"أحجية ملكة بلقيس"pdf

دراسة انتربولوجية

لعرض"مارجا نيكانان"

د.طامر أنوال

قسم الفنون الدرامية

جامعة وهران

هناك طرق متعددة ومختلفة في التوقيع على عقد تحالف وشراكة مع النسق الثقافي، إما أن نتكيف مع الوضع الحالي،مؤسسين للترف الفكري والفني،أو نأمل في فن متمرد دوما ومعاد لأي احتواء,أو تدجين،بحثا عن طرح مولد لاحتمالات جمة."إن الثقافات مجموعة من التصنيفات المواشجة والمبادئ التصنيفية.وفي حين تمنحنا التواصل مع العالم "الخارجي"،تصنف وتقعد المعالجات المتناوبة والمكبوتة لذلك "العالم"نفسه."(1)

يمكن أن تجسد التمثلات  ركحيا ثلاثة  أنواع من الرموز متشاركة أو منفصلة فيما بينها:

البيكتوغرام Pictogramme (تجسيد للواقع)

ايديوغرام Idéogramme (رموز متفق عليها)

بسيكوغرام Psychogramme (رموز عاطفية)

هذه الاحتمالات جائزة على خشبة المسرح وبالذات مسرح العرائس،إلا أنها بحاجة دوما إلى مفتاح لفك أبجديتها،ويتجلى هذا المفتاح في لغة لفظية ولغة جسدية.الأولى هي بمثابة انعكاس أمين للواقع،يسمح بفبركة عوالم،تحوم ما بين الضمني والبين،والثانية تتشكل من نزاع دائم ما بين الرموز وما بين تعدد التفاسير الممكنة،المتناقضة أحيانا والمتغيرة، مع الاحتمال الأكبر ببقاء مساحة واسعة في العتمة.

ومن ثم تجربة الفنانة "مارجا نيكانان"Marja Nykanen مؤسسة تعاونية Théâtre d Illusia(2)لمسرح العرائسفي مقطع من عرضها :"هذه الليلة حول البئر"المقتبس عن "أحجية ملكة سبأ"(3) ،هي فرضية مفتوحة لكل التساؤلات،كومة من الحساسية والانفعالات والرغبات المكتومة والمعلنة التي قد يحملها مسرح العرائس.

إن أول محرك للعملية الإبداعية كان هو"الرغبة"،محور تقاطع قارات العالم وأديانها،بحثت المخرجة "مارجا" عن الموضوع،فوجدته في عباءة شعرية "ملكة سبأ".ثم إن استقراء الأثر مسرحيا أفسح المجال أمام المبدعة ووسع من دائرة – الأنا –وعلاقتها باللذة،ليمنحها وجودا متميزا,قائما بحد ذاته,من حيث هي وجود مادي محقق (جسد) يتفاعل في فضاء النص/العرض من خلال علاقة متشابكة ما بين:جسد /ممثلة

جسد/دمية

مسائلا الذاكرة، الآخر، بحثا عن التواجد داخل/خارج الحد.

حينما يمتزج النص الشعري لمحمد كاسيمي(4) بأداء الممثلة،بحضور تقنية خيال الظل والدمية "بلقيس"،يخرج النص من عزلة التجربة الفردية،الذاتية والنرسيسية، ويتحرر من فك القراءة المثبتة المستلهمة لمرجعية تتفق حولها الأديان الثلاثة وهي:"لقاء الملك سليمان بملكة سبأ".لينفتح على إمكانيات الحياة نفسها، ومن ثم نافذة متفاعلة  مع المطلق.

على الركح،فضاء مشكل من مقعد وبئر، شكل دائري من الماء بحجم 3 سنتم،تزاوج غريب وحتمي ما بين فضاء الأرض، بئر الماء و لامحدودية السماء،ما بين المركز والانسياب والعالي."وبوصف الأرض مادة ،هي الأم والرحم اللذان تتولد فيهما الأشكال،وبوصفهما steresis(شكلا سالبا)،لن تظهر الآن،كسلبية،بل كمحببة نشاطا ذاتيا،مع أنه سالب –كقوة جذب وتركيز تجعل منها بؤرة ماصة ،تتعارض مع نشاط السماء التوسعي والمشع،نشاط القطب الموجب." (5) تقاطع الرحم والحد من خلال انسيابية البئر الذي يمحو كل اثر للماض.

تجلس ممثلة مرتدية الأبيض تقرأ في كتاب. ظلال الأطلال بادية، ثم ظلال قافلة مارة ،يحل الظلام،..

ترفع الممثلة عن الأرض دمية،"كم أصبحت كبيرة!" تقول الدمية كلمتها السحرية..ويبدأ العرض.(6) عرض يزاوج ما بين الحلمي والرمزي والميتافيزقي،إذ يتحول جسد الممثلة إلى جسد يوازي ما بين "الانتربولوجي" المتحول عبر التاريخ، و"الاتنولوجي" الكاشف لطبيعته حسب المجتمعات ، والاستيطيقي الملهم للتأويل. "المسرح هو جسد " le théâtre est corps عبارة محددة حسمت بها "آن ايبرسفيلد"(7)الجدل.لقد كان الجسد وتعبيراته أو لغاته،دوما قضية أساسية بالنسبة لجماليات العرض،ليصبح الجسد –كما يقول-باتريس بافيس:"جسدا ناقلا" ،" فالجسد مادة ليست تعبيرا عن الفكرة أو عن النفسية.الحركة أصيلة،مبدعة ونتاج مشاعر.حركية هذا الجسد لا تعمل فقط على إبراز وتكرار الكلام."(8)

بل يصبح الجسد أكثر من موضوع نقل في عرض أحجية ملكة سبأ"،انه مركز إشعاع للسحر والعنفوان على الخشبة،ويعيدنا إلى زمن الأوليين،زمن الأسطورة والكائن الخرافي، من خلال توظيف "الصقر الأزرق" الإله "هوريس" رمز القوى والجبروت،اله السلطة عند قدماء المصريين،الذي يتراءى لنا عبر ستارة خيال الظل،"يبدو أن الإلهة جبلت الناس على صورتها لان الناس جبلوا الإلهة على صورتهم ابتداء..(9 (من يستنسخ من؟انه إستراتيجية البقاء والاستمرار عبر عملية النرجسي ، مساحة موحدة ما بين الحضور والغياب،الحقيقي والوهمي،معايير تعيد للكفة رجحانها نحو المقدس.

إن الدمية لا تملك من الواقعية شيئا،إلا ما يمكن إسناده لها،بعكس الممثل "الإنسان" الذي فور وقوفه على الركح متقمصا الدورهو شخصا في حد ذاته ،بدمه ولحمه.فكيف يستوعب ذهن المتلقي هذه اللامعقولية ؟ببساطة لأنه يحمل من القدرات ما يؤهله،وهي ملكتان:

- ملكة التغيير /التنقيل من موضع إلى آخر

- موهبة الإحلال أي تغيير الوجه بوجه آخر (إحلال محل)

ينقل المتلقي في واقعه الجمالي "الشخصية" إلى قياسات وأنساب (أحجام)خاصة به،مما قد يحول مجرد تعبير للوجه من ابتسامة أو تقطيبة وجه،إلى تجسيد للأهم،إلى محصلة سلوك فيزيونومي وبسيكولوجي للشخصية التي يحملها الممثل الحقيقي شحنة مزدوجة من المشاعر والسلوكيات. هذه "التنقيلة"من موضع إلى آخر ونمنمتها للواقع الإنساني ،تحيلنا إلى تأليفة من "السجايا"أو "الأمزجة".

يبدو أننا كبشر تسيرنا رغبتنا بتوليد المعاني إذ من المؤكد أننا قبل كل شيء نصنف ضمن "إنسان المعنى"، فنحن ننتج المعنى،وندور حول المعنى،ومن ثم،ما موقع البئر من محاولة التطهير الملازمة لذهن المذنب؟؟ وهل الذاكرة بحاجة إلى حضور الماء للإنعاش أم لإغراق الذات والرغبة على حد سواء.

"يبدو أن مصادرنا الدلالية محدودة.ولذلك،وفي حين نفتقر إليها لنستقل فكريا،نحن نكافح من أجل التخلص من التصنيفات التي تبنينا وتسجننا من الداخل.ومهما يكن عدد ونوع الجواهر التي نصقلها،فإننا نخفق في أن نعيد إليها الشفافية،وهي تخفق في أن تعكس وجوها غير وجوهنا."(10) ومن ثم تظهر أولوية الإيماءة على الكلمة كنوع من الإيمان بالدلالة الميتافيزيقية للجسد المتجاوز للحد وللقيد.

يلتحم جسد الممثلة بإيقاع حركات الدمية،وهو يلف الفضاء مؤشرا إلى الغياب،فضاء يكدس أشياء منتقاة من الماضي الحميمي،ههنا حاضر، تنسل من غبار النسيان خيوط خلاء المكان.

لم يعد هناك حيز فاصلا ما بين جسد الممثلة والدمية،يمتزج الفاعلان في تركيبة غريبة من الايماءات والنظرات،ازدواجية عشق وهيام تتلاشى فيها"الحدود"و"المعترف به"،الساكن والمتحرك،ويمسي الجسدان كيانا واحدا،جسد يفضح الكامن بعمق الإنساني،ماهو أكثر صدقا والأقل تدجينا.

إلا أن هذه الهوية الطبيعية للطبع الأولي هي أيضا هوية اجتماعية ومن ثم مشرعنة،انه نتاج المصرح به والمتفق عليه لجسد أباح لذاته التكيف، وظل أسيرا لقلقه الوجودي،يساءل الشيخوخة والتجاعيد والتحول من قوة وعنفوان الشباب من عمر العشرين والظفائر المسترسلة السود،إلى بياض الشيب.وكأن الفضاء يتقاطع ما بين ثنائيات الشرق والغرب،يغازل الوحدة وكنه المساحات الفارغة:

" إلا أن البيت فارغا،الغرفة الكبيرة فارغة،السرير الكبير الأبيض مقلوبا.."(11) وما هذه الذاكرة التي تأسر كيان بلقيس؟؟ذاكرة متشعبة بالكلمات، وكأن الوجود ليس إلا كلمات تختزنها الذاكرة المهترئة ،تلاعبها وتداعبها وتتناسي بداخلها.لاشيء إلا الكلمات..

تسعى "بلقيس" إلى إنعاش ما مضى  من خلال الاسترجاع، وهل للماضي مكان بالحاضر..؟هل هو الحنين الذي يأسر الكيان،أين كان البيت ممتلئ والغرفة الكبيرة مفعمة حياة والسرير الكبير الأبيض مذهلا؟؟

لم يكن انتظار بلقيس لظهور العشيق،كان انتظارا للأزل،لبؤرة الضوء الذي بداخلها،على الروح أن تترجل على خطى الدمى والذات النابعة من عمق الأزمنة المهجورة.

في مواجهة النظرة "الثابتة" للدمية،ينشأ لدى المشاهد تأثير "شد الانتباه" وهنا يسمو الخيالي عن الرمزي.إننا أمام مفهوم "اللذة" التي تحدثها قوة الجذب الإيحائية لدى عرائس الدمى ،من خلال ما تحدثه من "تحرير عميق للفكر اللامنطقي".إن "الحلم" و"النشوة"ظاهرتان فيسيولجيتان تحددان منطقتا التناقض مابين الفكر الابوليني والفكر الدينيسوسي حسب "نيتشه".(12)

وتتحول ثبوتية النظرة، في لحظة ما إلى "التملك"،زمن رؤيتي،زمن فهمي،ومن ثم يردد المتلقي في داخله:زمن الاستنتاج: ماهي إلا دمية.

إن الفرد ضئيل أمام عملية "الجذب"، مسمر،مجمد،فاقد للكثير من الحواس،نوع من وقف للحياة،للحركة.ومن ثم بإمكان الفكر البشري أن يستوعب العالم من خلال "اتفاق"مسرحي،فهناك عقد يبرم على الفور ما بين الركح والقاعة، وقناعاتنا الراسخة في اللاشعور الجمعي.قناعات وقيم ثابتة تخضع لعلاقة تراتبية الثالوث المؤسس لهيمنة الديني،الاجتماعي والسياسي.

لا تحاكي"دمية بلقيس"الواقع،وإنما تنصب خيم "الانزياح" بالمقارنة مع "الحقيقي"، والعملية لا ترهق أو تحرج المتلقي ،بالعكس،إنها ضمن إدراكه، وضمن طاقاته لفك شفرات هذا "الاختلال"أو "الزيحان".

كل اللعبة هي إذن لعبة فك شفرات اللغز،التي قد يدفع فيها الخاسر تاجه وحريته:

-سليمان: "حدثيني،أيتها الملكة،إذا كانت الحكمة لا تقاس لا بمقدار ذهبها ولا بجيشها، ولا بأراضيها، ولا بكرمها، كيف بإمكاننا التعرف عليها؟"

-الهدهد:"اعرف!من خلال الألغاز!وعلى سرعة حلها نعرف مقدار حكمة الأمير أو الحكيم."

-سليمان:"أتريدين اللعب؟"

-الملكة:"نعم!"

-سليمان:"الرهان؟"

-الملكة:"تاجنا!أضع لك الأحجية،إذا خسرت،تدع مملكتي بسلام."

-سليمان:"وأسالك بدوري.إذا خسرت،أمنحك مملكتي،ولكنك ستكونين ملكتي.." (13)

أن نؤول هو القبول بما يمكننا إدراكه، وان أدركنا مضمون الرهان،على الفوز، أو التملك، من يملك من، الفائز أم الخاسر؟ وأي موضوع هو للرهان، المملكة أم الذات؟ تلك الردود ما هي إلا أشكال ملغزة للفكر والوجود،وليست مساعي للأجوبة حيث تسعى الذوات  من خلالها إلى تثبيت نوعا ما نرجسيتها.

لا يمنح مسرح الدمى في عرض "مارجا"فضاءا لتلاحم الشخصية بذاكرتها ،لقاء جامع محاكم ما بين الماضي والحاضر وفقط، فتحت تأثير السحر الديونيزي،يتموقع الزمن صديقا أو عدوا ،ليعايش الفرد سلسلة الصراعات المتعددة الأشكال والأطياف ،فتتراءى الأحلام ،خرير الوديان،زقزقة عصافير..لصلح أبدي.

" القوة الاستيتيقية للطبيعة جمعاء،لأجل ارفع مكانة للغبطة، ولأسمى رضا لما هو قبلي، نشوي، ينجلي هنا تحت قشعريرة السكر"(14)

هذه القوة الجمالية التي تنعش وعي المتلقي وتؤثث لألوانه وتعرجاته،تنبثق من حاجة للنشوة في تلاحمها مع النبع الأول:الطبيعة.

ترقص ملكة "سبأ" مغلقة العينين على أهازيج الكلمات المنثورة،ترقص بتناهي على السرير المنهوك،ليس إلا الرقص الذي يبعث روحها من جديد ،يحررها من رماد "الاجتماعي"،ينسيها "الجائز" و"المقبول" ويمنحها إمكانية الترحال من الآني الموحش إلى عذوبة ماضي مسكون عشقا وحضورا.

-قائمة البيبلوغرافيا:

1-بيار ماراندا،جدل الاستعارة : مقالة انتربولوجية في التأويلية،من كتاب : القارئ في النص،مقالات في الجمهور والتأويل،تحرير: سوزان روبين سليمان،انجي كروسمان،ترجمة:د.حسن ناظم،علي حاكم صالح،دار الكتاب الجديد المتحدة،الطبعة الأولى 2007، ص 226

2-تعاونية فرنسية فيلندية ،تأسست سنة 1997،من أعمالها: « La conférence des oiseaux » , « premier chant » , « Roi océan »….

3-نص : محمد قاسيمي،موسيقى : سنا سلمانكاليو، عرضته الفنانة "مارجا" بقصر الثقافة "تموشنت" في إطار ورشات تكوين ل"مسرح العرائس":جوان 2013.

4-كاتب روائي،شاعر،دراماتورجي،جزائري من مواليد1955،من أعماله القصصية:"المشوار1987،"سر مملكة سبأ"1990 من أعماله المسرحية"اعترافات إبراهيم"1994،"لغة الله"1997،"نهاية البشرية"2004،"الأرض المقدسة"2006،

5-جان-فرانسوا ماركيه،مرايا الهوية،الأدب المسكون بالفلسفة،ترجمة أ.كميل داغر،مركز دراسات الوحدة العربية،الطبعة الأولى،بيروت،2005 ص31

6- ينظر استهلال وتعريف بالعرض بالموقع الخاص بالفرقة المسرحيةwww.theatre-illusia.com

7-Voir Anne Ubersfeld, Lire le théâtre ,Paris, Berlin,Coll, Lettres SUP.2001 , p 224

8-Patrice Pavis , Dictionnaire du théâtre,Edition Armand Colin,2002, p71

9-بيير ماراندا،جدل الاستعارة : مقالة انتربولوجية في التأويلية،من كتاب : القارئ في النص،مقالات في الجمهور والتأويل،تحرير: سوزان روبين سليمان،انجي كروسمان،ترجمة:د.حسن ناظم،علي حاكم صالح،ص 238

10-المرجع السابق ،بيير ماراندا،جدل الاستعارة : مقالة انتربولوجية في التأويلية،من كتاب : القارئ في النص،مقالات في الجمهور والتأويل،تحرير: سوزان روبين سليمان،انجي كروسمان،ترجمة:د.حسن ناظم،علي حاكم صالح،ص226

11-نص شعري لقاسيمي،غير مطبوع،قرا بمهرجان مسرح العرائس بتموشنت 2013

12-Friedrich Nietsche,L’Origine de la Tragédie dans l’esprit de la musique ou Hellénisme et Péssimisme,Traduction par Jean Marnoldet Jacques Morland.
Mercure de France, 1906 [quatrième édition] (Œuvres complètes de Frédéric Nietzsche, vol. 1, p 25

13-Voir Mohamed Kacimi ,Enigme de la reine de saba, Edition  Dapper, Paris 1999

14-Op cit .Friedrich Nietsche,L’Origine de la Tragédie dans l’esprit de la musique ou Hellénisme et Péssimisme,p33