أبعاد الشخصية الجزائرية في مسرحية "المحطة" لأحمد منورpdf

(مقاربة أنثروبولوجية)"

حورية بوشريخة

جامعة الجزائر (2)

لقد اختلفت العلوم وتباينت منذ أقدم العصور في تصوراتها وموضوعات دراساتها والميادين التي تركز عليها مفاهيمها وآرائها، غير أن الإنسان يظل المحور الرئيسي الذي تدور حوله جل دراسات العالم ... حتى توصل العلماء إلى اختراع مصطلح يشمل هذا الكائن الناطق، المفكر فما هو هذا العلم يا ترى؟

إن العلوم التي تخدم الإنسان كثيرة وذات فروع شائكة، غير أنّ الأقرب منها في نظرنا إلى خليفة الله في الكون هو علم الأنثروبولوجيا، وقد أدلى علماء كثيرون بدولوهم فيه وفي مفاهيمه المتعلقة به، والعلوم القريبة منه نختار منها أبسطها.

" إن لفظة "أنثروبولوجيا" "Anthropology" هي كلمة إنكليزية مشتقة من الأصل اليوناني المكون من مقطعين: "أنثروبوسAnthropos" ومعناه "الإنسان" و" لوجوس Locos " ومعناه "علم"، وبذلك يصبح معنى الأنثروبولوجيا من حيث اللفظ " علم الإنسان " أي العلم الذي يدرس الإنسان "(1).

وبناء على هذا التعريف، تصبح الأنثروبولوجيا ذلك العلم الذي يركز دراسته على الإنسان باعتباره كائنا عضويا حيا عاقلا " يعيش في مجتمع تسوده نظم وأنساق اجتماعية في ظل ثقافة معينة ... ويقوم بأعمال متعددة، ويسلك سلوكا محددا ..."(2)، دون أن ننسى أن الأنثروبولوجيا تتعلق كذلك بدراسة حياة الأقوام البدائية والحديثة على السواء بغرض الوصول إلى تنبؤات بما ينتظر الإنسان من مستقبل ذي خصائص معينة مستنبطة من تطوره عبر العصور من خلال سلوكاته وأنماط معيشته ... إلخ(3)

ولمّا كانت الفنون الأدبية هي مجالات يصبّ فيها الإنسان همومه وأحزانه كما يطرح فيها خلاصة تجاربه وأفكاره التي يكتسبها عبر الزمن من خلال احتكاكاته بأخيه الإنسان على مرّ العصور فإن هذا الأدب يعد سجلا لمختلف الأنماط السلوكية الإنسانية لمجتمعات غائرة في القدم، ولشعوب حديثة وحتى المعاصرة منها، وهي تعتبر لوحة ناصعة للتطور الفكري والثقافي والاجتماعي الإنساني وللتغيرات التي عرفها هذا الكائن منذ أقدم الأزمنة.

ولعلّ فن المسرحية هو أكثر فنون الأدب قدرة على الإلمام بقضايا الإنسان ومشاكل حياته اليومية لأنه يستطيع أن يغوص في أعماق الحقائق والوقائع المعيشة، ويستنبط لبّها ليظهره أمام العيان، ذلك لأنه الفن الذي يقوده فنان قادر على أن "يريك وسطا اجتماعيا يتفاعل فيه الفرد مع الآخر كما يتفاعلون مع الحياة، وتصل بينهم وشائج وعلاقات تحددها سلوكهم ونفسياتهم وأحداث حياتهم، ويلوّنها الصراع الذي يكون بين الفعل ورد الفعل، أو بين الفرد والجماعة، أو بين إرادة تكافح مجتمعا للوصول إلى غاية، أو إرادة تصارع القوى الغامضة"(4).

من هذا المنطق، اتّخذنا مسرحية الكاتب الجزائري أحمد منور الموسومة "المحطة"(5)نموذجا لهذه الدراسة الأنثروبولوجية، وهي مسرحية هزلية تدور بين بعض الشباب الجزائري العاطل عن العمل، فيبحث عن منافذ أخرى يسترزق منها بطرق غير مشروعة ولو أدى به ذلك إلى الهاوية، غير أنّ كوامن المجتمع الجزائري وأصوله وطرق تفكيره تظهر من حين إلى آخر في ثنايا العرض المسرحي بأبعاد شتى يمكن أن نستنبط البعض منها في هذا العرض السريع.

$11-    البعد الاجتماعي للشخصية الجزائرية:

إنّ حدثنا عن الجانب الاجتماعي للشخصية الجزائرية في مسرحية "المحطة" لكاتبها أحمد منور يقودنا بالضرورة إلى التعريف "بالأنثروبولوجيا الاجتماعية" " Sociology Anthropology "التي هي عادة " دراسة السّلوك الاجتماعي الذي يتخذ في العادة شكل نظم اجتماعية كالعائلة، ونسق القرابة، والتنظيم السياسي، والإجراءات القانونية، والعبادات الدينية، وغيرها ... كما تدرس العلاقة بين هذه النظم سواء في المجتمعات المعاصرة أو المجتمعات التاريخية التي يوجد لدينا عنها معلومات مناسبة من هذا النوع، يمكن معها القيام بمثل هذه الدراسات"(6).

يستغل الكاتب أحمد منور مكانا يعجّ بالسكان ليكون مسرحا لأحداث "المحطة"، إنه قلب العاصمة، وما من عاصمة في العالم إلا وهي قلب البلاد، وفيها تنبض جميع شرايين الدولة وتلتف كل شرائح المجتمع ليؤلفوا كلا متكاملا، ثم يختار من هذا القلب قلبه أي النقطة الحساسة فيه التي تضم الجميع في الصباح ليتفرقوا بعدها كل إلى عمله أو إلى أشغاله، وفي المساء ليعودوا، كل إلى بيته أو مأواه. وهذه النقطة الحساسة هي محطة الحافلة أو "الترولي" كما يدعوه الجزائريون.

إن محطة مسرحية أحمد منور تضارع سوق عكاظ أين كان الجاهليون يلتقون فيتعارفون ويتبارون في قول الشعر وتبادل القريض، وكذا السلع، وينطلقون إلى أماكن أخرى لقضاء حاجاتهم ...إلخ لذا نرى تفطن بعض الشباب المتسكع إلى استغلال المحطة في بيع سلع مغشوشة، فبائع القهوة يبيع الناس قهوة في الظاهر، وهي في حقيقتها حمص وعدس وبائع السجائر يبيعهم مزيجا من التبن والعرعار ...(7)

وتتحول المحطة بالتالي –بعد ذلك- إلى مكان خاص يحتوي على مقهى يشرب فيها الناس قهوتهم على عجل، زيادة على تحول الواجهة الخلفية منه إلى موقف لسيارات الأجرة غير الشرعية (كلوندستان)، وهي بعد هذا وذاك أضحت مكانا تمارس فيه جميع المحظورات من سرقة وتبادل عملة صعبة ..إلخ

من أجل هذا، نرى أن أحمد منور قد أبدع في اختياره لهذا الحيز المكاني الذي يضم أشتاتا من الناس ذات نوازع وسلوكات متباينة مما يدعونا إلى القول بتميز " ظاهرة الحياة عن الوسط الطبيعي الذي انبثقت عنه، ويتميز الكائن الحي عن الكائن الجامد بعدد من الخصائص الجذرية التي يمكن تلخيصها بخصيصة واحدة أدعوها السلوك "(8). فالمكان هو رقعة في البلاد الجزائرية، وهو يضاهي أيّة محطة من محطّات العالم التي يجتمع فيها الناس ليركبوا وسيلة نقل معينة توصلهم إلى أماكن انشغالاتهم، غير أنّ السلوك الإنساني هو الذي يحوّل ذلك المكان عن مظهره الطبيعي الذي صنع له إلى مظاهر أخرى لا تمّت إليه بصلة، وهذا السلوك نفسه هو الذي حوّل أمكنة التجمعات العالمية منذ العصور الغابرة إلى فضاءات تترجم انشغالات الناس المسموح بها والمحظورة على السواء، لأنها لا تلفت الانتباه إليها لكثرة ما تضمنه من بشر ذوي خواص متعددة تختلف من شخص إلى آخر.

بناء على هذه المعطيات نلفي شخصيات مسرحية المحطة مكونة من شرائح اجتماعية متعددة، يربط بينها عامل سعيها وراء رزقها بطرق مختلفة منها الشرعية ومنها غير الشرعية، وهي ذات تسميات خاصة، تدفع بنا إلى الوقوف عندها قليلا.

من بين شخصيات مسرحية المحطة "بوعلام" وهو العنصر الأساسي المحرك لأحداث المسرحية ويشير اسمه إلى حامل الراية، غير أنها ليست العلم الوطني كما عهدناها، ولا هي راية الجهاد التي حملها المسلمون الأوائل في عهد الفتوحات الإسلامية ولا هي راية الحرب التي كان يرفعها المحاربون في المجتمعات النائية في القدم، إنما هي راية الفساد، وعلم الدود الذي ينخر المجتمع الجزائري، لأنه هو المحرك للفساد الذي استورده من إيطاليا، لذا سمي أيضا "المخ" باعتباره المخطط لعصابات الغش والخداع بالمحطة.

نجد أيضا "راس بوزلوف" وهو صديق حميم لبوعلام، شاب محترف السرقة التي يحدد بنفسه أماكنها القبة، بوزريعة، باب الواد ... وقد يقبض عليه فيزور السجن الذي يدعوه بـ "دار خالتي" لتعوده على التردد عليه. ومن المتعارف عليه في البيئة الجزائرية أن "راس بوزلوف" هو رأس الكبش حين يفصل عن جسده بعد ذبحه، ثم يطهى بعد ذلك من أجل أن يصبح غذاء للإنسان، وتشير هذه العبارة –أي رأس بوزلوف- في اللهجة الجزائرية إلى ذلك الذي يتسم بسلوك غليظ أو يتصرف بعناد ووحشية، ولا يعترف بمن معه، بل يصمم دوما على تنفيذ آرائه دون حساب العواقب الوخيمة الناتجة عنها، فهو يخرج سكينا للفاهم الذي يكرر أمامه "راس الزليفة" ويقول له: "شوف ... أعلى هذي انخرّجلك مصارنك، ونضفّرهم سكوبيدو"، أما "الفاهم" فاسمه لا ينطبق على صفاته لأنه يتعامل بطيبة وعفوية وأحيانا كثيرة بغباء، بل هو الذي يوقع بالعصابة بين أيدي الشرطة دون قصد منه، وتسلمه سجيته الطيبة والخيرة إلى التعاون مع الشرطة ضد المجرمين، وهو ابن الدوار أو الريف، يقول عن أصله لبوعلام؛ "أحنا ديما روسنا مرفوعين، حتى لوكان الواحد يبات جيعان"(10).

وهذه الخلة إنما تعود إلى أصول عربية غائرة في قدم التاريخ وعلى وجه الخصوص سكان البدو، فهم الذين عرفوا بالكبرياء والشمم، وهم الحريصون على خلالهم الحميدة وسمعتهم الطيبة بين القبائل حتى وإن كانوا يعانون الأمّرين من شظف الحياة والفقر والعوز، ويشير هذا إلى الأصول الجزائرية ذات العرق العربي. هذه الأصول التي إن بدت ذائبة نوعا ما لدى سكان الحضر الذين غزتهم الحضارة فتلونوا بألوانها المختلفة فإن سكان البدو والأرياف يظهرون عبر التاريخ متشبثين بأصولهم لا يبغون عنها حولا ويقفون شامخين أمام رياح التغييرات التي تريد إبعادهم عنها.

من جهة أخرى، نعثر على شخصية بائع السجائر (عبدو) ويعود اسمه إلى التسميات التي دخلت إلى الجزائر من المشرق العربي وعلى وجه الخصوص من مصر، فعهدنا أن يكون "عبدو" في القصص والمسلسلات المصرية رجلا طيبا، منطويا على ذاته، عاملا بسيطا، إما حارس عمارة أو مقدم خدمات لبيوت فاخرة، لا يتدخل فيما لا يعنيه. و"عبدو" اسم مصغر لعبد وما تبعه على طريقة العرب المحدثين كعبد العزيز وعبد الحكيم وعبد الرؤوف ...إلخ وهو يشير إلى اللين والخضوع لمن حوله فهو خدوم، سهل المعاشرة، وقد وظفه الكاتب أحمد منور هذا التوظيف داخل عمله المسرحي إذ جعل منه بائع سجائر متجول، يكتسب قوت يومه بعناء كبير، لكنه جعل خلف ذلك اللين وتلك البساطة شدة ونباهة غير معهودتين في مثل هذه الشخصية إذ نكتشف أمرها في الأخير بأنها من رجال الشرطة الساهرين على خدمة الوطن، مما يفتح أمامنا المجال لنقول بأن عبدو هنا يبقى خادما ولكن ليس في حيز ضيق لا يتعدى بيوت الناس وعماراتهم، إنما انتقلت خدمته إلى نطاق أوسع هو الوطن وأمن الوطن والشعب الجزائري برمته لحمايته ممن يتجرّؤون على المساس بسلامه وبقيمه الإنسانية والوطنية.

ومن الشخصيات النسوية التي استرعت انتباهنا في مسرحية "المحطة" امرأة تدعى "عويشة" وهي تصغير لاسم عائشة، وهذا الأخير يعود في أصوله إلى عهود قديمة وعلى وجه الخصوص إلى السيدة عائشة رضي الله عنها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالجزائريون ما ينفكون يطلقونه على كل امرأة قوية، مسترجلة تتصرف تصرف الرجال، وتخوض في أمورهم، ولا تهاب أحدا في أفعالها تلك"، فيقولون عنها "عيشة راجل"، وهذا يعني أن الجزائريين لا يعودون في أصولهم العريقة إلى المسلمين الأوائل فحسب، إنما يقولبونها حسب واقعهم الراهن المعيش ويحرصون في لا وعيهم أن تكون المرأة كمثيلتها من النساء المسلمات الأوائل. ومع ذلك فقد قلصها الكاتب أحمد منور إلى اسم عويشة مما يدل على احتقار الرجل الجزائري لهذا النوع من النساء الذي لا يلتزم بحدود أنثوته ذات الاحتشام والوقار، ولا يبتعد عن التشبه بالرجال في السلوك واللباس والعادات ... فهي تجلس في المقهى وتدخن، بل وتطلب من بائع السجائر أن يشعل لها سيجارتها وتسأل الفاهم عن ابن عمه الذي يدعى سليمان إن كان متزوجا أم لا، بل وترد على أخيها راس بوزلوف قائلة له   "دزّأمعاهم"(11)، ويبين الكاتب موقف المجتمع الجزائري من هذا النوع من النساء في كلام الرجل المسن حين يعلق قائلا: "أعوذ بالله ... ياخي جيل ياخي ... حتى لبنات ولاو يشربو الدخان كي لولاد ... هذي من علامات قيام الساعة"(12). ويقول الفاهم عن سؤالها المتكرر عن ابن عمه سليمان موجها كلامه لبائع السجائر عبدو: "اسكت برك ... من اللي شافتو وهي حوالها متغيرة ... وتمشط في شعرها، وتعدل في رويحتها..."(13).

إن موقف الإنسان الجزائري اتجاه المرأة المسترجلة لا تختص به البيئة الجزائرية وحدها إنما هو آت من تلك الرواسب الحضارية التي تعود بجذورها إلى ماضي العروبة والإسلام، فالعرب والمسلمون الأوائل كانوا يمقتون المرّأة المسترجلة أيما مقت، وهي محط سخريتهم في نواديهم وأماكن تجمعاتهم.

ولا يمكننا أن نغفل شخصية الرجل الريفي المدعو "الحاج بلقاسم" فهو من السكان المحافظين على تقاليد بيئاتهم والملتزمين بدينهم وأعرافهم، وهو بسيط، طيب، تشير تسميته – الحاج بلقاسم – إلى الديانة الإسلامية التي يدين بها الجزائريون في تقديسهم لشعيرة الحج أو الركن الديني الخامس الذي تقوم عليه ديانة خاتم النبيين والصديقين محمد صلى الله عليه وسلم، كما أنّ اسم بلقاسم هو أحد أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الميل الديني يتأكد أكثر في الحوار المسرحي، إذ يعيش الحاج بلقاسم في الريف حتى تنتج غلات أرضه فيبيعها ويتجه نحو فرنسا ليبق عند ابنه هناك إلى وقت الحج، فيسافر إلى السعودية، فيحج بيت الله الحرام ثم يغادرها قاصدا الجزائر العاصمة، فيمكث أياما عند ابنته، ثم يعود مجددا إلى الريف إلى العام الذي يليه ... وهكذا يكون شأنه في كل مرة(14).

لقد كان ركاب الحافلة الآخرون مزيجا من الشرائح المتباينة التي يتشكل منها المجتمع الجزائري، فالفتاة الموظفة، تشير إلى خروج المرأة الجزائرية عن التقاليد العربية التي ترى فيها مجرد كائن حي ملازم للبيت ليؤدي وظائفه الفطرية كزوجة وأم، إنما تعدّت هذه الوظائف إلى العمل ومشاركة الرجل في جميع مساعي الحياة وظروفها، فتقف في الصباح الباكر وسط مجموعة من الرجال، وتتسابق للحصول على سيارة أجرة، ولا تعير التفاتا لأي سخرية أو تعليقات صادرة عن الرجال ...

ولا يقتصر الخروج من البيت على الفتاة الشابة فحسب، بل يتعداه إلى الزوجة وإلى العجوز ...، هذه الأخيرة التي تتنافس مع جميع الموجودين بالمحطة حتى تتمكن من استقلال سيارة أجرة لتذهب في شؤونها الخاصة، كما أن البيئة الجزائرية تشتمل على طلاب ينهضون في الصباح الباكر، ويشمّرون على سواعدهم من أجل طلب العلم والعمل بجد وإخلاص، كما لا تخلو من الزوجين ولو كانا مسنين، زيادة على الفقراء فقرا مدقعا، وكذا الأغنياءالذين يرتدون بدلات أنيقة، وهؤلاء كثيرا ما يقعون ضحية للصوص وقطاع الطرق، وفي الحقيقة فإن اللصوص لا يميزون بين الفقير والغني في عملهم، إنما تمتد أيديهم إلى المغفلين مهما كان مظهرهم الاجتماعي حسنا أو سيئا ...

أما عن المستوى المعيشي للجزائريين، فإن البعض منهم يقطنون أبنية حجرية لا بأس بها، غير أن هناك بعض الفئات التي لا بيت يأويها فتبيت ليلها إما في الشارع على (الكرتون) أو في الحمامات التي تمتلئ بالبق والقمل ... وقد تقوم بصنع بيوت قصديرية (برارك) فيمكث فيها برفقة أفراد الأسرة لسنوات طويلة حتي يأتي مشروع تسكيني لسبب من الأسباب(15)، فيتحصلون على سكنات بعد شق الأنفس وقد يصابون بأمراض شتى مزمنة يصعب علاجها نتيجة ظروفهم المزرية التي عانوامنها.

هذه العينة المهمة في مسرحية "المحطة" لكاتبها أحمد منور هي التي تشكل لوحة صغيرة من المنظومة الاجتماعية الجزائرية ذات العروق المتجذرة في الماضي الإنساني السحيق وذات الرواسب الفكرية والثقافية التي تمت بصلة وثيقة إلى صلات مجتمعات وأقوام وحضارات تتعلق بالإنسانية جمعاء عبر مختلف مراحل التاريخ البشري.

بناء على هذا، فإننا نرى المسرحية كفن أدبي "تصور لك أفراد لا فردا واحدا، وهي تعرض عليك مجموعة بشرية، يحاول كل فرد فيها أن يعرض عليك نفسه، لا على أنه فرد مستقل بوجوده، منقطع عن عالمه الخاص ... ولكن على أنه فرد مرتبط في أفعاله وفي سلوكه بجماعة من الناس، فالأفراد في المسرحية ليسوا ذواتا منفردة، وإنما هم ذوات متصلة " (16).

ومجتمع "المحطة" لا يشذ عن هذا المنظور الاجتماعي إنما يؤلف كلا متكاملا ليقدم لنا أنماطا سلوكية تصم الشخصية الجزائرية بوصمتها الخاصة التي تميزها عن شعوب العالم من جهة وتربطها بها بخيوط وثيقة من جهة أخرى وفي ميادين خاصة.

فمن بين الملاحظات الهامة التي لفتت انتباهنا في الحوار المسرحي لمسرحية "المحطة" هي الروح الإسلامية التي يتسم بها الكثير من أفراد الشعب الجزائري، إذ لا يكاد يخلو خطاب منها خاصة فيما يتعلق بالدعاء، نورد البعض منها على سبيل المثال لا الحصر:

بوزلوف: "أيا اسكت علينا صحّ اللي يسمع ليك يحسب الطرولي هو الصراط، اللي يطلع فيه تطلع روحو"(17).

الفاهم: "الله ايبعّد الشرّ يا أختي، واش دنّاني ليه"(18).

الفتاة: "يهيديك ربي، وصلني أنا الأولى ..."(19).

العجوز: "الله يستركم يا ولادي، والله يعوّض عليّ التزدان، والله لا يربح السارق".

الجميع: " آمين ... آمين"(20).

" إن الدين في قاعة السيكولوجي الأعمق، هو اختبار للقدسي من خلال حالة انفعالية سابقة عن أي تصور عقلاني، وهذه التجربة لا تختص بفرد دون آخر، ولا بفئة دون غيرها، بل يتعرض لها الجميع، ولو بدرجات متفاوتة من الشدة والوضوح ويتعاملون معها بدرجات متفاوتة أيضا من القبول والاعتراف "(21).

إن القدسي هنا هو الله، القوة العظمى التي يحس الجميع إزاءها بالضآلة والاحتياج والخوف في الوقت نفسه، وهي المقدس الذي يحجم الإنسان أمامه من القيام بالمنكرات التي لا تمكنه من العودة إلى جادة الصواب خوفا من العقاب الرادع والعذاب الشديد لكونها القوة القاهرة للجميع والمسطرة لقوانين الخليفة، لذا كان المجتمع برمته في أمس الحاجة إليها لسلوك السبل السوية والنجاح في الحياة وقمع الظلم والظلمة في كل مكان.

غير أن درجات الإيمان بالقوة العظمى والخضوع لها متفاوتة لدى جميع الناس، فإذا رأينا جلهم متمسكين بها باستماته، عثرنا على فئة أخرى قد جعلت الدين محط سخريتها عن طريق الدعاء العكسي، إذ يقول الشاب (راس بوزلوف) مخاطبا نفسه: "يا فاتح يا رزاق، يا مكثّر لمرفهين والسرّاق، ما نعرف على واش نصبحوا اليوم؟ على كل حال، الله ايكثر من اللي جيوبهم معمرين وروسهم فارغين ..."(22).

وإذا ما علمنا أن الاله خيّر وأنه لا يرضى لعباده الفساد ولا أن ينتشر الشر على ظهر الأرض، علمنا أن مثل ذلك الدعاء يعتبر خروجا عن نطاق المألوف وأنه صادر عن نفس تتعامل مع الاله تعاملها مع بقية البشر، وهذا النوع من الممارسات كان يسمى في العصرين الأموي والعباسي بالزندقة، وهو السخرية بالدين والتلاعب به، وحينئذ كان الزنديق يلقى حتفه لا محالة لأن المؤسسات الدينية لا تسمح له بالمكوث بين ظهرا نيها أو بالحياة على وجه الأرض بصفة عامة.

غير أنّ العصرنة والعولمة والتفتح على المجتمعات الأخرى في العصر الحديث جعل الحرية الدينية تنتشر بسرعة مذهلة، فلم يعد الملحد يخبئ إلحاده، ولم يعد الزنديق يخفي زندقته فصار الناس يعتنقون مذاهب دينية شتى ويخرجون عن ملتهم كما يحلو لهم شرط ألاّ يمسوا المصالح الدينية العامة بسوء لأنها ملكا للجماعة الساحقة، وهذه الأخيرة هي التي مازالت لها حق الفيتو والكلمة العليا في الشارع الجزائري.

إن الروح الجماعية والذاكرة الشعبية بالإضافة إلى الرواسب الثقافية القادم من هناك تعمل عملها في تحويل الخبرة الدينية عن مجراها الطبيعي، فلا تبقى "حبيسة السيكولوجية الفردية، بل يجري عادة تحويلها لتصب في تيار عقيدة مؤسسة ومصاغة في قوالب، تنشأ عنها طقوس وأساطير، تلعب دور المرشد والمنظم للخبرة الدينية، وتدفع عن الفرد وطأة المجابهة المباشرة مع الإحساس بالقدسي"(23).

ويشذ الدين السماوي عن قاعدته الأولى التي جاء بها ويدخل إليه ما يعرف بالبدع والخرافات وتقوليه الذاكرة الشعبية كيفما يحلو لها فتصب رواسبها تلك في واقعها المعيش في ظواهر تضحى كالمعول الذي يبغى تحطيم عقليه ونفسية الإنسان بصفة عامة.

وقد كان من بين الظواهر الناجمة عن التحريف العقائدي في مسرحية "المحطة"، الإيمان بالعرافة أو الشوافة على حد تعبير الجزائريين وكذا الإيمان بالعين والحسد، والاعتقاد الراسخ بظهور الأرواح والعفاريت والاعتقاد في قدرة الأولياء الصالحين والتقرب منهم بغية تحقيق المآرب.

لقد عرف الناس منذ قديم الأزمنة ظاهرة العرافة، ففي بلد الإغريق وفي عهود ما قبل الميلاد كانوا يذهبون إلى دلفي وبالضبط إلى معبد أبولون(24) لعلّهم يقفون على ما يحمله لهم المستقبل ويؤمنون إيمانا راسخا بأن تلك النبوءة ستتحقق لا محالة، ومع أن الإسلام قضى على هذا المعتقد وأكّد دوما أن الغيب لا يعلمه إلاّ الله سبحانه وتعالى، إلاّ أنّ ما أسماه كارل غوستاف يونغ "بـالأنماط الأولية" أو "النماذج العليا" "Archetypel Paterns " وهي التي تخلق "الصور النمطية" المتعود عليها في الأساطير وفي الأحلام وفي خبرات الناس ... وهي موجودة لدى الإنسان منذ القدم السحيق(25) هي التي تخرج إلى السطح مجددا لتمارس وجودها الفعلي حتى في حياتنا المعاصرة التي غزتها العقول الالكترونية.

يقول بائع السجائر موجها كلامه للفاهم: "اسمع، ما كان لاه تخدم خدمة الشوافة عليّ الزقاق انتاعالبايلك، وأنا خدام على روحي ..."(26) ومع أنّ هذا الحوار جاء عرضا ولم بقصد منه التطرق إلى مسألة العرافة إلاّ أنه يسلط الضوء على هذه الظاهرة التي مازالت متفشية في المجتمع الجزائري قادمة إليه من ماضي الحضارة الإنسانية السحيق.

أما ظاهرة الإيمان بالعين الشريرة أو الحسد المهلك للمحسود، فإنه هذا الاعتقاد يمثل أدوارا عديدة في حياة الأفراد والجماعات على حد سواء، "فعلى المستوى النفسي يساعد هذا الاعتقاد على التخفيف من حدة التوترات الداخلية الناتجة عن الخوف المستمر من الشر، وهو يمكّن من شخصنة الشر personnalisation du mal، الذي هو في الأصل شر داخلي، فيتحول إلى شر آت من الخارج، وعلى المستوى الاجتماعي تبدو العين الشريرة كمنظمة للعلاقات بين الأفراد، ومتحكمة ليس فقط في حياتهم، ولكن في مماتهم أيضا، فالاعتقاد السائد هو أن مجموعة من الأفراد يموتون بفعل العين الشريرة، هذه الأخيرة تستخدم كآلية لتفسير الشرّ، وهي آلية دفاعية نفسية وثقافية"(27)، وحتى اجتماعية لدورها البارز الذي تلعبه في حياة الجماعة.

في مسرحية "المحطة"، يبدو أن الفاهم لم يكن يدعى بهذا الاسم إنّما كان يسمى "لمطيش" لأن إخوته كلهم ماتوا بعد أن مستهم العين الشريرة، لهذا لم يمت وبقي حيا إلى أن غيّر اسمه بعد ذلك إلى الفاهم ويبدو هذا في الحوار الذي دار بينه وبين بوعلام وراس بوزلوف:

الفاهم: "... تعرف بللي أنا ماكانش اسمي الفاهم، كنت اسمي لمطيش وكنت نحشم بيه ونكره جدي، الله يرحمو، على خاطر هو اللي سماني هذا الاسم، والعايلة كامل وافقتو".

بوزلوف: "وعلاش، من قلة الأسماء عندكم؟ ".

الفاهم: "لا، من قلة لفهامة ... قالّك حتّى باش مايضربونيش بالعين على خاطر خاوتي اللي سبقوني للدنيا الكل ماتو".

بوعلام: "الكل ضربتهم العين على ما يظهر؟ ".

الفاهم: "هكذا قالو"(28).

يرى فرويد بأن "العين الشريرة هي أحد أشكال القلق الأكثر غرابة والأكثر انتشارا للخرافة فالإحساس بالقلق المستمر يستلزم البحث عن تفسير فوق طبيعي surnaturelle، ويرجع ذلك إلى أن الواقع ينقسم إلى قسمين، واقع موضوعي مدرك في إطار سببية مادية –آداتية- منظمة ضمن تأطيرات إدراكية ومنطقية وواقع ذاتي ينظم وفق تجارب القصد، القوة، الأحاسيس والمنتظمة في شكل استيهامات"(29).

وبالتالي "فالعين الشريرة كمعتقد لا واقعي تتحول بمقتضى القوة الانفعالية التي ترافقها إلى شيء واقعي يتحكم في العلاقات الإنسانية اليومية(30). ومرد ذلك إلى الإحساس بالقلق والخوف الذي يعتري الإنسان في عالمه الداخلي، فيسقطه على العالم الخارجي ومنها المورثات الثقافية التي يمت إليها يصله الإحساس بالعين الشريرة التي تلحق الأذى بالآخر، وهذا ما عبّرت عنه الباحثة Melanie Klein بقولها: "إن الفرد يسقط أناه الأعلى المخيف على موضوعاته ses objetsويعمق كراهيته لها، والنتيجة أن الخوف الذي تحدثه بداخله يؤدي إلى عدوانية وقلق شديدين تحول موضوعاته إلى أعداء، وتحول العالم الخارجي إلى مكان مرعب"(31)، ومن هنا، نستنتج بأن "القلق الداخلي المشحون بالعدوانية هو أصل الإحساس بالاضطهاد، والمعرض للعين الشريرة يشتكي دائما من تعرضه للأذى من طرف الآخر الذي يضطهده باستمرار"(32).

وإذا ما سّلمنا بهذه المقولة النفسية، فكيف نفسرها مع أحاديث من لا ينطق على الهوى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أقرّ في أحاديث كثيرة بأن العين حق؟(33) إنه باب مجال الخوض فيه واسع جدا لا يحتمله هذا البحث الضيق، غير أنّنا يمكننا القول بأن هذه الظاهرة –العين- سواء كانت نفسية فرويدية أو خاصية إنسانية تسكن الذات بالفطرة ... فإنها تقبع في أعماق الضمير الجمعي الجزائري قادمة إليه من الأزمنة السحيقة، أزمنة الاحضارة الإسلامية بل والحياة العربية الغائرة في القدم مما يثبت الجذور التي ينتمي إليها الإنسان الجزائري والروافد التي يستقي منها أفكاره ورؤاه الحياتية.

ويبرز رافد آخر من هذه الروافد ليظهر في حياة الجزائريين في العصر الحديث. إنه ظاهرة تقديس الأولياء الصالحين، ونراها جليّة في مسرحية "المحطة" حين تقف العجوز منتظرة الحافلة، ثم تزاحم الجميع للحصول على سيارة الأجرة إذ تقول للسائق: "اتوصلني يا وليدي لسيدي عبد الرحمان الله يرضى عليك".

صاحب التاكسي: "اشكون يرضى عليّ يا يمّا؟ الله واللا سيدي عبد الرحمان؟".

العجوز: "للزوج، ياوليدي، للزوج ..."(34).

إن العجوز كانت متجهة إلى سيدي عبد الرحمان، وهو أحد الأولياء الصالحين الكائنين بالجزائر العاصمة، تحمل معها ما يسمى بالوعدة، ومع هذا فإن محفظتها تسرق ويسرق معها "التزدان" الذي كانت متجهة به إلى سيدي عبد الرحمان(35) وهو اسم الولي المشهور في العاصمة يقصد قبره الكثير من الناس بغية تحقيق مطالبهم وآمالهم في الحياة، وذلك اعتقادا في بركة هذا الصالح الميت، ومعنى ذلك، أن هذه الزيارة دافعها براغماتي محض، يعود إلى اعتقاد الناس في القدرة الخارقة لذلك الولي الصالح وهي قدرة لازمته بعد موته وحلّت معه في قبره(36)، فأضحى قادرا على تقديم يد المساعدة إليهم وإعانتهم على الخروج من محنهم.

وإذا كانت ظاهرة تقديس الأولياء الصالحين منتشرة في العالم العربي والإسلامي بشكل مذهل، فإنها في حقيقة الأمر تعود إلى عصور التاريخ الغابرة حيث كان الإنسان يقدّس أخاه الإنسان، ويتخذه إلها له يتعبده وبتقرب إليه بالقرابين، وإذا ما مات ذلك الإنسان ظهر مجددا في شكل منحوتات تعبد في معابد خاصة وأبرز مثال على هذا أنّ اليوهيمريين أو الاتجاه اليوهيمري"l’évhémérisme" (37) في قراءة الأسطورة يرجع الآلهة القديمة إلى أصل بشري وهو يشير إلى أن زيوس نفسه ملك آلهة الإغريق لم يكن سوى مجرد رجل من مواليد جزيرة كريت فرحل إلى الشرق أين آلهه الناس ثم عاد إلى بلاده حيث أصبح إلها إلى ما بعد موته(38).

انطلاقا من هذه المعطيات فقد اعتبر الإسلام أن القدرة المطلقة في هذا العالم هي لله وحده وأن لا شراكة له فيها مع أي كائن بشري، وعلى هذا الأساس، تعد ظاهرة تقديس الأولياء الصالحين شركا بالله لأن التقرب يكون خالصا لقوة واحدة مطلقة في هذا الوجود هي قوة الله سبحانه وتعالى، وأن الولي الصالح هو مجرد شخص ميّت يخضع هو الآخر لسلطة القوة المطلقة وهي حقيقة دينية من جهة، ومفتاح لغلق باب العودة إلى عبادة الأشخاص والمجسّمات مجددا من جهة ثانية.

ومع ذلك كله، يبدو أن العولمة والانفتاح الحضاري على المجتمعات الأخرى قد قضى نوعا على مثل هذه الظواهر، ويتجلى ذلك في ضحك الشباب من العجوز الخائفة على التزدان الذي سرق منها، زيادة على سخرية أحد الموجودين منها في المحطة حين قالت: "عندي وعدة لسيدي عبد الرحمن ... ورد بالك يا وليدي لا يغضب عليك ... بقي علينا الستر". وقد رد عليها هو قائلا لها: "ما تخوفنيش أنت درك بسيدي عبد الرحمان ... أنا ما سرقتلوش الشمع ولجاوي من عند راسو ... وزيد على هذا، سيدي عبد الرحمن ما رايحش يرحل من مقامو وين ما تروحي تلقايهيستنى فيك".

العجوز: آه يا خوتي، ما بقىلاحيا لا خوف من ربي ... شفاعتك يا سيدي عبد الرحمن"(39).

وإذا كانت هذه الظاهرة السلبية التي استند عليها الاستعمار من أجل تضليل الشعب الجزائري والإبقاء عليه في سبات عميق قد بدأت في الاندثار شيئا فشيئا، فإن هذا الانفتاح الحضاري قد حمل معه ظواهر سلبية تفشّت بسرعة البرق في المجتمع الجزائري، كان منها آفة السرقة التي هددت أمن المواطن بشكل مخيف، وهي الآفة التي قامت عليها المسرحية إذ لم يعد السارق ذلك المعوز الذي يرتدي ملابس رثة تثير الشفقة، إنما قد لا تدري بأنك واقف للحظة ما وسط مجموعة من اللصوص وأنت تخالهم مجرد مواطنين أمثالك ذاهبين إلى أشغالهم اليومية، وهذا ما حدث بالضبط في مسرحية "المحطة" إذ يقول واحد من هؤلاء السراق ويدعى راس بوزلوف موجها كلامه للفاهم: "راك غالط يا الفاهم إذا حسبت اللي كيفي قليل في البلاد بالعكس موجودين بلا حساب"(40)، وهو يسميها عملا ووظيفة كبقية الوظائف التي يقتات منها الإنسان في حياته.

في حقيقة الأمر، إن ظاهرة السرقة تواجدت منذ أقدم العصور حين كان الإنسان يسطو على ممتلكات غيره من الناس ويسلب منهم حتى قوت يومهم، حينها كان الناس يحيون في همجية لا يحكمهم وازع ديني سماوي متين ولا يردعهم العامل الإنساني الذي يربط بينهم وقد قضت الأديان على هذه الآفة التي كانت تنخر المجتمعات لتعود في عصر وصل الإنسان فيه إلى قمة الحضارة فحمل معه بوادر انحطاطه مجددا بفعل هذه العولمة وهذا الانفتاح على الشعوب الأخرى لتنتقل إلى الشعب الجزائري ليس أسباب الرقي العالمي وحدها وإنما عوامل انحطاطه وتدهوره إلى الدرك الأسفل، وتمنحه من خصائص شخصية لم تكن تمت إليه بصلة في يوم من الأيام، ذلك أن الجزائري سريع التأثر بما يأتي من الغرب على وجه الخصوص، فبوعلام رأس العصابة قد أخذ السرقة المنظمة وبأساليب معصرنة من إيطاليا وهو يقول لراس بوزلوف: "خدمتنا أنا وأنت كاينة في كل بلاد ... بصّح ماهيش فوضى كيما عندنا... الأمور منظمة يا صاحبي".

بوزلوف: "كيفاش، اتحب اتقوللي، خدامين ومعاليم".

بوعلام: "وسانديكا ...

بوزلوف:  وحتى السانديكا؟

بوعلام: والملاضي، والكونجي .. وكل شيء ..

بوزلوف: "يعني كنت تخدم مع المافيا"(41)

لقد عرف الرومان منذ أقدم الحضارات باللصوصية، إذ كثيرا ما كانوا يسطون على أراضي الأقوام الأخرى ويسلبونها منهم، وشعارهم في ذلك "البقاء للأقوى"، وكانوا فعلا أقوياء بأسلحتهم وعتادهم الحربي وجرأتهم على غيرهم من السكان الأصليين من البلدان والمقاطعات التي كانوا يغزونها، وفي العصر الحديث، غدت هذه اللصوصية تنخر كيان المجتمع الإيطالي نفسه داخليا بفعل ما حمله من آفات اجتماعية أخرى كتعاطي المخدرات والخمر والتجارة بالأعراض ...إلخ مما دفع بالناس إلى البحث عن الكسب السريع فلم يكن أمامهم من سبيل سهل سوى طريق اللصوصية وحتى هذا الخير إن لم يكن منظما فلن يدر من الربح الكبير شيئا، لهذا لجأت جماعات كثيرة منهم إلى تنظيمه وتوسيعه ليشمل أحيانا دولا أخرى كما كان الشأن مع بوعلام الذي جلب اللصوصية المنظمة معه من بلاد الطليان إلى الجزائر في شكل عملات صعبة مزيفة تستبدل في البنك الجزائري بعملات سليمة، زيادة على صنع المقهى غير المصرّح به تباع فيه قهوة مغشوشة، وفي الواجهة الخلفية تقف فيه سيارات الكلوندستان واللصوص يذهبون ويجيئون في المحطة يدعون الطرقات ويستغلون الفرص السانحة للسطو على ممتلكات الركاب ورواد المقهى والمواطنين بصورة عامة.

$12-    البعد الثقافي للشخصية الجزائرية:

إن ثقافة شعب ماهي عنوان شخصيته لأنها تجسد على أرض الواقع من خلال سلوكات أفراده، وهذا يعني أن "الثقافة ظاهرة ملازمة للإنسان باعتباره يملك اللغة، واللغة وعاء الفكر والفكر ينتج عن تفاعل العمليات العقلية والنفسية التي يتمتع بها الإنسان دون غيره من الكائنات(42).

وعلى هذا الأساس، فإن انتقالنا إلى ثقافة الإنسان بصورة عامة والجزائري على وجه الخصوص يقودنا إلى ما يعرف بالأنثروبولوجيا الثقافية " Cultural Anthropology "التي تعرف بأنها "العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع له ثقافة معينة... وتهدف إلى فهم الظاهرة الثقافية وتحديد عناصرها، كما تهدف إلى دراسة عمليات التغيير الثقافي والتمازج الثقافي، وتحديد الخصائص المتشابهة بين الثقافات، وتفسير بالتالي المراحل التطويرية لثقافة معينة في مجتمع معين"(43).

من هذا المنطق، تقدم لنا مسرحية "المحطة" مجموعة من العناصر الثقافية التي تتسم بها الشخصية الجزائرية، تبرز بالدرجة الأولى في مزج الكاتب في لغته بين العامية والفصحى بل وتغليب العامية في الخطاب المسرحي قاصدا بذلك تحقيق الواقعية بتصوير الشعب الجزائري كما هو، ولكن "لا ينبغي بحال من الأحوال أن نتساءل عن الأصلح في لغة المسرحية، ونفاضل بين الفصحى والعامية تعللا بأن العامية قد تكون أقدر على تصوير بعض الحالات النفسية، أو على التعبير عن الدلالات الاجتماعية، أو ما يسمونه: واقعية الأداء"(44)، لأن ذلك يعتبر خلطا بين نوعين من الأدب متباينين من حيث الجوهر والجمهور هما الأدب الفصيح والأدب الشعبي(45)، لكننا إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية أخرى ألفينا أن اللغة العامية قد أماطت اللثام عن جزء من الشخصية الجزائرية المتذبذبة فلا هي عربية فصيحة تمت بصلتها إلى العرب الأقحاح الذين يتغلب عليهم التعبير اللغوي العربي السليم، ولا هي من الأقوام الجاهلين تمام لهذه اللغة إنما قاموسها عربي مع استخدام جزائري خاص فلنلاحظ إذا بعضا مما جاء في مسرحية المحطة من ألفاظ وتعبيرات قبل أن نحكم عليه: دبّرتها، الغاشي، بزاف، ماعندهمش الدراهم، هاو عندك اسم على الكيف أنت طوّلتها علينا، وعلاش، ... إلخ

وإذا كانت هذه عربية بسياق جزائري محض، فإن هناك كلمات أخرى مفرنسة أو مباشرة مكتوبة باللغة الفرنسية تشير إلى الرافد الثقافي الثاني الذي غزا نفسية الجزائري لقرون طويلة وترك بصماته عليها كان منها: الفيستا، جاكيت، جينز، أنتيك، ماطش، السيرفو، بلاست العود، رفاي، الأوتيل، سانديكا، الملاضي، الكونجي، ...إلخ"(47)

أما تلك المكتوبة بالفرنسية فكان منها: certificat médical، les intellectuels، Beau-gosse، complexe touristique، l’Autoroute، fini، touriste ...إلخ"(48)

إن هذه اللغات المتباينة التي تصدر عن الجزائري في معاملاته اليومية إنّما هي ناجمة عن موروثات حضارية شتى تابعة لشعوب مرّت بها الجزائر إبّان مسيرتها التاريخية الطويلة منها العربية ومنها الإسلامية ومنها الاستعمار الفرنسي الذي دام طويلا وترك بصماته عليها لم تمحها سنوات الاستقلال، بل ازدادت عمقا مع الانفتاح الحضاري وتحوّل العالم إلى وطن واحد، إذ تتبادل مع أخيك الإنسان الحديث والصور والأخبار ...إلخ وأنت قابع مكانك في بيتك أو في معملك أو في أي مكان آخر بعيدا عنه بآلاف الكيلومترات.

وعلى هذا الأساس، لم يعد المزيج اللغوي، وحده هو المميز للشخصية الجزائرية بل تعد ذلك إلى اللباس والهيئة التي تغيرت هي الأخرى عبر الأزمنة، فمن سروال اللوبية والجبة العربية ...إلى السروال والقميص ...الذي ينم عن الحضارة الغربية والموضة بالدرجة الأولى، يقول أحمد منور مقدما لنا شخصية بوعلام وقد عاد من إيطاليا "يظهر الشخص القادم، وهو شاب طويل، أنيق يلبس بدلة بيضاء وقميص أسود، وربطة عنق مناسبة، ويحط في جيب الفيستا الأعلى منديل، ويحمل في يده جريدة"(49).

زيادة على هذا، فإن للتلفزيون أيضا دوره في الاحتكاك الحضاري ونقل ثقافات شعوب إلى شعوب أخرى سواء أكانت هذه الثقافات تتماشى والمكونات الشخصية والنفسية لتلك الشعوب أم تتنافى معها، وذلك لما له من "الإمكانيات التي تجعله يلبي رسالته على وجه أكمل، وذلك بتشجيع ودعم مشاركة الجمهور في رسم معالم القضايا الحساسة..."(50)، هذا فيما يتعلق بالبرامج الإعلامية، غير أن البرامج الفنية تخضع لذوق سليم ولثقافة عالية حتى يتم اختيار الصالح منها وركن الطالح جانبا، وهو الأمر الذي تفتقر إليه التلفزة الجزائرية إذ تعرض على المشاهد جميع ما يمت بصلة إلى الثقافات العالمية دون تمييز الحسن من السيء منها، ودون مراعاة ما يؤثر منها على نفسية الإنسان الجزائري إيجابا أو سلبا، ويبدو أثر التلفزيون واضحا في سلوكات أبطال مسرحية "المحطة" في الحوار الدائر بين بوعلام وراس بوزلوف.

"بوزلوف: آه ياخويا بوعلام، لوكان عندي كبوسة واحدة.

بوعلام: واش رايح تدير بها؟ تقتل كاش حد وتباسي؟

بوزلوف: لا، نزدم على بانكا مرة وحدة ونزيّح روحي

بوعلام: يظهر فيك راك تتفرّج بزافLes films gangsters

بوزلوف: مانتفرج إلا عليهم

بوعلام: أمالا انساهم ...هكذا كنت أنا قبل ما نروح لبلاد الطليان، انعيش بزاف في الأحلام والخيالات، وأفلام الهنودا"(51).

وإذا كان بوزلوف لم يقتن سلاحا ولم يسرق أموالا من بنك، فالكثير من الذين تتوافر لهم هذه الإمكانيات يدخلون حيز التطبيق مقلدين أساليب الشر التي تعرض عليهم في شاشات التلفزيون، فأفلام الهند الرومانسية خلقت من الإنسان الجزائري شخصية سلبية حالمة راكنة إلى الكسل والخمول، تنتظر معجزات خيالية تخرجها من وضعتها المزرية، وأفلام الشر Les films gangstersخلقت منه شخصا يسعى إلى تحقيق طموحاته بوسائل وتقنيات إجرامية عالية ومقننة عرفتها الدول الغربية، لذلك ينبغي على أولي الأمر ألاّ يستهينوا بهذه الوسائل الإعلامية والتثقيفية وأن يحسنوا اختيار كل ما يقدم للجزائري حتى يتمكنوا أن يجعلوا منه شخصية سوية، مندفعة إلى الأمام بطرق سليمة ومشروعة لتكون في مصاف الدول المتقدمة، ذلك أن "التلفزيون هو الإسمنت الاجتماعي، الذي نراهن عليه في هذه المسألة لشد الرباط بين الأطياف الاجتماعية من مختلف مللها..."(52).

$13-    البعد التاريخي للشخصية الجزائرية:

هناك علاقة وطيدة بين البعدين الاجتماعي والثقافي من جهة، والبعد التاريخي من جهة ثانية. ذلك أن "نشأة الحضارة الإنسانية كلها ترجع إلى مصدر (مجتمع) واحد، ومنه انتشرت إلى أماكن أخرى في العالم"(53)، وهذا حسب وجهه الاتجاه التاريخي التجزيئيأو الانتشاري، وتقوم علاقته بالأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية في أن "تطبيق الاتجاه الانتشاري في مجال الأنثروبولوجيا الثقافية يتعلق بجمع العناصر الثقافية، بما في ذلك العناصر التكنولوجية والفكرية بينما تقتصر في مجال الأنثروبولوجيا الاجتماعية على العلاقات والنظم الاجتماعية السائدة في المجتمع، والتي تشمل بعض العناصر الثقافية ولا تشملها كلها"(54).

زيادة على ذلك، فقد دخل الاتجاه التاريخي النفسي إلى الأنثروبولوجية الاجتماعية والثقافية، وذلك حتى "رأت روث بيندكيت ورفاقها أن دراسة التاريخ بوقائعه وأحداثه لا تكفي لتفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية"(55)، وذلك لأن هذه الظواهر الأخيرة معقدة تتعلق بسيكولوجية الأفراد إزاء واقعهم المعيش وإزاء الظواهر الثقافية القادمة إليهم من مختلف بيئات العالم الأخرى.

على هذا الأساس، تقدم لنا مسرحية "المحطة" لأحمد منور بعضا من الإشارات التاريخية التي نستشف منها خلفيات بعض أنماط السلوك المتعلق بالإنسان الجزائري كتلك الخاصة بتواجد الأتراك في حقب معينة من التاريخ قبل دخول الفرنسيين إلى الجزائر ويبدو هذا في الحوار الدائر بين الفاهم وبائع السجائر:

الفاهم: "راك فاهمني، ماتعملش روحك بوهالي عليّ، أشكون سمح لك باش تبيع الدخان أهنا؟"

بائع السجائر: "أعلاش؟ ممنوع؟".

الفاهم: "مهلوم ممنوع، إلا إذا سمح لك الرايس؟"

بائع السجار: "اشكون؟ رايس البلدية؟"

الفاهم: "...أمليحة هذي ..رايس البلدية.. لالا، رايس حميدو ..."(56).

إذا كان الرايس حميدو بحارا تركيا يحارب القراصنة في البحر الأبيض المتوسط إبان الوصاية العثمانية على الجزائر، فإن بوزلوف والفاهم وبوعلام كانوا يحاربون غيرهم ممن يزاحمونهم على اكتساب قوتهم بطرق غير مشروعة في محطة الحافلة، فيظهر بوزلوف سلوكا عدائيا حيال كل من يجرب حظه في العمل هناك، بل ويظهر نفسه على أنه المسؤول الأول هناك قائلا: "معايا أنا ماكاشخدمة ...وزيد على هذا، الحومة هذي ماهيش محتاجة خدامين.. والمعلم اهنا هو أنا"(57).

إن هذه الغلظة وهذه السيطرة التي يتسم بها الإنسان الجزائري هي نمط سلوكي قد يكون مكتسبا من الأتراك الذين ساسوا الجزائر بالشكل نفسه في حقب تاريخية ماضية ومن غيرهم من الأمم ممن حطوا رحالهم بالجزائر في يوم ما، مثل الفرنسيين الذين ورد ذكرهم عن طريق الريفي الذي سأل الفاهم عن مكان الحصان أو "بلاست العود"، ليتبين بعد ذلك أن المكان أصبح يدعى ساحة الشهداء وأن الفارس الراكب الحصان فيها ويحمل سكينا ما هو إلا الماريشالالفرنسي الذي دخل الجزائر سنة 1830، كما تبين أن الريفي كان قد سمع بأن البعض يعتقد بأنه السيد علي، وقد سخر منه الفاهم قائلا له: "وصدّقها عقلك؟ كيفاش السيد علي بالبرنيطة؟ وواش جاب السيد علي لتزائر؟".

الريفي: "يظهر عندك الحق"(58).

يشير هذا الحوار المسرحي إلى احتكاك الجزائريين بالأقوام الأخرى من عرب وفرنسيين وغيرهم حتى أصبح من الصعب على العامة منهم التمييز بين ما هو عربي وما هو غربي حتى فيما يتعلق بالشخصيات التاريخية المعروفة كالسيد علي كرم الله وجهه والماريشال الفرنسي ديبورمون الداخل إلى الجزائر سنة 1830، ومع ذلك تتغير الأماكن بتغير أحداثها فبلاست العود أضحت تدعى ساحة الشهداء، لكنها لا تتغير في أذهان الكثير من العوام مع أخذهم من هذه الشخصيات العبرة في الخشونة والبطش وحمل السكين وتهديد الناس به في جميع المواقف التي تثيرهم(59)، كما تشير المسرحية إلى اقتداء الإنسان الجزائري بالسلاطين من مختلف بيئات العالم، والذين يحبون النعيم دون العمل، لذا ترى الشباب الجزائري يستغل وقته بالبحث عن ميادين الترفيه عن النفس والعيش في بحبوحة دون تحريك ساكن في العمل والكد والجهد بطرق مشروعة. يقول الفاهم لبوزلزف وقد ظن أنه في الحافلة قابض نقود: "بّرتها، كاش

كيفك، قاعد في هذاك القفص انتاع الزجاج كي السلطان، حد ما يقرب ليك، الغاشي بزاف واللا قليل، مايهمكش"(60).

إن هذا الحوار يشير إلى المعنى الذي تتداوله نفسية الجزائري والذي يتعلق بالسلطنة وهو مستمد من الواقع العربي المعيش قديما ويتمثل في أن السلطان يستمتع بما يحلو له وكما يحلو له، بينما العامة من الناس يتعذبون من دون أن يولى لهم أدنى اهتمام.

إن التاريخ يضم الماضي والحاضر معا، فاللحظة الراهنة أيضا بعد دقائق تصبح تاريخا ماضيا والساحة الحياتية الجزائرية تحمل في كل يوم جديد، وهذا الجديد يؤثر سلبا أو إيجابا في عقليات الناس ونفوسهم، فيسلكون أنماطا معينة من السلوك الإنساني قد يتماشى أو يتنافى والأخلاقيات الإنسانية، وتدعى الأخبار المتداولة يوميا بين الناس "براديو طروطوار" الذي يقول عنه الفاهم: "هذا البوسط يجيب لك لخبار، ويزيدلك فوقها راس الحانوت وشوية كمون وحبة حلاوة"(61).

ومعنى هذا أن الذاكرة الشعبية أصبحت تعمل عملها سريعا في تحريف الوقائع والنحو بها نحو ما يتماشى ومصالحها الخاصة أو ما تراه ضروريا لها في الآن الراهن، ويشير هذا إلى تغير معطيات الحضارة الإنسانية بصورة عامة وهي التي تعمل معولها في شعوب العالم من خلال العصرنة الناجمة عن العولمة، فهذا الإنسان الجزائري عصبيا، لا يدري أيتمسك بقيم آبائه وأجداده من العرب والمسلمين أم يساير هذا الركب الحضاري الذي يسير بخطوات مهولة مذهلة نحو الخراب العالمي وانقلاب الموازين وزحف الإنسان بصورة عملاقة نحو الهمجية مجددا لأن: "الكائنات المعقدة التركيب تبدو موجهة أكثر فأكثر "بالوعي" الذي يحكم علاقاتها بوسطها الطبيعي، حيث تتحول الحساسية الحيوية كلما صعدنا في سلم الارتقاء إلى شعور واع موجه للسلوك الفردي وللسلوك الجمعي للأنواع الحية"(62)، غير أن الإنسان المعاصر غدا يسير وفق حساسيته الحيوية المفرطة التي تتعلق بالكائن البسيط التركيب، وهذا يقربه أكثر إلى الحيوانية ويخرجه عن النمط الإنساني الاجتماعي المنظم.

فالإنسان الجزائري هو جزء من المنظومة الإنسانية العالمية، وهذه الخيرة هي في زحفها المستمر نحو النهاية الحتمية والدمار الشامل للعودة مجددا إلى الهمجية التي ترجع إلى العصور الأولى للحضارة الإنسانية البدائية لولا تواجد الفئة القليلة التي مازالت مصرّة على حفظ النظام والأمن والسلام على وجه الأرض، وهذا ما أنارت بعض جوانبه مسرحية "المحطة" لكاتبها الجزائري أحمد منور.

الهـوامـش:

$11-   د/عيسى الشماسي، "مدخل إلى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)"، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2004م، ص 9، أو:

Nicholson « Anthropology and Education », Columbus Ohio (1968), p.1.

$12-   المرجع نفسه، ص 9 أو:أو هلال أحمد، "مقدمة في الأنثروبولوجيا التربوية"، المطابع التعاونية، عمان 1974م، ص 9.

$13-   انظر المرجع نفسه، ص 10.

$14-   د/ محمد زكي العشماوي، "دراسات في النقد المسرحي والأدب المقارن"، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت 1983، ص 35.

$15-   مسرحية "المحطة"، هي للدكتور أحمد منور أستاذ التعليم العالي بجامعة الجزائر متقاعد عن العمل في الوقت الحالي وقد طبعت بدار أسامة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر 2006.

$16-   د/عيسى الشماسي، "مدخل إلى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)"، ص 109 أو: بريتشارد إدوارد، "الأنثروبولوجيا الاجتماعية"، تر: أحمد أبوزيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الإسكندرية، ط5، 1975، ص 13.

$17-   انظر: أحمد منور، "المحطة"، دار أسامة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر 2006،          ص 51، 52.

$18-   فراس السواح، " الأسطورة والمعنى (دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية)"، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، ط2، 2001، ص 19.

$19-   أحمد منور، " المحطة "، ص 24.

$110-       المصدر نفسه، ص 26.

$111-       المصدر نفسه، ص 65.

$112-       المصدر نفسه، ص 64.

$113-       المصدر نفسه، ص 63.

$114-       لمزيد من التفاصيل انظر أحمد منور مسرحية " المحطة "، ص 48.

$115-       انظر المصدر نفسه، ص 16، 17.

$116-       محمد زكي العشماوي، " دراسات في النقد المسرحي والأدب المقارن "، ص 37.

$117-       أحمد منور، مسرحية " المحطة "، ص 13.

$118-       المصدر نفسه، ص 16.

$119-       المصدر نفسه، ص 30.

$120-       المصدر نفسه، ص 33.

$121-       فراس السواح، "الأسطورة والمعنى، (دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية)"، ص24.

$122-       أحمد منو، "المحطة"، ص 05.

$123-       فراس السواح، "الأسطورة والمعنى، (دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية)"، ص24.

$124-       لمزيد من التفاصيل انظر: أحمد كمال زكي "الأساطير" (دراسة حضارية مقارنة)، دار العودة، بيروت، ط2، 1979، ص 45.

$125-       انظر ك.كراثقين، "الأسطورة"، ترجمة جعفر صادق الخليلي، منشورات عويدات، بيروت/باريس، ط1، 1981، ص 37، 38.

$126-       أحمد منور، "المحطة"، ص 36.

$127-       سميرة شمعاوي، "العين الشريرة في الثقافة العربية الإسلامية" (مقاربة إثنو– تحليل نفسية)، مطبعة الرباط نات، المغرب 2011، ص 7، 8.

$128-       أحمد منور، "المحطة"، ص 15.

$129-       سميرة شمعاوي، "العين الشريرة في الثقافة العربية الإسلامية" (مقاربة إثنو– تحليل نفسية)، مطبعة الرباط نات، المغرب 2011، ص 66، 67.

$130-       المرجع نفسه، ص 69.

$131-       MelanieKhein, « la psychanalyse des enfants », P.U.F 1982, p.157.

$132-       سميرة شمعاوي، "العين الشريرة في الثقافة العربية الإسلامية" (مقاربة إثنو– تحليل نفسية)، ص79، 80.

$133-       انظر الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري، "مختصر صحيح مسلم"، تخريج أحمد إبراهيم زهوة، دار الكتاب العربي، بيروت 2006، ص 316- 319.

$134-       أحمد منور، "المحطة"، ص 30.

$135-       انظر المصدر نفسه، ص 30- 32.

$136-       انظر محمد زوريو، "ظاهرة تقديس الأولياء وأثرها على الحياة الاجتماعية (تهوان نموذجا)"، مطبعة أنفو، فاس 2013، ص 285.

$137-       النظرية اليوهيميرية تعود إلى يوهيميروس الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، وقد كتب كتبا عنونه: "التاريخ المقدس"، وقد ضاع هذا الكتاب وما وصل إلينا هو ما كتبه يوسيبوس عن داسودوروس عن يوهيميروس.

$138-       انظر: ك.كراثقين، "الأسطورة"، ترجمة جعفر صادق الخليلي، ص 14.

$139-       أحمد منور، "المحطة"، ص31.

$140-       المصدر نفسه، ص 14.

$141-       المصدر نفسه، ص 22.

$142-       علي الشماس، "مدخل إلى علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)"، ص 71.

$143-       المرجع نفسه، ص 91.

$144-       محمد غنيمي هلال، "في النقد المسرحي"، دار العودة، بيروت 1975، ص 78.

$145-       انظر المرجع نفسه، ص 78.

$146-       انظر: أحمد منور، "المحطة"، (المسرحية بكاملها تعج بهذه الكلمات).

$147-       انظر المصدر نفسه، (المسرحية بكاملها).

$148-       انظر المصدر نفسه، (المسرحية بكاملها).

$149-       أحمد منور، "المحطة"، ص 5.

$150-       بومحراث بلخير، "التلفزيون وصناعة الرأي العام (الجزائر أنموذجا)"، مجلة " آفاق علمية"، صادرة عن المركز الجامعي الحاج أق أخموك، تمنراست – الجزائر ع5، جانفي 2011، ص 163.

$151-       أحمد منور، "المحطة"، ص 21.

$152-       بومحراث بلخير، "التلفزيون وصناعة الرأي العام (الجزائر أنموذجا)"، مجلة " آفاق علمية"، ص 162.

$153-       علي الشماس، "مدخل إلى علم الإنسان (الأنثروبولوجا)" ص 45.

$154-       المرجع نفسه، ص 46.

$155-       المرجع نفسه، ص 53، أو أبوزيد أحمد، "البناء الاجتماعي مدخل لدراسة المجتمع"، (ج1 – المفهومات)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1980، ص 227.

$156-       أحمد منور، "المحطة"، ص 35.

$157-       المصدر نفسه، ص 26.

$158-       المصدر نفسه، ص 11.

$159-       انظر المصدر نفسه، ص 24.

$160-       المصدر نفسه، ص 13.

$161-       المصدر نفسه، ص 45.

$162-       فراس السواح، "الأسطورة والمعنى، (دراسات في الميثولوجيا والديانات المشرقية)"، ص19.