تداولية التّمثيل والتّمثّل في الخطاب المسرحي الجزائريpdf

حمو الحاج ذهبية

جامعة تيزي وزو/ الجزائر

المسرح والتّداولية: إشكالية الحدود

إذا كانت التّداولية هي علم استعمال اللغة، فإنّها تخدم بشكل مباشر النّموذج الأدبي، الذي هو المسرح، باعتبار هذا الأخير ممارسة للغة، منظّمة في أطر مادية ومعنوية، فالإشكالية المطروحة تتمثّل في كيفية تجسّد هذه الممارسة بالمفهوم التّداولي الحديث على الخشبة، وكيف يتمكّن الممثّلون من طرحها وتنفيذها بشكل يقرّبها كثيرا من الممارسة اليومية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: كيف تتمثّل في أذهانهم وفي أذهان المتفرّجين؟ ثمّ ماذا يعني أن تعرف؟ إنّ التّحديد الأدنى للمعرفة يستلزم فكرة التّمثّل Representation، فمعرفة شيء، يعني امتلاك تمثّل عن ذلك الشيء، وهي أيضا القدرة على تحويل هذا التّمثّل من أجل استخلاص المعلومات[1].

إذا انطلقنا من فكرة أنّ اللغة تمثيل للعالم، فذلكسوف يعيدنا حتما إلى الممارسة الحوارية، بما تفرضه من شروط تسمح ببناء حوارات توحي بالطابع الطبيعي للممارسة، أمّا التّمثّل الذهني، فنتصوره في تلك المضامين الخفيّة، التي يتوصّل إليها متلقي الخطاب، بما في ذلك من أقوال مضمرة، وافتراضات مسبقة، مرورا بتمثّلاتها الذّهنية، التي تحيلنا إلى الاستلزام الحواري، الذي يسمح بالانتقال من المعاني الظاهرة إلى المعاني الخفيّة، بتوفّر أدوات يتحمّلها الذّهن البشري، فالنّموذج البشري ، الذي ينطلق منه الإنسان هو تمثّل داخلي لحالة الأشياء من العالم الخارجي، إنّه شكل من تمثّل المعارف، اعترف به عدد كبير من الباحثين في العلوم المعرفية[2]، باعتباره الشكل الطبيعي، الذي يبني الذّهن البشري الحقيقة من خلاله.

إنّ السؤال الأول الذي نطرحه، سوف يوقفنا عند حدود المسرح والتّداولية، فما العلاقة؟ إن الانطلاق من الإشكال الابستمولوجي يحيلنا إلى دومنيك مامنقونوD. Mainguenauبينما يرجعنا الاشكال النّظري إلى البحث عن المبحث الملائم لنظرية المسرح، وهو ما طرحه باتريس بافيس P.Pavis، الذي حصر المقاربة التّداولية في النصّ الدرامي. أمّا الإشكال الإجرائي، فيدخلنا في باب التّداولية، من حيث الأدوات، التي تقدّمها لتصبح أداة فعّالة لدراسة الخطاب المسرحي، ولكن المهمة تبدو غير سهلة، ذلك أنّ مدوّنة العمل يتقاسمها العرض والنصّ ذاته. فإذا كان اهتمامالتّداولية منصبّا على البعد الاستعمالي أو الانجازي للكلام، باعتبار السياق وحال المخاطب، وإذا كان العرض فضاء للرّموز والديكورات، فإنّ الاشتغال سوف يركّز على التّلفّظ في تمثّلاته الإنجازية والذّهنية، وهذا تجاهلا منّا للاشتغال الجسدي الذي ينبض بالمعاني والدلالات الإضافية، نظرا للطابع التّحوّلي، الذي تضفيه عليها خشبة المسرح، وما تقدّمه لها من قوّة، تفقدها هذه الأجساد في الواقع، وهو أيضا بحث عن النّماذج الأخرى بعد إدراكها من قبل البشر، فيمكنهم إعادة إنتاج النّماذج في الخطاب، بمعنى إنتاج سلوكات رمزية-عبارات لسانية- وظيفتها نقل النّموذج إلى شخص آخر. ويبني الشخص، الذي يفكّك هذه العبارات اللسانية نموذجا مشابها لحالة العالم، الذي عرفه المتكلّم وأراد إيصاله[3] .

إنّ الطابع الحواري،الذي يميّز الخطاب المسرحي بشكل عام، يوجّهنا إلى الظاهرة التّلفّظية في طابعا الحواري، وهي عودة إلى أوركيوني C.K.Orecchioni وآن أوبرسفيلد  A.Obersfied[4] في مقاربة الخطابات المسرحية من ناحية الأفعال الكلامية، وانطلاقا من هذه الأخيرة يبرز عنصر الاستلزام الحواري، الذي نادى به بول جرايس P.Grice ، ومن خلاله نحاول التّواصل مع الخطاب ونشرح الاختلاف بين القول والمعنى منه، إدراكا منّا لما يخلّفه المعنى من آثار، يحاول المخاطب إضفاءها على خطابه، مؤمنا بإدراك المخاطَب لمقاصده أو نواياه.

إنّه رغم الالتباسات، التي حدثت في تحديد موضوع التّداولية، ورغم التّداخلات، التي وقعت بينها وبين العلوم الأخرى مثل اللسانيات، والمنطق، والسميوطيقا، والفلسفة، وعلم النّفس وعلم الاجتماع، إلاّ أنّ التداولية استطاعت فرض وجودها بإجابتها عن أسئلة جوهرية في التواصل اللغوي ، لم يسبق لعلم آخر أن تطرّق إليها أو خاضها، ومن بينها: هل ينبغي التوقف عند المعنى الحرفي؟ إلى ماذا يفضي

استعمال اللغة في مواقف تواصلية مختلفة؟ وهذه الأسئلة تعدّ بمثابة منطلق لتداوليات مختلفة*، ويهمّنا منها التداولية التّخاطبية Pragmatique discursive ، والتي أولتها آن أوبرسفيلد أهمية كبيرة في تناولها للخطاب المسرحي، إذ انطلقت من بعض النّقاط وهي أنّ:

$11-       الكلام لا يعبّر عن شيء فقط، وإنّما عن فعل أيضا.

$12-      لا يمكن فهم أيّ ملفوظ دون الاستناد إلى إنيّة التّلفّظ.

$13-      لا يتم التبادل الكلامي، إلاّ وهو مبني على افتراضات.

$14-      الفعل الذي يحققه الكلام جزء من المعنى التعبيري.

$15-      فهم الملفوظات وتأويلها قائم على معرفة العلاقات المتبادلة بين المتخاطبين.

يبدو أن الخطاب المسرحي من الخطابات الأكثر استجابة إلى مثل هذه الأسس، ولكن سننطلق من بعض التحديدات التوضيحية لمكانة المسرح كخطاب في الدراسات الحديثة ومنها التداولية. لقد كان الخطاب محل دراسات متعدّدة منذ الفترة الكلاسيكية، أين كانت المعارضة بين المعرفة الخطابية والمعرفة الحدسية، ومنذ ذلك الحين، شهدنا أعمالا كثيرة ، قدّمت له الاهتمام والعناية الكاملتين، ومثل هذا المفهوم-عند باتريك شارودو ودومنيك مانقونو 2002- لا يحدّد الميدان اللساني وفقط، وإنّما يحدّد طريقة جديدة لخوض مجال اللغة. كانت اللغة منذ سوسور نظاما من العلامات، بينما الخطاب هو تطبيق للنّظام، وهذا التّقابل يظهر في مفهوم التّلفّظ الذي يحددّه بنفنيست على أنّه فعل الإنتاج في سياق معيّن، أو الفعل الفردي لاستعمال اللغة[5]. إنّ جوهر الخطاب هو التّفاعل، بمعنى نتاج مخاطب في علاقة مباشرة أو غير مباشرة، إنّه حال المحادثة، أين يضمن المشاركون التّعاون في إرسال الرسائل واستقبالها، واعتبار المواقف المدركة عند أحدهما إزاء الآخر، وإدراك الآثار التي تحدثها ملفوظات على هذه المواجهة، إنّها حال كلّ الخطابات، فالمتكلّم باعتباره مخاطبا ينتبه إلى ردود أفعال جمهوره،...مهما كان توجهه، يحاول إيجاد الملائمة بين طريقة حديثه أو كتابته والوضعية، التي يكون فيها، ومثل هذه الملاحظات قد أثارت دراسات تميّز أجناس الخطاب وفق سياق تلفّظها.

أمّا المحادثة، فهي نوع مميّز من الخطاب، أو تفاعل كلامي (بمفهوم أوركيوني)، يحدث بين عدّة مشاركين دون هدف معيّن، يتعلّق الأمر بالمحادثات اليومية، حيث ليس للمتخاطبين دور مميّز، ولا يخضعون لأيّ برمجة حقيقية، فهي تناظرية ومتعادلة، وتقدّم عددا متنوّعا من الظواهر التّخاطبية، إنّ المحادثة بالنسبة لأوركيوني تعدّ أكثر صحّة مقارنة بالخطاب،  الذي يتميّز بنوع من الخصوصية.

والخطاب المسرحي من بين الخطابات الأكثر قربا إلى  الممارسات اللغوية اليومية، فإن أولينا له عناية من الناحية التّداولية، وذلك ليس بأمر غريب، لأنّ فلسفته قائمة على النّظر في تقنيات إيصال الرسائل وآليات تأويلها، وبين هذا وذاك، آثرنا تناول الموضوع من حيث التّمثيل والتّمثّل Presentation et Representation، إيمانا منّا أنّهما عمليتان ضروريتان ومتكاملتان، وتستدعيان إجراءات ظاهرية وخفيّة  في الآن ذاته، فإن كان التّمثيل هو ما يُقدّم ويشاهد، فإنّ التّمثّل مرتبط بالعمليات الذّهنية، التي تواكب التّمثيل من بدايته إلى نهايته، ومن أجل ذلك نفضل الحديث عن التمثيل أوّلا. 

تقديم المدوّنة:

حتّى نعالج التّمثيل والتّمثّل ومقاربتهما التّداولية، آثرنا الرّجوع إلى إحدى المسرحيات الجزائرية، التي كتبها عبد العزيز بوشفيرات، وهي مسرحية تمثيلية[6]، تعيدنا إلى الواقع الجزائري بآلامه وآماله، فالمسرحية تسرد قصّة فتاة، رحل والدها بحثا عن العمل ليعين عائلته الفقيرة، وطال به الغياب، الأمر اللذي جعل حياة الأسرة معقّدة، دفعت بالأمّ إلى تحمّل أعباء الحياة بكاملها وبمفردها، فقد قامت بتربية بناتها، مضحّية بكلّ شيء من أجلهنّ، فالحياة إذن كانت بسيطة ومعقّدة في الآن ذاته، والأمل الوحيد بقي منتظرا في البنت الكبرى "رتيبة"، التي تحصّلت على شهادة البكالوريا، وعليها مغادرة القرية والتّوجّه إلى المدينة -بأسرارها ومتاعبها- لتواجه قدرها بما يخفيه من أشياء حسنة أو قبيحة.

قراءة التّمثّل المسرحي:

إنّ قراءة المسرح، هو الاستعلام عن مجموعة من العلامات، علامات خاصة بالنصّ، وعلامات خاصّة بالتمثّل (المكان، دور الممثّلين، العلاقة مع الجمهور، الإضاءة،...)، وهو ما يشكّل الحدث المسرحي، فلا قيمة لأيّة علامة ما لم تدخل في علاقة مع علامات أخرى، وليس العرض إلاّ اقتراح لمعنى أو لمعاني، لا تتشكّل في صيغتها النّهائية إلاّ في ذهن الجمهور. بالإضافة إلى أنّ هذه الطرق المؤدية إلى القراءة الجماعية تبدو كوسيلة للتساؤل الجزئي، الذي يُحاول بعيدا عن الإجابات اليقينية الذّهاب بعيدا باقتراح تحوّل كلّ متفرّج إلى قارئ متعوّد على الاستعلام، والتفكيك، والتّصنيف، وتحليل العلامات المشكّلة للتمثّل المسرحي.

إنّ فهم العرض المسرحي، يعني إدراك كيفية تشاكل العوامل المنتقاة أثناء إبداعه أو كتابته، وهو إدراك للحقول الدّلالية، التي يثيرها عند المتفرّج.

ترجعنا الحتمية المفهومية في خوض الخطاب المسرحي، إلى الإحالة إلى جرايس وبديهيات المحادثة، نظرا لمكانتها في الإنتاج والاستقبال (التأويل)، ذلك أنّ جرايس هو الوحيد في التّداولية المعرفية،  الذي وظّف العمليات الاستدلالية من أجل توليد الاستلزامات الخطابية، وإن كان لا يمكن بأيّ حال تقديم مفهوما تاما للأقوال من حيث الإنتاج والتأويل، إلاّ بالاستناد إلى العمليات الترميزية والاستدلالية.

وبين التّرميز والاستدلال، نجد سبربر وولسن Sperber et Wilson ، اللّذين يحيلان إلى نوعين مختلفين من العمليات، تلك المرتبطة بالترميز اللغوي، والمرتبطة بالاستدلال والتّداول* . لا تمثّل التداولية إلاّ جزءً من اللسانيات، فهي بذلك بحاجة إلى علم الدّلالة لمعالجة المظاهر المتضمّنة في القول، ووصف شروط نجاح الأفعال الكلامية، وكذا وصف دلالات الكلمات، التي تؤوّل وفقا لمقام التواصل، الذي يتحدّد بإنية الخطاب، بما تحمله من عناصر: الأنا، الأنت، هنا، والآن[7]، إلاّ أنّ تحديد التّداولية بهذا المعنى سوف يختلف عن المقولة، التي جاء بها كلّ من سبربر وولسن، حيث تقوم فكرتهما على تفسير كلّ ما يتمّ تفسيره بطريقة ترميزية، ونقصد هنا ما هو متضمّن من أعمال، وتأويل الكلمات في مقاماتها الحقيقية. وكان على التّداولية تجاوز هذا المستوى أيضا، لتخوض تلك المضامين، التي يبلغها المخاطب رغم بقاء جزء كبير منها في عداد الضمنيات Les implicites، التي لا يُتوصل إليها إلاّ عن طريق العمليات الاستدلالية.

إنّ الإشكال، الذي سيطرح ههنا سيتمثّل في انتساب العمليات التّداولية إلى خصائص اللغة، ويصبح الحديث واردا عن اللسانيات التّداولية، أم إلى عمليات تتجاوز خصائص اللغة تتبلور من خلاله معالم تداولية جديدة. يقوم الاستدلال على عمليات ذهنية أدركها جيري فودور*Jerry Fodor على أساس بنية متكاملة في وظائفها، تسمح بتفسير الأقوال وما يصل إلى الذّهن من أصوات، تبلور معاني لا تكشف حدودها دفعة واحدة. وفي هذا المقام يذهب فودور  إلى فكرة الاشتغال التراتبي، إذ تتكفّل كلّ مرحلة بتحديد مكوّنات الذّهن، وهي: التّحويل، النّظام المحيطي، والنّظام المركزي.

$11-      التّحويل: عند استقبال المعلومات الخارجية، يحدث معالجة الإدراك الحسّي في مستوى أولي يسمح بترجمتها (فكّ الرسالة)، ويتمّ إرسالها إلى مستوى أعلى.

$12-      النّظام المحيطي: يتمّ فيه معالجة التّرجمة، التي تمّت في مستوى سابق، بتوزيعها حسب طبيعتها إلى أنظمة مختلفة: نظام خاص بمعالجة المعطيات المرئية، أو الخاص بالمعطيات السمعية،...وهنا ينبغي الإشارة إلى النّظام المعالج للغة في شكلها الصرف، والتأويلات المقدّمة في هذا المجال ليست حاسمة، إذ تعتبر تأويلات أوّلية، لأنّ التفكيك الحقيقي والملمّ بجميع المعطيات سوف يتمّ في النّظام المركزي، بعدما يقوم النّظام المحيطي بتأويل أولي.

$13-      النّظام المركزي: يعمل هذا النّظام على أساس مقارنة المعلومات بعضها ببعض، سواء تلك المعروفة سلفا أو معلومات وفّرتها في الآن ذاته أنظمة محيطية أخرى، وهي عمليات تتحقّق بفضل الاستدلال Raisonnement، وهي خاصة بهذه المرحلة فحسب دون غيرها.

ما تتميّز به هذه المستويات والأنظمة هو انغلاقها على ذاتها، فكلّ نظام يمثّل منظومة* معزولة، إضافة إلى آلية العملية، التي تحدث في مستوى النّظام المحيطي، فيمكن اعتبارها إجبارية، فهي تحدث بسرعة، وتبقى نتائجها سطحية، أمّا النّظام المركزي، فيتّسم بالتعقيد واستحالة وصف وملاحظة العمل الذي يقوم به، وبذلك تبقى هناك بعض الزوايا المظلمة، التي تحول دون التّوصّل إلى معاينة كيفية اشتغال هذا النّظام، لأنّ الأمر يتعلّق بالتأويل، والاستدلال الخاص بالحياة اليومية وما يرتبط بها، وكذا عمليات التّفكيرالمعقّدة والدّقيقة، وبذلك يبقى جيري فودور Jerry Fodor حائرا متردّدا إزاء هذا النّظام، الأمر الذي يتجاوزه كلّ من سبربر وولسن بوضع مقابلة طريفة  بين ما هو لسانيات وتداولية، وبين ما هو نظام محيطي ومركزي، ويجعلان المعادلة تتمّ بهذا الشكل:

اللسانيات                                                          التداولية

(علم الأصوات الوظيفي+علم التراكيب+علم الدلالة)                (علم استعمال اللغة)

=                                                            =

النّظام المحيطي                                                  النّظام المركزي

 (معالجة المعطيات اللغوية)                                 (معالجة المعطيات غير اللغوية)

إنّ العمليات التّداولية لا تتمّ إلاّ في النّظام المركزي، أو ليست إلاّ تلك العمليات العادية للنّظام المركزي، وبذلك يمكن بإيضاح طريقة اشتغال النّظام المركزي، دراسة التأويل التّداولي للأقوال والملفوظات التي تصل إليه. ولكن سبربر وولسنSperber et Wilson لن يقفا عند هذه الفكرة، إنّما يقولان بتوحيد النّظامين عكس ما ذهب إليه جيري فودور، ويذهبان إلى عدم وجود نظام مركزي، وإنما يوجد نظام إدراكي (المجال التّداولي) لا ينفصل تمام الانفصال عن النّظام المفهومي أو التّصوري (المجال اللساني)، ووفق هذا المنظور، نتصوّر أنّ النّظام المحيطي يوفّر مداخل للمنظومات/المجال التّصوري، ثمّ يبدأ عمل الجانب الإدراكي المتمثّل في النّاحية التّداولية.

يقترب هذا التّصوّر كثيرا من التّصور، الذي نادى به تشومسكي§Chomsky في نظرية النّحو التوليدي، من حيث الانتقال من البنية السطحية إلى البنية العميقة، وكيفية تمكّن النّظام المركزي من فهم وتأويل جمل لم يسمع بها قطّ،  فظاهرة  الإبداع هنا مرتبطة بالجانب التّركيبي اللساني، مثلما ترتبط بالجانب التّداولي، الذي يسمح بالتّمخّض إلى الناحية الضمنية، من حيث التّوصل إلى المعاني الحقيقية والمقاصد المنتظرة، وفي هذا المقام، ينبغي إثارة ما يدعى بالمعرفة الموسوعية C. Encyclopédique، أي ما يوفّره الكون للفرد من معلومات ومعطيات. 

القراءة التّمثيلية:

لقد اكتسب كلّ من سبربر وولسنSperber et Wilsonنظرة معرفية حول اللغة وحول وظيفتها، وقوفا عند وظيفة اللغة القائمة على التّمثيل، الذي يتمكّن الأفراد بفضله من إثراء رصيدهم المعرفي. إنّ الهدف المنتظر من أيّ نظام معرفي ينحصر في إنشاء تمثّل للكون يطوّره الفرد ويواجه به تجاربه الحياتية المختلفة. وتأويل الأقوال يتمّ عن طريق عمليات استدلالية، تنطلق من الصيغة المنطقية للقول بإضافة عمليات أخرى، وهو ما يتبلور في السياق (مثال)، ويمكن التخطيط لذلك بهذه المعادلة:

العمليات الاستدلالية= الصيغة المنطقية + السياق

ينبني السياق على مجموع المعارف الموسوعية المنبثقة من خلال مفاهيم الصيغة المنطقية، ومن المعطيات المدركة بشكل مباشر، والمستقاة من المحيط المادي أو من المحيط المعنوي للأقوال السابقة، نلاحظ هذا المثال:

تقول ابنتها الصغرى: ...أو "يبعث لنا الدّراهم" . إن كان يحبنا؟

الأمّ: في تلك الأيام العصيبة، التي تركني فيها والدكم، كنت محطّمة القوى...فقد صمّم على تركنا، وهاجر إلى حيث لا ندري...بعضهم يقول بأنّه عمل في فرقة بحرية لنقل البضائع بين دول أوربية، والبعض الآخر يقول أنّه غادر الحياة إلى الأبد، وفي  كلّ الأحوال فلا أثر له ولو برسالة واحدة"[8] ، فما ذُكر، وما يمكن أن يستقى من التّجربة، التي تعيشها البنت وأسرتها، يوصلنا إلى الجواب، من حيث أنّ عدم معرفة مكان تواجد الأب، والحالة المزرية، التي جعلت الأمّ تتكفّل ببناتها يعني في حقيقة الأمر عدم تمكّن الأب من إرسال الأموال، وعدم تمكنه من إعالة أسرته.

إنّ الوصول إلى مثل هذه الحقائق، ناتج عمّا دعاه سبربر وولسن Sperber et Wilson بالمحيط المعرفي، ويتمثّل في ذهن المتلقي (الجمهور)، فيما يعرفه، وما بإمكانه معرفته، وما يصل إليه، وما بمقدوره التّوصل إليه، فالسياق بهذه المواصفات لا يمثّل إلا جزءً محدودا من المحيط المعرفي، الذي يلمّ بالأقوال وبالعمليات الذّهنية، التي تشتغل في تحديده. تقول الأمّ:" وهي تنشف دموعها: رافقتك السلامة يا ابنتي...افتحي عينيك جيّدا، فالمدينة غول نهم" هاه، إياك من الأخطاء[9]. إنّ السياق، الذي ورد فيه هذا الكلام، ليس إلاّ جزء ممّا تعرفت عليه رتيبة منذ طفولتها، لأنّ الحذر على نفسها كان واجبا عليها منذ طفولتها، باعتبارها طفلة، لأنّها أكثر عُرضة للمخاطر مقارنة بالولد، ولكن مثل هذا السياق يفتح لها آفاقا جديدة للحذر أيضا من المدينة باعتبارها مكانا مجهولا وتواجهه بمفرها.

ومثلما ينشأ الخطاب أثناء المحادثة، كذلك ينشأ السياق، إذ يقوم المخاطب (الجمهور) باستحضار  المفاهيم الواردة في الجانب المنطقي، بالبحث عنها في الذّاكرة ذات الأمد البعيد في شكل علامات تمكّن من الوصول إلى المفاهيم المقصودة والمستقصدة، ويبدو أنّ مثل هذا العمل يستدعي المرور على عدّة مستويات: 

$11-      المستوى المنطقي: يتمّ فيه جمع معلومات تربطها علاقات منطقية، يستدعيها المفهوم، في مقابلته للمفاهيم الأخرى ، من حيث الاستلزام، والتناقض،...

$12-      المستوى المعجمي: تجمع فيه المعلومات المحيطة بالمفهوم المستقصد.

$13-      المستوى التّقابلي/ المقارن: يسمح المعجم، من حيث تقديم مقابلات للمفهوم، وبالخصوص عند متعدّد اللغات.

يعدّ العنوان عتبة للوصول إلى المعطيات المطلوبة، ومرورا بالمدخل المنطقي، تسمح المعرفة الموسوعية من استيفاء المعلومات التي تقبل الدّخول في السياق. وفي مستوى تشكّل السياق من خلال مفاهيم الصيغة المنطقية، وعندما يتشكّل عن طريق المحيط المدرك من نتيجة تأويل الأقوال السابقة، إضافة إلى الصيغة المنطقية، لتظهر الصيغة المنطقية الإضافية، وتقوم بدورها كعنصر مساعد على إنجاز العمليات الاستدلالية، وبالتالي الوصول إلى تأويل القول، وهو ما يمكن أن نلخّصه بهذا الشّكل:

 

 


يمكن أن نتوصّل من خلال المخطّط أنّ العمليات الاستدلالية، التي توصلنا إلى فهم الأقوال وتأويلها تتمّ بسلّمية محدّدة تستند إلى المنطق أكثرالاستناد، وحتّى يُفهم قول ما على أساس أنّه إخبار أو خبر، ينبغي على المخاطَب القيام بعدّة افتراضات منطقية تسهم في وصوله إلى النتيجة، وهو ما يدعى بالاستدلال، لنأخذ هذا المثال: "قالت رتيبة مع نفسها : حقيقة، لقد صُدمت في بادئ الأمر من نفاق ذلك الرّجل، الذي أراد ابتزازي، ولم يترك لي منذ اليوم الأول ولو هامشا صغيرا للحرّية"[10]، النتيجة، التي توصّلت إليها الفتاة، لم تكن من محض الصدف، وإنّما مبنية على أساس منطقي خاضع للأحداث، التي جرت ، وخاضع للعمليات الاستدلالية الذّهنية، التي ساهمت في جعل الفتاة تفهم مقاصد الرّجل من خلال معاملته لها، فلم يكن الأمر صعبا للوصول إلى نتيجة مفادها أخذ الحذر من المدينة وأصحابها، فالتّمثّل لعب دوره  الأساس في الانتقال من التجربة إلى الواقع المعيش، وتفسير الوقائع وفق منطق معيّن وبمساهمة معارف مختلفة، يقول أندلرAndler :" "إنّ هدف العلوم المعرفية هو الوصف والتفسير، وعند اللّزوم تصنّف التنظيمات الأساسية وقدرات الذّهن البشري من حيث اللغة، الاستدلال، الإدراك، الترابطات الحركية، التخطيط، ....."[11].

إنّ الوصول إلى نتيجة ما، يستدعي جهدا ذهنيا، تبرز مكانته فيما دعاه جرايس P.Grice بمبدأ الملائمة. تعدّ الملائمة بالنسبة لسبربر وولسن Sperber et Wilson  قضية جهد يسمح ببناء السياق، ونتائج تفضي إليها عن طريق العمليات الاستدلالية، وبذلك كلّما ازدادت نتائج العمل الإشاري الاستدلالي، كلّما ازدادت ملاءمته. ويؤدي التواصل الإشاري الاستدلالي أثناء عمله إلى استنتاجات في نهاية العملية الاستدلالية للتأويل، وهي نتائج معرفية ممكنة، نظرا لطابع الاحتمالية فيها، ولكن السؤال المطروح ههنا: هل للتأويل حدود؟ ومتى يمكن التّوقف عن التأويل؟

إذا انطلقنا من الفكرة السابقة، والمتمثّلة في كون الصيغة المنطقية هي جزء من المقدّمات المنطقية، فإنّ المقدّمات الأخرى تؤخذ من مصادر أخرى كالمعارف الموسوعية، والتّعرف على المقام والتأويلات السابقة للأقوال، ووفقا لهذه المعطيات يتشكّل السياق ويحيط بكلّ قول جديد، ولكن ينبغي معرفة المعطيات الخادمة للتأويل من عدمها، فيتعيّن على المتلقي اختيار بعض المعلومات والتّنازل عن الأخرى..، كما ينبغي معرفة أنّ المعطيات، التي يحتملها السياق هي الأكثر أهمّية للتّوصل إلى نتائج كافية للحكم على مناسبة القول للمقام وللوضعية الخطابية، وهذا العمل مخوّل للنّظام المركزي، الذي يقوم بانتقاء المعلومات التي تعدّ جزء من السياق عند تأويل الأقوال.

حدود التأويل في التمثيل والتّمثّل:

وإذا عدنا إلى السؤال المطروح حول حدود التأويل، نقول أنّ هذا الأخير يتوقف عندما تتوقف العمليات الاستدلالية، ومن الأرجح أن تتوقف هذه الأخيرة من تلقاء نفسها، عندما تبلغ الجهود المبذولة ذروتها. وبناء على هذه الفكرة، نكشف عن السلّمية، التي يتميّز بها السياق، إذ ليس بكتلة من المعطيات الموظّفة دفعة واحدة، وإنّما يتشكّل وهو مصاحب للخطاب، ويُبنى قولا إثر قول. إن التأويل، الذي خاضته رتيبة لفكّ لغز الرجل منذ الوهلة الأولى، سيتوقّف عند تنازلها عن التفكير عنه، عندما تتوجّه الفتاة إلى بيت السيدة أنيسة، إذ تقول السيدة :"...جميل، ما رأيك في تغيير عملك من ذلك المحل إلى محل آخر؟"[12]، وسيتواصل المسار الاستدلالي توجّهه، الذي يجعل رتيبة تنتقل من شيء إلى شيء آخر عدا التّفكير في بوربيطة الرجل اللئيم، ويظهر ذلك في قولها:" لقد قلّبت المسألة من جميع جوانبها ووصلت إلى قناعة..."[13]

لقد انطلق سبربر وولسن من  فرضية الاستناد إلى مرحلتين في تأويل الأقوال وهما: المرحلة الترميزية والمرحلة الاستدلالية، وهي فرضية تنبني على تصوّر يحدّد اشتغال الذّهن البشري، حيث أنّ اللغة ملكة أو نظام مستقل Système Indépendant، وفي هذا التحديد نجد عددا من التّساؤلات حول علاقة القدرة الذّهنية بالقدرات الأخرى، إذ قد تكون القدرة الذّهنية في أوجّ عطائها واشتغالها رغم ما يصيب القدرات الأخرى من تلف أو عطب، فالخلل قد يتموقع في المستوى التّداولي وليس اللغوي، ويمكن أن يصاب الجانب اللغوي بحضور معطيات أخرى ، دون أن يؤثر ذلك سلبا على اكتساب اللغة الأمّ، وهنا يمكن الإحالة إلى المؤهلات الذّهنية، التي نادى بها تشومسكي Chomsky في نظرية النّحو التوليدي، علما أنّ خصوصية اللساني تكمن في "عمليات" التصنيف وتشكيل المحتوى المفهومي، فمثلما يقول لونقاكر Langacker  نقلا عن ديسلي[14] Deslés  :"إنّ أخذ الدلالة على أنّها ظاهرة معرفية ينبغي أن تحلّل على أنّها كذلك".

إنّ للكفاءة أو القدرة أهمية في خوض مجال اكتساب الحالات الذّهنية، والكشف عنها عند المخاطَب (المتلقي)، وهنا يتحدّد الهدف الأساس من التّواصل الإشاري والاستدلالي بمفهوم سبربر وولسنSperber et Wilson، والقدرة التّداولية على تمثيل الحالات الذّهنية، إضافة إلى تمثّل المعلومات حول العالم المحيط بنا، مضبوطة في المستوى الذّهني، استعانة بالعمليات الاستدلالية والسياق المتشكّل خطوة بعد خطوة. يستهدف كلّ نظام معرفي إنساني أو حيواني إلى بناء أو تشكيل تمثّل Représentation حول العالم، وتتحدّد أهمية هذا التّمثّل في ملائمته وتناسبه معه ، يقول الجار لرتيبة:" كلّ شيء في حينه،...ستعلمين عندما تطّلعين على امتيازات هذا العمل، مقابل قيامك بدور معيّن فيه...فقط، يكفي أن توقّعي على عقد، وستحصلين على مال كثير كفيل بحلّ جميع مشاكلك إن كانت لديك مشاكل[15]" ، إنّ الانتقال في المعاني من مشكل العمل إلى مشكلة الحصول على الأموال، يقدّم تمثّلا عن العالم من خلال التّجربة والمنطق، إذ لا وجود للأموال دون عمل، وعدم وجود الأموال يعني وجود المشاكل، وبذلك فالتّمثّل، الذي يصبو إليه المخاطب هو إقامة العلاقة بين العناصر المرتبطة منطقيا بعضها ببعض، ممّا يخلّف التناسب والتّلاؤم، الذي لاحظناه بين العمل والمال، والمال والمشاكل، والعمل والمشاكل. 

فإذا كان كلّ نظام معرفي يستهدف بناء تمثّل للعالم، وإذا كان تحقّق المناسبة شرطا للتمثّل، من حيث تمثيل الوقائع بشكل صحيح، فهل يحتمل هذا التّمثّل جميع العناصر المساعدة على تقييمه، وهل يتّسم بالشمولية؟  يبدو أنّ هذا الأمر مستبعد، لأنّ التّمثيل يتعرّض للتّعديل باستمرار حسب المواقف والظروف، وحسب ما نكتسبه من معلومات، إلاّ أنّه يشترط ألاّ يحدث التمثيل بنظام واحد. ، وفي هذا الصدد قد نتساءل عن طبيعة النّظام الذي يتمّ فيه تمثّل العالم، وشروط نجاحه، فقول الجار:" ...ستحصلين على مال كثير كفيل بحلّ جميع مشاكلك إن كانت لديك مشاكل[16]" . إنّ تعرّف الجار على المشاكلّ وكذا معايشتها يجعله مؤهلا للحديث عنها، مدركا المخاطر والنتائج المنتظرة.

إنّه لمن الصعب تحديد طبيعة نظام التّمثّل، لأنّ التّمثّل يتمّ داخليا وبلغة داخلية وكلّية[17]، ودُعيت بلغة الفكر، وهي فكرة جاء بها جيري فودور وسبربروولسن رغم معارضيها، الذين يذهبون في ذلك فرضيات، من بينها أنّ اللغات لا تتمثّل العالم بالطريقة ذاتها، وهي الفكرة التي قال بها أندري مارتيني  A.Martinet ، وذلك لا يعني البتّة أفضلية اللغات عن بعضها بعضا، ثمّ هل للحيوانات لغة فكر عندما تتمثّل العالم بطريقتها الخاصّة؟ أكيد أنّ لها لغة فكر تسهم في التّمثّل، ولكنّها جدّ مختلفة عن نظيرتها عند البشر، إلى جانب ما يتعلّق بالكليات اللسانية، التي تفترض وجود أبنية مشتركة بين جميع اللغات. لقد تمّ التوصّل مع جيري فودور إلى أنّ العملية الذّهنية خاضعة لهذا النموذج:


 فعندما نعتبرأنّ الكائنات البشرية تستهدف بناء تمثّل حول العالم، يقترب أكثر الاقتراب من الصّحة، ويعطي للاستدلال أهمية كبيرة. يفترض سبربر وولسن Sperber et Wilson أنّ العمليات التداولية في تأويل الأقوال (في النّظام المركزي) هي عمليات استدلالية، ويوجد ضربان من هذه العمليات: عمليات الاستدلال الاستنباطي، وعمليات الاستدلال الاستقرائي، ويبدو أنّ العمليات الثانية مثيرة للجدل، نظرا لكون الاستقراء يقدّم انطلاقا من مقدّمات تعتمد على التّجربة، في حين ينبني الاستنباط على أسس تجعله ينطلق من مقدّمات صادقة تفضي إلى نتائج صادقة حتما.

تظهرالمفارقة بين العمليتين، من حيث توافق المنطق الاستنباطي مع العالم، بمعنى كيف يمكن الاستغناء عن التّجربة، والخوض في عملية الانتقال من المقدّمة إلى النتيجة، أي الاعتماد على الاستنباط، وفي الآن ذاته كيف يمكن اكتساب المفاهيم دون الرّجوع إلى الاستقراء؟ وممّا يبدو يعدّ خوض المنطق الاستنباطي* وقوانينه عملية سهلة للبشر، لأنّ القاعدة، التي يشتغل بها ذهنهم تسمح لهم بالانتقال من فكرة إلى أخرى عن طريق خاصية الربط المنطقي، التي يحتكم إليها العقل، وفي هذا الإطار يمكن إثارة الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المعنى الخاضع لظروف نشوئه.

كثيرا ما نستعمل عبارات ونقصد من ورائها غير المقول، ويبدو هذا طبيعيا إذا كان هناك بعض الأشخاص يقولون ما لا يقصدون، أو يقصدون ما لا يقولون، أو يقصدون عكس ما يقولون، ففي كلّ هذه الحالات، نلمح ما يدعى بالمعنى الجانبي والمعنى المستلزم، اللذين يتقاسمان وجهي القول أو العبارة،...لكن السؤال، الذي يظلّ مطروحا هو في الحدود الفاصلة بين الوجهين، وكيف يتمّ الكشف عنهما؟.  إنّ العودة إلى البلاغة القديمة تنزع إلى التمييز بين الاستعمالين، إذ لا يؤوّل الوجهان بالطريقة ذاتها، وهو ما يقول به سبربر وولسن Sperber et Wilson ، فإذا لم تختلف العمليات التأويلية، التي تتناول المعنى الجانبي والمعنى المستلزم، يكون من الصعب وضع الحدّ الفاصل بينهما، وإذا تحقّق التّماهي في الحدود، فمن الجدير العودة إلى الخاصية التّداولية، وليس إلى الخاصية اللغوية، وإنّ استعمال قول في موضعين مختلفين للدلالة على معنيين مختلفين مثل: "إنّك خصب الخيال" للدلالة على الخيال الخصب، أو النتاج الأدبي، يضعف من التمييز بين المعنى الجانبي والمعنى المستلزم.

يبدأ الاستعمال المجازي عندما يتوفّر القول على استلزام واحد على الأقل في السياق لا تتوافر عليه الفكرة التي يمثّلها، والقول سوف يمثّل الفكرة ويتمثّلها عندما يشتركان (القول والفكرة) في استلزام واحد، والإحالة إلى الاشتراك يجعل الحدود بين الاستعمال الحقيقي والمجازي غير واضحة تماما، لأنّ العمل جار على الاستدلال على الأفكار، وليس على التّمثيل في حدّ ذاتها، فالمعنى المستلزم نصل إليه عن طريق الاستدلال، وغير مرتبط حتما بالمعنى الجانبي أو غيره، ذلك أنّ تأويل الأقوال يتمّ بطريقة استدلالية، أو لرفض المعنى الجانبي، والقول بأنّه غير مقصود، أو أنّه لا يمثّل الأفكار، فإذا كان التأويل، الذي ينبغي الوصول إليه هو س، فلا شيء يمنع احتمال أن تكون الفكرة المستقصدة هي ع، وفي هذه الحالة، يكون القول ذات معنى جانبي.

يتجاذب المتخاطبون المعنى الجانبي والمعنى المستلزم، وينتقل بينهما حسب الظروف الخطابية، ولكن أيضا حسب ما دعاه جرايس بالقدرة على اكتساب حالات ذهنية، والقدرة على نسبتها إلى الآخرين، وبتعبير آخر البحث عن نوايا المخاطِب، وكيفية فهمها من قبل المخاطَب عندما تنتسب إليه، وهنا ستعبّر الدلالة عمّا قيل، في حين  يعبّرالاستلزام عمّا تمّ تبليغه، وفي أغلب الأحيان يختلف المُبْلَغ عن القيل. إنّه وممّا شكّ فيه، يوجد بعد تمثيلي عند جرايس استنادا إلى فكرته في معالجة التّمثّلات (صياغة الفرضيات والتّثبّت منها)، فإلى جانب عدم استعمال القوانين بشكل صريح، فإنّه يمكن معرفة كيفية اختيار المقدّمات ومصدرها، وما هي الظروف التي تسمح بايقاف العملية، والتوصّل إلى تأويل نهائي (على الأرجح).

من الملاحظ عدم تكرارنا للخطاب المسرحي، إنّما جرى الحديث على الخطاب بالعموم، ذلك تطبيق لانطلاقتنا الأولية، التي أرجعتنا إلى مقاربة الخطاب المسرحي بالخطاب العادي، بإضافات جوهرية تجعل منه خطابا مميّزا، تتقاسم أدواره شخصيات تتمثّل العالم وفق قوانين، تخضع لها بشكل صارم، لأنّ تمثيلها للعرض لا يختزل في القول، إنّما ينتقل إلى المتفرّج التي يتمثّل بدوره الخشبة بطريقته الخاصة، وبين هذا وذاك تنشأ علاقة تفاعلية، تقضي بالالتزام بمبدأ التّعاون، الذي نادى به جرايس، وتؤدي بالمتفرّج إلى مشاركته في العملية التواصلية، ومن خلال الانتقال من المعنى الظاهر إلى المعنى الخفي أو المستلزم، والوصل إلى الاستنتاجات ومغزى الرسائل المنتسبة إليه عن طريق العمليات الاستدلالية الذّهنية والمنطقية، واستنادا إلى التّجربة، التي تساعد على عملية التّمثيل والتّمثّل.

هوامش البحث:

[1]- J.P.Meunier, Approches systémiques de la communication, Deboeck, Bruxelles 2002.

[1] - H.Tardieu, M.Cavazza, Les modeles mentaux, Approches cognitives des représentations, Masson, Paris 1993, P 01.

[1] - Ph.Johnson-Laird, L(ordinateur et l’esprit, Odile Jacob, Paris  1994, P369.

[1] - آن أويرسفليد، قراءة في المسرح، ترجمة مركز اللغات والتّرجمة، أكاديمية الفنون، مطابع المجلس الأعلى للآثار، القاهرة، د.س.ن.

* - التّداولية التّلفّظية: أو ما دُعي بلسانيات التلفظ، التي يتوقف عملها عند وصف العلاقات الموجودة بين بعض     المعطيات الدّاخلية للملفوظ، وبعض خصائص الجهاز التّلفظي، الذي يتضمّن الملفوظ أيضا.

- التداولية الحوارية: التي تشتغل حول نمط خاص من التّفاعلات التواصلية، الذي يمثّله الحوار.

- التّداولية التخاطبية: التي تتجسّد في الأفعال الكلامية وذلك مع أوستين وسورل وجرايس.

[1]-  - E. Benveniste, Problèmes de linguistique générale, T2, Gallimard, Paris 1974, P 80.

[1]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ط2، دار الساحل للنشر وتوزيع الكتاب،الجزائر2010.

* وهي محاولة لإخراج التّداولية من المحيط اللساني، الذي يولي العناية للجانب الصوتي، والوظيفي، والتركيبي، والدّلالي.

[1]ذهبية حمو الحاج، لسانيات التّافظ وتداولية الخطاب، ط2، دارالأمل للنشر والتوزيع، تيزي وزو 2012، ص 97.

* إنّ الأفكار، التي طرحها جيري فودور Jerry Fodor تعود إلى أبحاث غال Gall في نهاية القرن التاسع عشر، تستند هذه الأبحاث إلى علم النّفس الملكات، الذي يعتقد في فردانية الملكات التي يملكها البشر، إذ تعتبر كلّ طاقة من طاقات الذّهن البشري"ملكة" منفصلة عن الملكات الأخرى.

* حُدّدت المنظومة على أنّها مجموعة من الوحدات المستقلة المتوابطة، والتيار المنظومي ينادي بانفصال المنظومة اللغوية عن المنظومة التّداولية. أنظر: آن ربول وجاك موشلر، التداولية اليوم، علم جديد للتواصل، ترجمة سيف الدين دغفوس ومحمد الشيباني، مراجعة لطيف الزيتوني، ط1،المنظمة العربية للترجمة، دار الطليعة للطباعة والنّشر، بيروت لبنان، ص 73.

  §إنّ الفلسفة الذّهنية التي نادى بها تشومسكي هي في منطلق هذا التّحوّل الجذري للسانيات التي كانت تهيمن عليها النزعة البيهافيورية. لم يكن الأمر بالنسبة لتشومسكي سهلا لإعادة النّظر في كيفية نشوء اللّغة، فكان لزاما عليه العودة إلى النّظرية العقلية (ديكارت) لتفسير الفكر، وكذالك العودة إلى مدرسة بور روايال. وفي دراسته السابقة، أشار تشومسكي إلى ضرورة إدراك موضوع اللسانيات كحقيقة ذهنية بدل النّظر إليها كسلوك لساني قابل للملاحظة. وفكرة تشومسكي حول قواعد التّحويل، التي تنطلق من النّواة هي أساس مفهوم اللسانيات الاحتسابية وأساس الدراسات، التي تستوحي من اللّغات الصورية لوضع ما يدعى بالمعالجة الآلية للّغات.

[1]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص 10-12.

[1]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص15.

[1]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص69.

[1]- Andler, D, « Sciences cognitives », in Encyclopedia Universalis, 1989.

[1]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص65.

[1]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص71.

[1] - Descles. J.P, « Réflexions sur les grammaires cognitives », Modèles linguistiques, 29/XV , Paris 1994, P 77.

[1]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص89.

[1]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص89.

[1]- آن ربول، وجاك موشلر، التداولية اليوم، علم جديد في التواصل، ص93.

* يعود المنطق الاستنباطي إلى أرسطو، وهو أول المناطقة الكبار. لقد تطوّر المنطق منذ أرسطو بعدما شهد انطلاقة مهمّة في أواخرالقرن التّاسع عشروبداية القرن العشرين، حيث سعى فلاسفة أمثال: برتراند راسل B. Russelوغوتلوب فريج   G.Fregeوكورث غودل K.Godel   إلى تقديم  حلول منطقية لمسألة  أسس الرياضيات.

الهوامش



[1]- J.P.Meunier, Approches systémiques de la communication, Deboeck, Bruxelles 2002.

[2] - H.Tardieu, M.Cavazza, Les modeles mentaux, Approches cognitives des représentations, Masson, Paris 1993, P 01.

[3] - Ph.Johnson-Laird, L(ordinateur et l’esprit, Odile Jacob, Paris  1994, P369.

[4] - آن أويرسفليد، قراءة في المسرح، ترجمة مركز اللغات والتّرجمة، أكاديمية الفنون، مطابع المجلس الأعلى للآثار، القاهرة، د.س.ن.

* - التّداولية التّلفّظية: أو ما دُعي بلسانيات التلفظ، التي يتوقف عملها عند وصف العلاقات الموجودة بين بعض     المعطيات الدّاخلية للملفوظ، وبعض خصائص الجهاز التّلفظي، الذي يتضمّن الملفوظ أيضا.

- التداولية الحوارية: التي تشتغل حول نمط خاص من التّفاعلات التواصلية، الذي يمثّله الحوار.

- التّداولية التخاطبية: التي تتجسّد في الأفعال الكلامية وذلك مع أوستين وسورل وجرايس.

[5] - E. Benveniste, Problèmes de linguistique générale, T2, Gallimard, Paris 1974, P 80.

[6]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ط2، دار الساحل للنشر وتوزيع الكتاب،الجزائر2010.

* وهي محاولة لإخراج التّداولية من المحيط اللساني، الذي يولي العناية للجانب الصوتي، والوظيفي، والتركيبي، والدّلالي.

[7]- ذهبية حمو الحاج، لسانيات التّافظ وتداولية الخطاب، ط2، دارالأمل للنشر والتوزيع، تيزي وزو 2012، ص 97.

* إنّ الأفكار، التي طرحها جيري فودور Jerry Fodor تعود إلى أبحاث غال Gall في نهاية القرن التاسع عشر، تستند هذه الأبحاث إلى علم النّفس الملكات، الذي يعتقد في فردانية الملكات التي يملكها البشر، إذ تعتبر كلّ طاقة من طاقات الذّهن البشري"ملكة" منفصلة عن الملكات الأخرى.

* حُدّدت المنظومة على أنّها مجموعة من الوحدات المستقلة المتوابطة، والتيار المنظومي ينادي بانفصال المنظومة اللغوية عن المنظومة التّداولية. أنظر: آن ربول وجاك موشلر، التداولية اليوم، علم جديد للتواصل، ترجمة سيف الدين دغفوس ومحمد الشيباني، مراجعة لطيف الزيتوني، ط1،المنظمة العربية للترجمة، دار الطليعة للطباعة والنّشر، بيروت لبنان، ص 73.

  §إنّ الفلسفة الذّهنية التي نادى بها تشومسكي هي في منطلق هذا التّحوّل الجذري للسانيات التي كانت تهيمن عليها النزعة البيهافيورية. لم يكن الأمر بالنسبة لتشومسكي سهلا لإعادة النّظر في كيفية نشوء اللّغة، فكان لزاما عليه العودة إلى النّظرية العقلية (ديكارت) لتفسير الفكر، وكذالك العودة إلى مدرسة بور روايال. وفي دراسته السابقة، أشار تشومسكي إلى ضرورة إدراك موضوع اللسانيات كحقيقة ذهنية بدل النّظر إليها كسلوك لساني قابل للملاحظة. وفكرة تشومسكي حول قواعد التّحويل، التي تنطلق من النّواة هي أساس مفهوم اللسانيات الاحتسابية وأساس الدراسات، التي تستوحي من اللّغات الصورية لوضع ما يدعى بالمعالجة الآلية للّغات.

[8]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص 10-12.

[9]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص15.

[10]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص69.

[11]- Andler, D, « Sciences cognitives », in Encyclopedia Universalis, 1989.

[12]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص65.

[13]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص71.

[14] - Descles. J.P, « Réflexions sur les grammaires cognitives », Modèles linguistiques, 29/XV , Paris 1994, P 77.

[15]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص89.

[16]- عبد العزيز بوشفيرات، العقد، مسرحية تمثيلية، ص89.

[17]- آن ربول، وجاك موشلر، التداولية اليوم، علم جديد في التواصل، ص93.

* يعود المنطق الاستنباطي إلى أرسطو، وهو أول المناطقة الكبار. لقد تطوّر المنطق منذ أرسطو بعدما شهد انطلاقة مهمّة في أواخرالقرن التّاسع عشروبداية القرن العشرين، حيث سعى فلاسفة أمثال: برتراند راسل B. Russelوغوتلوب فريج   G.Fregeوكورث غودل K.Godel   إلى تقديم  حلول منطقية لمسألة  أسس الرياضيات.