اكتساب اللغة وتعليمها عند ابن خلدونpdf

في ضوء الدراسات اللغوية النفسية الحديثة

أ. قمقام فوزية

ملخص:

   تعتبر اللغة إحدى أهم مظاهر المجتمع الإنساني ومن أبرز علماء المسلمين الذين اهتموا بذلك ابن خلدون الذيكان عالم اجتماع عاش في القرن الثامن الهجري إلا أنه أدرك أن اللغة من مقومات العمران البشري، فأسهب الحديث عن أحوالها و تعليمها واكتسابها وجاء بأراء متطورة في ذلك، ربط فيها بين التنظير و التطبيق ، وانتقل من المجرد إلى الملموس واعتمد مبدأ المطابقة، مطابقة الوقائع معيارا لصحة الأخبار، و سبق بفكره اللساني والنفسي والتربوي والاجتماعي علماء العصر الحديث.

Résumé:
    La langue estl'un desaspects les plus importantsde la société humaineParmi les savants les plus éminentsmusulmans
Qui étaient intéressés par cetteIbn Khaldoun, qui étaitun sociologuequi a vécuau VIIIe siècleAH, il comprit que la langueUn des éléments de construction humaineil aParlé d'enseignement des langues et l'acquisitionIl a découvert les vues avancéesLier la théorie et l'applicationEt sapensée avait verbales,psychologiques, scientifiqueséducatifs et sociaux Les scientifiques des temps modernes.

      يرجع الاهتمام بدراسة اكتساب اللغة إلى تاريخ سحيق ، ففي القديم ارتبطت القضية بشكل رئيسي بمسائل فلسفية تتعلق بطبيعة الإنسان ، و في منتصف القرن العشرين لقيت دراسة اكتساب اللغة و تعليمها اهتماما كبيرا على أثر ظهور النظرية السلوكية في علم النفس و النظرية البنيوية  في اللسانيات ومن ثم ظهور النحو التوليدي و التحويلي على يد علم  اللغة الأمريكي نعوم تشومسكي، وهكذا وجد علماء النفس  وعلماء اللغة نقطة تقاطع تولد عنها حقل حديث هو علم النفس اللغوي أو كما يطلق عليه أيضا اللسانيات النفسية أو علم اللغة النفسي. أما في ميدان تعليم اللغات فقد ظهر ارتباط تلازمي بين علم اللسانيات وعلم التربية الذي تولدت عنه اللسانيات التربوية، بوصفها فرعا من فروع اللسانيات التطبيقية .

       ومن أبرز علماء المسلمين الذين اهتموا باكتساب اللغة و تعليمها - باعتبار أن اللغات هي إحدى أهم مظاهر المجتمع الإنساني – علامة العمران البشرى ابن خلدون (1274-1350) الذي استنفذ مقدمته الشهيرة في مناقشة مظاهر هذا العمران. فما مفهوم اللغة عند ابن خلدون و ما حقيقة التعلم و الاكتساب عنده ؟ وما هي إسهاماته في تطوير تعليم اللغة ؟  وما هي نقاط التقاطع بينه وبين العلماء المحدثين من لسانيين و نفسانيين و علماء اجتماع؟

   1- مفهوم اللغة عند ابن خلدون :

      استعمل العلماء مصطلح اللغة بمعان مختلفة فالقدامى استعملوا لفظ "اللغة" للدلالة على اللهجات العربية المختلفة1  .كما استعمل المصطلح أيضا ليدل على مجموع الموضوعات التي تتكون منها حصيلة ما تحراه "اللغويون" كالأصمعي و أبي زيد الأنصاري ... في مقابل ما صنعه النحاة، و على هذا يقابل علم اللغة علم النحو بمعناه العام من جهة علاجه لمادة اللسان كمادة  وهي مجموع ألفاظها الموضوعة في ذاتها 2 .أما السيوطي فيعرفها بأنها كل لفظ وضع لمعنى3 أما ابن جني فقد عرفها تعريفا علميا دقيقا بقوله :"أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم4 ، اما دي سوسير حديثا فيعرفها بانها تنظيم من الاشارات: وتعني كلمة تنظيم مجموعة القضايا التي تحدد - ضمن اللغة-استعمال الاصوات والصيغ و التراكيب واساليب التعبير النحوية والمعجمية5.

      أما ابن خلدون فقد عرفها بقوله : "و اعلم أن اللغة في المتعارف عليه هي عبارة المتكلم عن مقصوده ، و تلك العبارة فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل و هو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحهم"6

و قد استوقفتنا عدة ملاحظات حول هذا التعريف نوجزها فيما يلي :

   - نلاحظ أن تعريف ابن خلدون للغة تعريف وظيفي حيث يقول " و هي عبارة المتكلم عن مقصوده " فالوظيفة الأساسية للغة هي التواصل وهذا ما ركز عليه الوظيفيون بخصوص وظيفة اللغة في مسألتين أساسيتين هما التواصل و تحديد الأهداف التواصلية لبنيات اللغات الطبيعية 7

   - ذكر ابن خلدون مصطلح "فعل لساني" و هذه الفكرة نفسها التي جاء بها أوستين حديثا حينما تحدث عن " نظرية الأفعال الكلامية" فالفعل الكلامي يراد به"الإنجاز الذي يؤديه المتكلم بمجرد تلفظه بملفوظات معينة"8.

   - و أما عبارته: " وهو في كل أمة بحسب اصطلاحهم" فراجع إلى معرفة ابن خلدون بعلم الاجتماع و إسهاماته الرائدة فيه حيث جعلته ينظر إلى اللغة و يعرفها من منظور ذلك العلم،  و بذلك يكون قد ربط بين اللغة و المجتمع أو الأمة، وهو ما يعرف الآن بحقل اللسانيات الاجتماعية الذي يهتم بدراسة هذه العلاقة بين استخدامات اللغة و البنى الاجتماعية التي يعيش فيها مستخدموا اللغة*.

     2- اكتساب اللغة عند ابن خلدون :

      تنبه ابن خلدون إلى الفرق بين التعلم و الاكتساب للغة حيث يرى أن الاكتساب هو الذي يؤدي إلى حصول الملكة و ليس التعلم الذي ينتج عن تعلم قوانين اللغة فيقول :"و هذه الملكة كما تقدم تحصل بممارسة كلام العرب و تكرره على السمع و التفطن لخواص تراكيبه ، و ليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك .... فإن القوانين إنما تفيد علما بذلك اللسان و لا تفيد حصول الملكة في محلها"9 .

     و قد تناول ابن خلدون قضية اكتساب اللغة من منطلق ثابت مفاده أن اللغة ملكة طبيعية يكتسبها الإنسان حيث يقول :"إلا أن اللغات لما كانت ملكات كما مر كان تعلمها ممكنا شأن سائر الملكات"10. فاللغة عنده عبارة عن صفة إنسانية يكتسبها الإنسان بشكل متدرج غير مقصود فتبدو هذه المقدرة كأنها طبيعة و فطرة.11.

   و يتفق في هذا مع تشومسكي عندما قال بأن الطفل يملك بالفطرة تنظيما إدراكيا يمكن تسميته بالحالة الأولية للعقل فمن خلال التفاعل مع البيئة المحيطة و غير مسار النمو الذاتي نحوا كونيا يساعده على تعلم أي لغة يتعرض لها12  .

   و الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون صفة راسخة في النفس تمكن الإنسان من أداء العمل العائد إليه و هو التعبير عن المعاني حيث ينتج عنه تفاوت تمام هذه الملكة أو نقصانها، بحسب جودة التعبير عن المعنى أو قصوره إذ يقول: " اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني و جودتها و قصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها.   وليس ذلك بالنظر إلى المفردات إنما هو بالنظر إلى التراكيب فإذا حصلت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة، ومراعاة التأليف الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال ، بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع ، و هذا هو معنى البلاغة و الملكات لا تحصل إلى بتكرار الأفعال"13

و هنا يلفت ابن خلدون النظر إلى أن تمام الملكة اللسانية ، إنما هو بالنظر إلى التراكيب اللغوية لا المفردات ، فالتراكيب هي التي تؤدي المعنى المقصود من المتكلم ، و هذا ما نجده عند اللسانيين المحدثين، فاللغة تنقسم إلى مستويات تندرج من علم الأصوات إلى الصرف إلى النحو أي من الصوت إلى الكلمة إلى الجملة ، و الجملة هي هدف المستويات التي تسبقها و هدف الدراسة اللغوية ذاتها ، و بها يتحقق الفهم و الإفهام14.

    كما تنبه ابن خلدون للفرق بين الملكة و قوانين هذه الملكة أي بين العلم النظري و الخبرة العملية بالتجربة حيث يقول : "من هنا يعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية و أنها مستغنية عنها بالجملة، ذلك أن صناعة العربية هي معرفة قوانين هذه الملكة و مقاييسها خاصة، فهو علم بكيفية لا نفس كيفية"15 . وفي هذا يقترب من تعريف تشومسكي للكفاية اللغوية و الأداء اللغوي الفعلي، فالكفاية اللغوية عند تشو مسكي هي المعرفة الضمنية غير الشعورية بقوانين اللغة التي تمكن الإنسان من إنتاج الجمل و فهمها16 .

      وظاهرة اكتساب اللغة أو تحصيل  اللغة كما سماها ابن خلدون من بين الظواهر التربوية العائدة إلى ما ألح عليه من مفهوم الملكة اللسانية، و هذا ما يندرج حديثا تحت ما يسمى بعلم النفس اللغوي ،و بتأكيد ابن خلدون على أن الملكة اللسانية مكتسبة يرى أن هناك نوعين من عملية الاكتساب اللغوي:

$1أ‌-        الاكتساب من خلال الترعرع في البيئة :

       و هنا يشير ابن خلدون إلى أهمية الدخل اللغوي في اكتساب اللغة كما يذكر أصحاب النظرية التفاعلية الرمزية ،التي تعتبر من المحاور الأساسية التي تعتمد عليها النظرية الاجتماعية في تحليل الأنساق الاجتماعية، إذ أنها تنطلق من مستوى الوحدات الصغرى لفهم الوحدات الكبرى، بمعنى أنها تبدأ بالأفراد و سلوكهم لفهم النسق .

و ذلك الدخل في نظرا بن خلدون هو سماع الكلام و أساليب التخاطب، و التعبير عن المقاصد و تلقن المفردات و التراكيب ، فالطفل أو الأعجمي ينشأ في بيئة ما فتتلقى أذنه التراكيب اللغوية و الكيفيات الكلامية، فيقوم بالتعبير عن مقاصده بواسطة هذه الكيفيات إلى أن يصبح ملكة راسخة فيهم ، فالسمع أبو الملكات اللسانية عند ابن خلدون إذ يقول: " فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيه، يسمع كلام أهل جيله و أساليبهم في مخاطبتهم، وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم ، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها فيلقنها أولا، يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا يزال سماعهم يتجدد في كل لحظة

ومن كل متكلم ، و استعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة و يكون كأحدهم"18. ومعنى ذلك أن الطفل مهيأ لتكوين قواعد لغته الأم ضمنيا من خلال الكلام الذي يسمعه، فيبني لغته بصورة إبداعية، و بالتوافق مع قدراته الباطنية بقدر تقدمه في عملية الاكتساب وهذا ما يسمى بالنظرية العقلانية التي يمثلها تشومسكي19  .

$1ب‌-     اكتساب اللغة بواسطة الحفظ والفهم والمران:

      و يركز ابن خلدون على الممارسة و التكرار حيث يقول :"و إنما تحصل هذه الملكة بالممارسة و الاعتياد و التكرار لكالم العرب " 20 .ويرى أن هذه العملية هي عملية وجدانية إذ يقول: "و هذا أمر وجداني حاصل بممارسة كلام العرب حتى يصير واحدا منهم"21 .

و هنا يتفق مع سكينر صاحب النظرية السلوكية في اكتساب اللغة من حيث التركيز على الممارسة و التكرار و أهمية دور البيئة22.كما يتفق مع تشومسكي من حيث أن عملية اكتساب اللغة أمر وجداني ذهني23 .

و يرى ابن خلدون أن الحفظ و التكرار لا يكفيان لامتلاك اللغة بل لا بد من أمر هام و هو الفهم فالفهم أساس في حصول الملكة اللسانية، وهذا ما يتضح في فصل تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه ، حيث يرجع ابن خلدون حصول الملكة اللغوية للأندلسيين إلى اعتمادهم الفهم إلى جانب الحفظ24.

3- تعليم اللغة عند ابن خلدون

     إن قضية تعليم اللغة عملية هامة تحتاج إلى الإلمام بالقضايا اللغوية، وأستاذ اللغة لا بد أن يكون واعيا بالأصول التربوية لتعليم اللغة و من هنا تظهر العلاقة المتبادلة و التلازم الشديد بين علم اللسانيات وعلم التربية الذي تولدت عنه اللسانيات التربوية بوصفها فرعا من فروع اللسانيات التطبيقية ، وتتضح هذه العلاقة في معالجة المشكلات اللغوية التربوية الميدانية مثل: منهجية تعليم اللغة، والتدرج في التعليم، وكيفية عرض المادة. وفي هذا المجال يعتبر ابن خلدون من أبرز علماء العرب الذين زودوا الفكر التعليمي بمقدمات منهجية، فهو بحق ممن ساهموا و سعوا للارتقاء به إلى أسمى المنازل وبذلك اقترب من نظريات التعليم الحديثة، فنظرة ابن خلدون إلى التعليم هي نظرة المجرب الممتهن ، فقد زاول مهنة التعليم بتونس وبعدها بالقاهرة حتى وافته المنية25 ،ومن ناحية أخرى فقد كان ابن خلدون كثير الرحلات بين بلاد المغرب، والمشرق ، والأندلس حيث تعرف على العلماء وخالطهم في مختلف العلوم و الفنون مما أدى إلى سعة اطلاعه على أحوال التعليم في هذه البلدان المختلفة كما أسهم احتكاكه مع علمائها على اختلافهم معرفة الكثير من مناهج التعليم و أساليبه ، وهذا ما تؤكده مقارنته بين طرق التعليم و مذا هبه بين مختلف الأمصار الإسلامية 26 .

و قد أشار إلى اختلاف المسلمين في طرق تعليمهم القرآن للولدان فيقول: "و اختلفت طرقهم في تعليم القرآن باختلافهم باعتبار ما ينشأ عن ذلك التعليم من الملكات."27 . و من الشائع أن تعلم القرآن قراءة و حفظا هو أساس الثروة اللغوية التي يحصلها دارس الفصحى ، لكن ابن خلدون لفت أنظارنا إلى شيء جديد حيث يرى أن الاقتصار على تعليم القرآن وحده ينشأ عنه قصور في الملكة اللسانية، فأهل المغرب حين اقتصروا على تعليم القرآن فقط مع بعض الإشارات إلى الرسم و مسائله، فلم يقدموا للمتعلمين شيئا عن الحديث أو الفقه و لا الشعر والنثر العربي ، حتى يتم تعلم القرآن ويتقنه يقول :"و هذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب و من تبعهم من قرى البربر أمم المغرب فهم لذلك أقوم على رسم القرآن و حفظه ممن سواهم"28.

أما أهل إفريقيا فيمزجون ف تعليمهم القرآن بالحديث في الغالب والإطلاع على قوانين العلوم المختلفة ، ولكن عنايتهم بالقرآن و قراءاته أكثر مما سواه. 29.

و بهذا رأى ابن خلدون أن القصور اللغوي عند أهل المغرب و إفريقيا ناتج عن اقتصارهم على حفظ القرآن الكريم دون سواه من كلام العرب الفصيح شعرا ونثرا، ورغم أن ابن خلدون فسر هذا القصور اللغوي تفسيرا آخر و هو أن حفظ القرآن وحده لا ينتج عنه ملكة لغوية لعجز البشر عن الإتيان بمثله حيث يقول :" فأما أهل افريقية و المغرب فأفادهم الإقتصار على القرآن ، القصور عن ملكة اللسان جملة ، وذلك أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة كما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله ، فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والاحتذاء بها" 30 .و بهذا الصرف لا يتحقق للمشتغلين به وحده ملكة تماثله أو تشابهه، وهذا الانشغال به دون سواه يجعل صاحبه عاجزا عن تحصيل ملكة لسانية في غيره 31 .

و أراد ابن خلدون أن يعزز هذه الفكرة بوصف حال أهل افريقية الذين يخلطون حفظ القرآن بحفظ عبارات العلوم في قوانينها فلذلك هم أقدر على التصرف في الكلام بيد أن ملكتهم كما قال قاصرة لأن محفوظهم من القوانين العلمية النازلة عن البلاغة32.

وذهب إلى أن الأندلسيين اكتسبوا ملكة لغوية جيدة لأنهم لم يقتصروا في تعليمهم على حفظ القرآن بل خلطوا ذلك برواية الكلام الفصيح شعرا ونثرا ، واهتموا كذلك بمدارسة اللغة العربية حيث قال :"وأما أهل الأندلس فأفادهم التفنن في التعليم، وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر، حصول ملكة جيدة صاروا بها أعرف في اللسان العربي"33 .

و قد أقر ابن خلدون بجودة مذهب ابن العربي في التعليم و أعجب به أيما إعجاب، وهو مذهب يدعوا إلى الفهم قبل الحفظ ، ومذهبه أن يتعلم المتعلم العربية أولا ثم الشعر ثم الحساب ثم القرآن الكريم، واعتبر ذلك مقدمة ضرورية تؤهل المتعلم لحفظ القرآن و دراسته34 .

و بعد أن طبق ابن خلدون نظريته ميدانيا على البلدان العربية وجد أن المجتمعات التي تقتصر في تعليم أولادها على القرآن الكريم لا يكتسب أولادها الملكة بشكل سليم بينما المجتمعات التي تخلط تعليم القرآن بتعليم كلام العرب الفصيح شعرا ونثرا تستفيد أولادها الملكة أكثر من غيرهم، ثم يطرح حلا لهذه المشكلة و هو أن يتعلم النشء أولا كلام العرب وبخاصة الشعر ويدرسون العربية والحساب ثم يتعلمون القرآن بعد ذلك، لأن تعليمهم القرآن في حداثة سنهم يشق عليهم مع عدم فهمهم له، وإن ابن خلدون يؤيد هذا الحل علميا لكنه يعترف أن العادات الاجتماعية لا توافق عليه طلبا للتبرك وحرصا على الثواب.

   وفكرة ابن خلدون هذه يدعمها واقع معاش و هو أننا نرى الكثر من المسلمين غير العرب يحفظون القرآن ويرتلونه بجودة، لكنهم عاجزين عن التواصل بالعربية أو إجادتها فصيحة .

و لا تعني هذه الفكرة أن ابن خلدون لا يرى فائدة من حفظ القرآن ودراسته على الملكة اللغوية بل إنه يرى فائدة ذلك لمن تقدم به الزمن قليلا وتمكن من الملكة فأمكنه بها فهم القرآن و تدبر معانيه، ودرس تفسيره وأساليبه ليسهم في تكوينه اللغوي .

     أما فيما يخص تعليم اللغة الثانية فيرى ابن خلدون أن ذلك ممكن، لكن يشوبه بعض النقص وعدم الكمال مهما بلغت درجة إتقان الإنسان للغة الثانية، و بهذا يقترب من فكرة اللغة البينية أو الوسيطة التي جاء بها سلينكر لوصف لغة متعلم اللغة الثانية، التي قد تحمل صفاتا من لغته الأم ، وصفاتا من لغته الثانية وبعض صفات عامة توجد في جميع أو معظم منظومات اللغة البينية أو الوسيطة، حيث يقول ابن خلدون :"إن الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحل فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة  ...و انظر إلى من تقدم له شيء من العجمة كيف يكون قاصرا في اللسان العربي ... و كذلك البربري و الرومي و الإفرنجي .... و ما ذلك إلا لما سبق إلى ألسنتهم من ملكة اللسان الأخر"35 ، إذ في يقين ابن خلدون أن نفس الإنسان لا تتسع لأكثر من ملكة لسانية كاملة واحدة، بينما تظل الأخرى مخدوشة . وهذا أمر طبيعي لأن الملكة لا تكون تامة إلا من خلال الترعرع بصورة طبيعية في بيئة اللغة، لكي تتأصل في النفس ويؤثر هذا بالتالي على عملية تعلم أي لغة أخرى، ونجد أن هذه المسألة تعترف بها النظرية التوليدية والتحويلية36. حيث أن من الأهداف التي تضعها اللسانيات في مجال تعليم اللغة الثانية إيصال المتعلم إلى كفاية لغوية تقارب قدر الإمكان كفاية متكلم هذه اللغة كلغة أم .

    و يستثني ابن خلدون من ذلك الأشخاص ثنائيي اللغة، أو متعددي اللغات الذين تعلموها في آن واحد خلال طفولتهم حيث يقول: " من كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها "37 . و يمثل لذلك بأصاغر أبناء الأعاجم الذين يربون مع العرب قبل أن تستحكم عجمتهم فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم. وهذا يعني أن هناك فترة معينة و محددة لإمكانية إتقان اللغة الثانية وهي ما يعرف الآن بفرضية الفترة الحرجة .

      وخلاصة القول أن ابن خلدون كان عالم اجتماع عاش في القرن الثامن الهجري إلا أنه أدرك أن اللغة من مقومات العمران البشري، فأسهب الحديث عن أحوالها و تعليمها واكتسابها وجاء بأراء متطورة في ذلك، ربط فيها بين التنظير و التطبيق ، وانتقل من المجرد إلى الملموس واعتمد مبدأ المطابقة، مطابقة الوقائع معيارا لصحة الأخبار، و سبق بفكره اللساني والنفسي والتربوي والاجتماعي علماء العصر الحديث .

الهوامش والمراجع:

1- ابن جني ،  الخصائص ، تح محمد علي النجار ، دار الهدى ، بيروت لبنان :2/10-11.

2- عبد الرحمان الحاج صالح ، مجلة اللسانيات ، المجلد الأول رقم 1971 -2- ص.56

3- السيوطي، جلال الدين، المزهر في علوم اللغة ، شرح و تصحيح محمد جاد المولى و آخرون ، دار الجليل ، بيروت ج2/ص8.

4-الخصائص :1/ص33.

5- عاطف مذكور، علم اللغة بين القديم والحديث، دار الثقافة للنشر والتوزيع، مصر، 1986، ص83.

6-المقدمة عبد الرحمان ابن خلدون ، تحقيق عبد السلام الشدادي ، خزانة ابن خلدون بين الفنون والعلوم و الأدب الطبعة الأولى ، الدار البيضاء ج3/237.

7- حافظ إسماعيل علوي،قضايا اللغة العربية في اللسانيات الوظيفية،مجلة عالم الفكر،33،العدد2 سنة2004، ص200-201.

8- مسعود صحراوي ، التداولية عند العلماء العرب ، دار الطليعة ، بيروت ، ط1-2005 ص10 .

* تختلف اللسانيات الاجتماعية عن اجتماعيات اللغة حيث تركز اللسانيات الاجتماعية على تأثير المجمتع على اللغة ، بينما تركز اجتماعيات اللغة على تأثير اللغة على المجتمع

9-المقدمة :ج3/265.

10-نفسه: ج3/259.

11 نفسه:ج3/261 .

12- ميشال زكريا ، قضايا ألسنية تطبيقية ، دار العلم للملايين ،1992 ،ط1 ص :63.

13- المقدمة: ج3/250.

14- محمد عيد ، الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون ، عالم الكتب ، ط1، .1979 ص:62  .

15-المقدمة ج3/261.

16- قضايا ألسنية تطبيقية، ص:61.

17-فادية عمر الحولاني ، علم الاجتماع التربوي ، مركز الإسكندرية ، 1997.ص:215.

18-.(المقدمة :ج3/250)

19- قضايا ألسنية تطبيقية ، ص:104.

20-المقدمة :ج3/266

21-نفسه: ج3/265.

22- قضايا ألسنية تطبيقية، ص :77 .

23- نفسه: ص:57-58.

24-المقدمة :3/263.

25- محمد بن تاويت الطنجي ، عبد الرحمان بن خلدون ، التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا ، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر. 1951. ص:4.

26- المقدمة :ج3/220.

27-نفسه:ج3/ص220 .

28-نفسه:ج3/221.

29-نفسه:ج3/221.

30-نفسه:3/223.

31-الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون. ص:40.

32-المقدمة 3:/122.

33- نفسه: 3/222.

34- نفسه: 3/223.

35- نفسه: ج3/275.

36-الملكة اللسانية في نظر ابن خلدون. ص:76.

37- (المقدمة : 3/235.