pdfالاتصال وإدارة النزاعات

 

عبد الحق بن جديد - جامعة عنابة

ملخص : يحاول هذا المقال التعرض إلى أهمية الاتصال  في إدارة النزاعات ، فبفضل ما أحدثه  وسائل الاتصال الجماهيرية في المجتمع الدولي من إثارة لدورها الرائد في توفير المعلومات و المعارف و قدرتها على تحريك الجماهير وربطها بما يجري من أحداث أدركت الوحدات السياسية أن تحقيق مصالحها يمر عبر التحكم في تكنولوجيا الاتصال   . وباعتبار أن مصالح الدول تتعارض فهذا يؤدي حتما إلى ظهور نزاعات  بينها يكون التفوق فيها لمن يملك وسائل اتصال متطورة ويحسن استعمالها لتحقيق مآربه.

 

تمهيد : إن من أبرز التطورات في العلاقات الدولية المعاصرة الاعتراف بالاتصال كعمل منتظم و دائم من أعمال الحكومات  في أوقات السلم و الحرب على السواء ،ذلك أن العملية الإتصالية يمكن أن تسهم بشكل كبير في حل الصراعات وتسويتها ، كما تمثل العملية الإتصالية قلب أسلوب الردع . ويمكن أن تقع الحرب بسبب قيام طرف بإرسال إشارة أو رمز إتصالي فسره غيره على أنه مقدمة إعلان حرب ، فكانت تلك الإشارة العامل الذي قدح زناد الحرب .(1)

 

لقد أثرت النزاعات الدولية على وسائل الاتصال من حيث الوظائف و المضمون والحجم، نظرا لأنها سلاح بيد صانع القرار. فأصبحت وسائل الاتصال جزءا من قوة ضاغطة في تشكيل العلاقات الدولية و مظهرا يعبر عن هذه العلاقات سواء كانت في حالة انفراج أو توتر. فكل دولة في عملية إدارتها للنزاع مع غيرها تستخدم عناصر مرئية ملموسة كالقوة الاقتصادية و البشرية والعسكرية، وأخرى غير ملموسة أو معنوية يلعب الاتصال في تدعيمها دورا مهما وفاعلا.

 

1- طبيعة العلاقة بين الاتصال و السياسة بشكل عام

 

إن الاتصال و أشكاله أدوات سياسية ، بمعنى أن للسياسة علاقة لا تنفصم بالاتصال و أشكاله مع أن هناك جدلا حول هذه العلاقة . فالبعض يقولون أن الاتصال أداة حيوية لمراقبة السلطة بصفة دائمة ، بل أن الاتصال قوة موازية و مساوية للسياسة لأن مهمة وسائل الاتصال هي أن تعمل كمرآة تعطي صورة صادقة لما تفعله الحكومات ، بينما يرى آخرون أن الاتصال يجب أن يكون أداة في خدمة الدولة حتى يتمكن من المساهمة في إيجاد نظم اجتماعية سياسية جديدة متينة ومستقرة .(2)

 

من المعروف أن وظائف النظام السياسي تتحدد على أساس تصنيف ثنائي هما المدخلات و المخرجات، فالمدخلات تتكون من المطالب الموجهة إلى النظام وما يحظى به من تأييد ، و المخرجات هي عبارة عن قرارات وسياسات يستخدمها النظام لتلبية تلك المطالب ،و يكون دور الاتصال هو الربط بين المدخلات و المخرجات .(3)

 

إن ضبط النظام السياسي يتركز على الاتصالات حيث أن قدرة الدولة على التحكم في مجريات الأمور تتناسب مع قدرتها على معالجة المعلومات.و قد عبر" وايـنـز " عن العلاقة بين السيبرنتيك ( cybernetics ) بالسياسة و الاتصال عندما قال : إننا إذا أدركنا السياسة كنظام ،فإن الاتصال هو العصب الذي يتحكم في هذا النظام . كما أن قدرة النظام على ممارسة السيطرة و التحكم ترتبط بقدرته على التعامل مع المعلومات ، و أن الاتصال و التحكم معنيان مترادفان ، ففي كل وقت نقوم فيه بالاتصال فنحن نقوم كذلك بالتحكم.(4)

 

لا يمكن الحديث عن عملية سياسية دون الإشارة إلى عنصر الاتصال الذي يمثل محور التفاعل السياسي في الظواهر السياسية المختلفة ،إذ لا يمكن تصور عملية الحكم دون أن تكون العملية الاتصالية حاضرة فيها .كذلك تعتمد عملية القرار – الرشيد خصوصا – على الاتصال وتبادل المعلومات بين صناع القرار و المجتمع المعني بالقرار المراد اتخاذه. ولقد عبر "باي" عن ذلك بقوله :إن ثمة علاقة جوهرية بين العملية الاتصالية و العملية السياسية ،فإذا كان عالم السياسة  يقوم على القوة ،فإن رغبات من يملكون القوة لابد أن تنتقل إلى من يتوقعون أنهم سيستجيبون لها . و إذا كان عالم السياسة يبنى على  شرعية السلطة ، فإن الأمر يستلزم وجود الوسائل التي تقوم بالتعبير الرمزي عن القيم و المعايير الإجرائية لمثل هذه النظم.

 

وإذا كان عالم السياسة يقوم على المشاركة ،فإن ذلك يعني إيجاد القنوات التي تنقل مصالح المواطنين و مطالبهم إلى صانع القرار .ولو أن عالم السياسة يقوم على الاختيار بين البدائل ،فإن ذلك يلزمه أن يحيط المهتمين بالقرارات و السياسات ببدائل الاختيارات.(5)

 

إن الاتصال في النظام السياسي يشبه النظام العصبي في الجسم البشري كما يقول "كارل دويتشKarl W.Deutsch".  فحت تعمل الحكومة بكفاءة و فعالية يجب أن توفر قنوات اتصال على درجة عالية من الكفاءة لنقل وإرسال القرارات السياسية و تدفق المعلومات من وإلى مركز صنع القرار.(6)

 

كما أن الاتصال و تطوره في عصرنا هذا أثرى الممارسة الدبلوماسية و فتح أمامها آفاقا جديدة ،فمكن الدبلوماسيين من الاتصال بحكوماتهم ، ولم يعد الدبلوماسي الوسيلة الوحيدة التي تنقل المعلومات و الأخبار ، بل أصبحت وسائل الاتصال بما هو متوفر لها أقدر و أسرع على متابعة الأنباء و التعرف عليها ، وبهذا نجحت وسائل الاتصال في أن تضع في متناول الحكومات تغطية شاملة للأحداث بحيث تستطيع تزويد ممثليها في دول العالم بتعليماتها ، و بالمقابل لا تستطيع الدولة اليوم إخفاء ما يجري داخل حدودها . كما أن ما تقدمه وسائل الاتصال المختلفة من معلومات عن الأحداث و المجريات و الأمور الدولية تمثل حصيلة مهمة للقائمين على السياسة الخارجية ، لأن رجل السياسة و خاصة الذي يعمل في المجال الخارجي يهتم بما يجري حوله ، بل يجب عليه أن يعي ما يجري حوله.(7)

 

و يوضح الدكتور " محمد مصالحة " مجموعة من المظاهر المعبرة عن الارتباط بين الاتصال ووسائله من جهة ورجال السياسة من جهة أخرى فيما يلي :

 

أولا- المعرفة : يلجأ القائمون على السياسة الخارجية إلى وسائل الاتصال بأشكالها للحصول على  معلومات حول الأحداث الدولية و ردود فعل الفاعلين في المجال الدولي على تلك الأحداث مع أنهم يملكون قنوات رسمية للحصول على بعض المعلومات، فوسائل الاتصال لها قدرة أوسع على جمع المعلومات و نشرها أكثر من وسائل الاتصال الخاصة بالحكومات .

 

 ثانيا- التقييم : فوسائل الاتصال المختلفة تمكن السياسيين من تقييم الأحداث وإستيحاء الأفكار من الآراء التي يطرحها المحللون العاملون في تلك الوسائل .

 

ثالثا- الأهمية : فبناء على ما تركز عليه وسائل الاتصال و ما تتجاهله يستطيع رجل السياسة تحديد الحدث المهم و الإهتمام به و إغفال الأحداث غير المهمة ، و من هنا يمارس الرأي العام ضغطه على القائمين على السياسة ، لأن تركيز وسائل الاتصال على حدث دون غيره يجعل الرأي العام يهتم بذلك الحدث .

 

رابعا- الرأي العام : فوسائل الاتصال تعتبر مقياسا يوضح اتجاهات الرأي العام السائدة ، حيث يطلع القائمون على السياسة من خلال المقالات و التعليقات على شرائح وطبقات الرأي المختلفة.(8)

 

2 – الاتصال الخارجي (الدولي)

 

إن الاتصال اليوم موضوع اهتمام دولي ، فالعالم يزداد ترابطا بما وفرته وسائل الاتصال الحديثة من إمكانيات وبذلك تجلت صفة القرية العالمية على العالم الذي نعيش فيه. و يقسم الاتصال إلى داخلي و خارجي تماما كالسياسة ، دون أن يعني ذلك التقسيم الانفصال بينهما ،ولكن كما أن هناك فرقا بين السياستين الداخلية و الخارجية يوجد فرق بين الاتصال الداخلي و الخارجي. إن الإحاطة العامة بمفهوم الاتصال ضرورية و هامة جدا للدارس للاتصال الدولي ، لذلك فإننا سنتطرق لماهية الاتصال دون الدخول بعمق في تعار يفه  المتشعبة ونماذجه  المختلفة و مدارسه المتعددة 

فالاتصال هو أحد مسالك الحركة السياسية ، و الحركة السياسية أو بعبارة أدق نشاط الدولة الذي ينطلق من مسالك ثلاثة : العنف و الخديعة و الاتصال .و كلمة الاتصال تعني في أوسع معانيها بهذا الخصوص نقلا لمفاهيم بقصد الإقناع و الاقتناع ،هي عملية من جانبين أساسها خلق الترابط في الحركة إن لم يكن على الأقل المساندة.(9) ويذهب آخرون في تعريفهم إلى كون مفهوم الاتصال عملية ،والمعجم الإنجليزي يعرف العملية (process) بأنها أية ظاهرة توضح تغييرا مستمرا في الزمن أو آية عملية أو معالجة مستمرة  Any phenomenon which shows a continuous change in time or any continuous operation or treatment. إن أي فرد يقوم بالاتصال إن لم يدرك أهمية مفهوم دينامية الاتصال يترتب على ذلك نتائج سلبية وخاصة أولئك الذين تناط بهم مسؤولية الاتصال الدولي في هذا العالم الديناميكي المتغير باستمرار 

في حين يعرف الاتصال الخارجي ( الدولي ) بأنه جهود مقصودة تحاول نشر الأفكار و الآراء و المعتقدات بين جماهير الدول الأخرى لجعلها تعتنق و تتبنى أو تؤمن أو تتعاطف مع قضايا الدولة القائمة بالاتصال الدولي.(10) وتهتم معظم دول العالم في العصر الحديث باستخدام الاتصال الدولي لخدمة أهداف سياستها الخارجية ، ولا يفرق الخبراء في هذا المجال بين مصطلح الإعلام الدولي، و الاتصال الدولي، It must be said that in a part of the literature ,the two terms information and communication are often confused or used indiscriminately. حيث تأخذ الحكومات في اعتبارها عند استخدامها لهذا الاتصال،التقييم الواقعي للتأثيرات السياسية التي يمكن أن تحدثها الصحف و الإذاعات المسموعة و المرئية .وتزداد أهمية الاتصال الدولي كوسيلة من وسائل السياسة الخارجية بالنسبة للدول الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية، بريطانيا...حيث تتزايد مصالح هذه الدول على المستوى الدولي و يتزايد دورها في السياسة الدولية ،لذا فإنها تعمل جاهدة على تقوية الوسائل المختلفة لسياستها الخارجية ، وفي مقدمتها وسائل الاتصال ،من أجل تحقيق مصالحها وتوسيع دائرة نفوذها و تعزيز و تقوية دورها السياسي على الصعيد الدولي.

 

لقد تطور الاتصال الخارجي كثيرا منذ الحرب العالمية الثانية الى يومنا هذا، سواء من حيث الكم أو الكيف، وكذلك الأساليب والهياكل التنظيمية ومستوياتها.  شهدت ساحة الاتصال الدولي كثيرا من الإبداعات و الإشراقات التي جعلت العالم يعيش في مجتمع واحد كبير بالمفهوم الجغرافي ،أو في قرية عالمية كما قال "ماكلوهان" ،والسبب في ذلك هو التكنولوجيا التي تغلبت على المسافات و الأزمان، فلم يعد يحسب لهما حساب.وتماما كما اتسمت فترات سابقة بأهم الابتكارات و الاكتشافات فيها، فكان عصر البرونز وعصر البخار و عصر الثورة الصناعية، وعصر الذرة ،نسبة إلى الاكتشافات الأكثر تأثيرا في حياة البشر ،فإن العصر الذي نعيشه اليوم يستحق بامتياز تسميته عصر المعلومات و الثورة المعلوماتية .وهذه الثورة الديناميكية بدأت بالقفزة المدهشة لتكنولوجيا الحوسبة ومعالجة المعلومات واندماجها مع التقدم المذهل لوسائل الاتصال ( الهاتف، التلفزيون والمحطات الفضائية)، في منظومة واحدة.

 

ثم التطور غير المسبوق في تراكم المعرفة و الانتقال من المعرفة العلمية إلى تطبيقاتها العملية بسهولة أكبر و زمن أقل من جهة ،و السرعة العجيبة في نقل هذه المعرفة و تعميمها على مستوى العالم نتيجة لذلك الاندماج من جهة أخرى . و أخيرا ظهور الشبكة الدولية للمعلومات و التي يعرفها الجميع باسمها المشهور الإنترنت ،التي استفادت من تطور وسائل الربط بين ألحوا سب الآلية محليا و إقليميا و دوليا ،فأقامت كيانا إلكترونيا ضخما يحوي بلايين  المعلومات والبيانات (الاقتصادية ،السياسية ،الفنية ،البيئية) وعددا هائلا من الخيارات المنفلتة من أي نوع من الرقابة تحت تصرف طلاب العلم و المعرفة.(11)

لقد أدركت الدول أهمية الوظيفة الاتصالية الدولية وبدأت تعمل بشكل منتظم على مراجعة سياساتها الإعلامية الخارجية وإخضاعها للتقييم العلمي والموضوعي. ويأتي ذلك لتحسين أدوات العمل والمنهج ولمواجهة عالم شديد المنافسة وسريع التغير، ولا يرحم المتقاعسين. كما أن رهان كسب الرأي العام الدولي يتطلب استراتيجيات اتصال اقناعية ليست في متناول الجميع. ويمكن حصر أهم خصائص الاتصال الخارجي (الدولي) فيما يلي :

 

1.     يتطلب قدرا معتبرا من التخطيط خاصة فيما يتعلق بالأهداف والرسالة.

2.  يتطلب اهتماما وهياكل خاصة تتلاءم مع طبيعة ونوعية العلاقة الاتصالية بين مصدر المعلومات والجمهور المستهدف. فالرسالة تصبح مستقلة عن المرسل بمجرد إرسالها. حيث أن تصحيحها قد يؤدي الى بروز نوع من التناقض وفقدان الثقة من جانب الجمهور المستهدف، الذي ينتمي إلى تيارات حضارية وفكرية مختلفة. وهو ما يستوجب بالتالي أن تتوفر في الاتصال الدولي عدة صفات مثل : القدرة على التنبؤ، الحذر، عدم المبالغة، و بعد النظر.(12)

ويرى بعض الباحثين أن هناك عدة عوامل تتحكم في نجاح أو فشل الاتصال الخارجي :

1.     ضرورة التخطيط العلمي والمنتظم للاتصال الدولي.

2.     ضرورة الربط بإحكام بين الاتصال الدولي والعمل الديبلوماسي.

3.  يتعين على الاتصال الدولي أن ينطلق من لغة المصالح، وأن يبتعد عن لغة العواطف والانفعالات باعتبار أن الاتصال الخارجي يستهدف إيجاد علاقة المنفعة وأدوات ارتباط بالمصالح.

4.     ضرورة الربط والتنسيق والتكامل بين الاتصال الخارجي ومجموعة من الأدوات الأخرى المدعمة له، مثل :

-       السياسة الثقافية ، وعملية التبادل والتعاون الثقافي (منح التكوين...).

-       السياسة السياحية : باعتبارها عاملا للتواصل والانفتاح الحضاري والثقافي على الآخرين.

-   السياسة الاقتصادية : بحيث لا تؤدي فقط الى تحقيق المصالح المادية، وإنما تقدم أيضا صورة أفضل عن دولة ما لدى الأمم والدول الأخرى من خلال سياسة التعاون والمساعدات الاقتصادية.

 

3 -  الاتصال وإدارة النزاعات

ليست النزاعات مجموعة أحداث منعزلة تجري عملية تغطيتها إخباريا ، إنها تركيب معقد ومتشابك ويضم جوانب و أبعاد متعددة ، وهي لا تحدث في فراغ . بل هي بنت مجتمعها وعصرها ، و نتاج ظروفها  ،بمعنى أنها تحدث ضمن سياق معين .وغالبا ما يتم تفسير النزاعات من منظور المنظومات الدولية ، فالمنظومة الدولية ليست مجرد دول ،ولكن منظومة السياسة الدولية هي نمط العلاقات بين الدول .ويعرف القاموس كلمة منظومة على أنها مجموعة من الوحدات المتداخلة.

 

أما النزاع ( conflict ) فيعرف بأنه متابعة لأهداف متضاربة بواسطة جماعات متعددة تستخدم فيها الوسائل السلمية أو القوة المسلحة ، ويميز بين النزاع بمعنى ( dispute ) حول مصالح يمكن التفاوض حولها وتسويتها بعقد صفقة محددة ، ونزاعات متأصلة ( deep - seated conflict) يدور محورها حول تلبية الحاجات الإنسانية( human needs  )، و التي لا يمكن تسويتها إلا بإزالة الأسباب الرئيسية التي أدت لظهورها. وإدارة النزاع (conflictmanagement) ،يطابق إلى حد ما مصطلح (conflict regulation) ، ويستخدم كمصطلح نوعي يغطي بصفة شاملة المنظور الإيجابي للتعامل مع النزاع من حيث احتوائه.(13)

إن من سمات النظام الدولي إنه يتسم بالديناميكية و التغير المستمر وتعمل الوحدات السياسية جاهدة على تغيير وسائلها و آلياتها لمواكبة التحولات الحاصلة فيه . فلم يعد النزاع مسألة مواجهة بين جيشين في مكان بعيد ، بل أصبح النزاع يعتمد على وسائل الاتصال  بالدرجة  الأولى ويلعب فيه الرأي العام المحلي و العالمي دورا فاعلا. لقد كتب "ريتشارد نيكسون Richard Nixon" في كتابه " ست أزمات " الذي نشره عام 1960 قائلا أن «القوة العسكرية حيوية ولكنها  إن لم تدعم ببرامج اقتصادية و سياسية ودعائية فإنها ليست كافية أبدا».(14)

وجرى تجسيد ذلك حيث أصبح الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية و أوربا يسمى بالبعد الرابع، وذلك إضافة إلى العناصر التقليدية المعروفة من قبل وهي الاقتصاد ،القوة العسكرية والديبلوماسية. لقد شنت الولايات المتحدة الأمريكية حربا شعواء على الاحتكارات الإعلامية الأوروبي  بغرض إيجاد سوق عالمية واسعة أمام وسائل الاتصال الأمريكية ، أي بمعنى أخر إعادة تقسيم الخارطة الإعلامية الدولية إلى مناطق نفوذ جديدة يكون للولايات المتحدة الأمريكية اليد الطولى فيها ، تماشيا مع الدور القيادي للعالم الذي تريد أن تضطلع به بمفردها.

 

لقد أكد " Zbignew Bzrezinski " هذا التوجه بقوله ، يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن حققت تفوقها العسكري ، أن تحافظ على هذا التفوق من خلال تحكمها في شبكات الاتصال  الدولي . و في الحقيقة يعد Bzrezinski " من المنظرين الأوائل الذين أدركوا الدور المتنامي و المؤثر لوسائل الاتصال الجماهيري في العلاقات الدولية.(15) ويجب أن يكون واضحا أن العامل الحاسم والمقرر في إدارة النزاع هو السياسي . بمعنى أن القيادة السياسية هي مركز صنع القرار المتعلق بالنزاع ، ويبقى الاتصال عاملا متغيرا وتابعا للسياسي .

 

تعكس إدارة النزاع طبيعة النظام السائد ، و نظام الملكية السائد في قطاع الاتصال ، ونوعية الدور الذي يلعبه الاتصال في المجتمع في ضوء الفلسفة الإعلامية السائدة ، ومستوى الخبرة الاتصالية  ، وحجم ونوعية الإمكانات المادية والبشرية المتاحة والمتوفرة . تشمل عملية التأسيس لإدارة النزاع إعلاميا، ليس فقط الحسم المعلوماتي و الفكري ، بل أيضا حسم البعد اللغوي للنزاع . إن اللغة ليست محايدة ، إن الكلمات عبارة عن أوعية للمعاني ، و إن للكلمة دلالات اتصالية مختلفة. ولذلك يصاحب كل نزاع صراع حول نوعية المصطلحات المستخدمة ، أو حول المضمون الذي يحتويه المصطلح الواحد. لقد تضاعفت الأهمية الذاتية  للاتصال ليصبح واحدا من الأسلحة الإستراتيجية المستخدمة في إدارة النزاع . وهذا ما يفسر إلتحام  الاتصال بآلة الدولة ، بغض النظر عن طبيعة النظام السائد . لقد أظهرت الخبرة المعاصرة أن وسائل الاتصال قد نجحت  في أن تكون المعيار الذي تقاس به كفاءة الأداء العام للنظم السياسية القائمة.(16)

 

 لقد أعادت النزاعات المعاصرة الأهمية للإذاعة و أبرزت الدور المتميز للتلفزيون والأقمار الصناعية – البث الفضائي -.(17) لقد اعتمدت الإدارة الأمريكية التلفزيون ( أقوى وسائل الاتصال الدولي ) وسيلة أولى لتغطية حرب الخليج الثانية لأن التلفزيون يعتمد على إستراتيجية التمشهد – الاستعراض-      ( SPECTACLES )لتقديم الواقع بمعنى أن التلفزيون يقوم بمسرحة الواقع عبر الاستعراض. وفي الوقت ذاته يقوم بعملية معقدة لأسطرة  الواقع . ومن الصعب فهم عمليتي التشهد و الأسطرة خارج إستراتيجية القوى المهيمنة و هاجسها الدائم المتمثل في خدمة مصالحها . كانت مهمة التغطية التلفزيونية لحرب الخليج الثانية عدم التعامل مع هذه الحرب  كمأساة إنسانية ملموسة، بل فقط كوقائع مجردة تتصل بعلم الخيال ، كأي سيناريو، و كأي لعبة من لعب الكمبيوتر. وقد تحقق ذلك كله من خلال النقل الاستعراضي لوقائع الحرب، والتركيز على  جوانبها التكنولوجية. وأكد الباحث الفرنسي " Jean Baudrillerd "  في كتابه " حرب الخليج لم تقع " إن الحرب كانت مناسبة  لإنتاج صورة من نوع خاص همشت الأبعاد الإنسانية للحرب، وغيبتها وحجمتها. الإدارة الإعلامية للحرب من طرف الولايات المتحدة الأمريكية حقق لها وضعا احتكاريا للمعلومات المتعلقة بالحرب ، ولتخزين هذه المعلومات ، ولخدمتها ، ومن ثم لسبل وطرائق توزيعها . وكان الهدف من ذلك كله تحقيق السيطرة الأمريكية المطلقة  على مضمون الخطاب الإعلامي المتعلق بالحرب على الأصعدة المحلية ( داخل و.م.أ ) و القارية ( أوربا خاصة ) والساحة الدولية (أسيا وإفريقيا والشرق الأوسط )، ومن ثم التحكم في الرأي العام و توجيهه بما يخدم مصالحها.(18)

 

الخاتمة : لقد تغير واقع النزاعات و تطور ، مع تطور وسائل الاتصال ، وهذا التطور المذهل والسريع لن يتوقف بل سيزداد سرعة حتى يصل إلى المرحلة التي يتساءل فيها الناس ، كما قال " Toffler "(19) هل مزيد من السرعة مرغوب أو بعبارة أخرى هل إنسانيا ممكن ؟ وهذا النوع من الحوار ليس فلسفيا ولا جدليا ولا هو ممارسة عقلية لقضايا منطقية يقترحها المتحاورون للنقاش بل أنها حقائق صعبة " hard facts " لابد من التعامل معها بالتسليم. لم يعد العامل العسكري كافيا لإدارة النزاعات بل أصبح نجاحه مرهونا بمهارة استعمال وسائل الاتصال التي تبين أنه لا يمكن  الاستغناء عنها.

 

المــراجــع :

 

1.      د.الحسان بوقنطار، العلاقات الدولية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1985. ص.15

2.      Mac Bride, Sean, Many Voices one world. Unisco, Paris, 1980.P35

3.      David Easton, Analyse du système politique, traduction de Pierre Rocheron, Armand Edition, 1974, P24

4.      كمال المتوفي، نظريات النظم السياسية، وكالة المطبوعات، الكويت، 1985 ص 147.

5.      بسيوني إبراهيم حمادة، دور وسائل الإتصال في صناعة القرار في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993، ص ص 50، 51.

6.      Karl, Deutesch. The Analysis of International Relations. Prentice Hall inc, New Jersey, 1978. P40

7.      Cohen, Bernard, C. The Press and Foreign Policy princeton University Press, New Jersey, 1963 P.60

8.      د.محمد مصالحة، دراسات في الإعلام العربي، مركز التوثيق الإعلامي لدول الخليج العربي، بغداد، 1984.ص 70.

9.      حامد ربيع، الحرب النفسية في المنطقة العربية، المؤسسة العربيـة للدراســات و النشر، بيروت، 1974، ص 151.

10.  أحمد بدر، الإعلام الدولي: دراسات في الإتصال و الدعاية الدولية، مكتبة غريب، القاهرة، 1987. ص 20.

11.  د.سمير إبرهيم حسن،الثورة المعلوماتية و أفاقها، مجلة جامعة دمشق للأداب و العلوم الإنسانية، المجلد 18، العدد 1، 2002، ص 207.

12.  د.عبد الله زلطة، الإعلام الدولي في العصر الحديث، دار النشـر للجامعـات، مصر، 2001، ص 19.

13.  د.محمد عبد الغفار، فض النزاعات في الفكر و الممارسة الغربية، دار الطباعة و النشر، الجزائر، 2003 ص 237.

14.  C.J.Bertrand, les Medias et l’information aux Etat –Unis depuis 1945 p. 69.

15.  Fouad Benhella, Le choc de la communication globale, editions publisud, Paris,2005 p.8.

16.  د.أديب خضور، الإعلام و الأزمات، المكتبة الإعلامية، دمشق، 2001 ص.23.

17.  المرجع السابق ص 95.

18.  المرجع السابق ص 98.

19.  المرجع السابق ص 93.

20.  د.محمد شمو، الاتصال الدولي، مكتبة الإشعاع الفنية،  الإسكندارية، الطبعة الأولى، 2002، ص.295.