عقبات منهجية أمام نقد المسرح المغاربيpdf

د. جمال بلعربي

مركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللغة العربية ـ الجزائر

ملخص:

يعتمد تصورنا للمسرح المغاربي على مجموعة من المسلمات تراكمت مع السنوات في ظروف اجتماعية وسياسية وإديولوجية معينة وهي الآن تؤثر على أي خطاب نقدي يكون موضوعه هذا المسرح. وتتعلق تلك التصورات بوجود المسرح المغاربي أساسا وبتاريخه وعلاقته بالحياة الاجتماعية المغاربية وبالتاريخ الثقافي لهذه المنطقة. كما تتعلق بنشأة (أو دخول) تقاليد العرض المسرحي وتقاليد الكتابة الدرامية إليها، وبالسياق السياسي والإديولوجي المرافق له وما رسخه ذلك السياق من قيم وأفكار ومفاهيم صارت تبدو الآن وكأنها من المعطيات البديهية للمسرح.

في الجهة المقابلة يحاول النقد أن يكون منهجيا واحترافيا، يعني مطابقا للضوابط المهنية التي تحددها الأطر الأكاديمية والعلمية والإعلامية للمجتمعات الأصلية التي جاءت منها التقاليد المسرحية إلى المنطقة المغاربية.

تطرح مثل هذه المفارقة سؤالا حقيقيا حول شرعية محاولة توطين ظاهرة ثقافية إغريقية في مجتمعات عاشت تاريخا مغايرا للمركزية الإغريقية بكل تفاصيلها، وعلى جميع مستويات ومجالات الحياة، وفي الوقت نفسه، صعوبة البحث عن أدوات نقدية، لا يسمح العلم بأن تكون إلا عالمية وموضوعية واحترافية.

أمام هذه المفارقة - المأزق، نحاول أن نرصد بعض العقبات المنهجية التي تعترض طريق من ينتج الخطاب النقدي المتمحور حول الممارسة المسرحية في منطقة المغرب العربي، وحول الخطاب النقدي نفسه، ونركز على التجربة الجزائرية بشكل خاص بحكم اطلاعنا عليها عن كثب. فالنقد من المفترض، حسب تجارب النقد المسرحي في العالم، أن يتمثل في إنتاج خطاب عالم يتشكل من خلال منظومة ثقافية ومنظومة قيم اجتماعية ومفاهيم وتصورات جمالية، ويرصد تجربة جمالية وفنية وخطابا يتضمنه العمل المسرحي، ينتج أفكارا وقيمة فنية وجمالية ومضمونا سياسيا وفكريا، مما يدل على صعوبة مهمة الناقد المسرحي الذي ينتج خطابه النقدي في مجتمع لا يوفر له الأرضية الفنية والثقافية لأداء مهمته. ومن هنا نجد مبررات سؤالنا في هذا البحث ونجد مبررا لتسليط الضوء على العقبات المنهجية المعطلة للنقد المسرحي.

مقدمة:

تعترض النقد المسرحي في منطقة المغرب العربي مجموعة من العقبات المنهجية ليست ناتجة عن قلة احترافية من ينتج هذا النوع من الخطابات أو عن مواقف ذاتية مسبقة لديه بقدر ما تنتج عن المفاهيم والتصورات التي تتعلق بالنشاط المسرحي وبتاريخ التجربة المسرحية وظروف نشأتها وتطورها وما شكله المسرح في المغرب العربي من علاقة بالجمهور وبمختلف مؤسسات المجتمع. وعلى المستوى العملي والتطبيقي، عندما نتجاهل هذه العقبات، سيكون تلقينا لذلك الخطاب النقدي محفوفا بما يسمى في علوم الإعلام والاتصال بالتشويش. فنحن في كثير من الحالات ننطلق في ذلك التلقي من مجموعة من المسلمات المتناقضة، تماما مثلما ينطلق منتج الخطاب النقدي حول المسرح المغاربي من مجموعة من التصورات والمفاهيم المتناقضة فيما بينها والمتضادة مع تاريخ وواقع التجربة المسرحية في هذه المنطقة. سنحاول في هذه الفقرات أن نسلط الضوء على أهم تلك العقبات ونطرح ما يعبر عنها من الأسئلة كما نحاول مناقشة آليات تأثيرها على خطاب النقد المسرحي. وسوف نجتهد لنجعل المناقشة تتمفصل كالتالي:

- مفارقة تاريخ المسرح المغاربي

- نشأة مرتبطة بعقدة الاستعمار وغموض مفهوم الاستقلال

- أنساق اجتماعية لا تتسع لثقافة العرض المفتوح

- نظريات فنية غائبة وعقائديات مصطنعة

- بين التعليقات الصحفية السطحية والبحث الأكاديمي المتعالي

1- العقبة الأولى: مفارقة تاريخ المسرح المغاربي

يحاول المؤرخون للمسرح في المغرب العربي أن يجدوا له أبعد ما يستطيعون من الجذور في التراث العربي الإسلامي في هذه المنطقة (Badri, 1970)، كمحاولة العثور على بعض مظاهر العرض أو التمثيل أو الفرجة أو الدراما، في بعض الممارسات الشعبية من احتفالات دينية وطقوس وموروثات شعبية مختلفة، أو في عرائس الغراغوز أو في حلقات الحكواتي والبراح في الأسواق والأعياد وغيرها (ألكساندوفنا، 1981). أو ربما البحث عن شيء من الحوار الدرامي في القصائد العربية القديمة.. الخ. ونعتقد أن البحث في ذلك الاتجاه ليس خصبا بقدر خصوبة الجذور التي يمكن أن يقدمها التاريخ الروماني لشعوب الضفة الجنوبية من البحر المتوسط، وما تزخر به هذه المنطقة من آثار لمسارح ما تزال شاهدة على أن المسرح لم يكن أبدا غريبا على هذه الديار. ويمكن بسهول أن نستنتج الخلفية الإديولوجية لمثل هذا الانتقاء. فلا أحد ينكر على المسرح تاريخه الإغريقي والروماني ومع ذلك نجد من المؤرخين من يسعى ليجد أصولا للتعبير المسرحي في بعض التعابير والاحتفالات الشعبية وكأن تاريخ مسرح ما يمكن أن يكون وضيعا إذا كان ذا أصل إغريقي روماني. ولذلك من الصعب أن نجد أساسا علميا لمثل هذا التأريخ.

إن البحث عن التاريخ المسرحي خارج المحور الإغريقي الأوروبي المعاصر هو بحث يخلط بين تاريخ المسرح، تاريخ الدراما، وتاريخ التعابير الشعبية الاستعراضية. ألا يجب أن نميز بوضوح بين المسرح كفن بوجهين: وجه أدبي درامي ووجه تعبيري جسدي، من جهة، وبين التعابير الاستعراضية الفلكلورية، من الجهة الأخرى؟ لعل تلك التعابير تحمل بعضا من سمات المسرح لكنه من غير العلمي أن نعتبرها أصلا لأي مسرح لدينا حتى وإن كانت في بعض الأحيان قد ساهمت في إثراء التجربة المحلية وإضفاء بعض من السمات الخاصة بمجتمعات المنطقة (Roth, 1967). وليس هناك ما يمنع من أن يستثمر المسرحيون كل ما تتوفر عليه مجتمعاتهم وكل ما تخزنه الذاكرة الجماعية لشعوبهم من تعابير وعلامات يمكن أن تثري التجربة المسرحية وتجعلها متأصلة في مناخها الاجتماعي[1].

يمكننا أن نعتبر ما يسمى بالحلقة أو غيرها من المسميات[2] في تاريخ المغرب العربي بعضا من أصول التعبير المشهدي في هذه المنطقة، لكن من الصعب جدا أن نثبت بأن ذلك التعبير هو الذي تطور إلى فن مسرحي عندنا.

كما يمكن أن نعتبر ألعاب عرائس القراقوز في بعض المدن العربية والإسلامية، مثل تونس، تعابير قديمة ذات شكل تمثيلي ما، لكننا مع ذلك لا نعتبر المسرح العربي اليوم قد نتج عن تطور تلك التعابير. فالمسرح في الأقطار العربية، بما فيها أقطار المغرب العربي قد جاء من أوروبا، إذ "يتفق جل الباحثين على أن المسرح بالمفهوم الحديث، أي باعتباره نوعا أدبيا، و فنا له أصوله و قواعده المتعارف عليها، ظهر في الأدب العربي حديثا، و ذلك بعد اتصال العالم العربي بالحضارة الغربية."[3] إنه مسرح تأسس في اليونان القديمة وازدهر في عهد الإمبراطورية الرومانية وانتقل إلى كامل أقطار أوروبا وشمال إفريقيا القديم، ثم انتقل من جديد إلى المغرب العربي مع الحملات الاستعمارية. ونعتقد أن تاريخنا المسرحي المعاصر يبدأ مع التجارب الفكاهية الأولى التي قام بها فنانون مغاربيون مع بداية القرن الماضي في الهوامش التي أتاحها النظام الاستعماري للأهالي، داخل مؤسساته القافية والإعلامية أو في الأحياء الشعبية التي يقطنها الأهالي.

ليس مهما في هذا السياق إذا كان المسرح قد تأسس في منطقتنا منسجما مع الخطاب الاستعماري أو مناهضا له، بل إننا هنا نهتم فقط بالانتباه إلى طبيعة ذلك الانتقال وما سينجم عنه من خصوصيات تتعلق بالخطاب الناقد للتعبير المسرحي.

من الجهة المقابلة نجد الكثير من مدن المغرب العربي القديمة والتي ما تزال آثارها شاهدة، رغم عبث القرون، على احتضانها للنشاط المسرحي ذي العلاقة الحيوية والعضوية بالمجتمع منذ البدايات الأولى لهذا الفن في التاريخ البشري، لكننا رغم ذلك نتجاهلها. ورغم ذلك أيضا لا نعتقد أن شعوب تلك القرون قد أبيدت وانقطع اتصالها مع ما لحقها من العطاء الحضاري، بل إننا لنلاحظ بقاء الكثير من السلوكات مستمرة منذ تلك الأزمنة إلى اليوم بين شعوب المغرب العربي، تظهر من خلال بعض العادات والتقاليد، والتي تثبت أن التواصل الحضاري لم ينقطع، وربما نستطيع يوما أن نبحث في تاريخ تجاربنا المسرحية عن خيوط تربطنا ببقية الحضارات وتؤكد على انتمائنا للإنسانية بدلا من البحث عن ما يؤكد اختلافنا في كل شيء عن الغير، ومخالفتنا له، كتعبير عن استقلال هووي لكثرة ما نخاف عليه صرنا نقزمه ونخنقه ونفرغه من معناه.

2- نشأة مرتبطة بعقدة الاستعمار وغموض مفهوم الاستقلال

لا يمكن أن نتنكر لارتباط تاريخ المسرح المغاربي المعاصر بمرحلة الاستعمار. فلقد ظهرت المسرحيات المغاربية الأولى بعد خضوع أقطار المنطقة للاستعمار الفرنسي والإيطالي والإسباني. وكانت المسارح فضاءات خاصة بالمعمرين وأصدقائهم وكان الكتاب معمرون وكانت المواضيع والمواقف وكل تفاصيل تلك التجربة امتدادا للنشاط المسرحي في المجتمعات الأصلية للمعمرين.

لذلك كان المسرح إلى جانب السينما وأحيانا حتى المؤسسة التعليمية والاستشفائية وغيرها من مؤسسات المجتمع، من رموز الاستعمار التي كان رفضها يمثل شكلا من أشكال رفض الأهالي للاستعمار ومقاومته. وبطبيعة الحال جاءت بعد ذلك مرحلة تغير فيها موقف الأهالي والقيادات السياسية الناشئة، تجاه تلك الرموز، لتتحول على أيديهم إلى أدوات تستعمل لمقاومة الاستعمار. لكن هذا لم يمنع من أن صفتها الاجتماعية كانت تتشكل بمنطق غير منطق القيادات السياسية والمثقفين. فعلى المستوى الشعبي كانت مؤسسة المسرح كغيرها من مؤسسات الاستعمار، تتشكل صفتها الاجتماعية ضمن هامش "الانحراف" المقترن بسلوكات أخرى جاء بها الاستعمار، مثل تناول الخمور وخروج المرأة إلى المراقص والشواطئ .. وغيرها من السلوكات التي كانت تشكل مصدر استفزاز لمجتمعات الأهالي التقليدية وتبني جدارا من الرفض المتبادل بين المجتمعين والثقافتين. وفي أحسن الأحوال، كانت صفتها الاجتماعية تتشكل خارج أنساق المجتمع التقليدي.

أكثر من ذلك، فقد استعملت الفضاءات المسرحية وسيلة دعائية للمشروع الاستعماري، وعمل الاستعمار على مضايقة الفضاءات التي كان يستعملها الجزائريون لأنتاج خطاب غير متفق مع الإيديولوجية الاستعمارية، وهذا ما يؤكده مؤرخوا المسرح الجزائري، وبذلك لم يكن في الإمكان أن تندمج هذه المؤسسة في المجتمع المغاربي، فبقيت غريبة عنه، ومنافية لمنظومة قيمه، ومعادية لأفراده وخصوصياتهم. وكان تواجد المواطنين المغاربيين داخل تلك المؤسسات محدودا وهامشيا، في شكل عمال يدويين وكومبارس، وكانت الحالات القليلة التي ظهر فيها مسرحيون من أبناء المغرب العربي تتمثل في أدوار فكاهية ساخرة. وربما تعتبر حملة "الحركة من أجل الشباب وتربية المجتمع" التي أنشأتها الإدارة الاستعمارية سنة 1953 بهدف تعزيز وتقوية سياسة الإدماج، بفتح مجالات التعبير للجزائريين وتوجيهها قد سمحت بتكوين مجموعة من الفرق المسرحية وتكوين عدد مهم من الفنانين سوف ينشطون المسرح الجزائري بعد الاستقلال (Hammoumi, 2000).

بعد استقلال أقطار المغرب العربي ونشأة دول ما بعد الاستعمار، حاولت الحكومات توجيه النشاط المسرحي وجعله يخدم مشاريعها السياسية وخياراتها الإديولوجية فكانت النتيجة أن تم إلحاق النشاط المسرحي في الجزائر بالمشروع الاشتراكي وتحول المسرح المغربي إلى هامش من المعارضة السياسية، لكن في جميع الحالات اقتصر ذلك النشاط على مساحات ضيقة ولم يجد سبيلا للاقتراب من الجماهير أو ليرتقي إلى مستوى التقليد الراسخ في حياة سكان المنطقة، ولا حتى الطبقات الميسورة من هؤلاء السكان. لكن تونس عرفت تجربة المسرح خارج الإطار الحكومي منذ الستينات ولعل ذلك ما يفسر تحرر التجربة التونسية من قبضة التوجيه الإيديولوجي.

ليس من تقاليد سكان هذه المنطقة أن تعتبر اقتطاع تذاكر المسرح من التصرفات العادية في الحياة اليومية والمقترنة بأفراحهم واحتفالاتهم كما يحدث في البلاد التي يشكل المسرح جانبا أساسيا من حياتها الثقافية. بل على العكس من ذلك، كثيرا ما يعتبر العامة من الناس، والخاصة أحيانا، ارتياد المسارح سلوكا منحلا. بل ويعتبرون العمل بمهن التمثيل والرقص على المسرح سلوكا منحرفا يفسد علاقة الفنان بأسرته وعائلته. وإذا كان واقع الحال قد شهد بعض التغيير خلال العشريات الأخيرة فإن التصورات التي تشكل أساس التجربة المسرحية ومنطلق إنتاج الخطاب النقدي، في اعتقادنا، لم تتغير.

الخلاص الوحيد الذي وجتده هذه التجربة أمام مثل هذا المأزق: بين فن غريب لا مكان له في البنية الاجتماعية بالمفهوم الرسمي وحسب منظومة الخطابات الثقافية المشكلة للوعي الاجتماعي، وبين تجارب، على تواضعها، قد سجلت حضورها في الواقع وحاولت المؤسسة السياسية أن تستخدمها، وكان ذلك الخلاص هو الفكاهة. بحيث أصبح مفهوم المسرح في بداياته بالمغرب العربي يعني العرض الفكاهي، وليس أدل على ذلك من رد الفعل الجماهيري الواسع والرافض للعروض المسرحية الدرامية والتاريخية الخالية من الفكاهة[4].

3- أنساق اجتماعية لا تتسع لثقافة العرض المفتوح

إن مثل تلك النشأة قد استندت إلى ما أصبحت تتميز به مجتمعات المغرب العربي من أنساق ثقافية مغايرة للأنساق الثقافية للمجتمعات الاستعمارية،أو المجتمعات الأوروبية التي حدث معها ذلك اللقاء الصدامي فاتخذت فيه صفة الاستعمار ودوره؛ ومغايرة للأنساق الثقافية للمجتمعات القديمة التي سكنت المغرب العربي قبل الفتح الإسلامي وقبل انتشار الثقافة العربية. ففي مجتمعات المغرب العربي كما نعرفه حاليا، ومذ اندماجه في مجال الثقافة العربية الإسلامية، لا توجد تقاليد للعرض الفني العمومي المنظم بالقوانين والأعراف وتقاليد السكان؛ عرض يعتمد على نص أدبي خيالي يؤديه ممثلون محترفون ويقبل الناس عليه ويدفعون أموالا مقابل مشاهدته في سياق احتفالي منسجم مع المجتمع. لا يوجد مثل هذا التقليد كما هو معروف في شكله الأوروبي ولا في أشكال قريبة الشبه منه.

لقد أصبحت لدينا مسارح خاصة بالمناسبات الرسمية، تقدم عروضا مسرحية في غالب الأحيان يكتبها، أو "يقتبسها"، أعضاء الفرقة أنفسهم كتابة جماعية ارتجالية، أو يكتبها هواة يمارسون مهن أخرى ويكتبون المسرح كنشاط إضافي لا يستطيع أن يوفر لهم مصدر عيش منتظم ومستقر. وتلك المسارح تشغل ممثلين بقيت المؤسسات والمصالح العمومية عاجزة عن إيجاد "الصيغ المناسبة" للتكفل بهم مهنيا واجتماعيا. لدينا مسارح موروثة عن الفترة الاستعمارية وأخرى بنيت حديثا تقليدا لها، وهي في جميع الحالات تمثل ظاهرة غرائبية في مجتمعاتنا، حيث تستعمل للاستغلال السياسي الحزبي أو تستعمل فقط لتبرير  وجودها، بتنظيم بعض النشاطات الثقافية المتواضعة والتي تشكو دائما قلة الإمكانيات وقلة الاحترافية وتؤكد أنها لم تحقق بعد وجودا وظيفيا أو عضويا في النسيج الاجتماعي.

إن الأجواء الاحتفالية الجماعية في مجتمعاتنا تتمثل في الأعراس والشعائر والأعياد الدينية بصورة تقليدية ويمكن أن نضيف إليها الآن التظاهرات الانتخابية والتظاهرات الرياضية، لكنها لا تحتوي على عرض منظم يمكن أن نعتبره مشابها للعرض المسرحي ولو في بعض أوجهه. وتلك النشاطات ارتجالية وواقعية ومرتبطة دائما بنشاطات حياتية أخرى، وليست تمثيلية أو خيالية ناهيك هن كونها غير درامية ولا تدخل تحت مفهوم العرض.

في بعض المدن يعتبر ارتياد قاعات المسرح لمشاهدة الأفلام السينمائية أو المسرحية أو الغنائية، كما أسلفنا الذكر، سلوكا منحرفا، وفي بعض السياقات العقائدية يعتبر حراما، وربما تفتح بعض الهوامش من وجهة النظر هذه، ولكن بتوجيه إيديولوجي شديد التطرف. فكيف يمكن أن نتحدث عن خطاب ناقد للمسرح في مثل هذا السياق الاجتماعي الثقافي.

نتيجة لذلك يمر العام، بل الأعوام، على مدننا ولا تشهد عرضا مسرحيا واحدا. وتتركز النشاطات المسرحية القلية والمتواضعة بجميع المقاييس، في عدد قليل من المدن وكل ما تنجزه يعود الفضل فيه إلى مبادرات بعض الأفراد، يقدمون التضحيات فقط لكي يبقى المسرح موجودا وكثيرا ما يختفي النشاط المسرحي باختفائهم.

مثل هذا المسرح لا يمكن أن يخضع لأية برتوكولات نقدية خاصة بالمسرح المحترف، لأنه بكل بساطة يتوفر على جميع مواصفات مسرح الهواة، فقد نشأ مسرحا هاويا. وحتى حين ترعاه الإدارة العمومية وتوفر لعماله رواتب، سيبقى يحمل مواصفات مسرح الهواة المدعم. لأن المسرح المحترف شبكة متكاملة من المؤسسات والمهن والحرف والوظائف، آخر حلقة فيها هو شباك التذاكر الذي يتيح للمتفرج مقعدا للمشاهدة. إن وجود المسرح في المغرب العربي رهين الإرادات الفردية لأشخاص تأثروا بالمسرح الأوروبي (Hammouni, 2000) وهم يضحون من أجل أن يستمر نشاطهم المسرحي، ورهين إرادة الإدارات العمومية التي تقرر أن يوجد ذلك المقدار من النشاط المسرحي المتمثل في بعض العروض وبعض المهرجانات وأحيانا الجوائز، إلى جانب بعض المعاهد المتواضعة لتخريج المسرحيين من مختلف المهن. وكثيرا ما كانت العوامل العقائدية تؤثر سلبا على مثل تلك الإرادة (أزراج، 2013).

4- نظريات فنية غائبة وعقائديات مصطنعة

نشأ المسرح في المغرب العربي مجردا من أية نظرية فنية، فالتعابير الثقافية "الهاوية" لا تقوم على سند نظري أو جمالي ولا يمكن أن نخضعها للتقييم أو النقد وفق هذا المعيار. ويمكن أن نصفها بالساذجة أو العفوية وفي أحسن الحالات نعتبرها تجريبية. ولكن تزامنت هذه النشأة مع انتشار العقائديات الاشتراكية في الأوساط الثقافة المغاربية وخاصة مع توفر الظروف الاجتماعية المناسبة لانتشار بعض قيمها ومفاهيمها ولو بصورة سطحية في أوساط الجماهير الكادحة. كما أن ظروف وإمكانيات الهواة التي لم يجد المسرح في هذه المنطقة بديلا عنها، تتلاءم مع الخطاب المسرحي الاشتراكي وجمالياته، وبذلك تشكل المسرح في هذه المنطقة بجماليات وفنيات خاصة بمسرح الواقعية الاشتراكية لكن بتصور لدى الجماهير، وربما كثير من المسرحيين، على أنه الشكل الوحيد للتعبير المسرحي. وهذا ما يفسر هيمنة مجموعة معينة من السمات يشترك فيها الإنتاج المسرحي لأقطار المغرب العربي منذ الستينات من القرن الماضي، يمكن أن نحصرها في ما يلي:

- التأليف الدرامي: غياب الكاتب المسرحي أو المقتبس المحترف للأعمال المسرحية العالمية التي جرت عادة المسارح المغاربية على الاقتباس منها. فالكتابة إما أن يتناوب عليها أعضاء الفرقة أو يشاركون فيها جماعيا.

- لغة الكتابة المسرحية: تعاني المسارح المغاربية من مشكلة حقيقية مع لغة الكتابة المسرحية (مباركي، 2006). فهي تتخبط بين مجموعة خيارات منها خيار الكتابة باللغة الفرنسية لمسرحيات تتم بعد ذلك ترجمتها إلى العاميات؛ والكتابة بالعربية المعيارية أو الاقتباس (الترجمة) عنها وصياغة طبعة عامية للاستغلال المسرحي؛ والكتابة بما سمي في الجزائر، خلال السبعينات من القرن الماضي باللغة الثالثة، وهي عامية منقحة قليلا لتصبح أقرب إلى العربية المعيارية الهدف منها أن تكون مفهومة لدى أغلبية المواطنين الجزائريين؛ أو الكتابة بالعاميات واللهجات المحلية، مثلما فعل المسرحي كاتب ياسين في أعماله الأخيرة بعد أن كتب أعمالا بالغة الأهمية باللغة الفرنسية[5].

- مأزق مسرح الأدباء: حاول بعض الأدباء المغاربيين الإبداع في المسرح كنوع أدبي وسواء منهم الكتاب باللغة الفرنسية أو العربية، لكن مسرحهم يتوجه دائما للقارئ الفرنسي والأوروبي بصفة عامة ومن ينتمي إلى مجاله الثقافي والإبداعي من المثقفين والقراء المغاربيين. ولذلك من الصعب أن نحسم إذا كان هذا الإبداع الأدبي المسرحي من نتاج المجتمع المغاربي جراء احتكاكه بالثقافة الأوروبية أم هو نتاج المجتمع الأوروبي من النصوص المهاجرة إليه من مجتمعات ما بعد الاستعمار.

من جهة أخرى نجد بعض الأدباء باللغة العربية يكتبون إبداعات مسرحية لكنها لا تلقى اهتماما كبيرا من طرف المشتغلين في المسارح باستثناء بعض التجارب والتي تحولت إلى كتابة جماعية يشارك فيها المسرحيون مع الأدباء، وهؤلاء الأدباء في النهاية يوجهون إبداعاهم لقراء الأدب بالغربية المعيارية وليس إلى جمهور المسرح ونقاده.

يعني هذا أن الناقد المسرحي لا يستطيع أداء مهمته على هذه الأرض الملغمة، فهو في حاجة إلى أن يحسم المسرحيون قائمة طويلة من المشاكل المؤجلة منذ منتصف القرن الماضي لكي يستطيع إنتاج خطاب عالم يحمل أفكارا عقلانية وقيما واضحة ومواقف مؤسسة. إنه في حاجة إلى مسرح ذي لغة (بل لغات) محددة، ومؤلفين محترفين ومحددي المسؤولية تجاه أعمالهم وإلى إخراج مسرحي محترف متميز عن الكتابة الأدبية ومحدد المسؤولية.. إلخ. ويحتاج إلى تقاليد مشاهدة وتقاليد عرض وتسويق ونقد، فبدونها يتأكد من جديد أن المسرح المغاربي لم يبتعد كثيرا عن دائرة الهواية. ونحن نطرح هذه الصعوبة ونلح عليها لإدراكنا أن مقاربة المسرح نقدا لا تكون بالبروتكولات نفسها عندما يكون محترفا أو هاويا. فالجماليات تختلف بين الحالتين وتختلف النظريات مع اختلاف وسائل العمل والصفة الاجتماعية للنشاط المسرحي في حد ذاته.

5- بين التعليقات الصحفية السطحية والبحث الأكاديمي المتعالي

لم يحل الخطاب النقدي الموجه للمسرح المغاربي مشكلته مع أدواته، بسبب ما ذكرناه من العقبات، بل إننا نجد من الصعوبة بمكان أن يستطيع حلها. فذلك يتطلب مراجعة العديد من المسلمات التي انبنت عليها تصوراتنا للمسرح في مجتمعاتنا، وأولها ربما هو التمسك الهستيري والمنافي للواقع، بوجود مسرح مغاربي وبجذوره التاريخية العريقة، وكأن الحياة الاجتماعية، أو كأن صورتنا أمام الآخر، ناقصة بدون مسرح. تماما مثلما جرت بعض المحاولات خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي تهدف إلى "خلق" فن الباليه في الأقطار المغاربية من العدم، فقط لكي تصبح هذه الأقطار مشابهة ثقافيا وفنيا لأقطار الضفة الأخرى، فكانت التجربة فاشلة بكل المقاييس.

إن ذلك الخطاب النقدي يتخبط بين حدين: التعليق الصحفي السطحي والمنتج في الغالب من طرف كتاب غير مؤهلين وغير متخصصين في النقد المسرحي، وبين البحث الأكاديمي المبتدئ والذي يتجاهل الخصوصيات التي أوردناها. وبين هذا وذاك درجات من الاجتهادات المتفاوتة التي لا تستطيع التخلص من قبضة هذه الثنائية.

التعليق الصحفي في هذا السياق لا يتوفر على أدوات تضمن له الموضوعية. فلا يتمتع منتج هذا الخطاب بالاستقرار المهني الذي يضمن له تحقيق تراكم لخبراته يجعله ينتقل تدريجيا إلى مستوى من الاحترافية. ولا يستند إلى خبرات سابقة توفر له تقاليد مهنية تعتمد على معيار الموضوعية، فهو على العكس من ذلك يمارس صحافة كل تجربتها المتواضعة متشكلة في سياقات نضالية، لمكافحة الاستعمار، ثم لمكافحة إيديولوجيا من أجل إيديولوجيا مضادة، ثم للتأسيس لعقائدية دينية جديدة، في إطار منظومات سياسية لم تسمح بتشكيل فضاء إعلامي مستقل. لذلك فإن الناقد المسرحي من هذه الفئة لا يستطيع أن يكون أكثر من معلق صحفي تخنقه الذاتية والإيديولوجيا، حتى وإن لم ينتبه إلى ذلك. ويعتمد في تعليقاته على خليط من المفاهيم والمعايير وأدوات التحليل، تتخللها الذاتية والأحكام المسبقة، وهي في أحسن الأحوال تأتي في شكل تقارير إخبارية موسعة.

في المقابل نجد الدارس الأكاديمي لا يتعامل مع المسرح كفن أساسه العرض، بل يقتصر على دراسة الأدب المسرحي. ويجري بحوثه وفق المناهج المكرسة في مجال الدراسات الأدبية وفي أحسن الأحوال يستعمل مناهج علم الاجتماع الأدبي أو الثقافي، ويمكن أن نلاحظ هنا أيضا هيمنة الخيار الإيديولوجي. فمثل هذا التوجه "العلمي" هو في الأساس توجه عقائدي وفق نظريات الواقعية الاشتراكية والتيارات المتفرعة عنها. إننا هنا أمام نقد أدبي بامتياز، ونقد أدبي اجتماعي. بمعنى أننا بعيدين تماما عن الخطاب النقدي حول المسرح كفن أساسه التمثيل على الخشبة.

استنتاج:

إن الناقد المسرحي المهتم بإنتاج خطاب ناقد لا يستند في بناء خطابه إلى خلفية تاريخية مجردة من العقائديات، بل إنه أمام إكراه حقيقي للتعاطف مع تجربة ذات تاريخ "متواضع" بالمقارنة مع التجارب الأوروبية، ذات المركزية الإغريقية اللاتينية، التي نشأ متأثرا بها، وفي الوقت نفسه أمام إكراه للتسليم بتاريخية تلك التجربة وأهميتها السياسية والفنية، رغم كل ما يمكن أن يلاحظ عليها من ضعف في الخبرة والاحترافية ووضوح الرؤى.

أما عندما يستند الناقد إلى الجمهور ورد فعله تجاه العروض المسرحية، كمعيار للتقييم، فإنه يجد الجمهور لا يتقبل المسرح غير الفكاهي. بل وهو لا يميز بين السكاتشات الساخرة والمرتجلة والمنتجة بأدوات الهواة والعرض المسرحي الفكاهي المحترف. كما أن الناقد نفسه، من أبناء هذه المجتمعات، في أغلب الأحيان يحتكم إلى سلم التقييم نفسه، ويخلط بين الفن المسرحي والعرض الفكاهي. ومن جهة أخرى نجد الاستغلال العقائدي لبعض المسارح المغاربية قد فرض عليها نمطية قتلتها جمودا، وتتمثل في جماليات الواقعية الاشتراكية وتفرعاتها التجريبية والارتجالية. وهذه التجربة هي الأخرى قد اعتمدت على بناء عروضها من خلال النكت والعبارات المثيرة للضحك التي تتكرر في الكلام الشعبي في فترة تصميم العرض وتقديمه.أي أنها هي الأخرى تعتمد على الأسلوب الفكاهي لضمان تلقي الجمهور، وتحقيق ما يمكن أن نسميه بـ"توصيل الخطاب التعبوي".

من الطبيعي إذن أن يتخذ المسرح في منطقة المغرب العربي في أغلب أحواله شكل مسرح الهواة، وأحيانا، يكون مسرح الهواة هو المصدر الوحيد لتزويد المسارح "المحترفة" بالمسرحيين من مختلف المهن. بل وقد تكون عروض الهواة في بعض الأحيان أكثر احترافية من عروض المحترفين. لقد حدث هذا بالنسبة للسينما والمسرح معا. مما يعني أنه مسرح في نهاية المطاف لا يبتعد كثيرا عن دائرة الهواية بما لها من بصمات تتركها على جمالياته ومواضيعه ورؤاه والإمكانيات التقنية المتاحة له بل وحتى علاقته بجمهوره.

زيادة على ذلك تبقى الأدوات المستعملة لإنتاج هذا الخطاب النقدي هي الأخرى موضوع تساؤل، وتمثل عقبة إضافية في طريق الناقد. ونعتقد أن ذلك ينجم عن الاختلال الأساسي والذي حاولنا توضيحه من خلال التطرق للعقبات المذكورة أعلاه، والمتمثل في عدم انسجام تصوراتنا ومفاهيمنا حول المسرح في مجتمع يتعامل معه على أنه ظاهرة غير أصيلة في نسيجه ويسعى إلى أن يجد له مرتكزات تاريخية ولو بشكل مصطنع. فالخطاب النقدي في النهاية هو المجال الأكثر وضوحا والأكثر شرعية لطرح أسئلة المسرح المغاربي ومناقشتها. لكنه للأسف لا يطرح أسئلته الأساسية.

المراجع:

- طالب الابراهيمي، أحمد. من تصفية الاستعمار إلى الثورة الثقافية، تر. حنفي بن عيسى. الجزائر، الشركة الوطنية للنشر و التوزيع 1972.

- أزراج، عمر. المسرح الجزائري اليوم.. رحلة البحث عن هويته.جريدة العرب، لندن، عدد: 9368 - ليوم 03/11/2013.

- بورايو، عبد الحميد . القصص الشعبي في منطقة بسكرة. رسالة ماجستير. جامعة القاهرة، 1978.

- د.سلمان قطاية ، المسرح العربي ..من أين إلى أين ، منشورات – اتحاد الكتاب العرب ، دمشق 1972.

- تمارا الكسانروفا بوتنتسيفا
. ألف عام وعام على المسرح العربي، تر. توفيق المؤذن، دار الفارابي، بيروت 1981.

- لانداو، يعقوب.- دراسات في المسرح و السينما عند العرب، ترجمة أحمد المغازي، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب1972.

- مباركي، بوعلام. لغة المسرح الجزائري بين الهوية والغيرية. مجلة حوليات التراث. جامعة مستغانم، عدد 06 سنة 2006.

- مرتاض، عبد المالك. فنون النثر. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر1983.

- ARNANDIES, Fernand. Histoire de L’opéra d’Alger. Alger, Ed N. Heintz 1941.

- BACHTARZI, Mahieddine. Mémoires . Alger, S.N.E.D. 1969.

- Hammoumi, Ahmed. Un regard sur le théatre en Algérie. In « l’Algérie histoire, société et culture. Casbah, Alger 2000.

- ROTH, Arlette. Le théâtre Algérien de langue Dialectale. Paris, Maspero 1967.



[1]- استثمرت تجارب ولد عبد الرحمان كاكي وعبد القادر علولة المصادر الشعبية بصورة واضحة وبروح إبداعية عالية كما كانت تجارب محي الدين بشتارزي في محاولة تقريب المسرح العالمي إلى الأنساق الثقافية المحلية بالغة الأهمية من أجل تأسيس المسرح الجزائري.

[2]- "لقد شهدت الجزائر في القرن التاسع عشر أشكالا تمثيلية محلية، إلى جانب القصص الشعبي الذي كان يتم عن طريق الحلقة و الشعراء المداحين في الأسواق. و كان لهذه الأشكال التمثيلية تقنياتها و قواعدها الخاصة التي أخذت تتكامل عبر التطور التاريخي" (العيد ميرات, « الأصول التاريخية لنشأة المسرح الجزائري دراسة في الأشكال التراثية ». مجلة إنسانيات، مركز البحوث في الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافة. وهران، عدد 12 سنة 2000.)

[3]- العيد ميرات, « الأصول التاريخية لنشأة المسرح الجزائري دراسة في الأشكال التراثية ». مجلة إنسانيات، مركز البحوث في الأنثربولوجيا الاجتماعية والثقافة. وهران، عدد 12 سنة 2000.

[4]- لعل الرفض الذي قوبلت به مسرحيات الطاهر علي الشريف في بداية العشرينات من القرن الماضي بالجزائر، لم يكن بسبب استعمال العربية الفصحى فقط، ويمكن إرجاعه كذلك إلى الطابع الدرامي.

[5]- كان المرحوم رويشد يكتب مسرحياته بالعامية العاصمية وبحروف لاتينية.