البنى السردية في رحلات الشيخ العدواني الصوفيةpdf

من خلال كتابه " تاريخ العدواني"

أ: حمزة قريرة 

أ: فائزة خمقاني

ملخّص المداخلة باللغة العربية:

يعتبر كتاب تاريخ العدواني* الذي كُتب حوالي القرن 17 م كتاب في تاريخ وأخبار أهل ومنطقة الجنوب الشرقي الجزائري وبصفة خاصة منطقة وادي سوف، وعبر قراءة الكتاب وتتبّع الأحداث عثرتُ فيه على بعض الحكايات تحمل في طياتها بذور السرد القصصي من حوار ووصف ولغة خاصة، وتبدأ هذه الحكايات من الصفحة 309 وتستمر إلى الصفحة 315 حيث قسّمها المؤلف إلى مراحل وكأنها مراتب في التصوّف فانطلق من العنوان"كرامات من سمرقند إلى الشلف " ووصل إلى عنوان" الملك لله وللصالحين" وتستمر بعض القصص المتفرّقة لكن المسار الذي ذكرناه يعد متواصلا ويقدّم عينة عن قصة وصفتها بالصوفية لأنها مليئة بالخوارق، وسأحاول خلال هذه الدراسة تتبع البنى السردية خلال هذا القصة التي تعد رحلة خيالية قام بها الشيخ العدواني، فرغم أنها غير منطقية من جهة والعدواني وضعها لاعتقاده فيها وليس من أجل تحميلها بعدا أسطوريا إلا أنها قدّمت جمالية خاصة للقصة خصوصا في تصويره للفضاء وطريقة الحوار بين الشخصيات، لهذا سنحاول التفصيل في التركيبة السردية لهذه الرحلة حيث سنركّز على بنية الشخصيات وفق نموذجها العاملي، وبنية الفضاء والزمان، كما سنتتبع اللغة والحوار وغيرها من البنى السردية، عبر مسار القصة المختارة والمقدّر نصيا بخمس صفحات. كما نشير إلى أن معاملتنا لهذا النص ستتسم ببعض الخصوصية لكون المؤلف لم يقدّم قصة بالمفهوم المعاصر بل هي مشابهة لطريقة السيرة الذاتية فهو الراوي والبطل والمؤلّف.    

 تمهيد:

من خلال الملاحظة الأولى في كتاب تاريخ العدواني يظهر أنه كتاب تأريخي لأحوال منطقة وأهل الجنوب الشرقي الجزائري وخاصة أهل وادي سوف، ومن خلال تحقيقه يظهر أنه كُتب خلال القرن الحادي عشر للهجرة الموافق للسابع عشر للميلاد، وقد ذكر محققه الأستاذ: أبو القاسم سعد الله أنه اعتمد على عدة نسخ مخطوطة بلغ عددها أكثر من عشر نسخ بعضها من منطقة وادي سوف كنسخة السعيد هيمة المأخوذة من مكتبة الشيخ قريرة الحبيب بن إبراهيم، وبعضها من تونس ومناطق أخرى من الجزائر، وقد عمل المحقق على التقريب بين محتويات مختلف النسخ للخروج بعمله كاملا إلى النور، وعبر تتبع محتويات الكتاب يظهر أنها تتأرجح بين السرد التاريخي للأحداث رغم بساطة المنهج وعدم إشاراته للتواريخ بدقة، وبعض الحكايات ذات الطابع الشعبي الخرافي، كما يمكن الاعتماد على ما ورد في هذا الكتاب في الكتابة لجغرافيا المنطقة والحركة الاجتماعية في تلك العهود السالفة، ومما لفت انتباهي في هذا الكتاب قدرة مؤلفه على توظيف الرواة وتقنيات السرد في الكثير من الحكايات التاريخية التي أوردها، حيث ظل ينتقل من حكاية لأخرى بشكل متتالي وكأننا بصدد قراءة رواية متعددة الفصول، وهذا ما جعلني أتطلّع لدراسة بنى السرد وتقنياته من خلال أحد الحكايات الكثيرة** المبثوثة في صفحات هذا الكتاب التاريخي، وقد وقع اختياري على خمسة أحداث متتالية ومتصلة ببعضها البعض تبدأ من الصفحة 309 وتنتهي عند الصفحة 315 وعناوينها على التوالي: كرامات من سمرقند إلى الشلف، الإمام الغزالي واليهود والعلماء، دعوة إلى التصوّف والمشيخة، رحلة روحية إلى بورنو، الملك لله وللصالحين، وقد وقع اختياري على هذه الحكايات المتتالية التي تمثل مسارا مشتركا لحكاية أكبر لعدة أسباب :

$11-  مختلف الأحداث الأخرى في الكتاب تبدو متفرّقة وهذه الحكايات جاءت متصلة مما يجعلها تشكل قصة متواصلة الأحداث.

$12-  تحتوي هذه الحكايات على مختلف مقوّمات القصة من راو وشخصيات وحوار فضاء وزمن وغيرها من المقومات.

$13-  لغة هذه الحكايات أكثر تطوّرا من عموم لغة الكتاب، ولعل هذا راجع للبعد السردي الذي حملته خلافا لبقية أحداث الكتاب التاريخية.

$14-  ظهور شخصية المؤلف بوضوح في هذه الحكايات فهو الراوي والبطل، وهذا التحوّل لا نجده إلا في بعض الأحداث على مسار الكتاب مما يجعل من اختيارنا مختلفا عن البقية حيث نجد في معظم الحكايات التاريخية أن الراوي يبدأ الكلام بسؤاله للشيخ العدواني ثم يواصل الشيخ - المؤلف – سرد الأحداث، أما في اختيارنا فالمؤلف هو من ينطلق بالكلام راويا وبطلا.

$15-    تعد هذه الحكايات الأقرب للقصة لاحتوائها على مختلف مقوّماتها.

وانطلاقا من أسباب اختيار هذه العينة من الحكايات سنحاول تتبّع البنى السردية فيها منطلقين من الراوي وطرائق سرده وصولا للبيئة الزمكانية مرورا بالشخصيات واللغة، على اعتبار أن هذه الحكايات تحمل بذور السرد الروائي مع الأخذ بعين الاعتبار أن نص هذه الحكايات ليس رواية أو قصة بالمفهوم الحديث، لهذا سنتعامل معها بشكل مخصوص.

$11-    الراوي البطل والسرد بضمير الأنا:

يعد الراوي المكلّف بسرد الأحداث داخل نص الرواية، التي تحمل في بذورها حكاية ويتم ذلك وفق التتابع الزمني لها1، ومن جهة أخرى يعد الراوي شخصية متخيّلة مثله مثل بقية الشخصيات داخل العمل الروائي أو الحكائي بشكل عام، حيث ينوب الكاتب في السرد2، فيظهر على أنه صورته داخل النص، أو مفوّض منه، فيقوم بالحكي بدلا عنه، بذلك "يختبئ الكاتب خلف الراوي"3، الذي يتحوّل إلى قناع من أقنعة الروائي يقدم من خلاله عملهللمتلقي، وعليه يعتبر "الراوي هو الوسيط الدائم بين المبدع والمتلقي"4. وفي حكايات العدواني الخمس المختارة من كتابه تاريخ العدواني نجد أن الراوي هو ذاته المؤلف حيث تنطلق حكايته " كرامات من سمرقند إلى الشلف" بقوله بضمير الأنا:"كنت في حجة الثلاثين اجتمعت مع الشيخ البكري في سمرقند"5 ويظهر بشكل واضح انطلاقه في السرد بضمير المتكلّم فهو المؤلف والراوي، وهو الضمير الطاغي على السرد، ومنه نجد قوله في حكاية "رحلة روحية إلى بورنو" : "فقال لي: أتمضي معي؟ قلتُ..." 6 وهذا الاتساع لرقعة الراوي بضمير الأنا جعل من الحكايات أقرب للسيرة الذاتية، فأدى ذلك لخلق وظيفة أخرى لاتحاد الراوي بالشخصية، حيث تحقّق هذه الوظيفة رغبة الراوي في اختزال المسافة بينه وبين الشخصية، ليتسنى له الحضور والتدخّل والتحليل داخل العمل الروائي مما يولّد إيهاما بالإقناع7، وكأنّ الشخصية تحيى أمامنا وتقوم بدورها في الواقع. كما يمكننا ملاحظة ضمائر أخرى أمسكت زمام السرد في الكثير من المقاطع والحكايات ومنها ضمير هو الذي طغى على كامل حكاية "الإمام الغزالي واليهود والعلماء" وهي الحكاية الثانية من العيّنة المختارة، حيث تحوّل فيها الراوي إلى مروي له وتقلّد السرد راوٍ خارجي بضمير هو حيث انطلق بقوله :" كما حُكي عن الشيخ أبا حامد الغزالي، كان جالسا يوما... "8 واستمر هذا الراوي لنهاية الحكاية، كما يمكننا تسجيل الضمير المخاطب أنت في ثنايا الحكايات خصوصا في الحكاية الثالثة "دعوة إلى التصوّف والمشيخة" حيث وجّه الراوي كلامه للسامع أو المتلقي بقوله "فعليك يا عاقل...." 9 كما نجد هذا الضمير في الحكاية الأخيرة "الملك لله وللصالحين" في قوله "ثم قال لي الشيخ: انطلقْ إلى وطنك"10 وعبر هذا الضمير يظهر بعْد الحوارية في سرد الراوي للأحداث مما يجعل السرد أكثر حركية، كما يخفف من وطأة استمرارية مسار السرد بضمير هو الذي يُحدث نوعا من الركود السردي مما يسبب نوعا من الملل أثناء القراءة وهذا ما جعل الضمير المخاطب "أنت" يأتي في موقع المنقض من الملل أثناء القراءة لهذا فتوظيف هذا الضمير من طرف المؤلف كان موفّقا في هذه المواضع لدفع الملل عن متلقي نصه.

كما يمكننا تتبع الراوي من وجهة كونه داخلي مشارك في الأحداث؛ أي يروي من داخل القصة11 وهذا يجعله أقرب ما يكون للشخصيات بل صار في هذا الحكايات شخصية رئيسة وبطلة في المتن الحكائي وهي شخصية الشيخ العدواني التي ظهرت عليها علامات خاصة بمريدي المتصوّفة فقد كان تلميذا يتتبع ويخدم شيخه "عليك يا عاقل أن تخدم الشيوخ"12 وهذا جعل من الراوي يتصف بصفات الشخصية الخرافية، حيث انتقل عبر المكان والزمن بشكل غير منطقي متأثرا بالشخصية، كما يظهر من توظيفه لبعض الأحاديث النبوية الشريفة البعد الديني له رغم أنه محمل بالكثير من الخرافات والبدع إلا أنه يعكس ثقافة عصره والشائع فيها.

كما يمكننا أن نسجّل ملاحظة حول الراوي في هذه الحكايات حيث يقترب دوره من دور الراوي في الروايات الحديثة فينتقي وينظم الأحداث عبر القطع والاختيار حسب خطة ووجهة نظر يزوّده بها الروائي، فهو " يقوم في "سرده" بعمليتين اثنتين بارزتين تلازمان أي عمل روائي، هما القطع والاختيار، أو الحذف والإثبات، فليس من المعقول أن يثبت الكاتب كل ما يحدث في الحياة، بل يختار من الأحداث ويقتطع منها ما ينسجم مع تفصيلات القصّة، والمرامي المُتَوخَّاة من سيرورتها وصيرورتها."13 وهذا ما لاحظناه على حكايات العدواني فالراوي لم يقدّم كل شيء بل انتقى ما هو مهم لمسار السرد ولاستمرار الحكاية بشكل منطقي، وهذا ساعد في جعل الحكايات أقرب للسرد الحديث رغم أنها نمط من السير الذاتية.

$12-    شخصيات الحكاية وفق النموذج العاملي لغريماس:

نظر "غريماس -  "A.J.Greimas للشخصية من زاويتين، ميّز فيهما بين مستويين؛ مستوى عاملي ومستوى ممثلي. فأما المستوى العاملي "فتتخذ فيه الشخصية مفهوما شموليا مجرّدا يهتم بالأدوار، ولا يهتم بالذوات المنجزة لها"14، بهذا تعلّق مفهوم العامل"Actant" بدوره في السرد، فهو" الذي يقوم بالفعل أو يتلقاه"15.

أما المستوى الممثلي، فتتّخذ فيه الشخصية صورة فرد يقوم بدور ما في الحكي؛ أي يؤدي دورا عامليا أو أكثر16، وفي هذا المستوى يتم تحديد صفات الشخصية الخاصة وهي تؤدي دورها، فتكون ممثلا"Acteur".

وعليه فالعامل في الرواية أو الحكاية هو الدور الذي تقوم به الشخصية، أما الممثل فهو الصفة التي يمكن أن تظهر بها أي شخصية عاملة، بهذا نجد مستويين لرصد الشخصية يرتبطان بعلاقة محددة وفق اتجاهين:

- من العامل إلى الممثل:  تجمع عامل واحد كدور المعارض بممثل أو أكثر.

 - من الممثل إلى العامل: تجمع ممثلا واحدا بعامل أو أكثر؛ أي نجد ممثلا- شخصية بصفات خاصة-  تؤدي دورا عامليا أو أكثر17.

وقد انصرف اهتمام البنيوية للأدوار – الأعمال- التي تقوم بها الشخصيات أكثر من اهتمامها بصفاتها18، و لكوْن عدد الأدوار في مختلف الروايات/ الحكايات ثابت، مما يسمح للدارس بتتبّع دقيق ونموذجي للشخصية، فيحقق الدقة العلمية التي هي مطلب الدراسات الحديثة، وتجتمع مختلف الأدوار التي حددها غريماس بستة في ثلاث علاقات* تتوزّع عليها مختلف العوامل19، وهي:

- علاقة الرغبة: وتظهر بين الذات والموضوع20، فالذات ترغب في تحقيق موضوع –مرغوب فيه- معيّن تجمعها به علاقة اتصال أو انفصال. 

- علاقة التواصل: وتقوم بين - العاملين – المرسل والمرسل إليه، فأما المرسل فهو المحرّك الذي ينطلق لتحقيق الهدف المرغوب فيه؛ أي هو ما يجعل الذات ترغب في شيء ما. أما المرسل إليه فهو الذي يتوجه إليه المرسل في تحقيق الرغبة؛ حيث يعترف المرسل إليه للمرسل- الذات المنجزة- بأنها أدت المهمة على أكمل وجه. وعليه فعلاقة التواصل تتم عبر علاقة الرغبة.

- علاقة الصراع: وتنشأ بين العاملين المساعد والمعارض، وينتج عنها فعلين؛ إما منع العلاقتين السابقتين ويقوم بذلك العامل المعارض الذي يمنع الذات من الوصول للموضوع. أو العمل على تحقيقهما ويقوم بذلك العامل المساعد، الذي يقف إلى جانب الذات لتحقيق رغبتها في الموضوع21.

وفي حكايات العدواني يمكن تتبع هذه العلاقات بعواملها خصوصا في الحكايات التي فيها تكليف للراوي /الشخصية فمثلا في حكاية "كرامات من سمرقند إلى الشلف***"  نلاحظ أن الراوي /الشخصية يصبح ذاتا تحاول تحقيق هدف وموضوع وهو الوصول إلى الشلف وهي مدينة بالغرب الجزائري ستجد فيها الذات مبتغاها في أعلى درجات المعرفة الصوفية، فالعلاقة علاقة رغبة بينهما، أما المرسل فهو ما يدفع الذات للقيام بهذه الرحلة وهي شخصية الشيخ البكري في سمرقند فهو من يطلب من الذات تحقيق الموضوع، والمرسل إليه هو ما يحكم على مدى نجاعة عمل الذات وهو وصوله للشيخ بالشلف أما المساعد فنجده ممثلا في الكثير من الممثلين في هذه الحكاية مثل عكاز الشيخ لقوله :"ومن دلّك على الطريق؟ قال لي: عكاز الشيخ" 22 أما المعارض فلا نكاد نعثر على أي ممثل يمثله وهذا راجع للإمكانات الخرافية التي وضعها المؤلف لشخصية بطله وللمرسل – دوره في هذه الحكاية هو الواهب حسب تصنيف فلاديمير بروب – فلا يمكن للمسافة المكانية ولا الزمن ولا ظروف الصحراء أن تقف أمام البطل وهو في طريقه إلى مبتغاه في الشلف، بهذا يتضح بشكل جلي حضور العوامل على اختلافها في حكايات العدواني، كما تظهر ملامح التشكيل الخرافي لهذه الحكايات خصوصا ما تعلّق بالعوامل أو الوظائف كما رتبها بروب، فنجد مثلا وظيفة الإبعاد، ووظيفة المانح ووظيفة الاختباروغيرها من الوظائف التي تنبئ بالتشكيل الخرافي للحكايات العدواني.

إضافة لما تقدّم يمكننا ملاحظة العلاقات بين العوامل في بقية الحكايات كما في حكاية الإمام الغزالي مع اليهود والعلماء، لما كان ذاتا تحاول تحقيق موضوع إثبات الوحدانية لله، واليهود معارضين وقدرة الله مساعدة في إحياء الموتى، كذلك نجد العوامل تظهر في الحكايات الثلاثة الأخيرة حيث يصل البطل/الراوي إلى وطنه بمساعدة الشيخ البكري وهو المانح والمساعد في هذه الحالة. من خلال ظهور هذه العوامل وعلاقاتها يتضح البعد السردي لهذه الحكايات الصوفية رغم ما غلب عليها من الخرافات والخوارق كاجتياز المسافات الكبيرة في لحظات كقوله: "انطلقت من سمرقند ....أخذتني نعاسة فأفقت إلا وأنا بمنزل الزقام"23 حيث يظهر بوضوح الفعل الخارق في انتقال الراوي/ البطل من سمرقند إلى وادي سوف في لحظات. ولكن رغم العجائبية التي طبعت هذه الحكايات إلا أن الخيط السردي ظل متصلا ولم ينقطع خصوصا على مستوى تناسق أدوار الشخصيات العاملة، كذلك في وصفها باعتبارها ممثلة حيث جاء الوصف دقيقا حسب الشخصية فجعل مثلا المرأة مرتبطة بتقديم الطعام كقوله :"أتيت زوجة الشيخ فأمرت لي بالطعام"24 كذلك حين وصف بنت مياد زوجة الشيخ حيث قدّمت له خبزا. أما وصفه للمشايخ فكان على أنهم طاعنين في السن ودليل ذلك أخذه لعكاز الشيخ البكري كدليل ومرشد له في الطريق، وعليه فأوصاف المؤلف لشخصياته الممثلة كان دقيقا ومتناسقا مع مستوى الشخصية الاجتماعي والثقافي، وهذا جعل من حكاياته في هذا الجانب منطقية رغم أنها تعج بالخوارق. 

$13-    جمالية لغة حكاية العدواني:

رغم أن حكايات العدواني لم تتعدى بعْد المتن الحكائي فهي نواة لسرد خاص، لكنها احتوت على تشكيلات لغوية متطوّرة جعلت منها ترقى لمستوى القصة في الكثير من المواضع، خصوصا لما تعلّق الأمر بالحوار الذي طغى على مساحة معتبرة من الحكايات وقد دار هذا الحوار بين البطل/الراوي وبعض الشخصيات الأخرى كقوله:"قلت له: ما صفته هذا؟ فقال لي: لا تسأل ..."25 والملاحظ حول هذه الحوارات أنها حملت حركة سردية وجعلت الزمن يتقدّم مما قدّم حركيّة لنص الحكايات، كما نلاحظ على لغة الحكايات بساطة اللفظ والتركيب فالمؤلف لم يتكلّف في اختياراته فوظّف ألفاظا متداولة في عصره لتتوافق ومستوى متلقيه مثل:"لحقت، حلقة، طعاما، مرقا، المحبة، البحر الغربي، المقبرة، الشيوخ...." وتعد هذه الألفاظ من القاموس المتداول في زمن المؤلف فجاءت بسيطة وواضحة، كما نسجّل استخدام المؤلف لبعض الألفاظ القريبة من العامية كقوله:"فتوضّيت، نعاسة .. "وهي ألفاظ مستخدمة في الكلام المتداول بين أهل سوف وهو قريب من الفصحى، وقد زادت هذه الألفاظ نص الحكايات قربا من التداول والتصاقا بواقعها. أما التراكيب فجاء أكثرها متناسقا متسلسلا فلا انقطاع إلا في بعض الفقرات وهو ناتج عن اختلاف النسخ المخطوطة، وعليه فتراكيب الحكايات قريبة من التشكيلات القصصي الحديثة كقوله مثلا :"ثم قال لي الشيخ: انطلق إلى وطنك، قلت له...."26 وغيرها من العينات التركيبية ذات البناء المحكم مما ينبئ بقدرة المؤلف وعلمه بعلوم اللغة ومنطق الكلام.

كما نسجّل في لغة حكايات العدواني أنها تقوم بالتصوير الفني للمشاهد وكأن المتلقي يراها أمامه وتعد هذه التقنية مهمة في التصوير الروائي الحسي، حيث يجعل المشاهد ممسرحة وكأننا نشاهد شخوصها وبيئتها أمامنا، بهذا فالكلمة أو التراكيب في العمل الروائي/ الحكائي ترسم وتجسّد ما تفعله لقطات عديدة في العمل السينمائي،27 بهذا تتجلى الأهمية التصويرية للغة داخل هذه الحكايات، ومن نماذج تصويرها المشهدي نذكر قوله في حكاية "دعوة إلى التصوف والمشيخة":"قلت: رأيت السماء تحت رجلي، وأنا فوقها...." 28 حيث أراد الراوي/البطل تصوير ما شاهده في خلوته عند الشيخ البكري، فبدء يرتقي في مقامات الصوفية حسب الخلوة والرياضة التي يقوم بها إلى أن وصل باب الولاية فخرج من خلوته، وقد صوّر الراوي هذه الخلوة وما شاهد فيها بشكل دقيق ومفصّل مما جعل هذه المقامات ظاهرة حسية مشاهدة للمتلقي وهو ما زاد النص جمالا وقدرة على التعالق مع المتلقي خصوصا لما ارتبطت بتصوير الخوارق وعوالم أخرى غير واقعية، ونجد لهذا التصوير البارع حضورا في مختلف حكايات العدواني، وهو ما جعلها تقترب من الخطاب المسرحي خصوصا بطغيان الحوار على الوصف في الكثير من المواضع.

$14-    الفضاء الجغرافي وبعده الخرافي:

يظهر في العمل الحكائي – رواية أو مجرّد حكاية – الفضاء بعدة أشكال فبعضه متعلّق بالبعد الجغرافي المكاني وبعضه متعلّق بالبعد النصي الشكلي وآخر بالبعد اللغوي وما تخلقه الدلالات والرموز من فجوات دلالية، وسنحاول خلال هذا العنصر تتبع أحد أنماط الفضاء في الحكاية وهو المتعلّق بالبعد المكاني الجغرافي في الحكاية، فهو في اللغة" المكان الواسع، والفعل فضا يفضوا فضوّا، فهو فاضٍ]...[ الفضاء: ما استوى من الأرض واتّسع. ]...[ ومكان فاضٍ ومُفْضٍ؛ أي واسع"29، وانطلاقا من التعريف اللغوي يظهر تعلّق الفضاء بالاتساع في كل الاتجاهات، ولما نُسقطه على العمل الأدبي – الرواية /الحكاية - نجده يعبّر عن الحدود المكانية المبثوثة في ثنايا العمل، حيث "يلف - الفضاء - مجموع الرواية، بما فيها الأحداث المسرودة التي لا يمكننا تحديدها إلا في إطار استمرار المكان، الذي يلفها، ويظل موجودا أثناء جريانها"30، حيث نجد بعضه متعلّق بثنائية الواقع والمتخيل وبعضه الآخر متعلّق بالثنائيات الضدية، وعليه يمكننا ملاحظة نمطين من التجلي الفضائي ببعده الجغرافي:

$11-1-     ثنائية الفضاء الجغرافي الواقعي والمتخيل:

 تقوم هذه الثنائية على أساس الاختلاف لا التناقض، فنجد في حكايات العدواني فضاءات جغرافية واقعية وأخرى متخيّلة، وعبر رصدها كميا يمكننا التعرّف على طبيعة بناء الحكايات، فنجد مثلا ذكره لأماكن - فضاءات- واقعية كسمرقند وبغداد، وسوف ومراكش وغيرها، وهذا يوهم بواقعية الأحداث، وفي المقابل نجد فضاءات متخيّلة وهي المسافات التي كان يقطعها في لمح البصر كرحلته الروحية لبورنو وهي الحكاية الرابعة، حيث أغمض عينيه مع الشيخ فوجد نفسه ببورنو قاطعا فضاء متخيلا غير واقعي، بهذا يظهر أن المؤلف زاوج بين الفضاءات ليوهم تارة بواقعية الأحداث، وليجعل المتلقي يُدرك الكرامات استخدم الفضاء المتخيل وذلك لما يحمله من قدرة خفية تجعل المتلقي يقف مندهشا ليزداد تصديقه في المشايخ وهو ما يريده المؤلف. كما يمكننا رصد العديد من الفضاءات الواقعية والمتخيلة على امتداد الحكايات الخمس، فمثلا في الحكاية الثالثة "دعوة إلى التصوّف والمشيخة" نجده يزاوج بين الفضاءين حيث ينطلق من المتخيل إلى الواقعي كما في قوله :"فإنك واقف بباب الولاية.... فخرجت من باب المدينة وإذا بباب بغداد قريبا"31 نلاحظ أن باب الولاية المتخيل يتصدّر كلام الراوي /الشخصية ثم يأتي الفضاء الواقعي المتمثل في باب بغداد وتستمر الحكاية حيث يصل الراوي مع شيخه لبورنو بدخولهما في فضاء متخيل جديد، وعبر هذه المزاوجة بين الفضاءات يصبح نص الحكاية متنوّع الأبعاد وهذا يزيد من جمالية النص عند تلقيه حيث يحمل الذهن من بعْد لآخر حاملا كل متعلقات البعد من واقعية ومتخيلة.

$11-2-   ثنائية الفضاء الجغرافي باعتبار التضاد:

نجد الكثير من الثنائيات الضدية بين الفضاءات الجغرافية حيث يقوم أغلبها على مفهوم الأبعاد الفيزيائية، التي يتم إدراكها حسيا، فنجد اليمين واليسار والأعلى والأسفل والأمام والخلف، وبعض الثنائيات نرصده من خلال مفهوم الاتصال كثنائيتي المنفتح/ المنغلق و الداخل/ الخارج32 ، وغيرها كثير، بهذا تصنّف التقاطباتُ الضدية الفضاءات من خلال البحث في دلالاتها في شكل ثنائيات متضادة، وهذا يعكس علاقات مختلفة بين قوى وقيم متعارضة33، ولهذا يتم تصنيفها حسب عدة اعتبارات نذكر منها:

- اعتبار الاتساع والضيق.

 - باعتبار الارتفاع والانخفاض، وتدخل معه ثنائية فوق/ تحت

- اعتبار الانفتاح والانغلاق.

 - اعتبار الخارج والداخل.

 - اعتبار الاتجاهات.

وعبر حكايات العدواني يمكن رصد العديد من هذه الثنائيات منها ثنائية الداخل والخارج حيث نجد طرفيها يحضران بشكل منفرد كل لوحده كقوله : :"فدخلت عليه"34 أو قوله :" فدخل خلوته ...." 35 أو قوله :"فخرجت من باب المدينة"36وعبر المقابلة بين الفضاءين نجد أن الداخل يمثل الأمان ومنبع الحكمة للشخصية فهو الخلوة ومكان الشيخ أما الخارج فهو فضاء مبهم المعالم نجده يصل بين الدواخل لهذا فقيمته سالبة مقارنة بفضاء الداخل، فمثلا نجده يصل بين باب الولاية وباب بغداد. كما يمكن ملاحظة فضاء الخارج لكن بعبارات أخرى كقوله :"انطلق، أتمضي، فانطلق...."، وهي تعبير عن فضاء الخارج بما يحمل من أبعاد غير محددة تصل بين فضاءات الداخل. ومن بين الفضاءات المتضادة نجد فضاء الفوق والتحت حيث نجدها تحضر بشكل منفرد كقوله:"كأني فوق سبع سماوات"37 أو بشكل متلازم كقوله :"فنظرت كأني في الهواء والأسماء فوقي ولا أرض تحتي"38 وفي كلتا الحالتين يمثل فضاء الأعلى الفوقي السمو والرفعة والبعد الإيجابي أما الأسفل فهي الدنيا وكل ما هو مادي فان لهذا حملت الأرض وجاء باب الولاية في السماء العليا.

كما يمكننا تتبع الكثير من الثنائيات ذات البعد الجغرافي منها ثنائية الشرق والغرب حيث صرّح بالغرب في قوله :"أين الشلف؟ قال لي: على البحر الغربي"39 وهذا ضمنا يُخفي موقع سمرقند في أقصى الشرق وعبر المقابلة بين الفضاءين يظهر الاتساع الذي سيقطعه المريد/الراوي في رحلته للشيخ، وهذا يقدّم تصويرا للمسافة الكبيرة المقطوعة مما يجعل الانتقال السريع أمر خارق للمتلقي وهو ما يريده المؤلف، .... إضافة لما تقدّم نرصد فضاءات كثيرة تحمل البعد الثنائي الضدي .

كما نجد فضاءات جغرافية مرتبطة بأماكن محددة كتلمسان وسوف ومراكش والشلف وسمرقند وغيرها وهي مدن معروفة واقعيا وتمثل مسارا لرحلة الشخصية/الراوي نحو شيخه، وعبر مقابلة المسافة الواقعية بين هذه المدن والزمن الذي قطعه الراوي نجده قطعها في زمن بسيط للغاية لا يعدو اليومين وهذا أمر خارق.

$15-    الترتيب الزمني ودوره في منطقية الحكاية: 

     يعتبر الزمن حسب عبد الملك مرتاض " الشبح الوهمي المخوّف الذي يقتفي آثارنا حيثما وضعنا الخطى"40، فمفهومه جد متشعّب ويزداد تعقيدا بدخوله في العمل الحكائي، حيث يصعب وصفه أو تحديده، لهذا عمد الدارسون إلى طرائق مختلفة لضبط حدوده وسيره مع الأحداث، ومن التحديدات نجد تقسيم الحكاية/ الرواية – القصة- إلى متن حكائي ومبنى حكائي، حيث تنبني دراسة الزمن السردي على مبدأ التمييز بينهما، حسب ما أقرّه توماتشفسكي "Boris Tomashevsky"41من قبل في دراسته للسرد، وتمكننا هذه العملية من تحديد محوري الزمن ليتسنى لنا المقارنة، فهناك زمن القصة –المتن- وهناك زمن السرد- المبنى- أي زمن للحكاية في تسلسلها ويمثّل المدلول وزمن ترتيب السارد الذي يمثّل الدال42، بهذا تبرز حدود التشكيل الزمني من خلال محورين، إضافة لهذا التحديد فقد ظهرت دراسات أكثر تفصيلا خصوصا ما قدّمه تودوروف"T.TODOROV" و جيرار جينيت GERARD""GENETTE،43 عن مجال أكثر دقة لدراسة الزمن في الحكاية/الرواية، متمثّلا في كذلك في المقارنة بين زمن القصة وزمن السرد، حيث طرح جينيت مشكلة قياس المدة عبر المقارنة بينهما ثم بينهما وزمن القراءة44، أما طبيعة العلاقة بينهما، فنلْمسها من ثلاث زوايا، أو وجهات وهي النظام أو الترتيب والديمومة و معدّل التواتر45.

وسنقوم بالتركيز على المستوى الأول المتعلق بالترتيب الزمني حيث يُحدث ما يُعرف بالمفارقة السردية46؛ كأنْ يبدأ السرد بآخر حدث في القصة – الحكاية- ثم يعود إلى أول حدث فيها، محدثا نكوصا في الترتيب المنطقي للأحداث، فيولّد ذلك شبكة متداخلة من مسارات الزمن بين زمن القصة وزمن السرد، ويمكن التمثيل لذلك بالشكل التالي47:

dakira0201

نلاحظ أن زمن السرد لا يستقر في اتجاه واحد كما في القصة، بل يتقدّم ويتأخر محدثا تلك المفارقات التي تمثل البعد الأفقي للزمن في الحكاية، لكونها تحدد الزمن في مساره الأفقي بين القبلي والبعدي، والمفارقة تعني مقارنة نظام ترتيب الأحداث والمقاطع الزمنية في الخطاب السردي بنظام تتابعها في القصة- الحكاية-48، فتظهر على شكل استرجاع أو استباق، وهما من أهم المظاهر المتعلّقة بالترتيب الزمني، وهما ما سنركّز عليهما في تتبّعنا للترتيب الزمني في حكايات العدواني:

5-1- الاستباق"Prolepses" هو عملية سرديّة تتمثل في إيراد، أو الإشارة، إلى أحداث في السرد – ليتعرّف عليها المتلقي- قبل حدوثها في القصة49، لهذا يعد "مفارقة زمنية سردية تتّجه للأمام"50 وهناك أنواع للاستباق حسب الوظائف التي يقوم بها:

- استباق متمّم: ويرد ليسد ثغرة لاحقة51.

- استباق مكرّر: ويتم خلاله تكرار ومضاعفة مقطوعة سردية آتية، فتقوم بدور الإنباء، كقول الراوي: " سنرى في ما بعد"، أما وظيفته فتكمن في خلق حالة انتظار لدى المتلقي52.

- الفواتح: وهي جملة المعطيات التي تمهّد للقصة، فلا يُفهم معناها إلا في مرحلة لاحقة من السرد53، حيث "تخلق لدى القارئ حالة توقع وانتظار وتنبؤ بمستقبل الحدث والشخصية"54.

وفي حكايات العدواني نرصد مظاهر عدة للاستباق رغم حضوره البسيط لكون الحكاية لم تتعدى مستوى الحكي لمستوى السرد الروائي ومن المواقع التي ظهر فيها الاستباق نذكر ما جاء على لسان الشيخ البكري في حكاية "كرامات من سمرقند إلى الشلف" حيث طلب من العدواني المضي إلى أحد المشايخ في الشلف، وقد استبق الشيخ الحكاية بتقديمه جملة من الأوصاف والأحداث قبل حدوثها كقوله :" تجد فيها شيخا عارفا هو وحده يسألك عليّ..... يعطيك كتابا فاقبضه... "55 ويعتبر هذا الاستباق من النوع المتمم حيث جاء ليسد ثغرة لاحقة عند وصول العدواني للشيخ بالشلف. كما نجد ظهور آخر للاستباق في مواضع متفرّقة من الحكايات لكنها قليلة منها ما ذكره عن رحلته الروحية إلى بورنو حين تحدث عن ميلاد زوجة الشيخ قبل وصولهما فقال الشيخ:"أتمضي معي.... لنا أخا ببرنو ببلاد السودان...قد ولدت زوجته ولدا ذكرا ولم يكن له شيء من الطعام"56 فقد علم الشيخ بهذه الأحداث واستبق بالكلام عنها رغم أنها لم تصل بعد في سرده للأحداث. كما يمكن تتبع الاستباق من وجهة أخرى حيث يمكن تقسيمه حسب إمكانية حدوثه إلى:

- استباق ممكن التحقّق: حيث يكون فيه الخيال واقعيا.

- استباق غير ممكن التحقق: وفيه تسعى الشخصية لتحقيق ما يفوق قدراتها.

- استباق خارق للمألوف ونواميس الكون: وله حضور في قصص الخيال العلمي57.

وفي حكايات العدواني كل الاستباقات ممكنة التحقق بالنسبة للشخصية/الراوي رغم أنها خارقة للمألوف ونواميس الكون بالنسبة للمتلقي.

5-2- الاسترجاع"Analepses" يُقصد به استعادة أحداث ماضية في الحكاية وذكرها في السرد، وله عدة أنواع حسب مصدره من مسار القصة وهي:

- استرجاع خارجي: ويعود إلى ما قبل الرواية؛ أي إلى خارجها.

- استرجاع داخلي: يعود إلى ماض لاحق لبداية الرواية قد تأخّر تقديمه في النص.

- استرجاع مزج: وهو ما يجمع بين النوعين58.

وفي حكايات العدواني تعد جميعها استرجاعا لأنه يروي ما حدث له في الماضي من مغامرات صوفية لمتلقٍ – اسمه صفوان كما صرّح به في بعض القصص الأخرى- وتختلف أنواع هذا الاسترجاعات بعضها خارجي تماما كما نلاحظ في حكاية "الإمام الغزالي واليهود والعلماء" فهي استرجاع خارجي جاء به الراوي/الشخصية من خارج الحكايات وتكمن وظيفته في هذه الحالة هو التذكير بأحداث ماضية تم حصولها، حيث يتم مقارنتها بالحاضرة، لإبراز تشابه الوضعيتين أو اختلافهما59، وهو ما نلاحظه فعلا في تشابه الكرامات التي عرضها العدواني في حكاياته بكرامات الشيخ الإمام الغزالي، حيث أورد حكايته ليقارن بينهما وليُقنع المتلقي بصدق ما يقول، وأن الكرامات موجودة لحد إحياء الموتى كما فعل الإمام الغزالي. كما نجد الاسترجاع الداخلي لما أعطت بنت مياد زوجة الشيخ عزاز الخبز للعدواني فتذكر أن الشيخ البكري أمره بأن لا يأخذ شيئا من الزاد في طريقه :"ما هذا إلا ثقل لا يأمرني الشيخ بحمل الزاد "60 نلاحظ أن استرجاعه داخلي في الحكاية فهو لم يخرج عنها وتكمن وظيفته في هذه الحالة في إعطاء معلومات عن ماضي عنصر من عناصر الحكاية من شأنه تقديم إضافة مهمة لرسم مسار الحكاية المسرودة بشكل عام.

إضافة لما تقدّم يمكننا ملاحظة عدة مفارقات سردية في ثنايا الحكايات، وقد أدت وظائف كثيرة خصوصا في شد المتلقي وتشويقه وإبعاده عن روتين القراءة التسلسلية الخطية التي غلبت على مختلف الحكايات بسبب الطابع التاريخي السيري لها. كما نسجل مظاهر مختلفة لحضور الزمن كالمدة والتواتر لكننا لم نركز عليها لضيق المساحة النصية المتاحة لهذه الدراسة.

الخاتمة:

من خلال تتبعنا للبنى السردية في حكايات العدواني وطرائق حضورها وترابطها النصي نصل إلى كونها قريبة من التشكيل السردي للرواية أو القصة بشكل عام، وهذا ما جعل من حكايات العدواني تعد نواة ومتن حكائي يمكن الانطلاق منه لتقديم نص روائي ثري، خصوصا ما أضفاه الطابع الصوفي والعجائبي على أحداث الحكايات، كما نسجّل أن المؤلف وظف تقنيات سردية –سابقة لعهدها- رغم أنه لا يقصد تقديم نص سردي، مثل استخدامه للاستباق الزمني أو الراوي الشخصية وغيرها من التقنيات التي نجدها في النصوص السردية الحديثة، وهذا يجعلنا نقدّم حكايات العدواني وغيرها من الحكايات التراثية لنكون مادة للسرد الروائي العربي المعاصر، وهذا ما يساهم في بعث التراث بشكل مختلف فنقوم بقراءته مرتين.

      الإحالات:

* تاريخ العدواني، محمد بن محمد بن عمر العدواني، تقدين وتعليق أبو القاسم سعد الله، دار البصائر، الجزائر، الجزائر عاصمة الثقافة العربية، 2007.

** يوجد العديد من الحكايات ذات الطابع التاريخي وتحمل بذور السرد من حوار وشخصيات وأحداث وبيئة زمكانية وغير ذلك من مقوّمات السرد القصصي، وتعد هذه الحكايات في مجملها أقرب للحكايات الشعبية – المليئة بالخرافات والعجائب – منها للسرد التاريخي، لكونها لا تشير في أغلبها لزمن محدد ولا لأماكن ثابتة، كما أنها تعتمد على الرواية غير الموثقة وتقدّم عددا من الخوارق على أنها حقائق مسلم بها.

 ينظر، مراد عبد الرحمن مبروك، جيوبوليتيكا النص الأدبي، تضاريس الفضاء الروائي نموذجاَ، دار الوفاء للطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، ط1، 2002م. ص 13.

2 ينظر، عمر محمد عبد الواحد، شعرية السرد، تحليل الخطاب السردي في مقامات الحريري، دار الهدى للنشر والتوزيع، المنيا، ط1، 2003م، ص 09.

3 يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي، في ضوء المنهج البنيوي، دار الفارابي، بيروت، لبنان، ط2، 1999م، ص 89.

4 طه وادى، الرواية السياسية، دار النشر للجامعات المصرية، مصر، ط1، 1417هـ/ 1996م. ص 89.

5تاريخ العدواني، محمد بن محمد بن عمر العدواني، تقدين وتعليق أبو القاسم سعد الله، دار البصائر، الجزائر، الجزائر عاصمة الثقافة العربية، 2007. ص 309.

6 المصدر نفسه، ص 314.

7ينظر، يمنى العيد، تقنيات السرد الروائي، ص 94.

8تاريخ العدواني، ص 312.

9 المصدر نفسه، ص 313.

10 المصدر نفسه، ص 314.

11ينظر حميد لحمداني، بنية النص السردي، من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1991. ص 49.

12تاريخ العدواني، ص 313.

13عادل فريجات، مرايا الرواية، ص10.

14حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 52.

15رشيد بن مالك، قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، عربي- انجليزي- فرنسي، ص 15.

16ينظر حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 52.

17 ينظر، جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة جمال حضري، منشورات الاختلاف، الجزائر، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ط1، 1428هـ، 2007م، ص 154.

18 ينظر، حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 52.

* للتفصيل أكثر في مختلف العلاقات من وجهة نظر تودوروف، ينظر  تزيفتيان تودوروف، الأدب والدلالة، ترجمة، محمد نديم خشفة، مركز الإنماء الحضاري، سوريا، دط، ص 61، ص 62، ص 63.

19 ينظر، حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 33.

20 ينظر، جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ص 105.

21ينظر حميد الحمداني، بنية النص السردي، ص 34، ص 35، ص36.

*** وردت كلمة الشلف لمعنيين أولهما مكان والثاني اسم شخص شلف خصوصا في قوله "ومضيت إلى شلف، سمعت منه....." ينظر، تاريخ العدواني، ص 311.

22تاريخ العدواني، ص 311.

23 تاريخ العدواني، ص 310.

24 تاريخ العدواني، ص 313.

25تاريخ العدواني، ص 310.

26المصدر نفسه، ص 314.

27ينظر، مها حسن القصراوي، الزمن في الرواية العربية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2004. ص 47.

28 تاريخ العدواني، ص 313.

29 أبو منصور محمد الأزهري الهروي، تهذيب اللغة، تحقيق: أحمد عبد الرحمن مخيمر، منشورات علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، المجلد التاسع – ش، ض، ص، س- باب الضاد والفاء، ص 248.

30 ينظر حميد لحمداني، بنية النص السردي، ص64.

31 تاريخ العدواني، ص 314.

32ينظر، حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت – لبنان، الدار البيضاء –المغرب، دط، 1990م. ص 35.

33 ينظر، محمد بوعزة، الدليل إلى تحليل النص السردي، تقنيات ومناهج، دار الحرف للنشر والتوزيع، المغرب، ط1، 2007م، ص 80.

34 تاريخ العدواني، ص310.

35المصدر نفسه، ص310.

36 المصدر نفسه، ص314.

37المصدر نفسه، ص313.

38المصدر نفسه، ص313.

39المصدر نفسه، ص310.

40 عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، عالم المعرفة، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ديسمبر 1998، العدد 240. ص 171.

41ينظر، عمر محمد عبد الواحد، شعرية السرد، ص 49.

42 ينظر سمير المرزوقي، جميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة، تحليلا وتطبيقا، سلسلة علامات، الدار التونسية للنشر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط1. ص 78.

43ينظر، مها حسن القصراوي، الزمن في الرواية العربية، ص50، ص 51.

44 ينظر، جيرار جينيت، خطاب الحكاية، بحث في المنهج، ترجمة، محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حلي، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط3، 2003م، ص 101.

45 ينظر، دليلة مرسلي، فرانسوا شوفالدون، مارك بوفات، جان موطيت، مدخل إلى السيميولوجيا (نص - صورة)، ترجمة، عبد الحميد بورايو، ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، دط، 1995م، ص 58.

46 ينظر، حميد لحمداني، بنية النص السردي، ص 73.

47 ينظر، المرجع نفسه، ص 74.

48 ينظر، جيرار جينيت، خطاب الحكاية، بحث في المنهج، ترجمة، محمد معتصم، عبد الجليل الأزدي، عمر حلي، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط3، 2003م، ص 47.

49 ينظر سمير المرزوقي، جميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة، تحليلا وتطبيقا، ص 80.

50 مها حسن القصراوي، الزمن في الرواية العربية، ص 211.

51ينظر، رشيد بن مالك، قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، عربي- انجليزي- فرنسي، ص 149.

52 ينظر سمير المرزوقي، جميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة، تحليلا وتطبيقا، ص 84.

53 ينظر أحمد حمد النعيمي، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت لبنان، ط1، 2004. ص 38، ص 39.

54 مها حسن القصراوي، الزمن في الرواية العربية، ص 212.

55 تاريخ العدواني، ص 309، ص 310.

56 تاريخ العدواني، ص 314.

57 ينظر أحمد حمد النعيمي، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، ص 40.

58 ينظر، أحمد حمد النعيمي، إيقاع الزمن في الرواية العربية المعاصرة، ص 34.

59 ينظر سمير المرزوقي، جميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة، تحليلا وتطبيقا، ص 82، ص 83.

60تاريخ العدواني، ص310.