الأستاذ: حمزة قريرةpdf

جامعة قاصدي مرباح – ورقلة

كليّة الآداب واللغات

قسم اللغة والأدب العربي

عنوان المداخلة: الحاج أحمد مصطفى الشاعر الفقيه

 تحقيق وقراءة في قصيدة  : "أبكي على الذنب"

مدخل

عاشت ورقلة كغيرها من مناطق الوطن أوضاعا عصيبة إبان الاحتلال الفرنسي، من تهميش وقهر واضطهاد، ومحاولات لطمس الهوية الوطنية من لغة ودين، فقد حاول المحتل الفرنسي بكل ما أوتي من جهد وأساليب القضاء على مقوّمات العربية والإسلام في المنطقة وجنّد كل طاقاته المادية، فاستخدم الترغيب والترهيب، وممن وظفهم المحتل نجد المبشرين الذين تغلغلوا في عمق المجتمع الجزائري بقصد تحريف مساره والأخذ به نحو المسيحية، وأمام هذه الأوضاع برز رجال عظام في مختلف أقطار الوطن للتصدي لهذه الحملة وتنبيه الغافلين من الشباب، ففي ورقلة برز عدد من المشايخ في مختلف الأنحاء هرب لهم الناس بدينهم واستفتوهم في مسائل حياتهم، ومن بين هؤلاء نذكر الشيخ الحاج: أحمد مصطفى -1313هـ-1404هـ- (1895م/1984م) الذي حمل على نفسه وتحمل الصعاب من أجل تثبيت الناس على قول الحق ودعوتهم للعودة للدين والتبرؤ مما كان يدعوهم المبشرون، وسنحاول خلال هذه الورقة البحثية تسليط الضوء على بعض الجوانب من حياة هذا الرجل، كما نقدّم تحقيقا في أحد قصائده ونحاول الاقتراب منها فنيا لنبيّن الأثر الديني والوطني العميق لدى الشيخ أحمد مصطفى.

$11-    الحاج أحمد مصطفى، حياته* وأسفاره:

الشيخ الحاج أحمد مصطفى من بلدة متليلي الشعانبة (ولاية غرداية) ولد سنة 1895م وهو ينحدر من عائلة سيدي الزغيم المعروفة بأولاد عمر بن موسى نسبة إلى ادريس الأصغر ابن ادريس الأكبر بن محمد التاتاي بن البسطاوي.

dakira0404

بدأ تعليمه في مسقط رأسه فحفظ القرآن الكريم صغيرا، وسنه لم يتجاوز الرابعة عشر، وقد تتلمذ على يد مشايخ عصره في المنطقة خصوصا مشايخ أدرار الواقعة في الجنوب الغربي الجزائري، ومن بينهم الشيخ مولاي عبد السلام ومحمد عبد الله الألوسي الشنقيطي ومولاي الأخضر بن عبد الرحمن. وقد أتم تفسير القرآن وسنه سبع عشرة سنة. كما تلقى على يد علماء عصره الفقه والفرائض وعلوم الحديث والتعمق في اللغة العربية والأصول وغيرها، وفي سنة 1934 توجه الشيخ إلى جامع الزيتونة بتونس، فعمّق هناك معارفه العلمية كما نال فيها شهادة التحصيل وزار على اثرها البقاع المقدسة مؤديا فريضة الحج. وفي أواخر 1937 زار مصر والتقى فيها العديد من العلماء والشيوخ وأخذ منهم، ليزداد علمه اتساعا ولسانه إقناعا. ولعل ذلك ما جعله أكثر تواضعا وميلا للزهد في الدنيا ورغبة في الآخرة من خلال تقديمه العلم والمعارف لطلبته، فكان منشغلا بأداء رسالته التربوية التي كلفته بها جمعية العلماء المسلمين على مستوى جهات الجنوب الجزائري باعتباره عضوا بارزا فيها، وهذا ما زاد من حقد المحتل الفرنسي على الشيخ، فحاول بكل الطرق النيل من رسالته، ووصل الأمر إلى أن أحد المبشرين وهو القس بيير راكان أسس سنة 1947 مدرسة بالقرب من منزل الشيخ الواقع بحي القصبة بورقلة، والذي كان بمثابة مدرسة يؤمها الأبناء القاطنون بالجهة، وتم تأسيس مدرسة القس بهدف عزل الشيخبتعاليمهعن محيطه وتعميق مفاهيم التربية النصرانية في الوسط الاجتماعي عن طريق تكثيف الدروس ومضايقة الشيخ وتوسيع الإغراء المادي للمواطنين الذين يعانون من ظروف مادية سيئة. لكن الشيخ وتلامذته الأوفياء تصدوا إلى ذلك وقاوموا كل الأساليب، لإيمانهم بأحقية رسالتهم، واستمرت مقاومة الشيخ العلمية مع طلبته الذين اصبحوا بمثابة درع حامي للقيم والمبادئ الدينية فقد تحوّلوا بمرور الزمن إلى مشايخ في مناطقهم يقودون المقاومة الفكرية ضد المحتل الغاصب.

إضافة للمقاومة الفكرية فقد عمد الشيخ إلى تأسيس نواة لنشر الدين، فأسس مسجدين الأول بمدينة ورقلة سنة1954 والثاني بناحية سبسب بمدينة متليلي سنة 1955، ولم تقتصر وظيفة المساجد في تلك الفترة على أداء وظيفة الصلاة بل تعدت ذلك إلى تثقيف الناس وحثهم على الوقوف في وجه المحتل.

كما نشير إلى أن الشيخ أحمد مصطفى قد اشتغل بالقضاء بين 1933 و1936 ولم يستمر في الوظيفة طويلا، فقد أقال نفسه وذلك بسبب الممارسات الاستعمارية القاسية التي تملي على القضاة ما يفعلون.

ومن الشهادات المهمة التي نذكرها في هذا المقام رسالة الشيخ محمد عبد الله الخرسي العلوي الشنقيطي من دكار، التي بعث بها للشيخ أحمد مصطفى يسأله عن حاله وحال أصحابه ويشهد له بالعلم والورع.

وفي الأخير ننوّه إلى أن جهد الشيخ أحمد مصطفى لم يكن فرديا طيلة حياته بل كان عمله جماعيا فكل أطياف المجتمع في تلك الفترة أعانته على تصديه للمحتل ومقاومته للجهل والأمية، وعليه فالأهالي في ورقلة وغيرها من المناطق عملوا كأمة واحدة انطلاقا من حسهم الجماعي وإيمانهم بمصيرهم المشترك، فواجهوا المحتل بكل الأساليب. 

$12-    الحاج أحمد مصطفى الشاعر الفقيه:

من خلال حياة الشيخ المليئة بالعلم والمعارف خصوصا الدينية منها فقد برع في ميدانه، فكان له باع قوي في الفقه المالكي، كما كتب في الشعر قصائد كثيرة أغلبها في موضوعات دينية أو حماسية، أو وصف للأوضاع التي عاشها المجتمع الجزائري، وذلك بأسلوب ينتمي إلى مرحلته التقليدية المحافظة، فالشعراء في زمنه لم يختلفوا عن شعراء الاحياء في المشرق العربي، الذين قاموا بإحياء التراث الشعري القديم – من الشعر الجاهلي إلى العباسي- معتقدين أن مستوى الشعر في تلك العصور كان رفيعا ويجب محاكاته والاقتداء به في كل شيء، مسقطين بذلك المرحلة التي تفصلهم عن تلك العصور، حيث اعتبروها مرحلة انحطاط شعري، وسعوا إلى ترسيخ  قواعد النص القديم بمختلف مقوّمات بنيته، بهذا لم يكن للتقليدية سلالة شعرية حديثة تتكأ عليها1. والشاعر أحمد مصطفى لم يختلف عن تصوّر الاتجاه الإحيائي سواء على مستوى المضمون أو البناء اللغوي، فوظف كل مكتسباته الدينية ومواهبه في فن الشعر لتقديم نص شعري إرشادي، ولعل اعتماده على فن الشعر لما له من منزلة وقوة تأثير في نفوس الشباب، لهذا فقد وظفه الشيخ أحسن توظيف لتقديم نصائحه ومجابهته لأساليب المحتل، كما حفظ بشعره عدة وقائع تاريخية مهمة في حياة المنطقة والجزائر والعالم بأسره، كما قدّم لنا رؤية الإنسان الجزائري لمختلف الأوضاع المحيطة به في تلك الفترة. وعبر هذه المداخلة نحاول تتبع أحد قصائد الشيخ بالقراءة والتحليل بعد إثبات نسبها إليه وتحقيقها.

$13-    عرض عام للقصائد التي تركها الحاج أحمد مصطفى:

ترك الحاج أحمد مصطفى إضافة لآرائه ومواعظه في توجيه الشباب ضد التنصير والبعد عن الدين، عدة قصائد في موضوعات مختلفة أهمها الوعظ والإرشاد بحكم وظيفته الدينية، كما دعا في قصائده إلى الثورة ضد المحتل، كما وصف فظائعه ودول الحلف، وبين أيدينا ديوان للشيخ مرقون يحمل خمس قصائد طوال مع تقديم وبعض التعليقات لمعارف الشيخ وأحفاده، والكتاب يحمل 50 صفحة من الحجم المتوسط، وهو من دون طبعة ولا دار نشر، فهو جهد فردي لابن الحاج أحمد مصطفى وهو عبد العزيز المولود سنة 1941م بمتليلي، وقد جمع الابن عددا من قصائد والده وكتب بعضه بخط يده، ومن خلال هذه الدراسة سنركّز على أحد قصائد هذا الديوان المرقون، وهي قصيدة "أبكي على الذنب" وتبدأ من الصفحة 29 في الديوان المروقون، ويعود اختيارنا لهذه القصيدة بالتحديد لأننا وجدنا نسخة أخرى منها كُتبت بخط اليد لتكون أصلا وهي قريبة من المخطوط الأم2 كما يمكننا اعتبارها في أحد المراتب المتقدّمة من حيث الصحة فالشاعر أملاها3 وكتبها ابنه الذي اعتمدنا عليه لنحقق القصيدة ونبيّن مدى صلتها بصاحبها والتاريخ الذي كُتبت فيه. وفيما يلي نقدّم صورة عن الكتاب المرقون:

dakira0405

$1-       من صفحات الكتاب المرقون:

dakira0406

 

 

$11-    قصيدة أبكي على الذنب:

 

هذه القصيدة الثالثة في الديوان المرقون وقمنا بعنونتها بصدر البيت الأول، لأننا لم نجد عنوانا لها في الديوان ولا المخطوط، فقد اكتفى الراقن بوضع ترتيب للقصيدة وسماها "القصيدة الثالثة". وفي ما يلي نقدّم القصيدة في شكليها في الديوان والمخطوط.

$1-         عرض المدوّنة المخطوطة:

dakira0407

 

$1-        


$1-         القصيدة بنسختها المرقونة:

dakira0408


بعد التدقيق في القصيدة وقراءتها في المخطوط بتمعّن والحذر من تشابه خطها المائل إلى الخط المغربي، ومحاولة الابتعاد عن الانطلاق الخاطئ فالخطأ لا ينتج إلا خطأ4 كما يرى شيخ المحققين عبد السلام محمد هارون، لهذا تتبعت أهم أسطرها والحروف المتشابهة خصوصا الغين والفاء وتعد هذه الأحرف الأكثر عرضة للخلط والتداخل5، وعبر تتبعنا لأغلب الأبيات نجد فعلا تداخلا بين الحرفين الفاء والغين والخطأ يظهر بجلاء بين النسخة المخطوطة والمرقونة ومن عينات ذلك نذكر البيت:

إن تجعل المال كفوء العلم يا ذا الفتى *** سترتمي كعشواء فارغ في الهمل

dakira0409

والصحيح "الغنى" فاختلط على الراقن بين حرفي الفاء والغين، وزاد النقطة على النون.

وصف المخطوط:

انطلاقا مما تقدّم نلاحظ أن القصيدة مشكّلة في المخطوط من أربع صفحات من الحجم الكبير 21×30 سم أما في الديوان المرقون فجاءت في سبع صفحات من حجم 15×21 سم. وما يهمنا أكثر في هذا المقام المخطوط باليد، أما المرقون فتتم مقارنته وملاحظة الاختلافات فقط. كما نشير إلى أن المخطوط لم يتم نشره من قبل فقد عمدنا إلى البحث في بعض المصادر كما سمعنا من ابن الشيخ الذي أفادنا بأنه لم ينشر أحد قبلنا هذا المخطوط. وأمر أسبقية النشر يعد من محاذير هذا العلم6، لهذا فقد تحرينا أمره قبل العمل، وفيما يلي سأقدّم وصفا ماديا لحالة المخطوط، ثم الانطلاق في نقل لغته وتدقيقها.

$1-         حالة المخطوط:

المخطوط بحالة جيّدة خصوصا أنه كتب على ورق حديث نسبيا يعود للثمانينات من القرن الماضي، كما أن الحبر الأزرق والأحمر الذي كتب به حديث مما حافظ على بهائه ونظارته، وانطلاقا من حالتها ومقارنتها بالنسخة المرقونة لم نجد اختلافات تُذكر، إلا في بعض الكلمات التي وقع فيها تحريف، ككلمة حماة التي كُتبت بالتاء المفتوحة

dakira0410

 

 أو خطأ في النقل وقلبه للحروف ككلمة دحضت التي كتبها ضحدت في البيت:

يامجلس الأمم ضحدت حجتنا *** وبان حكمك هذا اليوم في خطل

كما نجده في مواضع يزيد المرقون ما هو غير موجود في المخطوط ككلمة رئيسها في قوله :

فاخرج إلى الحرب إن كنت شجاع ودع رئيسها *** ما أنت تزعمه ينال بالحيل

فكلمة رئيسها غير موجودة في المخطوط وزيدت في المرقون، كما يظهر الخطأ رفع خبر كان شجاع والأصح "شجاعا".

dakira0411

وفي بعض الأحيان سقطت كلمات من المخطوط وتمت الإشارة لها في الحاشية السفلية ومنها كلمة "الخناء" في البيت السادس عشر بعد "لاكوست نسل"

dakira0412

 

كما نجد عدة أخطاء نحوية وتركيبية في بعض الأبيات كرفع المنصوب أو العكس، ومن ذلك الحال في كلمة "حافي" فجاءت مرفوعة في القصيدة، كذلك فعل الأمر المجزوم بحذف حرف العلة في البيت الثاني :

ياربي صلي على محمد وعلى ***أهل التقى آله وصحبه الكمل

والصحيح "صل" وتأتي هذه الأخطاء وغيرها بسبب الشفهية في النقل فالابن الخطاط يكتب ما يسمع لهذا نجده يضيف أحيانا حروف العلة وأحيانا أخرى يضع الهمزة على النبرة وتحتها نقاط الياء كما في قوله "قصائد العرب" ووضع نقاط الياء تحت النبرة وهذا يعود للثقافة الدينية المرتبطة بالمسجد والكتاتيب فأغلبهم يكتبون بذات الصفة.

وفيما يلي نقدّم بعضا من الأخطاء بين النسخة المخطوطة والمرمقونة:

إلى الأمام يا جند الله فاستبقوا *** وفي الجنان ستكتسون من الحلل (ستكسون)

مائة عام ونحن في مهانتها *** والروم تقهرنا ونحن في خجل (مهانتنا)

لا تيأسوا من حنان الله وارتقبوا *** نصر من الله بعد الكد والكلل (نصرا)

إن تجعل المال كفوء العلم يا ذا الفتى*** سترتمي كعشواء فارغ في الهمل (الغنى)

حكت حواشيها صغت قوافيها ***بسيطا بحرها لم تجري في الوشل (بسيط- تجر) في المخطوط

أرجوا حنانا ورحمة بعزته*** عند مماتي بالتوحيد يختم لي (أرجو) في المخطوط

كما نشير إلى أن النص المخطوط جاء زائدا ببيت شعري فقد بلغ 102 بيتا بينما النسخة المرقونة فيها 100 وبيت واحد، والبيت الزائد هو:

إن البالي تمر نائحات على *** جثمانك فوق النعش محتمل

وهو مواصلة لمواعظ الشيخ ونصائحه في آخر القصيدة التي تعد من المطولات وهي طبيعة النص التقليدي والإحيائي بشكل عام، فتعبرعن تمسّك الشاعر برؤية فيها قداسة للماضي، ودلالة على الرغبة في العودة إلى الأصل، كما تُمكّن الإطالة من تحقيق وظيفة النص التواصلية، فالعرب تطيل ليُسمع منها7. والشاعر استغل ذلك لتوجيه خطابة للجيل الجديد وحثه على العلم والمعرفة ونبذه للأخلاق السيئة وساعده على ذلك إطالته وانتقاله من موضوع لآخر.

وانطلاقا من العدد الكبير لأبيات القصيدة نكتفي بما قدّمنا من نماذج فيها خطأ في المخطوط وذلك تماشيا والحجم النصي المتاح في هذه الورقة البحثية، وفيما يلي نعرض جزء من القصيدة بعد تصحيحه، ومنه تتم عملية القراءة.

$1-         عرض جزء من القصيدة بعد التصحيح والتدقيق:

لقد قمت بترقيم الأبيات الشعرية ليسهل التعامل معها وفق قواعد التحقيق8، ولتتم مقارنتها بين المخطوط والمرقون في النسخة الثانية.

يبدأ المخطوط بالبسملة والحمد ثم التعريف بصاحب القصيدة وذكر جزء من حياته ثم تنطلق أبياتها، وفي النسخة المرقونة تمت عنونتها بـ "القصيدة الثالثة" وهو عنوان ترتيبي وضعه ابن الشيخ ليرقم قصائد والده. والقصيدة كما في المخطوط كالتالي:

$11-     ابكي على الذنب لا تبكي على الطلل *** و أقصد حمى الرب حافيا غير منتعل

$12-     يا ربي صل على محمد وعلى ***أهل التقى آله وصحبه الكمل

$13-     ما أهلكت حادثات الدهر من أمم*** وما جرى في القضاء قبل في الأزل

$14-     ألمْع برق يرى من جبهة الجبل *** أم هبّ ريح الضياء يشفي من العلل

$15-     بشرى بني العرب إذ جنودنا انتصرت *** في كل معركه بنصر متّصل

$16-     جند أباد العداء في الحرب منتصرا *** بربه في الوغى ظفر بالأمل

$17-     إحياء ثبات الصحابة وفكرنا*** من بعد طول الزمان في رفاق علي

$18-     أناشدكم يا سرات الشرق قادتنا *** هل ثقتم بميثاق من ذوي الملل

$19-     ميثاقكم كسراب تحته مهمه *** وليس في أرضه نضح من البلل

$110-الماريكان طغى بجرمه وبغى *** وصار مرتطما في بركة الوحل

$111-يا مجلس الأمم دحضت حجتنا *** وبان حكمك هذا اليوم في خطل

$112-جبهتنا جعلت أقدامها حكما *** أقوالها قررت تتبع بالعمل

$113-سكان مصر زعيم الروس قال لهم *** أرد عنكم هجوم أمم الخزل

$114-يا بو القنين شرعت في إغاثتنا *** لازلت منتصرا شاكي السلاح ملي

$115-بشر فرنسا بخزي في سياستها *** سوف ترى أمة يقودها فيمولي

$116-لاكوست نسل الخناء يحسب سيرته *** تزيده رفعة بفعله الجلل

$117-هاب الأبطال والأبرياء يقتلهم *** يعدو على النمل بالخفين كالجمل

$118-فتكت بالضعفاء فارتقب جمرة *** تفلق هامك رميا من بني ثغل

$119-فاخرج إلى الحرب إن كنت شجاعا ودع *** ما أنت تزعمه ينال بالحيل

$120-أوراس فيه أبات الضم دولتنا *** يرأسها بنظام الجيش في شغل

$121-هجوم طود العمور رد عسكرهم *** مات الكثير وباء الباقي بالفشل

$122-ذاك الزعيم أمير الجيش شكرا له *** لله دره في الجهاد من بطل

$123-إلى الأمام يا جند الله فاستبقوا *** وفي الجنان ستكسون من الحلل

$124-الحور ترقبنكم من جنة زخرفت *** بشرى لكم بجوار سيد الرسل

$125-دعوا التكبر والإعجاب واتحدوا *** فالكبر والعجب بئس الوصف للرجل

$126-إن تصبروا في الكفاح الله ينصركم *** ليس ينال العلى بالجبن والكسل

$127-ردوا جنود العدو باليقين فقد *** كتب نصركم في صفحة السجل

$128-تقدموا ببنادق مجردة *** إن لم يمت صيدها تصبه بالشلل

$129-ارموا رؤوس الضلال كما *** ترفعت علينا ونحن في وجل

$130-مائة عام ونحن في مهانتنا *** والروم تقهرنا ونحن في خجل

$131-فطالما هتك الكفار حرمتنا *** والاستعمار يدس السم في العسل

$132-فكم شيوخ وشبان لنا قتلوا *** وكم حرائر يصرخن على العيل

$133-وكم ضروب من الأذى بلينا بها *** من الفرنجه قوم الدغر والدغل

$134-الشهداء القتلى علت منازلهم *** مع الكواعب والولدان في الكلل

$135-لا تيأسوا من حنان الله وارتقبوا *** نصرا من الله بعد الكد والكلل

$136-شواهق الأطلس اليوم حصونكم *** فالحرب ملجأكم فاقضوا على الخلل

$137-إذا أحاط به جيش العدو يرى *** نيران قذف جزاؤه من القلل

$138-قل للفرنسين خبتم بامتزاجكم *** بأمة عرفت بالمكر والدغل

$139-رجس اليهود قديما في بطونهم *** من أجله فتنوا بالفوم والبصل

$140-هم قتلوا الأنبياء بسفاهتهم*** وكم مواثيق خانوا مقتضاها جل

$141-ترى الكفار ولا أحكام تزجرهم ***** على الفساد ولا لوم على الإبل

$142-جرح العجماء جبار في شريعتنا *** إذا عجزوا أشهروا الحرب على العزل

$143-حرب سجال ولا سلاح يدفعهم **** إذا أتى وعد ربنا مع الأجل

$144-ابن باديس له فضل على جمعنا *** ساورنا الريب في رأي الفتى مصل

$145-بني الجزائر لا يعطى استقلالكم *** إلا بمحق الكثير الخائن الأرذل

$146-يوم استقلال جزائرنا عيد الهنى *** ترى المواطن بالأفراح في زجل

$147-يبقى كفاح الجزائر كمدرسه *** دستور حرب لدى أبطالنا البسل

$148-محى جراثيم الاستعمار قاطبة *** شتت شمل دعاة الأطلس الفشل

$149-إذا ظفرتم بهذا الأمر فاغتنموا *** جلب العلوم  ذكرى في كل محتفل

$1-         قراءة في القصيدة:

القصيدة مزيج من الموضوعات تنطلق تقليدية من إشارتها للطلل ثم الثناء على الدين والصلاة على النبي وهي عادة أغلب القصائد التراثية في ذلك العهد، وهنا تظهر ثقافة الشاعر الدينية الخالصة خصوصا عبر تناصه مع القرآن والحديث النبوي الشريف، كما وظف المعجم الديني بشكل عام :

يا ربي صل على محمد وعلى ***أهل التقى آله وصحبه الكمل

ثم تنطلق القصيدة في ذكر مجموعة من الأحداث التاريخية العربية والعالمية كقرارات مجلس الأمم المتحدة وغيرها،وتبدأ في تعداد فظائع الاحتلال ووصف بطولات الجزائريين، وتستمر في تعداد مكارم العلم والدين إلى أن تختم بجملة من النصائح والحكم. وانطلاقا من الأحداث المختلفة التي أشارت لها القصيدة يبدو أنها كتبت وفق احتمالين:

- الأول أن الشيخ نظمها عبر فترات مختلفة لأنه عبّر عن أحداث في أوقات متباعدة ونلمس نوعا من التجربة والحرقة في تعبيره مما يدل على معايشته الشخصية للحدث.

- أما الاحتمال الثاني هو أنه نظمها معا بعد الاستقلال، بعدما جرّب وعانا مع الشعب الجزائري فجاء نصه تلخيصا لتاريخ مرير عاشه الشعب الجزائري.

ونرجّح أنه نظم أغلبها بعد الاستقلال إلا بعضا منها وذلك لوجود قرينة لغوية تدل على أن الاستقلال لم يتحقق بعد أثناء قول القصيدة والبيت يحمل شرطا:

إذا ظفرتم بهذا الأمر فاغتنموا *** جلب العلوم  ذكرى في كل محتفل

فيظهر بوضوح شرط الاستقلال مما يدل أن الجزائر ما زالت تحت نير المحتل في تلك الفترة.

$1-         أهم موضوعات القصيدة:

يمكننا تقديم أهم موضوعات هذا النص حسب الأفكار التي انتقل بينها الشاعر ونلخصها فيما يلي:

1 – الأبيات السبعة الأولى هي عبارة عن مدخل وتمهيد للقصيدة حيث انطلق كما يفعل الشعراء القدامى من البكاء ولكن على الذنب لا على الطلل:

ابكي على الذنب لا تبكي على الطلل *** و أقصد حمى الرب حافي غير منتعل

وهذا يعكس الثقافة الدينية للشاعر كما يذكرنا ببعض شعراء العصر العباسي الذين رفضوا النسق القديم في بناء القصيدة وتمرّدوا على المطلع الطللي  كأبي نواس:

عاج الشقي على دار يسائلها*** وعجت أسأل عن خمارة البلد9

ولكن بحكم تديّن الشاعر فقد رفض النسق القديم واستبدله حسب مرجعيّته الدينية، ثم يستمر في تكريس الرؤية الدينية عبر توظيفه لعدة عبارات وألفاظ من القرآن والحديث "التقى، الذنب، حمى الرب..." بهذا يظهر الموضوع الديني بجلاء في مطلع هذه القصيدة، والأمر لا نعتبره ظاهرة أسلوبية مميزة إذا ما اطلعنا على القصائد الأخرى لذات الشاعر أو من عاصره، فالجميع ينطلق تلك الانطلاقة، ولعل ذلك من باب التقليد أو من باب الحصول على مصداقية المتلقين، خصوصا أن المجتمع في ذلك العهد متمسك بالقيم والتعاليم الدينية رغم بساطته وأمية أغلبه، لهذا فتوظيف الدين في مقدمة القصائد يجلب الجمهور ويؤثر فيه، بهذا عملت هذه التيمة على الإشهار، فكانت عتبة مهمة لتقديم ما سيأتي.

2- انطلاقا من البيت الثامن إلى الرابع عشر يبدأ الشاعر في تقديم جملة من الأحداث التاريخية التي عاصرها كميثاق الأمم المتحدة أو ربما يقصد عصبة الأمم التي كانت قبل الحرب العالمية الثانية:

يا مجلس الأمم دحضت حجتنا *** وبان حكمك هذا اليوم في خطل

كما يشير إلى اجتماعات العرب ووثوقهم بالغرب:

أناشدكم يا سرات الشرق قادتنا *** هل ثقتم بميثاق من ذوي الملل

 ثم يصف الولايات المتحدة الأمريكية ويوظف في وصفه كلمة عامية متداولة وهي الماركان ولعل وقعها يكون أكبر على الجمهور من استخدامها فصيحة:

الماريكان طغى بجرمه وبغى *** وصار مرتطما في بركة الوحل

كما يشير في بيته، إلى العدوان الثلاثي على مصر وكيف ساهم الاتحاد السوفياتي في رده:

سكان مصر زعيم الروس قال لهم *** أرد عنكم هجوم أمم الخزل

ويبدو من مختلف الأبيات التي تصف الأحداث التاريخية أنها دخلت في الخطابية ولغة السرد وابتعدت عن الشعرية، وهو أمر بديهي لشاعر يكتب لفترات زمنية متباعدة كما يحاول شرح التفاصيل شعرا، ولعله بذلك يحاول تسجيل التاريخ نظما ليُحفظ.

3- ينتقل من بعض الأحداث التاريخية العربية والعالمية إلى فرنسا وثورة الجزائر، فيصف المحتلين بأسمائهم، كما يفخر بالثوار، وهذا بعد البيت الخامس عشر:

15-    بشر فرنسا بخزي في سياستها *** سوف ترى أمة يقودها فيمولي

16-    لاكوست نسل الخناء يحسب سيرته *** تزيده رفعة بفعله الجلل

ويستمر الشاعر في تعداد مناقب الجزائريين وفظائع المحتل الفرنسي، كما يشير لعلاقة المحتل باليهود ومكرهم، ولعل ذلك الحكم انطلاقا من البعْد السلبي للشخصية اليهودية في الموروث الثقافي والشعبي لأهل المنطقة:

38-    قل للفرنسين خبتم بامتزاجكم *** بأمة عرفت بالمكر والدغل

39-    رجس اليهود قديما في بطونهم *** من أجله فتنوا بالفوم والبصل

40-    هم قتلوا الأنبياء بسفاهتهم*** وكم مواثيق خانوا مقتضاها جل

ويستمر في تعداد جرائم المحتل إلى أن يصل إلى ذكر علماء الجزائر وعلى رأسهم ابن باديس ثم فرحة الاستقلال:

44-    ابن باديس له فضل على جمعنا *** ساورنا الريب في رأي الفتى مصل

45-    بني الجزائر لا يعطى استقلالكم *** إلا بمحق الكثير الخائن الأرذل

46-    يوم استقلال جزائرنا عيد الهنى *** ترى المواطن بالأفراح في زجل

4-ينطلق بعد كلامه عن الاستقلال في جملة من النصائح للأمة والجيل الصاعد فيحثهم على طلب العلم والمعارف والتزوّد من كل العلوم:

تزوّدوا من فنون البحر واقتبسوا***منه علوم تفيد النشئ بالعجل

رصد النجوم وفي الفلك منفعة***لا سيما المشتري منها وفي زحل

$15-    كما يشير لعدة منجزات إسلامية في مجالات المعرفة وفضل العرب على الغرب، وبذلك يبين رؤية العربي، في ذلك العهد،وهو المعتز بتراثه وتاريخه المجيد وأسبقيّته على الآخر:

إن العلوم في بدئها ونشأتها*** للعرب مبدأ بنيلها اشتغل

الطيران لنا والغير منتحل*** العالم ابن فرناس طار في الأول

$16-    ثم يواصل نصائحه للشباب لتجنب مجالس السوء والنميمة ويحثهم على الفضيلة:

تخيّروا اللفظ هذبوا كلامكم ***بلغة العرب الفصحى بلا بدل

....

تخلّ مجالس هذا العصر من أجل ما*** تسمع فيها ولا تغترّ بالعذل

$17-    كما يشير في آخر قصيدته لنظمها والبحر الذي جاءت عليه، وهي عادة المطوّلات من القصائد المنظومة:

قصيدتي عبقرية وفي لفظها*** زهر الربيع وفي رياضها انتقل

...

حكت ُحواشيها صغت قوافيها ***بسيط بحرها لم تجر في الوشل

$18-    وفي الأخير ينهيها بالثناء على الله عز وجل وطلب العفو والصفح، وهذا أيضا حسن الختام بالنسبة لقصائد تلك الفترة، فتبدأ بالتوجه الديني الخالص وبه تنتهي:

أرجو حنانا ورحمة بعزته*** عند مماتي بالتوحيد يختم لي

يا رب سدد بفضلك مساعينا***واحفظ جماعتنا من طرق الزلل

بهذا يظهر البعد الديني للقصيدة وطبيعتها الإرشادية فهي مملوءة بالوعظ، وهذا ما جعلها فنيا بسيطة وسطحية، لدخول الخطابية عليها. فالشاعر يفقد تعالقه بنصه فتهتز التجربة كلما مضى في التوجيه أو سرد الأحداث التاريخية. وهذا ليس عيبا في تأليف تلك الفترة فالشعراء قدّموا ما استطاعوا في ظروف لم تسمح لهم بأكثر مما قدّموا، للنهوض بالشعر، والوصول به إلى مستوياته الراقية التي بلغها ذات يوم على أيدي كبار الشعراء القدامى10، وتعد محاولة الشاعر أحمد مصطفى من نهج ما قدّمه أعلام الشعر الجزائري التقليدي في تلك الفترة أمثال محمد العيد آل خليفة وعبد الحميد بن باديس وغيرهما.

-الاقتراب من بناء القصيدة:

نحاول في هذا العنصر الاقتراب أكثر من بناء هذه القصيدة الطويلة عبر تتبّع أهم بنياتها اللغوية وأهم المظاهر الأسلوبية البارزة والظاهرة للمتلقي، كما نشير إلى أن الدراسة هدفها التعريف بالنص وصاحبه أما الجوانب اللغوية البنائية وتحليلها فمن باب التعرّف على بعض المظاهر اللغوية في مستويات البناء المختلفة من الصوتي إلى التركيبي النحوي والبلاغي: 

$11-    المستوى الصوتي والصرفي:

سنتعرض فيه إلى نوعين من الموسيقى؛ الداخلية التي نقوم فيها بتقطيع القصيدة حسب تقطيع مارتينيه11 المزدوج، أي إلى فونيمات ومورفيمات، أما النوع الثاني من الموسيقى فهو الموسيقى الخارجية التي سنحدد فيها وزن القصيدة.

فأما الموسيقى الداخلية فنجد فيها الأصوات الأكثر حضورا في القصيدة وهي المجهور والشديد وهو أمر منطقي إذا عدنا لأهم أغراض القصيدة وهي الوعظ والإرشاد والثورة ضد المحتل والمبشرين وهذا يتطلّب شدة وجهر في القول، ومن الكلمات الحاملة لهذه الأصوات نذكر "شجاع، الرجل، العجماء، بطل...". أما مورفيمات القصيدة فنجد الأسماء منها تطغى على عدة أبيات ويعود ذلك لكثرة الوصف وقلّة الحدث الفعلي، "الطيران لنا... الطب والجغرافيا... الجبر والكيمياء... معادن الأرض... مدرسة الطب..." وغيرها من النماذج التي يطغى عليها الحضور الاسمي الذي جعل من النص أكثر سكونا لعدم ارتباطه بالزمن والتحوّل، وفي ذلك يقل الفعل ويدل الحدث على الاستقرار وهو ما أراده الشاعر من إثبات العلم وأصوله للعرب وفضلهم على باقي الأمم. كما نجده يوظف أسماء الأعلام وهذا ما زاد الحضور الاسمي قوة "ابن باديس.. ابن فرناس.. ابن سينا.. صلاح الدين.. لاكوست..". وقد أثرت كثرة الأسماء على فنية القصيدة التي صرّحت في الكثير من مقاطعها وابتعدت عن الشعر، فكانت مجرّد نظم لحقائق تاريخية في قالب عروضي. ففَقد توظيف الأسماء بعْده الرمزي والسيميائي لكونه جاء مباشرا دون إيحاء. أما حضور الأفعال فنجده في اللحظات الأكثر نشاطا في القصيدة خصوصا في حالات الغضب والثورة التي تتبعها الحركة والنشاط "فتكت بالضعفاء... فاخرج للحرب....لا يعطى استقلالكم...يبقى كفاح الجزائر..." فيظهر الاضطراب والحركة في توظيف الفعل الذي قدّم حدثا وزمنا حرّكا النص. كما نسجّل في الأفعال ظاهرة توظيف الأمر والنهي "دعوا... ردوا...تقدّموا... ارموا... لا تيأسوا... " وهذا يتماشى والطابع الإرشادي التعليمي والتوجيهي في القصيدة، فهويتطلب الأمر والنهي.

أما عموم معجم القصيدة فهو معجم ديني تاريخي سواء على مستوى أسماء الأعلام أو الألفاظ الأخرى ومن ذلك "التقى، الصحابة، حادثات الدهر، حمى الرب، رجس اليهود، الرازي ، الفارابي..." وهذا عمّق الاتجاه التعليمي في هذه القصيدة التي تحوّلت إلى درس في التاريخ والنصائح منظومة في قالب شعري.

أما مستوى الموسيقى الخارجية للقصيدة فنبحث فيه عن بحرها وأهم ما اعتراه من زحافات ومنها نختار البيت الأول:

ابكي على الذنب لا تبكي على الطلل *** واقصد حمى الرب حافي غير منتعل

اه اه ااه   اه ااه   اه اه ااه   اااه*** اه اه ااه   اه ااه   اه اه ااه   اااه

مستفعلن   فاعلن  مستفعلن  فعلن *** مستفعلن   فاعلن   مستفعلن   فعلن

(الصحيح في حافي هو – حافيا- لكن يسبب كسرا عروضيا)

من خلال الوزن يظهر البحر البسيط بوضوح ، وهو ما صرّح به الشاعر في أحد أبياته:

حكت ُحواشيها صغت قوافيها ***بسيط بحرها لم تجر في الوشل

وعبر تتبع مختلف أبيات القصيدة نجد الكثير من الكسر العروضي في طياتها ويعود ذلك لعدة أسباب منها سوء النقل الشفاهي، وأحيانا توظيف بعض الكلمات العامية أو أسماء الأعلام الأعاجم "لاكوست، فيمولي.." وهذا أدى إلى اضطراب الوزن، ومن الأبيات التي ظهر الاضطراب فيها بشكل واضح نذكر:

لا كوست نسل الخناء يحسب سيرته***تزيده رفعة بفعله الجلل

اه اه اه اه   اه ااه   ااه اااه   اااه *** ااه ااه   اه ااه   ااه ااه   اااه

يظهر بجلاء تكسر الوزن خصوصا لما ارتبط بالاسم الأعجمي، وهذا نجده بكثرة في معظم الأبيات الحاملة لتلك الألفاظ، كما يظهر من خلال قراءتنا المتكررة للنص أنه تم تقديمه مشافهة في أغلب مراحله فالكثير من الألفاظ أثّر نطقها على الكتابة فتوهّم الكاتب أو الشاعر بأنها تنطق وفق تقطيع صوتي معيّن ليستقيم وزنه، لكنه أخطأ التقدير وأثرت على الوزن وكسرته في مواضع لا يصح فيها الزحاف ولا العلة. لكن يظل أغلب النص محافظا على وزنه رغم انتشار الزحافات والعلل بشكل ملفت، وهذا راجع لطبيعة التأليف في زمن الشاعر والانتقال الشفهي للنص مما أثر على الكثير من الألفاظ. 

$12-    المستوى التركيبي:

من خلال أبيات القصيدة يظهر سيطرة الجمل الاسمية على المشهد وهي ما يناسب عملية الوصف بشكل عام خصوصا أن الأبيات أتت على عدة أحداث تاريخية مهمة في تاريخ الجزائر والعرب:

13-    سكان مصر زعيم الروس قال لهم *** أرد عنكم هجوم أمم الخزل

أما الجمل الفعلية فنجدها في مواضع الحركة والتحوّل الفعلي والزمني وفيها اضطراب وفعل، كقوله مخاطبا لاكوست العدو:

19-    فاخرج إلى الحرب إن كنت شجاعا ودع *** ما أنت تزعمه ينال بالحيل

أما على مستوى التصوير البلاغي فنجد أغلب صور القصيدة تقليدية فلم تخرج من التشبيه وبعض الاستعارات والكناية كقوله:

30-    مائة عام ونحن في مهانتنا *** والروم تقهرنا ونحن في خجل

أو قوله في التشبيه السطحي المباشر:

47-    يبقى كفاح الجزائر كمدرسه *** دستور حرب لدى أبطالنا البسل

وفي عموم القصيدة لم يستخدم الترميز ولا الصور البيانية الأكثر تعقيدا ربما ذلك راجع لطبيعة المتلقين في ذلك العهد والهدف من وراء القصيدة هو الإرشاد والوعظ أكثر منه الجانب الفني التصويري، وعبر هذه الوظيفة التبليغية للُغة القصيدة فقد جاءت صورها قريبة ومباشرة ولا تتطلب كثيرا من إعمال الفكر.

في آخر تتبعنا لبعض جوانب البناء اللغوي لهذا النص يبقى ما قدّمناه مجرّد إضاءة بسيطة لمجاهيل هذه القصيدة التي تحمل الكثير بَعْد لتقوله للمتلقي العربي والجزائري على وجه الخصوص، ونظرا للمساحة المتاحة في هذه الدراسة أوقفنا رحلة البحث والتتبع لأهم المظاهر البنائية اللغوية لهذا النص راجين أن نتمكن من تقديم المزيد حوله وباقي المخطوط في دراسات لاحقة إن شاء الله.

الإحالات:

*في التعريف بالشيخ تم الاعتماد على رواية ولده عبد العزيز، ومقال منشور بجريدة الشعب العدد11/في13 أفريل 1986م. الملحق الثقافي.

[1] ينظر، محمد بنيس، الحق في الشعر، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب ، ط7، 2001، ص68.

2 ينظر، إياد خالد الطباع، منهج تحقيق المخطوطات، دار الفكر، دمشق/ سوريا، ط1، 1423هـ، ص 26، ص 27.

3 ينظر، عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان، تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل، مكتبة الملك فهد الوطنية، دط، 1415هـ، ص 122.

4ينظر، عبد السلام محمد هارون، تحقيق النصوص ونشرها، مكتبة الخانجي، القاهرة/مصر، ط7، 1998م، ص 53.

5ينظر، المرجع نفسه، ص 53.

6 ينظر، إياد خالد الطباع، منهج تحقيق المخطوطات، دار الفكر، دمشق/ سوريا، ط1، 1423هـ، ص 23.

7 ينظر، مشري بن خليفة، الشعرية العربية، مرجعياتها وإبدالاتها النصية، دراسة، صدر عن وزارة الثقافة بمناسبة، الجزائر عاصمة للثقاة العربية 2007م، دط. ص 94.

8 ينظر، صلاح الدين المنجد، قواعد تحقيق المخطوطات، دار الكتاب الجديد، بيروت/ لبنان، ط6، 1982م،  ص 22.

9 ينظر، الموسوعة العالمية للشعر العربي، أدب، من موقع، www.adab.com، أبو نواس.

10 ينظر، عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الثقافة، بيروت، لبنان، دط، ص 43.

11 ينظر أحمد مؤمن، اللسانيات النشأة والتطور، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.ط2 .2005. ص 151.وما بعدها.