الأستاذ سرقمة عاشور        pdf                                     

كلية الآداب واللغات جامعة غرداية            

عنوان المداخلة: المخطوطات الأدبية بمكتبات وخزائن غرداية، واقعها وأهم أعلامها.

نص  المداخلة:

تحتوي المكتبات الخاصة والعامة بمناطق الجنوب الجزائري ــــ خصوصاً بغرداية (وادي مزاب) ــــ على عدد كبير من المخطوطات الأدبية النثرية الشعرية، أما النثرية فمنها المتعلقة بالسير والتراجم والقصص والأمثال والحكم، أما الشعرية فهي موجودة على شكل دواوين تامة أو نتف منها عبارة عن قصائد شعرية لشعراء جزائريين من الجنوب الجزائري، أو لشعراء آخرين ممن وفدوا إلى هذه المناطق لسبب أو آخر.

وتطرح هذه المخطوطات الأدبية النثرية والشعرية عدة قضايا تتعلق بجمعها وفهرستها وتصنيفها،  وأخرى مرتبطة بتحقيقها ودراستها والتعريف بها، حيث توجد هذه المخطوطات في مكتبات خاصة وعامة في وضعيات أقل ما يُقال عنها أنها مزرية للغاية.

ولعل من أهم القضايا التي تواجه الباحثين في هذا المجال؛ خصوصاً ما يتعلق بالدواوين الشعرية المخطوطة؛ هي مسألة نسبة بعض القصائد إلى مؤلفيها خصوصاً تلك الموجودة في مجاميع أو نتف متفرقة، حيث يُضطَرُّ الباحث حينها إلى الاعتماد على بعض القرائن الإبداعية الشعرية واللغوية في نسبة هذه القصيدة إلى هذا أو ذاك من الشعراء.

وقد كانت لنا تجربة في هذا المجال من خلال إشرافنا بجامعة غرداية على فرقة بحث بعنوان: واقع التراث المخطوط وآفاقه بمناطق الجنوب الجزائري: مخطوطات اللغة والأدب عينة، سنحاول عرض تجربتها في ورقتنا البحثية.

         وستتوقف في مداخلتنا عند الجوانب الآتية:

ـ التعريف بمنطقة غرداية

ـ أهم مجالات المخطوطات الأدبية واللغوية

ـ بعض المخطوطات اللغوية وأهم أعلامها.

ـ واقع البحث في المخطوطات اللغوية والأدبية وآفاقه بغرداية.

غرداية الموقع والجغرافيا:

أما منطقة غرداية (وادي مزاب) فيَبعد مقر ولاية غرداية عن العاصمة الجزائر بمسافة قدرها 600 كلم نحو الجنوب.

تقع الولاية وسط شمال الصحراء الجزائرية، وتتربع على مساحة تقدر بـ86105 كلم2 تضم حوالي أزيد من 334754 نسمة، تتفرع إدارياً إلى تسع دوائر، وتشتمل على ثلاث عشرة بلدية وهي: غرداية، بنورة، العطف، ضاية بن ضحوة، بريان، القرارة، متليلي، زلفانة، حاسي لفحل، منصورة، سبسب، المنيعة، حاسي القارة.

تحد المنطقة من الشمال ولاية الأغواط ومن الشرق ولاية ورقلة ومن الجنوب ولاية أدرار ومن الغرب ولاية البيض، وإذا ألقينا نظرة خاطفة على موقعها نلاحظ أنها تتوسط عدة ولايات متميزة بثقافاتها المتنوعة.

وهذا الثراء الثقافي انعكس في عدة مكتبات عامة وخاصة تهتم بالتراث المخطوط، ومنها:

مكتبة الشيخ الحاج صالح بن عمر لعلي ت 1347 ه بني يزقن
مكتبة الشيخ محمد بن سليمان ابن ادريسو ت 1313 ه بني يزقن
مكتبة عشيرة آل يدّر بني يزقن
مكتبة عشيرة آل فضل بني يزقن
مكتبة الشيخ الحاج محمد بن عيسى ازبار ت 1307 ه بني يزقن
مكتبة إروان (دار التلاميذ) العطف
مكتبة البكريّ ت 1406 ه العطف
مكتبة الشيخ عمّي سعيد الجربيّ ت 898 ه غرداية
مكتبة الحاج عيسى بوعيس ت 1410 ه بني يزقن
مكتبة الشيخ حمو باباوموسى، ومكتبة معهد عمّي سعيد، ومكتبة الحاج مسعود بابكر الغرداويّ، بغرداية.
مكتبة القطب الشيخ اطفيش1، ومكتبة الاستقامة، ومكتبة الحاج إبراهيم أوزكري، ببني يزقن.
مكتبة السلف، بمليكة.
مكتبة الشيخ بالحاج، بالقرارة.
مكتبة النهضة، بالعطف2.

إضافة إلى عدد من المكتبات الخاصة الأخرى بكل من متليلي والمنيعة وبريان...

وتضم جميعها مخطوطات في شتى المعارف والعلوم من فقه وحديث وتاريخ، ومتون، وشروح، وحواشي، ومختصرات، إضافة للرسائل، والأجوبة، والردود، إضافة إلى المخطوطات اللغوية والأدبية، ويبلغ عددها بجميع تلك المكتبات ما يفوق اثنا عشر ألف مخطوط ( 12000).

وإذا أردنا الحديث عن أهم مجالات المخطوطات الأدبية واللغوية؛ فإنه يُمكننا حصر أهم الأجناس الأدبية التي تحتوي عليها المخطوطات اللغوية والأدبية في مكتبات وخزائن غرداية فيما يلي:

القصائد، والنظم، والأراجيز وكلها ضمن ثلاثة عناوين كبرى هي: " علوم اللغة العربية" و"الأعمال النثرية" و" المنظومات والقصائد والأراجيز"، وتغلب الأعمال الشعرية على الآثار النثرية، ويمكننا بذلك أن نُحدد عدد المخطوطات اللغوية والأدبية بمكتبات غرداية بما يفوق خمسة آلاف مخطوط، أي  بنسبة 33%، من المجموع العام للمخطوطات بالمنطقة.

وتضم " علوم اللغة العربية" بعض المخطوطات في النحو والصرف والبلاغة... أما "الأعمال النثرية" فمنها الخطب والوصايا والأمثال... أما " المنظومات والقصائد والأراجيز فهي متعددة الموضوعات والمجالات منها التعليمية في علوم الحديث والتوحيد والعقائد، وعلم الميقات، والسسيرة النبوية، ومنها في الحكمة والرثاء والوصف والغزل والمديح النبوي والابتهالات.

فمن المخطوطات اللغوية نجد: مخطوط " إيضاح الدليل إلى علم الخليل" يعني علم الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو كتاب ما يزال مخطوطاً؛ وَقَفْتُ على نسخة منه بمكتبة جمعية أبي إسحاق اطفيش بغرداية الجزائر.

ويحتوي هذا الكتاب على أربع وعشرين ومائة صفحة، قام فيه بوضع حواشٍ موجزةٍ على شرح الخزرجية المسمى بـ" فتح رب البرية بشرح القصيدة الخزرجية "للعلامة أبي يحيى زكرياء الأنصاري، ويَذكر أنه انتهى من كتابتها في ثامن يومٍ من ذي الحجة عام ألفٍ ومائتين وثلاثة وسبعين.

وأظن أن القطب قصد بإيضاح الدليل إلى علم الخليل: إيضاح الطريق أو المنهج للمبتدئين والمتعلمين إلى علم الخليل ويقصد به علم العروض.

وقد شاعت في المغرب العربي ظاهرة "الشرح على الشرح"، فكثيراً ما تجد ـ كما لاحظنا ـ عدة شروح على كتاب أو متن واحد، بل قد تجد شرحاً على شرحٍ آخر، أو هامشاً على هامش آخر...، ولكن أهمية كتاب الشيخ اطفيش ـ رغم أنه شرح على شرح ـ هو أنه كان يستهدف مباشرة ما أشكلت من القضايا أو احتاجت إلى توضيح أو التي أضافها هو؛ دون إعادة ذكر جميع القضايا التي تمَّت الإشارة إليها في الشرح الأول، فتجد الشيخ اطفيش يقول مثلاً: « فائدة الظاهر أنه لا يجوز لنا أن نكتب مثل قوله في حق الناظم طيب الله ثراه... »3.

أو قوله: « تنبيه زعم بعض أن حرف المد في آخر البيت عوض عن المحذوف في الخرم... »4

 أو كقوله: « ظهر لي أنه يُحتمل أن الناظم لم يذكر مذهب الخليل في التشعيت، وأن قوله شعت أمرٌ بمطلق التشعيت، وبيَّنه بثلاثة أقوال بعد ذلك... »5

ومن الأعمال النثرية نجد: خطبة " عيد النحري" لمجهول مالكي، ورد في مطلعها «... وسماه تعظيما بيوم الحج الأكبر، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر...) واستغفروا الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين».

ومن الوصايا وصية أحمد زروق البرنسي الفاسي أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى ( ت 899هـ/ 1493م)، والتي يقول في بعضها: « الحمد لله، أصول طريقتنا خمسة أشياء: تقوى الله في السر والعلانية، واتباع السنة في الأقوال والأفعال... عمل فيه وعومل بالأخوة في الباقي، انتهت الأصول المذكورة...».

أما الأعمال الشعرية فمنها ما هي لشعراء معروفين مشهورين مثل: ألفية ابن ، لابن مالك محمد ( ت 672ه/ 1274م):

قال محمد هو ابن مالك
 

أحمد ربي الله خير مالك
  

وآله الغر الكرام البررة
 

وصحبه المُنتخبين الخيره
  

وأيضاً لامية في أحكام الجُمل للمجرادي، محمد بن محمد بن عمر أبو عبد الله ( ت 778ه/1376م):

حمدت إلهي ثم صليت أولا
 

على سيد الرسل الكرام ذوي العُلا
  

وأزواجه والآل طُراً وصحبه
 

أولي الفضل والإحسان والمجد والعُلا
  

وأيضاً لامية الأفعال للطائي محمد بن عبد الله بن مالك ( ت 672ه/ 1274م):

الحمد لله لا أبغي به بدلا
 

حمداً يبلغ من رضوانه الأملا
  

وأن يُيسر لي سعياً أكون به
 

مستبشراً آمناً لا باسراً وجلا
  

وأيضاً الجوهر المكنون في صدق الثلاثة الفنون للأخضري عبد الرحمن بن صغير (ت983ه/ 1575م):

الحمد لله البديع الهادي
 

إلى بيان مهيع الرَّشاد
  

ثم بشهر حجة الميمون
 

مُتيِّم نصف عاشر القرون
  

وبعض تلك القصائد لشعراء من غرداية، منهم: صالح بن قاسم بن الشيخ صالح الغرداوي ( حي في 1280ه/ 1864م):

طال وجدي بوهجتي وبُكاء
 

من مفاقدتي مصابح الظلماء
  

مادامت الدنيا تدوم صلاتُه
 

في كل يوم بكرة ومساء
  

وقصائد أخرى لشعراء مجهولين أو مُختلف في نسبتها لشعراء معينين أو أسماؤهم غير مُكتملة مثل:

نظم لشاعر يدعى المنوفي عبد الخالق بعنوان: " طويل النوى لاشك للمرء قاتل:

طويل النوى لاشك للمرء قاتل
 

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن
  

وإن أشكلت في الشعر غامض نُكتة
 

إلى النظم نلجأ حين تقرر في الشعر
  

وتوجد أيضاً دواوين وكراريس قصائد وأزجال لشعراء مجهولين منها أرجوزة مطلعها:

الله يرحم اللي بنا عليك القبة بلجير
 

زادها بزلزالي من دار الزليج والاسواني
  

وتجدر الإشارة إلى أن من أقدم المخطوطات اللغوية والأدبية بمكتبات وخزائن غرداية هو مخطوط"مغني اللبيب" لابن هشام الأنصاري، إذ يعود نسخه إلى سنة 913هـ، ، نسخ محمد بن أبي المعالي السنوسي بخط مغربي واضح، والموجود بمكتبة خزانة دار "إروان" أو "دار التلاميذ" بالعطف ( تجنينت).

ملاحظات عامة حول المخطوطات اللغوية والأدبية بمكتبات وخزائن غرداية (وادي مزاب):

ــ بعض تلك الآثار الأدبية في مجاميع وبعضها في أوراق ووثائق متفرقة.

ــ بعضها معروفة المؤلف ومُعظمها مجهولة المؤلف، مما يَطرح عدة مشكلات في نسبتها إلى هذا الكاتب أوذاك، ويُمكن الاعتماد على بعض القرائن الفنية أو اللغوية من أجل الاطمئنان في نسبتها إلى مؤلف ما.

ــ بعضها لعلماء من غرداية، وبعضها لعلماء وأدباء من خارج غرداية، مما يُعبر عن ذلك التواصل العلمي والحضاري الذي كان يربط غرداية بغيرها من الحواضر العلمية الأخرى.

ـــ بعض أولئك الأعلام عثرنا على تراجمهم، والبعض الآخر لم نجد لهم ترجمة، فبعضهم معروف وبعضهم الآخر مغمور.

ـــ أغلب تلك المخطوطات مُفهرسة لكنها غير مُحققة.

ـــ تحتوي تلك المخطوطات على أمهات الكتب والأراجيز والقصائد الشعرية التي كانت وما تزال تُدرس في المساجد والزوايا في مناطق الجنوب الجزائري عموما وبغرداية على وجه الخصوص.

ونشير إلى أننا اعتمدنا اعتمدنا في إنجاز هذا البحث على مجموعة من الفهارس لمكتبات وخزائن مخطوطات بغرداية منها:

$1·                   الخزانة العامة لمؤسسة الشيخ عمي سعيد.

$1·                   خزانة الشيخ حمو بن باحمد بابا وموسى.

$1·                   الخزائن الثلاث: اشقبقب وبوكرموش والشيخ صالح.

$1·                   خزانة الأستاذ محمد بن ايوب الحاج سعيد.

$1·                   خزانة دار التعليم لآل موسى وعلي.

$1·                   خزانة الشيخ أبي بكر بن مسعود الغرداوي.

$1·                   خزانة دار التلاميذ (إروان) بجامع غرداية الكبير.

$1·                   خزانة الشيخ اطفيش القطب ببني يزقن.

$1·                   خزانتا الشيخين: بنوح مصباح وصالح بابهون.

توصيات:

ـــ ضرورة التنسيق بين مُلاك الخزائن العامة والخاصة، وبين الجامعات خصوصاً الإقليمية منها.

ـــ تشجيع الطلبة والباحثين على الاهتمام بهذا الموضوع، واختيار بحوثهم جمعاً وفهرسة وتحقيقاً ودراسة، للمؤلفات والأعلام الذين كبوا في اللغة والأدب، وذلك لعدم وجود إحصاء دقيق لأهم العلماء والكُتاب الذين كتبوا في اللغة والأدب، في غرداية على وجه الخصوص، وفي الجزائر عامة.

ـــ إنشاء فرق بحث ومخابر بحث تهتم بهذا الموضوع.

dakira0413

الورقة الثانية من مخطوط به قصائد للشاعر والفقيه عمرو بن رمضان التلاتي الجربي (ت 1187ه/1773م).

dakira0414

الصفحة الأولى من مخطوط " إيضاح الدليل إلى علم الخليل" لأمحمد بن يوسف اطفيش.

dakira0415

 

الصفحة الأخيرة منه

الإحالات:

[1]/ يوسف بن بكير الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب: دراسة اجتماعية واقتصادية وسياسية، ط3، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 2014، ص: 188.

2 مصطفى بن الحاج بكير حمودة،  المخطوط في منطقة وادي ميزاب، صفحة الويب: http://tourath.halamuntada.com/t55-topic

3 / امحمد بن يوسف اطفيش، إيضاح الدليل إلى علم الخليل، مخطوط بمكتبة جمعية أبي إسحاق اطفيش، غرداية، دون رقم، و 8.

4/ نفسه، و 243.

5/ نفسه، و 258.