخطوط بإقليم توات، هذا الأخير القابع في الصحراء الكبرى، حيث قساوة الطبيعة الحارة صيفا، والباردة شتاء، إن المخطوطات جزء من تراث الأمة، والاهتمام به دليل على وعي أبنائها بمتطلبات المستقبل، لأن المثل يقول: "لا مستقبل لمن لا ماضي له"، إن المخطوط في إقليم توات مر بأربع مراحل كبرى عبر أزمنة مختلفة؛ مرحلة الكتابة والنسخ، ثم مرحلة النهب والسلب، فمرحلة الضياع والإهمال، ثم مرحلة البعث والإحياء.

المقدمة:

     منّ الله عز وجل على إقليم توات مِننًا كثيرة أهمها موقعها الجغرافي؛ حيث توسطت الصحراء الكبرى فكانت همزة وصل بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب، ولهذا استقطبت الناس منذ عصور بعيدة؛ تجارا، وزهادا، وصالحين، وعلماء، وطلبة، وما زادها حظا في استقطاب أولئك هو توفر الأمن والأمان بها، فقصدها الكل بحثا عن الراحة والأمان، حتى صارت قِبلة للعلماء وطلبة العلم من كل صوب وحدب، فصح أن يقال: "كُلّمَا ذُكِرَتْ توات إِلا ذُكِر معها الأمنُ والعلمُ والصلاحُ".

المقال:

     شكلت توات عبر العصور ملتقى تجاريا للقوافل القادمة من الشمال الإفريقي نحو السودان، والقافلةِ من السودان نحو شمال إفريقيا، وكذا تلك القوافل التي تقصد الحج من المغرب والسودان، فكان التقاء القوافل وتوقفها بتوات يُنشِئ أسواقا تعج بالخلق، يقول العياشي في رحلته إلى الحج واصفا سوق تسابيت: "وهذه البلدة [تسابيت] هي مجمع القوافل الآتية من بلاد تنبكت، ومن بلاد اقرن، ومن أطراف السودان، ويوجد فيها من البضائع والسلع التي تُجلب من هناك شيء كثير، والسلع التي تجلب من الغرب مما هو خارج السودان نافقة في هذه البلاد؛ كالخيل وملابس الملف والحرير، فإذا قدم الركب إليها كان فيها سوقٌ حافلٌ"([i])، ولم تكن هذه الحال في سوق تسابيت وحدها، بل كانت كل أسواق إقليم توات على تلك الحالة([ii]). مما جعل التجارة تنشط بها، وتبع هذا النشاط التجاري نشاط علمي واسع حيث أن كل القوافل التي كانت تعبر توات كانت تحمل معها علماء وزهاد وصالحين، فمنهم من طاب له المقام بها فاستقر وأقام مدرسة أو زاوية مثل الشيخ مولاي سليمان بن علي([iii])، وغيره كثير فكثرت بالإقليم الزوايا والمراكز العلمية، فكان لزاما أن يكون لكل زاوية أو مركز علمي خزائنُهُ ومكتباتُهُ التي تساعد الطلبة على تلقى العلم، ومن تلك الزوايا والمراكز نشأت حركة علمية مكنت لتوات أن تلعب ذلك الدور العلمي الخطير عبر الأزمنة المختلفة، لما توفر بها من العلماء الذين خلقوا حركة علمية وثقافية كان لها صدى عميق فاق حدود توات.

نشأت الخزائن والمكتبات بتوات:

     إن تلك الحركة العلمية التي نشأت بتوات كان نِتاجُهَا عظيما؛ وهي التي نمت بفضل التفاعل الحضاري والاقتصادي الذي عرفه الإقليم([iv])، إن الحركة العلمية التي عرفها إقليم توات لم يكن لها أن تقوم لو لم تجد من يرعاها وينميها؛ فلولا جهود العلماء الأفذاذ الذين كان لهم الفضل في نشر العلم والتفقه في الدين وتعليمه الناسَ([v])، وكذا حرصهم على اقتناء الكتب (المخطوطات)، لكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ هو كيف وصلت المخطوطات إلى توات رغم بعدها عن العمران؟

     إن وصول المخطوط إلى توات لم يكن هينا فقد تجند لذلك جملة من العلماء المشهود لهم بالكفاءة والعلم؛ حيث شجعوا طلبتهم على المطالعة واستنساخ الكتب، ومن ثم التأليف في مختلف الفنون، وهناك طرق أخرى مكنت للمخطوط هذا الحضور الكثيف بتوات سأجملها في الآتي:

$11.   تَصَيّد طلبة العلم بتوات للقوافل التجارية التي كانت تحمل معها الكتب والعلماء، فيقومون بشراء المخطوطات أو استنساخها من أصحابها

$12.   رحلات علماء توات إلى الحواضر الإسلامية (فاس، شنقيط، القيروان، القاهرة...)؛ حيث يقومون بعملية شراء ونسخ الكتب

$13.   زيارة أهل توات البقاع المقدسة قصد الحج، فكانوا ينتهزون الفرصة لنسخ أكبر قدر من المخطوطات وشرائها، وحملها أثناء عودتهم إلى توات

$14.   التوقف أثناء رحلات الحج عند كل حاضرة إسلامية، والوقوف على مكتباتها وعند علمائها للأخذ عنهم ونسخ كتبهم والإطلاع عليها وشراء البعض منها

$15.   الزيارات الداخلية للزوايا التواتية ونسخ كتبها أو البعض منها، وربما تبادل النسخ

$16.   رغبة أهل توات في اقتناء المخطوطات وتملكها حتى في منازلهم

     ومن هنا أصبح لأصحاب الزوايا خزائن خاصة، ولبعض الأهالي خزائنهم الخاصة في منازلهم، وتذكر الآثار أن أول خزانة أنشأت بتوات كانت خزانة سيدي بونعامة التابعة لزاويته بقصر أقبلي، وفيما يأتي هذا جدول يضم بعض الخزائن التواتية على سبيل المثال لا الحصر:

اسم الخزانة

مكان وجود الخزانة

البلدية

اسم المؤسس

تاريخ التأسيس

خزانة (الركب) عائلة عقباوي

قصر الزاوية

بلدية أقبلي

سيدي بونعامة

652هـ

خزانة اركشاش

قصر أركشاش

بلدية أقبلي

محمد التهامي

القرن 07هـ

خزانة الشيخ محمد بن مالك

قصر ساهل القديم

بلدية أقبلي

محمد بن مالك

القرن 08هـ

خزانة ملوكة

قصر ملوكة

تيمي

البلباليون

قبل القرن 09هـ

خزانة المطارفة

قصر المطارفة

المطارفة

الحاج محمد بن أحمد الراشيدي

قبل القرن 09هـ

خزانة أولاد الملياني

قصر تيمادنين

بلدية رقان

سيدي محمد بن علي بن زكريا

961هـ

خزانة سيدي الحاج بلقاسم

زاوية سيدي الحاج بلقاسم

تيميمون

سيدي الحاج بلقاسم

قبل القرن 10هـ

خزانة الشيخ المغيلي

زاوية الشيخ بن عبد الكريم المغيلي

زاوية كنتة

الشيخ المغيلي

قبل القرن 10هـ

خزانة أنزجمير

أنزجمير

انزجمير

؟

قبل القرن 11هـ

خزانة تينيلان

تينيلان

ادرار

سيدي أحمد بن يوسف

قبل القرن 11هـ

خزانة الشيخ سيدي أحمد ديدي

قصر تمنطيط

بلدية تمنطيط

سيدي أحمد ديدي

ق. 14 هـ

خزانة كوسام

قصر كوسام

بلدية أولاد أحمد

محمد بالعالم

ق 14هـ

خزانة باعبد الله

قصر باعبد الله

بلدية أدرار

بن الوليد

ق. 14 هـ

خزانة الشيخ  باي بلعالم

قصر الركينة

بلدية أولف

محمد باي بلعالم

ق. 14هـ

خزانة أولاد إبراهيم

قصر أولاد إبراهيم

بلدية أولاد أحمد (تيمي)

قريشي مولاي علي

 ق. 14 هـ

خزانة بني تامر

قصر بني تامر

بلدية أولاد أحمد (تيمي)

سيدي عبد الكريم البلبالي

ق 14هـ

           

     إن هذه الخزائن وغيرها كان لها الفضل الكبير في تكوين جيل لا زلنا ندين له بالكثير، وهي التي حفظت لنا تراث الأجداد في شتى التخصصات المعرفية والعلمية والدينية، فقد كانت هذه الخزائن مليئة بالمخطوطات في شتى التخصصات العلمية؛ من فقه، وحديث، وتفسير، وبلاغة، ونحو، وصرف، وتاريخ، وطب، وتراجم، وتوحيد، وقراءات، وفلك...([vi])، كما أنها لعبت أدوارا حاسمة في خلق جو وحركة علميتين وثقافيتين، بفضل ما ذلك التنافس بين علماء وطلاب الإقليم؛ فقد كان الطلبة يتفاخرون ويتنافسون في الأخذ عن هذا العالم أو ذاك، فيسافرون من زاوية إلى أخرى، ولم يكتفوا بذلك بل راحوا يجوبون الأقطار الإسلامية بحثا عن العلم والمخطوط وكذا الإجازات العلمية([vii])، وعلى هذه الشاكلة ساروا قرونا حتى كان القرنان الثاني عشر والثالث عشر الهجريين عصرا ذهبيا وذلك بفضل العدد الهائل للعلماء الذين عاشوا به، وكذا توفر خزائن بمخطوطاتها النفيسة، ولا ننسى العدد الهائل للزوايا ودور العلم بالإقليم، فقد كانت الخزائن التواتية ذات قيمة تاريخية وثقافية ودينية؛ حيث أرخت للأحداث التي عاشها إقليم توات، كما عكست الجوانب الثقافية والفكرية والدينية للإقليم([viii]).

واقع المخطوط بتوات:

     إن المخطوط بإقليم توات عاش فترات حرجة وصعبة، فما كدنا نفتخر ونفرح بهذا الأرث التراثي التاريخي، حتى راح الحساد يسرقون منا تلك الابتسامة حسدا من عند أنفسهم، ولكن شاءت قدرة الله أن يقيض لهذه الأمة من يحيي تراثها ويبعثه من جديد، وها هي حياة المخطوط بين المد والجزر في هذه المراحل:

مرحلة الجمع والنسخ:

     وتبدأ هذه المرحلة من تأسيس أول زاوية بإقليم توات، إلا أننا لا نستطيع الجزم بأول زاوية أسست بتوات، غير أن الوثائق التي بين أيدينا تثبت أن أول زاوية فتحت أبوابها أمام الطلبة كانت زاوية الشيخ مولاي سليمان بن علي في أواخر القرن السادس الهجري تحديدا سنة 585هـ، ومما لاشك فيه فإن تلك الزوايا التي توالت في الفتح والتأسيس كانت تتبادل المخطوطات فيما بينها؛ فكل زاوية تحاول نسخ المخطوطات التي لا تتوفر لديها، هذا ما جعلها تتنافس فيما بينها للحصول على أنفس المخطوطات بعدة طرق ذكرنها في هذا المقال آنفا، ومن ثَمّ ظهر بإقليم توات رجال تخصصوا في نسخ الكتب، وكانت تلك هي وظائفهم أذكر منهم: إسماعيل بن علي، وعلي بن محمد بن مالك القبلاوي، ومحمد الطيب بن عبد الرحمن بن محمد، وسالم بن محمد عبد العزيز بن محمد بن عبد الرحمن البلبالي، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن الحاج أحمد، ومحمد بن الحاج المحجوب بن الحاج أبا بكر بن الحاج محمد التواتي، ومحمد عبد الرحمن بن محمد الجزولي، وأبا مدين بن الحاج أبا بكر، وامحمد بن أحمد البداوي بن محمد المحضي، ومحمد عبد الله بن عبد الرحمن بن أمحمد التينيلاني([ix])، وفي كثير من الأحيان كان العلماء والشيوخ يتولون بأنفسهم عملية نسخ الكتب ومنهم الشيخ سيدي عبد الرحمن بن عمر التينيلاني([x])، والشيخ سيدي الحسين بن سعيد، والشيخ سيدي البكري بن عبد الرحمن التينيلاني تـ (1339هـ)، الذي كان يعتني برونقة خطه، وكتب ديوانه بنفسه.

     إن عمل نسخ الكتب لم يكن أمرا هينا إنما هي أمانة تحملها أولئك الرجال؛ فالناسخ لابد أن تتوفر فيه شروط أهمها:

$11.   العلم بعلوم اللغة العربية

$12.   جودة الخط ووضوحه إلى درجة التفنن فيه

$13.   المهارة والسرعة في الكتابة

     وبفضل النساخ والشيوخ استطاعت خزائن الزوايا بتوات أن تجمع وتحتفظ بالمخطوطات النفيسة في مختلف الفنون عبر قرون، كما تجدر الإشارة هنا إلى أن علماء توات قد أنشأوا خزائن بكل من مالي ونيجيريا، والنيجر، وشنقيط...

مرحلة النهب والسلب:

     وهي من أصعب المراحل التي عرفتها خزائن المخطوطات، فقد كانت هذه المرحلة في العهد الاستعماري حيث قام الاستعمار الفرنسي بسرقة ونهب أنفس المخطوطات وأجودها من توات، ويقال: أنه أحرق الكثير منها في وسط ساحة بقصر زاوية كنتة، لقد عمل الاستدمار الفرنسي على تدهور المخطوط ومكّن له طريق الخروج من البلاد([xi])، يقول الدكتور عبد الكريم عوفي: "إن المخطوطات في إقليم توات قد تعرضت للنهب والسلب على يدي المستعمر منذ القرن التاسع عشر الميلادي، ولا سيما الترجمان الفرنسي (مارتن الجيبي) الذي رافق الحملة التي نزلت بالمنطقة سنة 1904م، فقد عمل الرجل على جمع المخطوطات التي تحتفظ بها القصور والخزانات وإحصائها، ثم انتقى أجودها وحملها معه إلى فرنسا"([xii])، وفي هذه الفترة كان المخطوط يؤد على مرأى ومشهد من الناس.

مرحلة الإهمال والضياع:

     وكانت هذه المرحلة بعد الاستقلال واستمرت إلى غاية سنة 1984م، فقد استمر الوأد ولكن بطريقة مختلفة؛ حيث كانت المخطوطات تدفن في التراب أحيانا، أو عرضة لعوادي الدهر، والشيء الذي أسهم في ضياع المخطوط هو تلك الذهنيات التي كانت تقوم على الخزائن، أو بمعنى آخر بعد أن كانت الخزائن أماكن للمطالعة والقراءة، أصبحت مغلقة أمام الباحثين، والدارسين، وطلبة العلم، وهكذا صارت المخطوطات عرضة لعاديات الدهر؛ من سوسة، وأرضة، وقساوة الطبيعة الصحراوية، حتى أصبح الكثير منها ترابا، وكما أخبرني صاحب خزانة ملوك([xiii])، قبل صيانة المخطوطات: "كانوا يُخرجون المخطوطات ترابا من الخزانة"، أضف إلى ذلك ما كان يقوم به بعض سماسرة التراث الذين هم من أبناء الإقليم مما يزيدنا حسرة على ما ضاع من تراثنا الشاهد على حضارتنا رغم حسد الحساد، كل هذه العوامل وغيرها كانت وراء ضياع التراث عموما والمخطوط خصوصا.

مرحلة البعث والإحياء:

      وتبدأ هذه المرحلة مع سنة 1984م وإقامة المهرجان الأول للتعريف بتاريخ منطقة توات، لقد كان لهذا المهرجان وقعه الإيجابي في فتح أعين الباحثين على هذا التراث المنسي، وفي هذه الفترة عرف هذا الأرث ميلاد أول جمعية محلية تعتني بالبحث والدراسات التاريخية، ولولا تفطن بعض المقيمين على الخزائن، بمساعدة الدولة وبعض المحسنين لأصبحت تلك الخزائن في خبر كان، وتمثلت جهودهم في:

$11.   إعادة نسخ بعض المخطوطات مع الحفاظ على المخطوط الأصل بعد معالجته بعيدا عن الأيادي

$12.   تصوير المخطوط، ووضع الصورة في متناول الباحثين والدارسين، بدلا من المخطوط الأصل

$13.   نسخ المخطوطات على أقراص مدمجة، أو على ميكروفيلم

$14.   تزويد بعض الخزائن بأجهزة حواسيب مع لوازمها

$15.   تزويد بعض أصحاب الخزائن بأدوات الصيانة والمواد الحافظة للمخطوط، وكذا على خزائن معدنية

$16.   إقامة دورات تكوينية لفائدة بعض أرباب الخزائن من أجل الحفاظ على المخطوط وطريقة التعامل معه، ومنحهم شهادات بذلك

$17.   إعادة بناء بعض الخزائن على الطريقة العصرية

$18.   إنشاء مركز وطني للمخطوطات بالولاية ادرار

     إن هذه المبادرة جيدة، ولكنها تظل قليلة مع عشرات الخزائن وآلف المخطوطات، لأن هذه المبارة لم تمس إلا تلك الخزائن الكبرى والمشهورة كخزانة ملوكة، كوسام، وتمنطيط، سيدي بونعامة، والمطارفة...([xiv])، ولا يجب أن ننسى تلك التجمعات والملتقيات الوطنية وحتى الدولية التي قادها أساتذة جامعيون وباحثون مستقلون، ورغم كل هذه الجهود إلا أن الخزائن لا تزال في حاجة إلى فهرسة مخطوطاتها تسهيلا للباحثين والدارسين.

     وحتى تكلل تلك الجهود الجبارة التي يبذلها الجميع من أجل الحفاظ على هذا التراث العظيم ذي القيم التاريخية، والاجتماعية، والدينية، واللغوية، والثقافية عموما، وحتى الاقتصادية يجب كسب ثقة أرباب الخزائن أكثر حتى يفتحوا أبواب الخزائن، كما يفتحون قلوبهم للزائرين من باحثين ودارسين.

تلك هي مسيرة المخطوط في أرض توات بين كثرة الرمال وزوابعها وفرط الحرارة صيفا وقساوة البرد شتاء وجفاف الجو عموما، وقلة الإمكانيات خصوصا.

     إن الخزائن ومخطوطاتها تعد أرثا علميا وثقافيا وتاريخيا يجب الالتفات إليه والعناية به إنها مسؤولية الجميع في الوطن، إن هذا الأرث ما كان ليكون لولا جهود علماء ونخبة من رجال الفكر والإصلاح في الإقليم عبر قرون بعيدة حملوا لواء العلم وصنعوا ثورة علمية وثقافية في فيافي الصحراء القاحلة، فكانت توات مركزا علميا ورافدا من الروافد التي نهلت منه إفريقيا والسودان اللغة العربية والدين الإسلامي، وربما كانت توات الشمعة التي أضاءت ظلمات إفريقيا، يقول أبو القاسم سعد الله واصفا الحالة الثقافية في إقليم توات: "وهذه المنطقة غنية بتراثها العلمي والديني، وغنية بعلمائها ومؤلفيها، وبزواياها ونظمها، وكذلك غنية بآثارها ومكتباتها"([xv])، وهذه جملة من العوامل التي جعلت توات تتبوأ تلك المكانة التاريخية:

1 ـ وفود عدد كبير من العلماء والصالحين إليها من كافة الأقطار والمناطق؛ من المغرب والمشرق وغيرهما، فأسهموا في نهضة البلاد وبث روح الثقافة فيها

2 ـ وجود الأمن والاطمئنان في الإقليم عبر العصور ولو بنسب قليلة

3 ـ الإقليم لم يخضع للسلطة العثمانية كما خضعت لها معظم البلاد الإسلامية مما أدى إلى سلامة اللغة العربية فيه

4 ـ الموقع الاستراتجي الهام حيث كانت توات طريقا لقوافل التجارة والحجاج مما سمح بتبادل الأفكار، والمخطوطات وكذا توفر مادة العلم من صمغ وورق ولو بسب ضئيلة

5 ـ عكْف الكثير من مشايخ توات المشهود لهم بالكفاءة على دراسة آداب اللغة العربية وأصول الدين والعلوم الأخرى من طب، وفلك، وحساب...

6 ـ خصال الرجل التواتي وحبه للعلم وتطلعه للمعرفة وإيمانه بأن العلم أفضل سلاح لمواجهة الحياة والأعداء

7 ـ تنقل علماء توات إلى مختلف حواضر الغرب الإسلامي (فاس، وسجلماسة، وشنقيط، وتونس، ومصر،... ) بحثا عن العلم ومجالسة العلماء والأخذ عنهم، وتبادل الإجازات

8 ـ تأسيس الزوايا والمدارس العلمية التي كان لها الفضل الكبير في نشر العلم والثقافة بالمنطقة

وفي الأخير إن المخطوط بتوات مازال بحاجة إلى عناية أكثر؛ فإذا كان الحفاظ على المخطوط أحد وسائل العناية به، فإن تحقيقه ودراسته من قِبل مختصين لا تقل أهمية عن ذلك.

الخاتمة:

من خلال هذه المسيرة يمكننا أن نستخلص النتائج الآتية:

$11.   توات بموقعها الجغرافي والاستراتيجي، ووجود الأمن والسلم تمكنت من جلب الناس إليها، وتعمير الصحراء وتحويلها من منطقة طرد إلى منطقة جذب.

$12.   فضل الزوايا وشيوخها والعلماء وطلابهم على توات لا ينكره إلا جاحد

$13.   تأسيس الزوايا ومركز العلم جعلا من توات مخزنا للمخطوط تحسد عليه

$14.   توفَّر المخطوط بتوات بعد جهد الكثير من العلماء وطلبة العلم

$15.   كاد المخطوط في توات يندثر تحت التراب وبسبب السلب والنهب وكذا التفريط واللامبالاة بقصد أو بغير قصد

$16.   جهود القائمين على الخزائن ومخطوطاتها والحفاظ عليها تحسب لهم

$17.   على الباحثين والدارسين وأهل التخصص الالتفات إلى هذا التراث جمعا وتقديما، وتحقيقا ودراسة

الهوامش والإحالات:

(1) الجزائر من خلال رحلات المغاربة في العهد العثماني، مولاي بالحميسي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، د ط، 1979م، ص: 70.

(2) ينظر :إقليم توات خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، فرج محمود فرج، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، د ط، 1977م، ص: 63 ــ 68.

(3) هو أبو داود سليمان "الملقب بـ أوشن" بن مولاي علي الشريف بن أعمر بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي يرتفع نسبه إلى سيدنا علي كرم الله وجهه، وُلد حوالي سنة 549 هـ/ 1154م، وصل إلى توات فاستقر به المقام بقصر أولاد أوشن، حيث أقام زاويته لطلاب العلم وإطعام الطعام، إلى أن توفي سنة 670هـ.

(4) " مراكز المخطوطات في الجنوب الجزائري إقليم توات نموذجا"، عبد الكريم عوفي، مجلة آفاق الثقافة والتراث، ع: 34، 2001م، ص: 115.

(5) ينظر: نفس المرجع، ص:115.

(6) ينظر: "مراكز المخطوطات في الجنوب الجزائري إقليم توات نموذجا"، ص: 113.

(7) ينظر: إقليم توات خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، ص: 88 ــ 91.

(8) ينظر: "مراكز المخطوطات في الجنوب الجزائري إقليم توات نموذجا"، ص: 123.

(9) لم أقف على ترجمة لأحدهم، إلا أن جلهم عاش بن القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين.

(10) هو عبد الرحمن بن عمر التينيلاني، ولد سنة 1121هـ أخذ عن شيوخ من توات، وآخرين من أقطار أخرى كالمغرب ومصر، وبلاد التكرورغيرها؛ فمن التواتيين عمر بن عبد القادر التينيلاني (1152هـ)، والشيخ محمد بن اب المزمري تـ (1160هـ)، ومن المغاربة أحمد بن عبد العزيز بن إبراهيم الهلالي، كان أحد أعلام المنطقة وإليه تشد الرحال في طلب العلم، توفي بالقاهرة عند عودته من الحج سنة 1189هـ، وبها دفن.

(11) ينظر: المخطوطات داخل الخزانات الشعبية خلال القرن 19 وبداية القرن 20 بتوات وقرارة وتدكلت، مبروك مقدم، (محاضرة مخطوطة) مركز الدراسات والأبحاث التاريخية ادرار، ص: 100.