التجربة المعجمية في فكر ابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ )*pdf

 

د. محمد بن عمر

جامعة تلمسان   

 الملخص :

يعد فصل ابن حزم الأندلسي الموسوم بـ : تفسير ألفاظ تجري بين المتكلمين في الأصول " تجربة لغوية رائدة عنده في الحقل المعجمي الخاص بأهل النظر, و هي في الوقت نفسه تشمل عملا من الأعمال الإبداعية الأصلية في فكره , و حلقة علمية من الحلقات الكثيرة التي أسست لطبيعة الفكر الموسوعي لديه , و ذلك لما حوته من ألفاظ هي في غاية الأهمية من حيث الإسلامي و القرآن الكريم و السنة الشريفة و الفقه و اللغة وعلم البلاغة الدلالة و الفلسفة و الأخلاق . فما هي _ إذا_ منهجيته , ووسائله الفكرية و الجمالية والأدبية التي مكنت لهذا العمل المعجمي الرائد على الرغم من أنه كان ظاهريا لا يأخذ  برأي الباطنية ؟

يقول د. إحسان عباس: إن هذا الفصل وهو يقصد "تفسير ألفاظ تجري بين المتكلمين في الأصول" بأنه قد ورد لاحقا للكتاب الموسوم بالتقريب ,وذلك في مخطوطه إزمير (1) ، ويضيف بأنه تعميقا للفائدة ارتأى أن يلحقه بما طبعه من رسائل ابن حزم , وبالذات في الجزء الرابع الذي نشرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت في طبعتها الأولى من عام 1983 م. و يحدد د. إحسان مصدرية هذا الفصل في مؤلفات ابن حزم فيقول :" وهو كما نص ناسخه مأخوذ من كتاب النبذ الكافية في أصول أحكام الدين. وهذه التعريفات موجودة في كتاب الإحكام 1/35 – 51 , وعنوان الفصل هنالك:"في الألفاظ الدائرة بين أهل النظر" (2).

وبغض النظر عن الاختلافات الواردة في عنوان هذا الفصل _ و لعل ذلك من صنع النساخ- فإن مضمون هذا الجزء من كتابه ,مضمون معجمي قصد فيه المؤلف إلى استظهار وتفسير وشرح مجموعة من الألفاظ تداولها المتكلمون فيما بينهم .

و للتذكير فإن ابن حزم في هذا الفصل لم يقدم له بما يكشف عن رؤيته المعرفية بخصوص الإقدام على هذا الاختيار , وبخاصة إذا علمنا أن المتكلمين باطنية , وأن ابن حزم كان ظاهريا – يأخذ بظاهر النص – ومن هنا لا يستبعد أن يكون السبب الذي دفعه إلى ذلك هو محاولة الكشف عن باعه الطويل في هذا التخصص , ومجاراة المتكلمين فيه ,والتخلص ولو إلى حين من قساوة الظاهر التي كانت تكبح جماح خياله وتفكيره الواسع.

ويعد هذا الفصل بالمقارنة مع فصول رسائله الأخرى محاولة رائدة تمثل تصورا لنظرية المعجم لديه , جمع فيه ستة وسبعين مصطلحا (3) منها المفرد كالإجماع (4) والاستدلال (5) والحق (6) ومنها المركب كالفرض و الواجب و اللازم والحتم (7) واسم المعصية والطاعة (8).وبعملية حسابية بسيطة نستطيع أن نتبين كل واحد من ذلك, وهو كالأتي:

·          المصطلحات المفردة و يبلغ عددها سبعين مصطلحا.

·          المصطلحات المركبة و يبلغ عددها ستة مصطلحات .

و يلاحظ أن ابن حزم في هذا العمل المعجمي لم يراع ترتيبا معينا بحسب الحروف , باستثناء بعض الحالات التي كان يشرح فيها لفظا ويلحقه بمشتقاته وهي حالات قليلة جدا كقوله :(البيان ) (9) و (التبيين و الإبانة (10) , ولعلها حالات اعتباطية لم يقصد إليها , وإنما استدعاها جنس الكلام. وبالمقابل يظهر أنه كان يأتي بلفظ ويلحقه بضده كقوله: (الحق)(11) و(الباطل) (12) , والغريب في الأمر أنه ابتداء من اللفظ الخامس والعشرين تصبح كل الكلمات عنده معطوفة على بعضها ,و ذلك باستعمال حرف الواو كقوله :(والحدّ)(13), و (الرسم)(14), و (العلم)(15) و (الاعتقاد)(16) وهكذا إلى أن يصل آخر لفظ في هذا الترتيب و هو(الطبيعة)(17).

و يبدو أن هذا العطف الذي خص به ابن حزم ألفاظا من دون أخرى له دلالته اللغوية والمعجمية , ومن ذلك ربط بمعنى واحد بين لفظتين أو عدة ألفاظ كقوله "والفرض و الواجب واللازم و الحتم : أسماء مترادفة تقع بمعنى واحد على كل ما استحق تاركه اللوم , واسم المعصية والحرام والمحظور و الذي لايجوز والممنوع , عبارات مترادفة أيضا تقع بمعنى واحد على ما استحق فاعله اللوم"(18) و قوله" و الدّليل ما استدلّ به , وقد يكون برهانا, و قد يقع اسما لكلّ شيء ذلك على معنى كرجل دلك على طريق ونحو ذلك "(19). وقوله "الحجة هي الدّليل نفسه , وقد تكون برهانا أو إقناعا أو شغبا"(20).

و قد يكون القصد من ذلك العطف , ذكر اللفظ وضده :"الأمر: إلزام المأمور عملاما"(21) وقوله:"و النّهي: إلزم المنهيّ ترك عملاما"(22).

و قد يكون القصد من هذا العطف أيضا حصر ألفاظ من مصدر واحد بغاية التكامل المعنوية كقوله:"والبيان : كون الشيء في ذاته ممكنا أن يعرف بحقيقته من أراد علمه" (23) ، وقوله " التبيّن و الإبانة: فعل المبين و هو إخراجه للمعنى من الإشكال إلى إمكان الفهم بحقيقة , والتبين فعل نفس المتبين للشيء في فهمنا إيّاه, وهو الاستبانة أيضا, والمبين هو الدّال نفسه"(24) .

و قد تكون الألفاظ المعطوفة بغية التكامل المعنوي في هذا العمل غير مشتقة من مصدر واحد كقوله:" والنبوّة : اختصاص اللّه عزّو جلّ من شاء من الناس بالإنباء بما ليس في قوة نوعهم أن يعرفوه حتى يعرّفوا به ,و ليس ذلك لأحد بعد محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم , وخاتم أنبيائه عليهم السّلام "25"، و قوله "و الرّسالة زيادة معنى على النبوة , وهو أن يأمر اللّه تعالى النبي بإنذار غيره و التبليغ إليهم "(26)".

و هكذا فإنّ ابن حزم قد ربط بين واحد وخمسين لفظا بوساطة الواو ، أي: من اللفظ الواحد والخمسين وإلى اللفظ السادس والسبعين – في حين نجده قد أهمل الأربعة والعشرين الأوّلين – أي من اللفظ الأول و إلى اللفظ الرّابع و العشرين.

وعندما نعود إلى معجمية هذه المصطلحات نلفيها موزعة على تسعة عشر حرفا من حروف الهجاء , وذلك بحسب أوائل الأصول , وهو توزيع يمثل ما نسبته 85 ,67 %  من مجموع حروف المعجم ونستطيع أن نتبيّن ذلك بالعدد و الحرف في الجدول الآتي :

الحرف

عددالألفاظ

الحرف

عددالألفاظ

اللألف

17

الصاد

2

الباء

4

الطاء 

1

التاء    

6

العين                 

4

الجيم

2

الفاء                  

3

الحاء  

4

القاف                

1

الخاء

3

الكاف

4

الدال  

4

اللام

2

الراء  

3

الميم 

5

السين   

1

النون

6

الشين 

4

 

 

و انطلاقا من هذا الجدول البياني يظهر أن الألفاظ التي جمعها ابن حزم لم تستغرق كل الحروف العربية ,خاصة إذا علمنا أن منتوج المتكلمين في هذا الشأن كان كبيرا .ولا يستبعد أن يكون قد أهمل جانبا وفيرا منها ,وحجتنا في ذلك , أنه لم يجزم بعددية هذه المصطلحات ,ويبدو ذلك واضحا في عنوان هذا الفصل حيث نجده يحمل كلمة ألفاظ على النكرة ولا يعّرفها فيقول: "تفسير ألفاظ تجري بين المتكلمين في الأصول"(27) . وهذا ما نستخلصه أيضا من العنوان  الثاني لهذا الفصل في كتاب الإحكام حيث يقول: "في الألفاظ الدائرة بين أهل النظر"(28) ،و لعل حرف (في) هاهنا دال على الانتقاء وليس على الجرد الكلي.

ومهما يكن من أمر تصرف ابن جزم في هذه المصطلحات , فإن ما نقه منها, لا يخلو من أهمية علمية في حقول معرفية مختلفة , يمكن تبنيها بالرجوع إلى متن هذا الفصل ومن ذلك :

أولا: الحقل الديني : و نجد فيه تفسيره للفظ النبوة والرسالة والكفر والإيمان والشريعة والنية ...

ثانيا: الحقل القرآني: ونجد فيه تفسيره للفظ النص والتأويل ,والأمر,والنهي والنسخ ...

ثالثا : الحقل الفقهي : ونجد فيه تفسيره للفظ الإجماع والخلاف ,والسنة والبدعة ,ودليل الخطاب ,والاستنباط والقياس و الاجتهاد و الرأي .

رابعا : الحقل الأخلاقي : ونجد فيه تفسيره للفظ الصدق والكذب والحق والباطل والطبيعة والعناد.

خامسا:الحقل اللغوي : ونجد فيه تفسيره لمصطلح اللفظ , واللغة ,والعموم والخصوم والمجمل و غيرها.

سادسا : الحقل البلاغي : ونجد فيه تفسيره للفظ الكناية , والمجاز ,والتشبيه ,والمتشابه , و البيان والتبيين و لإبانة.

سابعا : الحقل الدلالي : ونجد فيه تفسيره للفظ الدلالة والدليل والدال والاستدلال والإشارة .

ثامنا : الحقل الفلسفي: ونجد فيه تفسيره للفظ العقل والحدّ والرسم والاعتقاد,والبرهان, والحجّة والإقناع والاستدلال.              

و يبدو أن ابن حزم في أثناء تفسيره لهذه الألفاظ قد اعتمد على مخزونه اللغوي والمعرفي فحسب ,وبرهان ذلك أنه لم يشر في متن هذا الفصل إلى رأي من آراء المتكلمين ,ولم يذكر واحدا منهم كمثال أو حجة ,ولعل هذا العمل منه كان تحديا لأهل الباطن ,وعلى اعتبار أنه كان ظاهريا لا يميل إلى التقليد والقياس و الرأي. ويلاحظ في تفاسير الألفاظ أن ابن حزم قد اعتمد في تأسيس معاني بعضها على القرآن الكريم أو الحديث الشريف  أو الشعر العربي القديم , غير أن تلك الألفاظ قليلة جدا بالمقارنة مع عددها ال إجمالي , إذ لا تتجاوز ثمانية ألفاظ , ويمكننا تبين ذلك في الجدول الآتي:

الألفاظ المؤسسة

بالقرآن الكريم

بالحديث الشريف

بالشعر العربي القديم 

اللفظ

×

 

 

الخلاف

×

 

 

البدعة

 

×

 

المجاز

×

 

 

الشريعة

×

 

×

اللغة

×

 

 

الكفر

×

 

×

العقل

×

 

 

وعليه تشكل الألفاظ ذات المعاني المؤسسة بالقرآن الكريم والحديث الشريف والشعر العربي القديم نسبة مئوية تقدر ب 6,08%  من مجموع الألفاظ المثبتة في هذا الفصل,وهي موزعة كالأتي :

أ- خمسة ألفاظ مؤسسة بالقرآن الكريم فقط .

ب- لفظتان مؤسستان بالقرآن الكريم والشعر .

ج- لفظة واحدة مؤسسة بالحديث الشريف ,فقط .

 وبغض النظر عن طبيعة التأسيس , فقد جاءت الألفاظ كلها متفاوتة في الشرح و التفسير, إذ منها الذي استغرق شرحها فقرة كاملة كلفظة العقل(29) ومنها ما جاء تفسيرها في كلمتين اثنين كلفظة الصواب التي فسرها ب: إصابة الحق (30). ومع ذلك فإنّ تلك الألفاظ لا تخلو من أهمية لغوية ومعرفية, إذ باستطاعة القارئ والباحث أن يجدا فيها مبتغاهما الديني و الفقهي و الفلسفي واللغوي و الأخلاقي وغير ذلك كثير, وهي في الأخير تعكس ثقافة ابن حزم الموسوعة التي اخذ فيها من كل علم بطرف.

 الإحالات

  *  هو أبو محمد علي بن سعيد بن حزم الوزير الفقيه الظاهري ، ولد بقرطبة سنة 384 ÷ـ ، وتوفي بها سنة 456 ÷ـ . له مؤلفات كثيرة و متنوعة منها كتاب طوق الحمامة في الالفة والألاف, و الفصل في الملل و الأهواء و النحل وغيرها. ينظر : الجذوة للحميدي . و الذخيرة لابن بسام ، ونفح الطيب للمقري .

1ـ ينظر رسائل ابن حزم الأندلسي ،تحقيق د.إحسان عباس ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ،ط1، 1983م ، 4/(هـ1)، ص409.

2ـ المصدر نفسه ، (هـ 1) ، ص 409.

3ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/409 ـ 416.

  4ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/409.

5ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

6ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/414.

7ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

8ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/415.

9ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/414.

10ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/414.

11ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/414.

12ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/415.

13ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

14ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

15ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

16ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

17ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/ 416.

18ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/415.

19ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

20ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

21ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

22ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/413.

23ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/414.

24ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/414.

25ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/414.

26ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/414.

27ـ ينظر : المصدر نفسه ، 4/409.

28ـ الإحكام 1/35.

29ـ رسائل ابن حزم ، 4/412.

30ـ  ينظر : المصدر نفسه ، 4/416.