مداخلة في الملتقى المغاربي الأول حولpdf

النقد المسرحي (الأنواع والمقاربات)

المسرح الشعري بين المفهوم والمصطلح.

أ .ياسين خروبي

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

Summary

This paper examines the installation in terms combines theater, poetry (poetic theater) this installation raises each researcher and it is busy questionably Is hair in the case of poetic theater added to the theater any trailing him, or is it in this kind of theater parallel case? And may be obsolete for many of the usual tools theater and a host of tools for both representative or director or prepared or artwork.

إن هذه الورقة تبحث في تركيب مصطلحي يجمع بين المسرح والشعر (المسرح الشعري) هذا التركيب يثير كل باحث و يجعله ينشغل بتساؤل هل الشعر في المسرح الشعري حالة مضافة للمسرح أي زائدة عليه، أم أنها في هذا النوع من المسرح حالة موازية؟ وربما تكون ملغية للكثير من أدوات المسرح المعتادة ومضيفة لأدواتها سواء للممثل أو المخرج أو المعد أو الفني.

من هنا لا نصبح أمام المسرح بما عليه، وبما هو مسرح، بل يصبح المسرح قائماً على المفاهيم التي يقوم عليها الشعر ويشتغل بها لا على الشعر بحد ذاته. 

والشعر في أصله محصور بالوزن والقافية فهو يضيق على صاحبه، والنثر مطلق غير محصور فهو يتسع لقائله كما يقول صاحب كتاب نقد الشعر، ومن هنا ندرك مدى صعوبة الكتابة المسرحية، وعمق الهوة بين المسرح النثري والمسرح الشعري.

وفي هذه السطور نحاول أن نعرف مدى صلاحية الشعر للكتابة في الأدب المسرحي.

المسرح والشعر البداية:

يكاد يجمع الباحثون على أن العرب لم يعرفوا المسرح في أي عصر من عصورهم القديمة وذلك" لأن الفلسفة الدينية عند اليونان تتعارض مع الفلسفة في الإسلام، مما لم يسمح بنقل الأدب التمثيلي اليوناني إلى البيئة الإسلامية"1.

ولأن ثقافة العرب وفنونهم ومزاجهم، كالتراث وميل العربي إلى الإيقاع والطرب، وأسباب خارجية وافدة من الغرب، جعلت النص العربي يولد من رحم الشعر، وجعل النصوص الرائدة الأولى تكتب شعراً لا نثراً.

ولقد أبدع اللبنانيون- في العصر الحديث- في كتابة المسرحية الشعرية وفي طليعتهم ماروان النقاش، حيث كان لهم واضح الأثر في المسرح المصري، وقد "نقل محمد عثمان جلال بعض مسرحيات موليير"المشرق العربي، ومتخلفة عنه بأكثر من ثمانين سنة، وهو زمن طويل جداً، وتجدر الإشارة إلىأنأولبداية للمسرحية الشعرية المغاربية كانت في تونس على يد سليمان القرداحي الذي جاء إلى تونس من المشرق في العام 1908، ثم فرقة سلامة حجازي 1914،  وفرقة رمسيس 1925... وفي الجزائر كانت البداية تعود إلى جورج أبيض 1921، وبعده سلالي علي ومحي الدين بشطارزي ورشيد القسنطيني، وجمعية العلماء المسلمين ويذكر هنا رضا حوحو، وعبد الرحمن الجلالي... وعرفت الجزائر أول جملة من الأسباب مثل : تقليد الغرب، واستلهام ما عنده، ميل الإنسان العربي إلى الغنائية، و الارتباط بالسير الشعبية التي ارتبطت بالشعر، والظواهر المسرحية والاحتفالية كالبكاء، وكذلك ترجمة المسرح الغربي وكان من الشعر وغير ذلك من الأسباب. 6
        
وما يجب تأكيده هو أن ميل العرب إلى الشعر واللحن والغناء، وكلها مميزات الشعر، قد تكون حببت لهم كتابة المسرح في بداياته بلغة الشعر، وربما تكون السير الشعبية و الحكواتية التي كانت تردد في المجالس للعامة، سببا رئيسياً لكتابة المسرح العربي في بداياته بلغة الشعر ويمزج بالنثر، وهي طريقة يلجأ إليها الحكواتي، ويصاحب حكايته الموسيقى والصوت واللحن، ولا ننسى أن العرب مازالوا في القرن التاسع عشر يعشقون النزعة الشعرية والتي تظهر البطولة الفردية وتعززها على مبدأ الجماعة أو البطولة الجمعية، والبطولة الجمعية كانت تابعة أصلا للبطولة الفردية، فالفرد هو الكارزما في ظل إحساس الجميع بحالة من الأمان، مادام هناك قائد فذ يأخذهم إلى بر الأمان أو الاتحاد، وخاصة أنهم كانوا يحسون بالخطر الداهم من الآخرين، وهذه البطولة الفردية، لتكون موحده للجميع لا بد أنها صارت تغنى وتردد في المجالس للاقتداء بالقائد البطل والفذ، وهذه السير مرة أخرى كانت منتشرة في البلاد العربية قبل معرفتهم بالمسرح، و نتيجة لانبهار الكتاب والمثقفين بهذه الطريقة السيرية، نسجت على منوالها مسرحيات غنائية أو المسرح الشعري.

وفي الجهة المقابلة و بالرغم من أن الأدب المسرحي قد نشأ شعراً عند اليونان القدامى، واستمر شعراً عند جميع الكلاسيكيين، ثم عند عدد كبير من الرومانتكيين، وظل عند بعض المحدثين و المعاصرين مثل: رومان و ويلز، إلا أن الجدل لا يزال قائماً حول صلاحية الشعر للأدب المسرحي، بعد أن طغى عليه النثر حتى كاد يغرقه، وبخاصة بعد احتلال القصص النثرية مكان الصدارة في جميع الآداب، وتقهقر الشعر، حتى الغنائي منه7.

المسرح الشعري فن أدبي لا يذوب في الشعر، مثلما لا يذوب في جملة من الفنون تعد أساسية في فن المسرح، ولكن الشعر بلغته وإيقاعه يعد مقوماً أساسيا فيه، وهذا ما يؤكد تبعية الشعر للمسرح في تركيب المصطلح.

المسرح الشعري مفهومه :

مفهوم المسرح:

المسرح في عمومه يبدأ أولاً نصاً أدبياً، يقوم على تقنية الحوار بين شخصيات متصارعة، وتحاكي أو تعرض موضوعاً قد يكون متخيلاً أو ممكن الوقوع، وذلك لأهداف كثيرة منها المتعة الفنية أو الفكرية، كما يمكن أن يجسد هذا النص على الخشبة8، وقد ورد في المعجم المسرحي أن كلمة المسرح توظف " للدلالة على شكل من أشكال الكتابة، يقوم مع عرض المتخيل عبر الكلمة"9، كما نجد تعريفاً لعدنان بن ذريل يركز فيه عن الغاية من المسرح وضرورة ربطه بالواقع ، فيقول" هي نوع أدبي أساسه تمثيل طائفة من الناس، لحادثة إنسانية، يحاكون أدوارهم، استنادا إلى حركتهم على المسرح، وأيضاً إلى حواراتهم فيما بينهم فيها، والحادثة إنسانية، وهي متحققة كلها، أو بعضها متحقق،ويجوز أن يكون جزء منها متخيلاً، أو ممكن الوقوع، وغاية هذا النوع الأدبي هي المتعة الفنية، أو الانتقاد، أو العظة أو التثقيف، وفي ذلك هدفها.." 10. ويجعل البعض جوهر المسرح هو الصراع، فلا معنى للمسرح دون صراع، ويعبر عن هذا وليم آرثر بقوله" المسرحية تمثيل لإرادة الإنسان في صراع مع القوى الغامضة للعوامل الطبيعية التي تحوطنا وتستخف بنان إنها واحد منا، مقذوف به حيا فوق المسارح ليصارع الأقدار ضد القانون الاجتماعي، ضد واحد من بني جنسه، ضد نفسه إذا لزم الأمر، ضد أطماع أولئك المحيطين به وضد رغباتهم وحماقاتهم، وضد أحقادهم"11.

        ومنذ بديات المسرح الأولى ظل في صراع مع باقي الفنون الآخر، كالموسيقى والشعر وما إلى ذلك، وهي تحاول جميعا زحزحة المسرح عن مكانته لتحل فيها، والمسرح يأبى أن يبقى إلا مسرحا وكفى.

مفهوم الشعر:

الشعر عالم سحري جميل، تموج فيه حركة  الخيل والأحلام والأوزان، والشعر عالم يخترق المعقول ويتجاوز الحدود والمنطق، إنه" صياغة جمالية للإيقاع الفني الخفي الذي يحكم تجربتنا الإنسانية الشاملة، وهو بذلك ممارسة للرؤية في أعماقها، ابتغاء استحضار الغائب من خلال اللغة، يعتمد على الخيال...الذي يجيد بدلالة اللغة الحقيقية وضعت لها أصلاً، ليشحنها بمعان جديدة، وإيحاءات غير مألوفة"12.

فالشاعر يعبر بالإشارة والرمز والإيحاء، أما المفكر فيعبر بالكلمة العارية، وهو بهذه الصفات والمميزات مغاير للنثر تماما، لأن النثر أساسا يقوم على المنطق والوضوح، ووظيفته إبلاغية مباشرة13.

مفهوم المسرحية الشعرية:

إن التأمل في تعريفي المسرح والشعر يكشف عن المفارقة بينهما، إذ لكل منهما وسائله ودروبه التي يسلكها للوصول إلى الغاية التي يريد، ولا شك أن المسرح ليس هو الشعر، والشعر ليس هو المسرح، بل هما عالمان مختلفان، الأول يتمايز عن الثاني، مما لا يجعل منهما شيئا واحدا، بل شيئين مختلفين لكل منهما خصوصياته، غير أن المتأمل أيضا يلاحظ أن المسرح يتعايش في توافق تام مع جملة من الفنون السمعية والبصرية، يعد الشعر واحداً منها، إن لم يكن في طليعتها جميعاً14.

وعدم تشابههما واتحادهما لا يجعل منهما عدوين متنافرين، وخطين متوازيين لا يلتقيان أبداً، إن المسرح لا يناقض الشعر ولا يدخل معه في صراع، كما لا يدخل في صراع مع بقية الفنون الأخرى، وإنما يجمع بينهما بكثير من المحبة والتجانس إنه فن المصالحة وفن المحبة وفن التلاحم، وبقدر ما نستطيع أن نقول إن المسرح أب الفنون فهو أيضا ابنها المدلل، إن المسرح حين يستدعي الإيماء والحركة والصوت والموسيقى والفنون التشكيلية والكلمة الشعرية لا بغرض إذابتها داخله وسلبها خصوصياتها، ولا بغرض الاستسلام لها أيضا والذوبان فيها، ولكن لتشكيل فسيفساء فنية جميلة تسمى المسرح، وهو بذلك يشبه الشجرة التي لا تكون كذلك بالأغصان فقط أو الجذع أو الأوراق أو الثمار فحسب، ولكن بها جميعا متحدة في تناغم وانسجام15.

ولهذا نجد تعريف المسرح الشعري في المعجم المسرحي على النحو التالي:" المسرح الشعري تسمية يقصد بها المسرحية المكتوبة شعرا أو بلغة نثرية لها طابع شعري، وتستخدم اليوم للتمييز بين المسرح المكتوب شعراً والمسرح المكتوب نثراً"16.

ولقد ظهرت عدة نظريات حول الشعر والنثر والمقارنة بينهما باعتبارها إحدى الجدليات الأزلية، وسنحاول تقديم عرض سريع لبعض تلك النظريات التي تكشف عن اتجاهات ذلك الجدل، وهي نظريات قديمة متجددة قدم الأدب وتجدده، " ففي سلسلة من المحاضرات التي ألقاها بول فليري في الكوليج دي فرانس بباريس، عرض هذا الشاعر نظرية تشبه النثر بالمشي، والشعر بالرقص، وهذه النظرية إن لم تكن وثيقة الصلة بالمذهب الرمزي الذي يدين به هذا الشاعر الذي يعلق على موسيقى الشعر ونغماته الإيحائية الأهمية الأولى، إلا أنها مع ذلك تصدق على جميع أنواع الشعر وأنواع النثر، فالنثر يهدف إلى التعبير عن مكنون الفكر، وإحساس القلب، وهو لذلك وسيلة لا غاية، والشعر فن جميل في ذاته يقصد إلى خلق الصور الجمالية أولاً، ويأتي التعبير فيه في المرتبة الثانية،...وإذا صحت هذه النظرية يكون الشعر فنا جميلاً في ذاته، لا يطالب بتحليل خلجات النفس الخفية وخواطرها بقدر ما يطالب بخلق الصور الجمالية والإيحاء والتصوير بواسطة النغم والإيقاع، وعلى هذا يكون الشعر أصلح للوصف والتصوير منه والتعبير والإفصاح اللذين يتطلبهما الأدب المسرحي، ويكون مجاله الغناء لا المسرح"17.

ومما يقوله بول فليري أيضاً: " إن جوهر النثر هو الغناء، وجوهر الشعر هو البقاء والخلود" ذلك أن مهمة اللغة النثرية هي التواصل والإبلاغ ، لذلك فهي لغة المباشرة وكل ما هو مباشر فإنه ينتهي بمجرد انتهاء مهمته، أما لغة الشعر فهي لغة بلاغة وتعبير، وكل ما هو بليغ ومعبر فهو سهل ممتنع، ومتعدد في أوجه التلقي، وما هو متعدد أكثر بقاء وخلوداً في المكان والزمان"18.

و مفهوم الشعر، كما يراه البعض؛ لا يخرج عن كونه عالم سحري جميل تموج فيه حركة الخيال والأحلام والألوان، عالم يتجاوز الحدود والمنطق، ويبين الفارق بين الشعر والنثر الذي يقوم على اللغة المباشرة، وهو لذلك يرجع إلى العرب الذين قالوا بأن الشعر موزون مقفى، ولكن هناك ميزة للغة الشعر عن النثر اليوم " الصورة الفنية التي بفضلها يحقق الشعر عنصر السحر"19 .

ويرى صاحب كتاب نقد الشعر أن: " الشعر محصور بالوزن، ومحصور بالقافية، فهو كلام يضيق على صاحبه، والنثر مطلق غير محصور، فهو يتسع لقائله"20، ومن هنا ندرك صعوبة الكتابة المسرحية، وعمق الهوى بين المسرح النثري والمسرح الشعري وذلك أن: " التعبير النثري هو ترجمة منطق النفس كلامياً مع احتواء هذه الترجمة المنطوقة على الوزن وعلى الموسيقى الناتجة من ترتيب الكلمات في الجمل وفي السياق، ولكنها لا تخضع لقانون ثابت، فهو أكثر سهولة في الكتابة والأداء"21، بينما " يقف التعبير الشعري في منتصف الطريق بين النثر والغناء، لأنه يستخدم النظم أداة شعرية لتعبير بواسطتها تعبيراً طبيعياً، عن تأثير نفس أو حالة من حالات الإحساس وفق قانون الشعر"22، ولا يمتاز الشعر عن النثر بالصياغة والأسلوب فحسب، بل بالأفكار والملكات أيضاً، حيث يقول أرسطو في مقارنة له بين الملحمة والتاريخ: " وإنه في الإمكان أن توضع قصص التاريخ لهوردوت في قلب منظوم، ولكن يتجلى ذلك بكونها تاريخاً"23.

وبناءاً على هذه التوطئة يمكن القول أن التعبير الشعري لا يكون وسيلة للتعبير فحسب، بل وسيلة مزدوجة تجمع بين العقل والعاطفة، أو تلون العقل بالعاطفة.

وهكذا نخلص أن الشعر أداة صالحة لكل ضروب الأدب بما فيها الأدب التمثيلي، ولكن على الترجيع لا التقطيع، وكما قال عبد ربه نقلا عن الفلاسفة، أي على أن يترنم بهذا الشعر لا على أن يقرأ في صمت أو يلقى في حوار، وبذلك نخرج إلى نتيجة.

ونجد الكاتب المشهور.إليوت في مقال له، يدعو جاهدا، بل ويطمح إلى أن يصل الشعر إلى شكل أو وضع يتاح له فيه أن يعبر عن كل شيء يطلب منه التعبير عنه، وهو لهذا يدعو إلى الإقلاع من استعمال النثر في المسرح نظراً للصعوبات التي تتعرض سبيل الشعر المسرحي هذه الأيام، حتى يتاح للشعر أن يبسط ويمرن ويصبح وسيلة يسيرة سهلة على المؤلفين للمسرح، وحتى تعتاد عليه أذن المستمع والمشاهد بحيث  تنسى أنها تسمع إلى أكثر من ذلك، حيث يعتقد أن الفن المسرحي من المواقف الدرامية المركزة، ما لا يستطاع التعبير عنه إلا بالشعر"24. إذ يرى صاحب رائعة الأرض الخراب " إن على الشعر أن يبرز نفسه في المسرح، ويرى أن أعظم المسرحيات، إنما هي مسرحيات شعرية، وهو يخطئ من يظن أن الدراما والشعر أمران مختلفان"25.

هذا هو دفاع شاعر إنجليزي معاصر عن المسرحية الشعرية، " وهو دفاع يقوم على الإيمان بأن الأسلوب الشعري، إذا وفق في تصوير شخصيات القصة وأحداثها وأجواءها النفسية، واستطاع أن يتحد مع العمل المسرحي إتحاداً ينتفي فيه الإحساس بكونه كلاًماً موزوناً مقفى، كان الشعر أعمق الأساليب وأقومها في التعبير عن المسرحية إذاً فنحن نغالي به ونظلم أنفسنا إذا حاولنا أن نباعد بين الشعر والمسرح، وإذا حاولنا الوقوف أمام شعرائنا نريد أن نثبتهم على المحاولة فمن حق كل شاعر إذن أن يؤلف مسرحياته الشعرية وقت شاء، وأن نتقبل منه ومن غيره من الشعراء أن يمارسوا كتاباتهم المسرحية، على أن يكون من واجب النقاد بعد ذلك أن يظلوا أمناء في رقابتهم للفن، وأن يمارسوا حقهم في مشاهدته ومراجعته وتقديره وتحليله"26.

هذا هو واقع المسرح الذي كتب شعراً منذ القرن الخامس قبل الميلاد، وظل حتى القرن التاسع عشر لا يكتب إلا شعراً، ليحوله النرويجي هنريك إبس إلى لغة النثر الفني الدرامي قصد توسيع فضاءاته، فمع تغير الثقافات وتغير أساليب التعبير والتأثير عبر العصور، إلا أن المسرح الشعري ظل يقاوم من أجل البقاء المتميز في ظل الرهانات الأدبية والثقافية الحديثة، وانحسار الذائقة الشعرية والجمالية عبر لهاث إيقاع الحياة في عصر العولمة.

وغير بعيد من هذا الرأي نجد محمد غنيمي هلال، الذي يقر قدم دور الشعر في المسرح لأن " للشعر في المسرح تاريخ أعرق من تاريخ النثر فيه، فلم يكن يدور بخلد ( أرسطو) أن المسرحية تكتب نثرا، بل إن حصر الشعر- المعتذبة عنده- في المسرحيات والملاحم، ولم يعبأ لذلك بالشعر الغنائي، على أنه جعل قيمة الشعر كلها في مقدرة الشاعر على المحاكاة "27.

فقد يكتب شاعرٌ قصيدة توحي للناقد المسرحي أنها تشتمل على آليات وقوالب  مسرحية، فنكون أمام شعٍر ذي خاصيات  مسرحية. لذا نلاحظ  صعوبة المسرح الشعري لأنه - كما قال  أحمد الحجاجي : " يتحرك في منطقتين: دائرة المسرح ودائرة الشعر، ولكي تنجح المسرحية عليها أن تتفوق في هاتين المنطقتين." 28 والتحرك في منطقتين متباينتين لا يأتيها إلا لبيب أو حاذق.

و تتعدد خصائص المسرحية الشعرية، ولعل أهم خاصية لها هي أنها" تكتب شعرا " مما يدفع الكثيرين إلى محاولة إيجاد سبيل للفصل والتميز ما بين المسرح الشعري من حيث التركيب المصطلحي، فهو يتكون من مصطلحين، المسرح والشعر، ولهذا يقف البعض الأخر عند محاولة التزاوج بينهما، وهنا يشيرون إلى التقارب والتجانس بين طرفي هذا التركيب المصطلحي وهو شأن المسرح الذي يتوافق مع الكثير من الفنون والشعر من هذه الفنون.

والأرجح أن هذه التسمية اعتباطية من زاوية معينة، فالاختلاف يكمن في التقديم والتأخير بين طرفي هذا التركيب المصطلحي، كأن نقول مسرح شعري أو شعر مسرحي، فكلا التركيبين يشتمل على مصطلحي(المسرح/الشعر)، ولكن الملاحظ قلة استعمال التركيب المصطلحي (المسرحية النثرية) بالدرجة التي يشيع بها استعمال (المسرحية الشعرية) كبنية مصطلحية، ولعل هذا يعود " لكثرة كتابة المسرحية في العصر الحالى باللغة النثرية، فكأن الشعر أمسى مميزا عن طبيعة اللغة المسرحية، ولهذا يشير إليها بعضهم بالمسرحية الشعرية، ومهما يقال بهذا الشأن، تبدو التسمية اعتباطية لا مبرر لها، وخاصة أننا الآن في حالة تموضع للتجنيس الكتابي والنوع الكتابي، فمادمنا نتحدث عن المسرحية كنص أدبي مكتوب، لا يهم كثيرا أن نبين النوع الكتابي، لأن الغاية هي في إطار أكبر وأشمل، الإطار هو المسرح والمسرحية.29"

ويتميز المسرح الشعري عن القصيدة الغنائية ذات الطابع اللحظي السكوتي، وعن المسرح النثري الذي يوظف العناصر الفنية(الفعل و الحبكة والبناء والذروة والحل) في خدمة القضايا الاجتماعية والسياسية. ولا يعني بحال أن المسرح الشعري غير مهتم بتلك العناصر الفنية(وإلا فلماذا هو مسرح؟) إنما هو مدرك لكونها عناصر مشتبكة مع عالم الجمال الداخلي لأبطاله غير منفصلة عنهم.

إن العلاقة بين الشعر والمسرح وثيقة، فقد كان المسرح في أصوله يسمى شعراً دراميا، كما أن الكاتب المسرحي كان يسمى بالشاعر، وقد صنف أرسطو المسرح ضمن فن الشعر بسبب الأصول الغنائية والطقوسية لهذا الفن30، ولا يقتصر الأمر على الإغريق فحسب بل يتخطاهم إلى كل الحضارات القديمة حيث كان المسرح" يكتب شعراً، وهذا ما نجده في المسرح الشرقي القديم وفي المسرح اليوناني والروماني"31، ولقد بدأ المسرح شعراً ولم يكن يدور بخلد أحد من الناس أنه سيأتي زمن يكتب فيه المسرح نثراً، وقد " كان كبار المسرحيين شعراء كباراً"32، لكن ذلك لم يكن أبدا على حساب المسرح و خصوصيات المسرح ، ونعني بالخصوصية هنا فكرة الصراع، وتعدد الأصوات التي يتصف بها المسرح، فإذا خلت المسرحية الشعرية منها عدت شعرا وفقط ولو صبغت حوارا، إذا الشعر" يستوعب صوت الشاعر كله، ويستوعب  صوت الإنسان الفرد"33، وهو ما يتنافى مع تعدد الأصوات التي يتصف بها المسرح، بل ويقوم عليها.

لهذا يعد الشعر في المسرحية الشعرية مكوناً أساسي ولكنه ليس هدفاً، ولا غاية ، ولا يجوز لكاتب المسرحية الشعرية أن ينساق وراء أنانيته الشعرية، " فيسترسل في خواطر غنائية أو خطابية، أو هجاء أو نصائح مباشرة، وإلا فقد الأثر المسرحي جوهره الفني، ليصير جملة قصائد غنائية"34، كما بحال أن يستسلم الشاعر للذة ذكر أحداث تاريخية، أو وصف مناظر أو لوحات تضيف إلى الحدث المسرحي ولا تصور لونا من الصراع فيه، فالواجب الفني أن نجعل الشاعر نصب عينيه مهمة اكتشاف عالم خاصاكتشافا تدريجياً من خلال الأحداث والأشخاص"34.

في الأخير يتبين لنا مما تقدم أن المسرحية الشعرية يجب أن تحافظ على كل خصائص المسرحية، لكن ليس مفروضاً عليها أن تحافظ على كل خصائص القصيدة الشعرية، فالشعر المسرحي يختلف في بعض جوانبه عن الشعر الغنائي، فهو شعر يليق بالمسرح ولا يشترط أن يليق بالشعر، ومن هنا فإن"المسرح الشعري هو نوع أدبي تلتقي فيه ملامح الشعر  الغنائي بالفن الدرامي وتمتزج به"36، على أن تكون الغلبة فيه للمسرح الذي يجب أن يحافظ على كل خصوصياته، في حين يفقد الشعر بعض خصوصياته ليكون درامياً، ولنتمكن من إطلاق تسمية المسرح الشعري على النص لا الشعر المسرحي 

الإحالات والهوامش

1-محمد مندور، محاضرات عن مسرحيات شوقي ، حياته وشعره ص05

2-سلام زغلول، المسرح والمجتمع في مائة عام،  ص166   

3-محمد مندور، محاضرات عن مسرحيات شوقي ، حياته وشعره ص08

4-كاظم حطيط: دراسات في  الأدب العربي الحديث ط1، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1988ص200

-5عز الدين جلاوجي، المسرحية الشعرية في الأدب المغاربي المعاصر، دار التنوير، ط1، الجزائر، 2012م. ص45-47

6-نفسه، ص31

7- محمد مندور، محاضرات عن مسرحيات شوقي ، حياته وشعره ص36

8- عز الدين جلاوجي، بنية المسرحية الشعرية في الأدب المغاربي المعاصر،رسالة ماجستير، جامعة المسيلة2008/2009، ص09

9-ماري إلياس وحنان قصاب حسن، المعجم المسرحي، مكتبة لبنان ناشرون، ط2، لبنان 2006، ص422

10-عذنان بن ذريل، فن كتابة المسرحية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق سوريا، 1996، ص57

11-وليد إخلاصي، لوحة المسرح الناقصة، أبحاث ومقالات في المسرح، منشورات وزارة الثقافة، دمشق سوريا، 1997، ص187

12-نعيمة مراد محمد، المسرح الشعري عند صلاح عبد الصبور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر1995، ص5

13- عز الدين جلاوجي، بنية المسرحية الشعرية في الأدب المغاربي المعاصر، ص11

14- المرجع نفسه، ص12

15- المرجع نفسه، ص12

16- المعجم المسرحي، ص281

17- ينظر: نفسه، ص36-37

18- أبو الحسن سلام- مقدمة في نظرية المسرح الشعري، ص155

19- عز الدين جلاوجي، المسرحية الشعرية في الأدب المغاربي المعاصر، ص20

20-قدامى بن جعفر، كتاب البيان، تح: طه حسين وعبد الحميد العبادي، القاهرة مصر1939،  ص75

21-أبو الحسن سلام، مقدمة في نظرية المسرح الشعري، ص21

22- المرجع نفسه، ص29

23-أرسطو، فن الشعر، تر:إبراهيم حمادة، القاهرة، الأنجلو المصرية، الفصل السابع

24-محمد زكي العشماوي، دراسات في النقد المسرحي والأدب المقارن، طبعة دار الشروق الأولى 1994، ص220

25-أبو الحسن سلام: مقدمة في نظرية المسرح الشعري، ص163

26-محمد زكي العشماوي، دراسات في النقد المسرحي ، ص221

27-محمد غنيمي هلال: في النقد المسرحي، دار الثقافة دار العودة،1975، ص 51

28-أحمد شمس الدين الحجاجي: المسرحية الشعرية في الأدب العربي الحديث، كتاب الهلال، أكتوبر 1995 ، العدد 538، ص- 51

29- عز الدين جلاوجي، المسرحية الشعرية في الأدب المغاربي المعاصر، ص49

30-المعجم المسرحي، ص281

31-المرجع نفسه، ص281

32-خالد محي الدين البرادعي، تجليات التراث في المسرح الشعري العربي، الكاتب العربي، مجلة فصول، ع61-62سنة2003، ص159

33-مدحت الجيار، البحث عن النص في المسرح العربي، ط2، دار النشر للجامعة المصرية، دت، ص132

34-محمد غنيمي هلال، في النقد المسرحي، دار العودة بيروت لبنان، 1975، ص91

35-المرجع نفسه، ص90

36-أحمد سخسوخ، الدراما الشعرية بين النص والعرض المسرحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 2005، ص26.