pdfالاستراتيجية و إدارة الموارد البشرية

ترجمة   زهيه  موساوي

 

 

      عرفت إدارة الموارد البشرية تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة وتطور منذ بداية الثمانينات تيار مهم في الأدبيات يدعو إلى إعطاء دور اكثر إستراتيجي لهذه الأخيرة  (.devanna  tichy fombrun. 1981.  Miller 1987. و Armstrong 1991  ).

 

        لكن الإرادة لإعادة اختبار العلاقة بين إدارة الموارد البشرية واستراتيجية المنظمات أنعشت ونشطت خاصة بظهور نظرية الموارد الداخلية في حقل الاستراتيجية والمروجة من طرف   برالد وهامل1990. في إطار هذه   النظرية يلعب المستخدمون و طريقة إدارتهم دورا رئيسيا في نجاح المنظمات ; ويشكلون  مصدرا جوهريا لإستراتيجية ذات خصوصية و متميزة عن منافسيها. 

و كقاعدة عامة  تم اختبار العلاقات بين  الاستراتيجية و إدارة الموارد البشرية من زاويتين.

 

تيار البحث الأول يضم مفكرين حاولوا معرفة متى و كيف يجب على إدارة الموارد البشرية أن تتدخل في العملية الاستراتيجية  1983 دييرdyer  . 1992 شولرschuler  . تريس و آل.1997truss et al .

      يشتمل التيار المذكور سابقا على مقاربتين ..مقاربة ارتجا عيه ومقاربة سابقة التأثير. تقوم الأولى على عدم مشاركة مسئولي  إدارة الموارد البشرية في إعداد استراتيجية المنظمة و إنما يكتفون بتشكيل و وضع سياسات الموارد البشرية اللازمة لتشغيل الاستراتيجية العامة.

 

        بالنسبة للمقاربة الثانية ترى بان إسهام إدارة الموارد البشرية في العملية الاستراتيجية يجب أن يبدأ منذ أول مرحله لتشكيل الاستراتيجية العامة للمنظمة. و حسب الأدبيات الممثلة لهذا التيار العلاقات بين الاستراتيجية و إدارة الموارد البشرية تتطور من مفهوم أر تجاعي إلي مفهوم سابق التأثير (1999. aragon-sànchez    ;sanz-valle. sabater -sànchez  .).

 

       في حين يركز تيار البحث الثاني على دراسة التناسبات أو الجمع بين أنماط الاستراتيجيات وأنماط سياسات الموارد البشرية.والأمر يتعلق هنا بمعرفة الطرق و الإجراءات ضمن إدارة الموارد البشرية المطلوبة و المناسبة لنمط معين من الاستراتيجية. الفرضية القاعدة هي أن المواقف والسلوكيات المطلوبة من طرف الأفراد تختلف باختلاف نمط الاستراتيجية المتبناة من طرف المنظمة . وبالتالي تتغير سياسات المواردالبشرية التي من المفروض أن تؤدي إلى هذه المواقف و السلوكيات الخاصة بنمط استراتيجي معين  حسب هذا التيار تتوقف العلاقة بين الاستراتيجية و إدارة الموارد البشرية على الاستراتيجية خاصة .

          و في هذا المجال طور الباحثون نماذج للتنسيق بين تطبيقات الموارد البشرية و نظرية المنظمات(1987 شولر و جاكسونschuler et Jackson .1987 بسيار دي هورتbesseyre des horts ) امتحن العديد من الكتاب مختلف هذه النماذج تجريبيا,و ركز البعض جهوده على العلاقة بين تطبيق خاص لإدارة الموارد البشرية و مختلف أنماط الاستراتيجيات.( 1990 بالكين و جوميز- ميجياbalkin et gomez -mejia ) في حين قام آخرون بفحص العلاقات بين نمط معين من الاستراتيجية و مجموعة من التطبيقات لإدارة الموارد البشرية(1989  جاكسون و شولر و ريفرو     jackson ;schuler et rivero  )   . وأخيرا مجموعة ثالثة من الباحثين (1999   سانس-فال sanz-valle سابتر-سانشز sabater-sànchezو اراجون سانشزAragon-sànchez ) درست العلاقات بين مختلف أنماط الاستراتيجيات و مختلف تطبيقات إدارة الموارد البشرية المستعملة لتشغيل الاستراتيجيات المناسبة.

 

     وبصفة عامة استخلصت معظم الأعمال التجريبية وجود تلائم و تجمع مستقر نوعا ما بين استراتيجية المنظمات و سياساتها لإدارة الموارد البشرية. وعلى الرغم من ذلك يؤكد بعض الباحثين على ضرورة توخى الحذر فيما يخص النتائج التجريبية من هذا النوع حيث تعلقت اعتراضاتهم بالمفاهيم و المنهجية في آن واحد.

 

  و بعد جعل اصطلاح الاستراتيجية عمليا و تحديد مفاهيمه والمنفذ عادة من طرف باحثي إدارة الموارد البشرية .يحذر كل من(  شادويك و كابلي 1999chadwick et cappelli )  الاستعمال الشائع للنماذج الاستراتيجية كنموذج (1980 بورترporter) ,حيث يعتبران أن تطبيقا من هذا النوع يتطلب من باحثي إدارة الموارد البشرية الدارسين للعلاقة بينها و بين الاستراتيجية الاعتماد على مفاهيم اكثر حداثة لهذه الأخيرة . كما ظهرت الكثير من      الأعمال في مجال الاستراتيجية تؤكد على أهمية العمليات الاستراتيجية(1988 لورنو و تاروندوlorino et tarondeau     ) على حساب المضامين و النماذج المشتقة من هذه الأخيرة .

 

      في الواقع و بما أن كل من إدارة الموارد البشرية و الاستراتيجية عرفتا  خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة.فكل امتحان لعلاقتهما يجب أن يتبنى بالضرورة مقاربة تطورية.

 

1-  تحولات الاستراتيجية :    الوجه البشري المسترجع

 

    عرف كل من كاسترو و جران و لوريول castro et Guérin et loriol) و(1998لورينو و تاروندو lorino et tarondeau) من خلال مقالين حديثين الدلائل المفيدة حول مصطلح الاستراتيجية و تطوره التاريخي ويذكر هؤلاء الكتاب بأن التشكيلات الأولى لاستراتيجية المؤسسة كنموذج فكري و عملي كانت خلال سنوات الستينيات مجسدة من خلال نموذج هارفرد الذائع الصيت.

 

        لقد اصبح من تعارف عليه إرجاع تطور الفكر الاستراتيجي ابتداء من سنوات الستينيات من خلال التحليل عبر العقود( انظر الجدول 1)، عرفت سنوات الستينيات التشكيلات الأولى لمنهجية الاستراتيجية و التي انبثقت أساسا من محاضرات السياسة العامة والتي كانت تلقى في مدرسة هارفرد لإدارة الأعمال من طرف الأساتذة (  ليرن و كريستنسن و اندروز و جاث   learned christensen,andrews et   guth L C A G)

 

        وتمثل مضمون  السياسة العامة في التنسيق و توحيد مختلف وظائف المؤسسة نحو هدف محدد.و في تصحيح نقط الضعف والتركيز على نقاط القوة لدى المؤسسة بالمقارنة مع منافسيها.

يقوم نموذج (   LCAG) على تقسيمين جليين :

يتمثل الأول في الداخلي و الخارجي الذي يقود إلى تشخيص داخلي و تشخيص خارجي منفصل, أما الثاني فيتمثل في تشكيل و تشغيل الاستراتيجية.

و على الرغم من الانتقادات التي مست هذا النموذج خاصة بالنسبة للتقسيم و التشكيل و التشغيل يبقى رائجا و واسع الاستعمال على الأقل في خطو طه العريضة.

 

      كما  تميزت سنوات السبعينيات  بتسجيل المستشارين لحضورهم  حيث يعتبر(بروس اندرسنbruce henderson ) مؤسس  مجموعة بوسطن الاستشارية  (BCG ) الأول من اقترح تشكيلا دقيقا و اكثر تطورا للاستراتيجية.  من خلال اعتبار ضرورة استناد هذه الأخيرة إلى قوانين اقتصادية طبق المفهوم "منحنى التجربة" المأخوذ عن فكرة الإنتاج بالمقارنة إلى مجموع تكاليف أنشطة المنظمات.

 

       وكانت النتيجة الخروج بخلا صات حول التأثير للحصة (النسبية)للسوق. حيث ربط الاحتياجات المالية للمؤسسة  بنمو نشاطاتها  و بالتالي الفصل بين المردودية و تدفقات رؤوس الأموال (انظر مصفوفة BCG )  ).

 

        وأمام النجاح الذي لقيته مصفوفته  طور منافسوه الرئيسين مصفو فاتهم الخاصة بتحليل محافظ  الأنشطة باستعمال طرق اقل بساطة  و في نفس الوقت اقل عملية و دقة  ، و بصفة عامة تميزت هذه الفترة بتسابق مهم نحو هذه الأدوات  شانها شان التخطيط الاستراتيجي إذن هي فترة اكثر نشاطا وتألقا بالنسبة للاستراتيجية.

 

)أنظر الجدول رقم 1(

 

    و شهدت سنوات الثمانينيات الحضور المتزامن للجامعيين و المستشارين . فمن جانب هي العودة لأساتذة هارفرد (سنتحدث عن المدرسة الجديدة لهارفرد) .  مايكل بور تر أستاذ شاب من هذه المدرسة خريج الاقتصاد الصناعي  1980 اخذ على عاتقه مهمة إثراء شبكة التحليل المقترحة من طرف نموذج( LCAG),و نموذجه للتحليل الهيكلي للقطاعات ينظم اكثر مرحلة التشخيص الخارجي و يسمح بتقييم مدى جذب قطاع نشاطي .و في سنة 1985 أتم  porter تحليله من خلال إدماج ثلاث استراتيجيات قاعدة (السيطرة بالتكاليف.التمييز و التكثيف) والتي يفترض فيها أن تمنح للمؤسسة خصوصية تنافسية دائمة  مثلما هو الشان بالنسبة ل"سلسلة القيم" التي يمكن الاستناد إليها لاختيار استراتيجية قاعدة . إذن لقد ربط بور تر بين تشكيل و تشغيل الاستراتيجية (1980.1985).

 

        لكن هذه الفترة سجلت كذلك حضور المستشارين  المتمثلين في مجموعة بوسطن الاستشارية حيث كان رد فعلها على الانتقادات التي تعرضت لها مصفوفتها السابقة الذكر بسبب عدم إمكانية ترويجها وتعميمها من خلال اقتراحها لنموذج أنظمة أو بيئات تنافسية (B.C.G.2 )تفصل مضامين استعمال مصفوفتها الأولى , إذن الإسهامات في هذه الفترة تعلقت بالمفاهيم والأدوات في الوقت نفسه.

 

    و بالنسبة للتسعينيات هو الأمر ذاته حضور متزامن للجامعيين و المستشارين.تميزت بفترة قطيعة و إعادة طرح التساؤلات، و ماتبين هو أن المبادئ التقليدية لم تعد بالوصفة الناجعة,فكل من منحنى التجربة والاستراتيجيات القاعدة والأنظمة التنافسية لم تعد كافية لشرح فشل أو نجاح المنظمات . حيث توصل كل من الجامعيين و المستشارين إلى أن نفس العمليات الاستراتيجية لا تعطي بالضرورة نفس النتائج ,و بالتالي ظهرت نماذج جديدة  و اصبح التركيز اكثر على الكفاءات و الموارد الداخلية الأخرى , مثلا نموذج "القصد الاستراتيجي " و القائم على تحليل نجاح المؤسسات اليابانية لتركيز اهتمامها على الموارد الداخلية كقاعدة لتنمية المنظمة كما أشار إلى ذلك كل من براها لد و هامل سنة       prahalad et  hamel1990، وضح كل من كاستريو وجيرن و لوريول castro ,guèrin et lauriol سنة 1998 كذلك كل من( لورينو و تاروندو) lorino et tarondeau  في نفس السنة تحليلا مفصلا للتحولات الطارئة خلال هذه الفترة في مجال استراتيجية المنظمة .

 

          إذن اصبح الرهان الاستراتيجي الأساسي متمثلا في الاكتساب و التحكم في الموارد والكفاءات التي تسمح للمنظمة بالتميز عن منافسيها وتوسيع أنشطتها و بامتلاك المرونة الكافية للتكيف مع المتطلبات المتغيرة للبيئة. لكن ما يلاحظ أن المفاهيم (موارد و كفاءات و قدرات) ليست واضحة المعنى حسب( لوريول وكاسترو و جيرن 1998)castro ,lauriol et Guérin . تكلم كل من هامل وبراهالد عن "قلب الكفاءات"أو "أقطاب الكفاءات" للإشارة إلى تدريب مشترك في المنظمة  .و بصفة خاصة عن طريقة تنسيق المعاينات المتعلقة  بالإنتاج و إدماج مختلف التكنولوجيات .

ويتحدث  B.C.G1991 من جانبه عن أرضية استراتيجية للإشارة إلى مجموعة متناسقة من الكفاءات المتعلقة بالمهنة و القدرات التنظيمية  و التي يؤمن  التنسيق بينها تنافسية المنظمة.

 

و تتضمن القدرات-غير الواضحة  المفهوم- عدة اوجه كالقدرة على التنبؤ أو توقع تطورات البيئة، ويعرف ونلفلت 1984  الموارد على أنها كل ما يمكن أن يسهم في تكوين نقاط ضعف وقوة المنظمة و بالنسبة لهذا الكاتب موارد المنظمة تتكون من مجموعة الأصول الملموسة أو غير الملموسة التي ترتبط بصفة دائمة بأنشطتها و تتضمن هذه الأصول بالإضافة إلى  الدراية الفنية للأفراد و الإجراءات  التنظيمية الفعالة و التجربة التنظيمية الخ، راس المال و المنتجات و التكنولوجيات و الشبكات التجارية و المنشات و العلامة  التجارية. و في هذا المضمون الجديد أن الاستراتيجية تعني أساسا اكتساب و تنمية الموارد كجزء ضمني صعبة النقل المرئية و المصاغة و المعقدة و المرتبطة ببعضها البعض .

 

و يوضح كل من لورينو و تارندو ص12 ,1998 مفهوم الكفاءة على أنها "الاستعداد أو القابلية للتوفيق بين الموارد لتشغيل نشاط أو عمليات محددة"، يسجل هذان الكاتبان ضمن المؤيدين ل  بوترف 1994 و الذي يعتبر أن الكفاءة لا تتوقف عند الموارد القابلة للنقل (معارف وقدرات) و إنما في كيفية نقل هذه الموارد .

إن المرور من النماذج التقليدية ( (LCAG ليل محفظة الأنشطة التحليل الهيكلي للقطاعات الاستراتيجية القاعدة) إلى نماذج جديدة "للقصد الاستراتيجي" القائمة على الموارد الداخلية والكفاءات للمنظمة يجعل الاستراتيجية في نفس الوقت اكثر تطلبا و ارتباطا بإدارة الموارد البشرية و اكثر وعيا بأهمية هذه الأخيرة في حياة و مستقبل المنظمة .

 

        كما يسجل كاسترو جيرن و بريول ص80 . 1998 "من خلال التركيز على العمل المشترك وشروط تحقيقه اكثر من تشكيل الاستراتيجية  بذاتها  و من خلال التعاضد و التنسيق و الاكتساب المستمر و تشكيل الكفاءات و أخيرا الثقة هي  مصادر لخصوصية تنافسية جديدة للمنظمات . فالإدارة الاستراتيجية تقيد إدارة الموارد البشرية حتى تكون في خدمة هذا المشروع . و الأفراد في الأخير هم مركز  هذه الميزات الواجب تنميتها في المنظمة و من قبلها . بمعنى آخر يفرض عليها الجمع بين تبني هذا المفهوم النظري و شرح وخلق الشروط اللازمة لتشغيل ناجح لعوامل جديدة للأداء ."

       الرهان واضح حيث أن أول ما يخطر على الذهن من تساؤلات .ما هي مكانة إدارة الموارد البشرية . هل هي في وضع يسمح لها برفع تحد  كهذا .

 

2- تحولات إدارة الموارد البشرية   :  بعد استراتيجي معزز

        يمكن أن نسجل أنه منذ  20سنة ظهر تحولان عميقان في السلوك المعالج لإدارة الجنسين في المنظمات.فكلا التحولين صاحبهما تغيير في تسمية المجال فالأول يترجم من خلال الانتقال من "إدارة الأفراد" إلى "إدارة الموارد البشرية" أما الثاني فيتميز بالانتقال من "إدارة الموارد البشرية" إلى"الإدارة الاستراتيجية للموارد البشرية"، و يتمثل التحول الأول في الأخذ بعين الاعتبار للعنصرين الذكري و الأنثوي كمورد هام في المنظمة شانها شان رأ س المال المالي أو الأصول المادية- و بالتالي ضرورة إدارتها بطريقة نظامية بمعنى التنسيق شكلا و مضمونا بين مختلف التطبيقات و السياسات التقليدية لإدارة الأفراد.

 

       إن ضرورة هذا التنسيق تستند إلى الملاحظة و التي يمكن أن نعرف من خلالها إذا كانت التطبيقات و السياسات التقليدية لإدارة الأفراد تؤثر على السلوك البشري، و بالتالي يصبح التنسيق بينها حتميا حيث توجه مختلف التأثيرات إلى هدف واحد .

 

       أما التحول الثاني أكثر حداثة فقد أسهم في الحركة العامة المعرفة من طرف لورينو تارندو  1998 في السلوكيات الوظيفية و الذي دفع هذه الأخيرة إلى انتحال الوصفية من "الاستراتيجي" .هذا ما أدى إلى ظهور التسويق الاستراتيجي و الرقابة الاستراتيجية و فحص حساب استراتيجي و الإدارة الاستراتيجية للموارد البشرية الخ

 

       في الواقع و بغض النظر عن مختلف الالتباسات المثارة حركة كهذه ترجمت وعي هذه الوظائف لدورها في العملية الاستراتيجية، ونستطيع أن نلاحظ أن هذه الحركة العامة كانت النتيجة المباشرة لبروز و نجاح المفهوم"إدارة استراتيجية" في حياة المنظمات(هوفر و شندل 1978) في كل الحالات و خلف هذه الحركة العامة و التي تبدو كظاهرة موضة . يبدو لنا من المهم تحليل الحالة الخاصة لإدارة الموارد البشرية و المرور إلى "إدارة استراتيجية للموارد البشرية"، فالتحول من إدارة الموارد البشرية إلى إدارة استراتيجية لها هو تأكيد وتعميق للتحول الأول (المرور من إدارة الأفراد إلى إدارة الموارد البشرية). أما التحول الثاني فهو القائم على الإقرار انه بالإضافة إلى ضرورة التنسيق بين مختلف تطبيقات و سياسات الأفراد  كان من الواجب تنسيق إدارة الموارد البشرية مع الاحتياجات و الأهداف الرئيسية للمنظمة .بمعنى آخر مع استراتيجيتها العامة في المنظمة .

 

       الفكرة القاعدة لإدارة الموارد البشرية هي أن المنظمة يمكن أن تكون اكثر فعالية إذا أدارت مواردها البشرية بسياسات و تطبيقات قادرة على تزويد المنظمات بالحجم المناسب للأفراد مع السلوكيات المناسبة و الكفاءات المطلوبة و المستوى الجيد للتحفيز(GALAMBAUD 1991) لكن ما هو جيد و مناسب و مطلوب يتوقف على الاحتياجات و الأهداف الرئيسية للمنظمة و التي تصدر من المضمون الداخلي و الخارجي للمنظمة.

 

كما حذا منظرو إدارة الموارد البشرية حذو مطبقيها في الإشارة إلى أن التنسيق النظامي لتطبيقات وسياسات الموارد البشرية القائمة على احتياجات المنظمة  تسمح بتحسين إشباع الأفراد و الزبائن و الإنتاجية و نوعية العلاقات مع البيئة الخارجية(المجتمع ,الشركاء الاستراتيجيين و السلطات التنظيميةالخ) و القدرات على استمرارية المنظمة، و هو الحضور الأقوى لإدارة الموارد البشرية في تصور اكثر إجمالية و على المدى الأطول لاستراتيجية المنظمة و الذي يفسر التسمية "إدارة استراتيجية للموارد البشرية".

      وخلال التحليل يظهر أن تحول إدارة الأفراد إلى إدارة الموارد البشرية  يخضع أساسا إلى منطقيات داخلية  أما الانتقال من إدارة الموارد البشرية إلى إدارة استراتيجية لها فيجد أسبابه خارج المجال السلوكي للموارد البشرية هو البروز للمفهوم  والتطبيق "إدارة استراتيجية "في مجال الاستراتيجية   والذي استغل كوسيط لهذا التحول الثاني، و مؤخرا  البروز في نفس مجال الاستراتيجية لنموذج القصد الاستراتيجي القائم على الموارد الداخلية فهل دفعت هذه الحركة نحو إدارة استراتيجية للموارد البشرية .

 

في الواقع إذا أصبحت الموارد الداخلية(مالية و مادية و بشرية ) و الكفاءات تحتل مكانة رئيسية في النظريات والتطبيقات الاستراتيجية   كما هو الحال في إدارة الموارد البشرية فان هذه الأخيرة ستجد نفسها في قلب الاستراتيجية. و إن الوجود في مكان استراتيجي لا يعني بالضرورة حتمية أو إرادة لعب دور استراتيجي وإنما كونه اكثر قابلية و استعدادا لذلك إن تطلب الأمر . و لقد استغل منظري و مطبقي إدارة الموارد البشرية الفرصة لإعطاء سلوكياتهم بعدا أكثر استراتيجي ( 1996).

     تفضل إدارة الموارد البشرية القيام بدورها الاستراتيجي من خلال استثمار مكتسباتها و تجربتها في ميدان  إدارة الكفاءات .

يعرف كل من (Lauriol,Guerin,Castro 1998,P 80) ثلاث مميز ات رئيسية للكفاءة فهي  إسهام فردي للموظف غير مستقل عن حالة العمل ,عبارة عن مفهوم معقد, هي فردية ومشتركة في آن واحد.                                                                                    

      عرفت الكفاءة نشأتها خلال امتداد الإدارة التنبئية للعمالة  هدفها الأولي كان الإسهام في تخفيض القوة العاملة الزائدة و الناتجة عن تطورات محيط  المنظمات، وبالتالي و منذ سنوات اصبح المصطلح يسمح بتحديد الموظفين الذين يمتلكون الكفاءات الجوهرية و الضرورية للمؤسسة و ذلك من اجل إدماجهم في شبكات أو أقطاب الكفاءات و بصفة عامة درس مختصو إدارة الموارد البشرية العديد من التساؤلات المتعلقة بإدارة الكفاءات كتقييمها(1991 مايكل

 

 و ليدرو), والتفصيل المنطقي للعمالة و منطق الكفاءة(رايبولد و برييو  1993), و الإقرار و إثبات صحة الكفاءات و مكافئتها (لبوترف   1994وتوماس   1991 و دوناديو و دنيمال  1994 ومارباخ  1995  ) وتنمية الكفاءات من خلال أنماط تكوين مكيفة (فيتات  1995).

 

و بطبيعة الحال إدارة الموارد البشرية التي أصبحت إدارة استراتيجية للموارد البشرية تمتلك الوسائل لرفع التحدي الجديد الذي تمثله المتطلبات الجديدة لإدارة استراتيجية تقوم اكثر على الموارد الداخلية و الكفاءات ,مثلا طورت طرق مختبرة لتحليل الكفاءات الفردية التي لها قابلية للنقل بصفة فعالة لإدارة الكفاءات التنظيمية, و قصد تحقيق هذه المهام الجديدة على الإدارة الاستراتيجية للموارد البشرية أن تتكافل عن طريق الشراكة , و خلال إرساء المفاهيم و كذلك إرساء سياسات الموارد البشرية يجب أن يأخذ مطبقو إدارة الموارد البشرية رأي المد راء و المستخدمين و النقابات و الزبائن  و السلطات التنظيمية الخ بعين الاعتبار. و الذي يمثل بطبيعة الحال تحد كبير و إعادة نظر عميقة في تطبيقات العمل المهيأة بصفة جيدة، لكن على مطبقي إدارة الموارد البشرية في أيامنا أن يعرفوا اكثر منظماتهم  واستراتيجياتها و منتجاتها و أسواقها و تكنولوجياتها و  ممونيها و محيطها و منافسيها الخ  , إن هذه الحاجة للمعرفة العامة عن منظماتهم . هي حاليا أهم إضافة إلى انه عليهم إدارة عمليات التغيير التنظيمي.

 

الخلاصة :

 

       على غرار الوظائف الكلاسيكية الأخرى الموجودة في المنظمات (كالمالية و الإنتاج و الرقابة على الإدارة أو التسويق)، كانت إدارة الموارد البشرية و لزمن طويل معتبرة أساسا كأداة لخدمة الاستراتيجية (برابت  1993), لكن

و منذ سنوات قليلة هذا الرابط الأحادي الاتجاه للتبعية أصبح محل نقاش, فهو يناسب اكثر ما أصبحت و ما كان يجب أن تكون عليه التطبيقات التنظيمية الجيدة . رابط من نوع آخر اكثر توازنا و هو المطلوب:  على إدارة الموارد البشرية أن تكون اكثر حضورا و بصفة أعلى في العملية الاستراتيجية منذ البدء في مرحلة إعداد الاستراتيجية .هذا التموضع الجديد و الذي لقي دفاعا خاصة من طرف مطبقي و منظري إدارة الموارد البشرية .

 

أصبح من المناسب أن نتساءل عن مكانة الخبير بالاستراتيجية للإجابة عن هذا السؤال قد اختار هذا المقال    إعادة اختبار العلاقة بين الاستراتيجية و إدارة الموارد البشرية على ضوء التحولات العميقة التي  عرفتاها خلال العقود الأخيرة .

وأظهرت عدة تعاليم  عقب التحليل التعاقبي (التطوري) للعلاقة بين الاستراتيجية و إدارة الموارد البشرية. و قبل كل شيء يظهر أن العلاقات التأثيرية كانت أساسا موحدة الاتجاه فإذا أثرت التحولات التي مست مجال الاستراتيجية كبروز الإدارة الاستراتيجية أو المرور إلى نموذج "القصد الاستراتيجي"  القائم على الموارد الداخلية و الكفاءات الداخلية بصفة مباشرة على تحولات أخرى في مجال إدارة الموارد البشرية كظهور الإدارة الاستراتيجية لها أما العكس فغير ممكن.

 

إن المرور من إدارة الموارد البشرية إلى الإدارة الاستراتيجية لها لم يصاحبه إعادة توازن ملحوظ لعلاقة التبعية  بين الاستراتيجية و إدارة الموارد البشرية , حتى و لو أن المرور إلى إدارة استراتيجية لها يتطلب من المختصين في مجالها أن يتعمقوا اكثر في معرفة منظماتهم و مضمونها الداخلي (منتجات ,  زبائن,  تكنولوجيا  )  و محيطها الخارجي (منافسون ومنظمون و فرص التنمية و التهديدات.) وهذا لا يعني بالضرورة أن لهم دور اكبر في إعداد الاستراتيجية .

 

في الواقع إشكالية إعادة التوازن للعلاقة بين الاستراتيجية و إدارة الموارد البشرية ليست في محلها, فهي مرتبطة بعمليات أو نمط القرارات المشغل و المستعمل  من طرف المؤسسة , فإسهام مختصي إدارة الموارد البشرية في إعداد الاستراتيجية شانها شان مسئولي مختلف الوظائف الأخرى (  التدقيق و   الرقابة على الإدارة و المالية و التسويق و الإنتاج)  تتوقف أساسا على نمط القرار في المنظمة.  فليس هناك أي سبب يدعو إلى وجود نفس التطبيقات مروجة و متداولة .

 

الجدول رقم 1:

تطور الفكر الإستراتيجي

التسعينيات

الثمانينيات

السبعينيات

الستينيات

العقود

جامعيين

مستشارين

جامعيين(PORTER)

مستشارين(BCG)

مستشارين

- BCG (مجموعة بوسطن

الإستشارية)

- ماكينزي

- ADL

جامعيين

- هارفرد/LCAG

المؤلفين

مفاهيم + أدوات

مفاهيم + أدوات

أدوات

مفاهيم

إسهامات

- نماذج جديدة

التعقد

منافسة مرتفعة

موارد

كفاءات

قدرات

أرضية استراتيجية

تحليل هيكلي للقطاعات

- استراتيجيات

- سلسلة القيم

- نماذج لأنظمة تنافسية (BCG2)

مصفوفات تحليل محافظ الأنشطة

تشخيص داخلي

تشخيص خارجي

تشكيل / تشغيل

الأمثلة

 

 

المراجع

 

¨                     A N D C P. «pourquoi et comment la fonction ressource humaine peut être un acteur stratégique de la transformation des entreprises ? » Personnel, n 374. P 15-18.1996

¨                     M. Armstrong «  a. hand book of personnel management practice. » kogan page. London 991.

¨                     D.B. balkin l.r.gomez –mejia, «matching compensation and organizational stratégies ». strategic management journal, n11. P.159-169, 1990

¨                     Boston consulting group (B.C.G.), «la plate –forme –stratégique », paris document interne, 1991

¨                     J.brabet (dir)  «repenser la gestion des ressources humaines », economica, paris, 1993

¨                     C.- H . Besseyre des Horts, «typologies des pratiques de gestion des ressources humaines », revue française de gestion, n 65,p 149-155 ; 1987.

¨                     C.-H. Besseyre des Horts, «lavenir passe par l"innovation », personnel, n 374, p 77-83, 1996.

¨                     J.-l  castro, F. guérin, j.lauriol, «le modèle des 3C en question » revue française de gestion. mars  -avril-mai,    p  75-89, 1998

¨C. chadwick ,p.cappelli « alternatives to generic strategy typologies management in strategic human resource, », in p,m   .Wright ;

¨L.d.dyer; j.w boudreau, g.t.milkovich,  "strategic human resources management in the twenty-first century"", research in personnel and human resources management series. Supplément n4, p.1-29, 1999.

¨M. A . Devanna, c.j.fombrun, n.m.tichy. “  Human resources managementa strategic perspective »  organizational dynamics, n9.p.51-67, 1981.

¨G.donnadieu.P.denimal,  «classification qualification : De l’évaluation des emplois a la gestion des compétences  », éditions liaisons. Paris .1994.   

¨l.dyer , «bringing human resources into the strategy formulation  process », human resources management , n22, p 257-271.1983.

  ¨                  B.Galambaud,  «des hommes à gérer » ESf.paris.2ed.1991.

¨        A.guittet,  «développer les compétences par une ingenierie de la formation, e s F, coll.  «formation permanente en sciences humaines », paris, 1995.

¨G.hamel.c.k.prahalad « strategy as stretch and leverage »,Harvard business review,vol71, n2,p.75-84,1993.

¨C.hofer, d.schendel, « strategy formulation: analytical concepts », west publishing, St-Paul, m n, 1978.

¨S.E.jackson, r.s.schuler, j.c.rivero, « organisational characteristics as predictors of personnel practicies », personnel psychology, n42, p717-786, 1989.

¨K.kamoche "stategic human resource management within a resource capability of the firm", journal of management studies vol.33, n2, p.213-233, 1996.

¨G. Le boterf, «de la compétence.essai sur un attracteur étrange » édition d’organisation, paris, 1994.

¨PH.lorino,. J-C. Tarondeau «de la stratégie au processus stratégique. »  revue française de gestion, n117, p.5-17, janvier-février 1988

¨O. Lundy, A. Cowling, «   strategic  human  resource management » ,routledge,london,1996.

¨V. Marbach, «rémunération par la compétence, expériences américaines », personnel, n357, p.40-44, 1995.

¨K.martell, S. J. Carroll, « how strategic is h r m? », human resource management, vol.32, n2, p.253-267, 1995.

¨S. Michelm.ledru«capital compétence dans l’entreprise : une approche cognitive » E S F, Paris, 1991.

¨P.Miller, «strategic industrial relations and human resource management : Distinction, definition and récognition », journal of management studies, vol.24, n4, p.347-361, 1987.

¨M.E. Porter, «  competitive strategy » , free press,  new-York, 1980 : Choix stratégiques et concurrence (trad.française), economica, Paris, 1982.

¨M.E. Porter, « competitive advantage » , free press, new york, 1985 : l’avantage concurrentiel, (trad.française). interéditions, Paris, 1986.

¨C.k.P rahalad, G. Hamel.« The core competencies of the corporation », Harvard business review, Mai - juin, p.79-91, 1990.

¨M.-f. reinbold, j.-m. breillot, «gérer la compétence dans l’entreprise », l’harmattan, coll.«dynamiques d'entreprises », paris, 1993.

¨R. Sanz-valle, R. Sabater-sànchez , A.Aragon -sànchez,  «human resource management and business - strategy links : an imperical study »,the international journal of human resource management, vol.10, n4,p.655-671,1999.

¨R. S.Schuler,  «strategic human resources management : linking the people with the strategic needs of the business », organizational dynamics, vol.6, n4,p.18-31,1992.

¨R. S.schuler , S.Jackson , «linking competitive strategies with human resource management practices »,the academy of management executive, vol.1, n3,p.207-219,1987.

¨J. Thomas, «qualification  professionnelle : évaluation et  évolution ».Eyrolles, coll. Ressources  humaines  management  Paris, 1991.

¨C. Truss. L. Gratton,V. Hope- Hailey,P. McGovern, P. Stiles  «Soft and Hard  Models of Human Resource Management : A Reappraisal » journal of management studies, vol.34, n1, p.53-73, 1997.

¨B.Wernerfelt , «A Resource-Based View of the firm »,strategic management journal, vol5. N2, P.171-180, 1984.

 

العنوان الأصلي للمقال                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  et gestion des ressources humaines"  stratégie"

  Ababacar M bengue؛  Danielle  Petit

revue française de gestion 
 مجلـة

 

 132  العدد 

  2001  يناير-فبراير