الأستاذ/ بوقاعدة البشيرpdf

                                                                                                         -جامعة سطيف 2

- التراث الجزائري المخطوط ، دراسة في أهمية التحقيق و آليات التفعيل.

    مقدمة:          

     في الوقت الذي أضحى المخطوط بالجنوب الجزائري يصارع جملة من الأخطار تتهّدده خاصة النفيس و الأهم منه بات من الجدير على الفاعلين أساتذة و باحثين دارسين و مهتمين مؤسسات و من عليها قائمين التصدي في مسعى جاد لحماية هذا الارث الحضاري الهام من الضياع و النهب و السرقة و البلى التلف ، و حتى من التجارة بكنوز الحضارة.

     و لا ريب أن من أجدى و أبلغ سبل الحماية و الحفاظ على هذا المكنون هو الانتصاب في جهود فرادى و جماعات للتحقيق العلمي الوازن لنصوصه ، وفق الأسس العلمية و المنهجية التي نظر لها و أرسى قواعدها العلماء و المختصون ، في ظل ما ينطوي عليه هذا التراث المخطوط من أهمية كبيرة في حقل الكتابة العلمية التي أثرت الحضارة  الجزائرية على امتداد عصورها و حقبها التاريخية ، و كذا لإبراز جهود نخبها العلمية جهود المضنية لإثراء الجوانب الدينية و اللغوية و الأدبية لتلك الحضارة ، ناهيك عن أنه ذاكرة الأمة الجزائرية المتضمن هويتها و مقومات وجودها و المعبر عن شخصيتها و ضميرها ، و الفاعل الكبير لصون تراثها و استمرار بقائها.

      من هذا المنطلق شدّ انتباهنا موضوع ملتقى المخطوطات في الجنوب الجزائري واقعها و أعلامها لنساهم بجهدنا المتواضع في اثراء احدى محاوره بدراستنا الموسومة "التراث الجزائري المخطوط ، دراسة في أهمية التحقيق و آليات التفعيل " لنكشف الستار عن حيثية هامة في مجال أهمية تحقيق المخطوط الجزائري نظير ما يكتسيه من أهمية بالغة ، و البحث في آليات تفعيل عملية التحقيق و سبل الاستزادة بعد الاستفادة من هذا الارث الكبير المحفوظ في الخزائن و الرفوف ، و الذي لا يزال عرضة لكثير من الأخطار الملتهمة لكنز لا ينبغي أن يزول بالزوال. و عليه نتساءل عن أيّ السبل أنجع لحماية هذا الارث؟ و إلى أي حدّ يساهم التحقيق في الحفاظ عليه؟ و في ما تتجلى آليات تفعيل العمليتين السابقتين (سبل الحماية و أهمية التحقيق)؟

1- واقع المخطوط الجزائري:

يكتسي التراث الجزائري المخطوط أهمية بالغة في حقل الكتابة العلمية ، ذلك أنّ هذا الانتاج يمثل عصارة أفكار أبناء الجزائر و عبقرية أجيالها ، فهو المخزون الثقافي و الفكري الذي يرسم ملامح تاريخها و حضارتها على مر الأزمان و في شتى المجالات(1) ، كما أنّه المؤشر الحضاري لإدراك مستويات العلم و الثقافة التي كانت عليها مجتمعات الأمة الجزائرية ، بل صورة حية لواقع العلوم و الآداب من لغة ، و نحو، و فلسفة، و دين، و رياضيات، و فنون، و عمران، و غيرها(2).

     و الجزائر تزخر بثروة علمية كبيرة يمثلها ذلك التراث المخطوط في مختلف مجالات العلوم. غير أن هذا التراث و على كثافته لا يزال جزء كبير منه مكتنز في ظلمات الخزائن قابع بين زوايا النسيان عرضة لعوامل التلف و الفناء و الزوال ، سواء في بعض المكتبات العامة أو الخاصة و مكتبات الزوايا و غيرها من المكتبات التي تحوي هذا المخطوط ، على غرار كل من: تمنراست ، و عين صالح ، و أدرار ، و تندوف ، و ورقلة ، و بسكرة و غيرها من أماكن حفظه(3).   

      و الحقيقة التاريخية التي وقف عليها جل الباحثين الجزائريين بشأن المناطق الغنية بالتراث المخطوط في الجزائر ، هي منطقة الجنوب بلا منازع ، إذ تحوز خزائنها أكبر عدد من المخطوطات ، ذلك أنه لا يكاد يخلو أي قصر عتيق أو بيت توارثه مشايخ الزوايا من مخطوطات العلماء الجزائريين في مجالات متنوعة من العلوم. و هذا ان دلّ على شيء فإنما يدلّ على الاسهام الكبير لعلماء منطقة الجنوب في الحياة العلمية و الحضارية للجزائر(4).

     و من أبرز هذه الخزائن التي تحتويها ولايات الجنوب الجزائري ، الخزانة الزيانية القندوسية بولاية بشار(5) ، و بالضبط تلك الموجودة في القصر العتيق غرب مدينة القنادسة ، و التي تتضمّن كمّا غزيرا من المخطوطات ، و التي ترجع إلى بعض العائلات و كذا الرحالة الذين زاروا المنطقة. و من هذه المخطوطات ما تعلق بالفقه كمخطوطة أحمد بن محمد القلشاني في الفقه المالكي ، و "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل لأبي محمد عبد الرحمن الحطاب ، ومخطوطات في التصوف "كفتح المنان في سيرة الشيخ بن أبي زيان" للشيخ عبد الرحمن بن محمد اليعقوبي ، و مخطوطات أخرى في العقيدة و الحديث ، مثل "مجموع المتون ، و هو مخطوط مجهول المؤلف ، و مخطوط الايمان في أخبار الزمان ، و هو الأخر مجهول المؤلف ، و كذا مخطوطات في التاريخ ، مثل مخطوط "التوجه لحج بيت الله الحرام و زيارة قبره عليه السلام" لمصنفه ابي العياد بن أحمد بن الشيخ الهلالي السجلماسي ،و في مجال الأدب أيضا ، مثل مخطوط "تحفة الأريب و نزهة الأريب" لأبي مدين بن أحمد بن عبد القادر الفاسي ، و غيرها من المخطوطات في مجال الطب و الفنون(6)

     و لا يفوتنا في هذا السياق، الاشارة إلى الحالة التي أضحى عليها هذا المخطوط الجزائري من حالة متردية لأوراقه بسبب العوامل الطبيعية كالرطوبة و الحرارة و الحموضة و الحشرات و الانكسار و بهتان الأحبار، أو عوامل فيزيوكميائية  كالدخان و الغبار و عمليات الأكسدة ، أو بيولوجية كالحشرات و الفطريات و غيرها من الكائنات الدقيقة التي تفتك بأوراقه(7) ، وحتى بشرية ، من مثل: الحرائق التي قد تصيبه ، و جهل القائمين عليها بالتقنيات و الطرق الكفيلة بحفظها و صيانتها و عدم استثمار الأجهزة التكنولوجية العصرية المساعدة على ضمان حياتها و استمراره ، كالرقمنة الالكترونية ، و عمليات التصوير و النسخ لهذه المخطوطات خاصة التي تحتويها خزائن المكتبات الفردية و الخاصة بالعائلات و شيوخ الزوايا(8).

     و يضاف إلى هذا، الصعوبات التي تعترض الباحثين و الدارسين الجزائريين المهتمين بعملية جمع المخطوطات المكتنزة في الخزائن و فهرستها ، و تحقيقها و دراستها ، من مثل: احجام القائمين عليها في مكتبات الزوايا -خصوصا بالجنوب الجزائري الغني بهذه المخطوطات- و اعراضهم عن فتح المجال لهؤلاء الباحثين للوقوف عليها و انقاذها ممّا يدمرها بشكل تدريجي من خلال عملية التحقيق و الفهرسة. و من الأمثلة على ذلك ما ساقة الباحث صالح يوسف بن قربة في رحلته إلى الجنوب الجزائري ، و بالضبط لخزانة الزاوية العثمانية ، و ما اعترض سبيله من صعوبات من لدن القائمين عليها من مراقبة مشدّدة و منع للفهرسة بحجة كونه ارث جماعي للأسرة لا يمكن المساس به ، حين رام عملية الفهرسة لمكنونها ، الذي يزيد عن الألف مخطوط ، يتعلق أغلبه بالقضايا الفقهية ، و الحديثية، و النحوية، و اللغوية ، و ما وقف عليه من حال سيئ لتلك المخطوطات ، التي أضحت أوراقها مفتتة و مقطعة لا يقدر الباحث لمسها أو تقليب صفحاتها(9)

     و انطلاقا من هذه الحقيقة التي لا مناص منها ، و حرصا على مستقبل تراثنا المخطوط، أضحت قضية احياء التراث الجزائري المخطوط و العناية به و تأمينه أمرا حتميا ، و مهمة ملقاة على عاتق الدارسين و الباحثين المتخصصين و غيرهم من المهتمين في هذا المجال في كل من المؤسسات العلمية الأكاديمية و الحرة و الجمعيات الفاعلة و الناشطة في مجال البحث العلمي ، من خلال استقراء مآثر هذا التراث ، و جمعه ، و ترتيبه ، و تحقيقه للكشف عن مكنونات هذا الكنز الثمين.  و في هذا السياق ، يرى الباحث صالح يوسف بن قربة أنّه لا عبرة للحديث عن التراث العلمي المخطوط و احيائه ، سواء كان أدبيا أو علميا و غيره مما تعلّق بالحرف و الصنائع و العمران دون الانتصاب في جهود فرادى و جماعات لتحقيقه و دراسته ، و ذلك -حسب رأيه- لأن التحقيق هو الذي ينقل التراث من مجرد مخطوط يستعصي على الفهم و يصعب على القارئ قراءته ، إلى تراث انساني جدير بالتسجيل و الاحياء(10).

3- آليات تفعيل عميلة تحقيق التراث المخطوط:

      التحقيق في اللغة هو: مصدر للفعل: حقق  ، يحقق. و حقق الأمر يحقه حقا ، و أحقّه كان منه على يقين ، و كلام محقق: أي رصين. و هو اثبات المسألة بدليلها. و نلمس من خلال هذا التعريف اللغوي ، أن التحقيق في اللغة هو: هو الادراك الصحيح للأشياء على حقيقتها كما هي ادراكا تاما يقينيا لا لبس فيه و لا مرية.

      أما في الاصطلاح، فمعناه: الاجتهاد في جعل النصوص المحققة و نشرها مطابقة لحقيقتها ، كما وضعها صاحبها و مؤلفها ، من حيث الخط و اللفظ و المعنى. و تحقيق المخطوطات و نصوصها هو: مجال من مجالات البحث العلمي الرامية إلى تثبيت النصوص ، عن طريق جمع النسخ المخطوطة على اختلافها ، و مقابلتها ببعضها ، و تمييز الاختلافات الواردة فيما بينها ، و من ثمّ اختيار النص الأقرب للحقيقة منها(11).

     و عليه يكون التحقيق في الاصطلاح هو: عملية اثبات الحقيقة العلمية و تأكيدها بعد عملية جمع نصوصها و تحليلها و مقارنتها ، ثم اخراجها في ثوب جديد خال من المغالطات و الأخطاء و بعيد عن الزلل و التشويه ، مع ضرورة تدعيم هذه العملية بالأدلة العلمية و البراهين على صحة النصوص العلمية المحققة وفق أسس التحقيق و مناهجه.

     أمّا المخطوط المنتج في شكل كتاب محقق ، فهو: ذلك الكتاب الذي صح عنوانه و تطابق مع أصله ، و صح اسم مؤلفه المنسوب الكتاب إليه ، و كان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة الحقيقية التي تركه عليها مؤلفه. و هذا في الحقيقة هو منهج المحققين القدامى(12).

     في حين أنّ هناك من الباحثين و المحققين المحدثين من يرى أن دور محقق المخطوط ينحصر في عملية اخراج هذا الأخير على الصورة المطابقة لحقيقته و أصله ، و نشرها في شكل مطابق لتلك الحقيقة كما وضعها مصنّفها من حيث الخط و اللفظ و المعنى. و في هذا الحال تعترض سبيل المحقق معضلة تتمثل في صحة المخطوط من حيث نسبته لمصنفه و مطابقة العنوان لمتنه. و هنا ينبغي على المحقق الرجوع إلى فهارس المخطوطات لتمييز المخطوط محل الدراسة من المخطوطات الشبيهة من حيث الموضوع ، من خلال مقارنة نصوصها بنصوص المخطوطة المدروسة ، و كذا الوقوف على ترجمة المصنف و دراسة أسلوبه المتبع في التأليف في ذلك المخطوط و في مصنفاته الأخرى ، فيقدر عندئذ على نسبة المخطوط لصاحبه(13).

     أمّا إذا تعلق الأمر بصعوبة تحديد المخطوط في حدّ ذاته في الوقت الذي يكون المحقق على معرفة بصاحبه ، فإنّه يضطرّ عندئذ لمعرفة الكتب ذات العنوان نفسه ، و الوقوف على زمن تأليفها من خلا شيوخ المصنف و تلامذته ، و مختلف الأحداث الدالة على الأعلام المعاصرين له ، و كذا من خلال مضمون المخطوط و ما يحتويه من دلالات تشير إلى عصر المؤلف ، و غيرها من التقنيات التي يقوم عليها علم تحقيق المخطوط(14).

     و إذا كانت عملية تحقيق التراث المخطوط تقوم بشكل أساسي على دراسته دراسة دقيقة و موضوعية لكشف الزائف من نصوصه ، و تصحيح رواياتها المختلفة و تنقيحيها من أجل اخراجها على الصورة السليمة الخالية من العيوب ، فان نجاح هذه العملية الهامة يرتبط بشكل أكبر بمدى كفاءة و حنكة المحقق و خبرته في مجال فن تحقيق المخطوط ، و قدرته على معالجة النصوص و تمييز صحيحها من سقيمها ، و فهرستها ، و اثراء هوامشها بالتعليقات و التصويبات الهادفة و المفيدة.

      فالمحقق ، يمكن القول أن مسؤوليته تفوق إلى حدّ ما مهمة الباحث و الدارس لمضامينها ، فهو الذي يقدم النصوص العلمية على اختلافها جاهزة و على طبق ، فيتلقّفها الباحثون بالدراسة و البحث و التقصي لتفاصيلها بالتحليل و الاستقراء للوصول إلى الحقائق التاريخية و العلمية و الأدبية و الفنية و غيرها من مجالات البحث العلمي المتعلقة بهذا التراث .كما أنّ المحقق، هو من يضع الجسور الرابطة بين النص القديم المخطوط و الدارس المعاصر له ، خصوصا إذا تمكن من اضافة الجديد إلى حقل العلم و المعرفة أو أكّد حقيقة علمية و نفى الباطلة منها(15).

       و من الأكيد أنها ليست بالمهمة السهلة ، تلك التي يقدّم الباحث المحقق من خلالها مادية جاهزة للقارئ و الدارس و الباحث بعدما كانت قبل ذلك عسيرة الفهم ، و تأخذ وقتا طويلا لقراءة نصوصها و افتكاك معانيها من مضامينها ، و شاقة لتحليل أفكارها(16).

      و لا مرية في أنّ التحقيق الدقيق و المضبوط للمخطوط من لدن المحقق الحاذق البارع ، هو التحقيق الذي يمكّن الدارس من بناء دراسة علمية صحيحة و سليمة. أمّا إذا سارت الأمور عكس ما ذكرنا ، فإنه و عند ذاك نقول: أنّ ما يبنى على باطل فهو باطل ، أو "ما بني على الفاسد ، لا يمكن أن يبرأ من الفساد"(17).

      و هذا في الحقيقة يتطلب من المحقق الادراك الجيد للقواعد التي تحدد فن التحقيق و تمكن من التحكم في مادته ، ادراكا يسهل عليه الوقوف على عملية التأثير و التأثر بين المصنف و نظرائه من المصنفين للمخطوطات إذا ما حاز كما معرفيا بشأن سير و ترجم أولئك الأعلام ، و المصادر التي كانت زادهم في مصنفاته ؛ ذلك أنّ هذه الأخيرة تيسّر عليه (المحقق) توثيق المادة العلمية التي هو بصدد تحقيقها و اخراج نصوصها(18).

      كما ينبغي أن يكون على دراية تامة بالخطوط العربية (فعلم قراءة الخطوط من العلوم الأساسية في عمليات دراسة و تحقيق النصوص ، فيتوجب بذلك على المحقق و الباحث تعلمها و التدرب على قراءتها ، ذلك أن دراستها تبعده عن مهاوي الخطأ و الزلل في اخراج النصوص التي هي قيد الدراسة و التحقيق ، و من هذه الخطوط: الخط الكوفي ، و المغربي ، و الخط الرقعي ، و النسخة  ، و الثلث(19) ، و اصطلاحات النساخ في ترتيب الصفحات ، و الماما واسعا بمصطلحات هذا الفن ، و متقنا لعلم التصحيف و التحريف ، و غيرها من القواعد الضرورية لممارسة هذا الفن من التحقيق(20).

      كما أنّه من الجدير بالذكر ، ان رمنا تحقيقا علميا هادفا للمخطوط الجزائري في ظل ما تكتسيه هذه العملية من صعوبات جليلة أن يراعي المحقق الزمن الكافي لإخراج عمليه في الصورة الحسنة المرجوة حتى و ان أخذت من وقته زمنا طويلا ، و تفادي التسرع في مثل هذه الأعمال لسوء ما يجرّه من جرائم علمية في حق الوثيقة المحققة. فهو -كما يقول منير البصكري- "مطالب بحرث معرفي للنص ، و حفر بنيوي في طبقاته و مستوياته ، و اضاءة واعية و وافية لأسئلته و كوامنه"(21).

      و من الأهمية بمكان التذكير، أنّه من بين أهم فوائد تحقيق تراثنا المخطوط هو أن نضع بين يدي الأجيال الحالية مادة علمية حية نستقرأ من خلالها بالبحث و التحليل و الاستنباط ماضينا لإدراك مدى عمق صلة الأمة الجزائرية بحياتها العلمية و المعرفية ، و الوقوف على هوية الأمة و اثبات ذاتيتها و خصوصيتها و أصالتها في ظل تنوع ثقافتها و مشارب هذه الثقافة ، و ارتباطها الوثيق بجدور هذه الأمة و معتقداتها الدينية و منطلقاتها التاريخية و شموليتها لمقوماتها الأساسية. و من ثم نحفظ ذاكرة هذه الأمة و نقطع عنها دابر النسيان و نمدّ الجسور و الأوعية المتدفة بالمحتويات المعرفية و الحضارية لهذه الذاكرة إلى الأجيال اللاحقة لترسم طريقها نحو تحقيق النهضة الفكرية و الحضارية ، و استشراف مستقبلها. و ذلك طبعا بعد أن نستأصل عن هذا التراث ما شابه من مغالطات و تعارض في النصوص و اختلاف في اثبات الحقائق العلمية و الروايات ، و نقتبس الحقائق العلمية المُثبتة بالنص و الدليل أو العناصر الصالحة للبقاء و التي لا تتعارض مع ثقافتنا و معتقداتنا و تاريخنا و هويتنا.

      فالحقيقة التي لا مناص منها، أن تراثنا الجزائري المخطوط قد تعرض في فترة الاستعمار إلى حملة شرسة أتت على جزء معتبر من ذلك الرصيد الثقافي و الفكري لهذه الأمة الجزائرية ، التي سعى الاستعمار لطمس معالم حضارتها و قيمها و آثارها العلمية و الأدبية و الفكرية و الفنية و غيرها ، ما جعل الكثير من الحقائق العلمية تخفى عن الباحثين و المحققين بلا رجعة. و لذلك لا ينبغي أن يترك المحققون المجال للعوامل الطبيعية و البشرية لتكمل المسيرة التي بدأها الاستعمار لدفن هذه الحقائق ، و انما انقاد ما يمكن انقاذه قبل فوات الأوان.

     و من الآليات الكفيلة بتفعيل عملية إحياء التراث الجزائري المخطوط ، و الحفاظ عليه من الزوال و الاندثار ، من خلال عملية الفهرسة و التحقيق من لدن كل الهيئات و المؤسسات العلمية و العناصر الفردية الباحثة في هذا المجال، ما نسوقه فيما يأتي تبعا:

- في البداية لا بدّ على الباحث و صاحب المخطوط و كل القائمين على الهيئات و المؤسسات العلمية و الثقافية التحلي بروح المسؤولية و الواجب العلمي و الوطني تجاه ذلك التراث المخطوط الذي انتجه العالم الجزائري و ضمّنه عصارة عقله و فكره و معارفه لترتوي من بحر مادته أجيال عصره و من يليها ، في جهود فرادى و جماعات لانقاد هذه المخطوطات من سجن النسيان و طيات الأوراق و رفوف الخزائن من خلال أعمال الجمع و التحقيق و الفهرسة و الرقمنة و التصوير. مع توفير الأجهزة الكفيلة بحفظ المخطوط في وسط أكثر ملاءمة لاستمرار حياته على غرار عمليات التكييف المركزي للتحكم في درجة الحرارة و نسبة الرطوبة في أماكن الحفظ خصوصا المكتبات العامة ، و كذا الحفاظ على النظافة الدورية لأرضيات و رفوف المخازن تتضمن تلك المخطوطات و مراقبتها بشكل مستمر و دوري لمعاينة أي ضرر قد يحيط بها(22).

- العمل على توطيد الصلة بين الباحث و المالك للمخطوط من خلال التكثيف للزيارات الميدانية للباحثين و الطلبة للمراكز و المكتبات و الخزائن التي تزخر بالمخطوط الجزائري ، مع التكثيف من عمليات التحسيس و توعية المالكين لهذا المخطوط و القائمين عليه بأهمية تحقيق المخطوط و جمعة و جرده و فهرسته. مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة سن قوانين تنظيمية صارمة تحدد كيفية تعامل الباحثين و الطلبة مع هذه المخطوطات المراد دراستها بعد تحقيقها ، تجنبا لإتلاف أوراقها ، بحيث تسلم إليهم في أقراص مضغوطة و لا يكون الرجوع إلى النسخة الأم المخطوطة إلاّ في الضرورة القصوى في حالة اللبس أو عدم الوضوح و غيرها من الحالات التي تستوجب ذلك.

- اقامة المؤتمرات و الندوات العلمية المحلية و الوطنية لتفعيل العملية و الاستفادة من الأبحاث و الدراسات المستجدة في مجال تحقيق المخطوط ، مثل ما تعلق بـ: وضع مشاريع ضخمة لتحديد الأسس العلمية المعتمدة في تحقيق التراث الجزائري ، و كذا كيفية العناية بالتراث المخطوط و منهجية دارسته و تحقيقه ، مع العمل على تجسيد التوصيات التي يقرها المؤتمرون و السهر على ذلك ، حتى لا تبقى حبرا على ورق.

- فتح ورشات و اقامة دورات تكوينية فيما يتعلق بتحقيق المخطوط.

- اتاحة المخطوطات للباحثين و الدارسين و كل المتخصصين ، سواء للباحثين الجزائريين أو غيرهم من المهتمين ، من خلال نشرها نشرا رقميا على أوسع نطاق ، على مستوى كل الجامعات الجزائرية و مراكز البحث العلمي المتخصصة ، و ذلك من أجل الاطلاع على أنواع الكنوز الجزائرية المخطوطة في شتى المجالات العلمية ، و الانتصاب للعناية بالمخطوطات تصفيفا و تصنيفا و تحقيقا و دراسة و تعليقا و فهرسة من لدن المحققين بشكل أخصّ.   

- انجاز كتب ببلوغرافيا و معاجم ترصد ما نشر من التراث الجزائري المخطوط ، و ما لا يزال بكرا في حاجة لانتصاب جهود الباحثين و الدارسين لتحقيقه و دراسته.

- التكثيف من عملية اقامة مراكز البحث العلمي المتخصصة في تحقيق المخطوطات ، و كذا المخابر الملحقة بالجامعات الجزائرية المختلفة عبر الوطن ، و تفعيل دور القائمة منها. و توسيع عملية اصدار المجلات العلمية و النشريات التراثية المتخصصة في مجال المخطوط(23).

      بحيث تضاف جهودهم و تدعم الجهود التي تقوم بها المراكز و المخابر المنتشرة عبر تراب الوطن في مجال حماية التراث المخطوط و جمعه و تحقيقه ، و منها المركز الوطني للمخطوطات و ملحقته بولاية تلمسان ، و المركز الوطني للمخطوطات بولاية أدرار ، و سنقف بشكل مختصر على بعض المهام المنوطة بهذا المركز الأخير:

المركز الوطني للمخطوطات بولاية أدرار:

      و هذا المركز الخاص بالمخطوطات الجزائرية يقع تحت وصايا الوزير المكلف بالثقافة. و من مهامه الرئيسة ما نسوق مختصره على النحو التالي:

1- حفظ المخطوطات بالطرق العلمية الحديثة.

2- الاهتمام بعمليات الجرد العام للمخطوطات و تصنيفها.

3- تحقيق أهم المخطوطات و فهرستها.

4- تحديد الخريطة الوطنية للمخطوط،

5-  دراسة مكونات المخطوطات كالورق ، الحبر ، صناعة أدوات الكتابة و، و صناعة الكتاب.

6- عملية ادماج التراث الفكري في الاطار الاقتصادي و السياحي.

7- ابراز القدرات الفكرية و الابداعات الفنية المحلية المستوحاة من المخطوط الجزائري بما يحتويه من فنون خطية و علم النقوش و غيرها.

8- يقوم بمهمة تنمية الوعي بأهمية المخطوط و ضرورة الحفاظ عليه.

9- يسهر على عملية ابرام الاتفاقيات مع الهيئات الوطنية و الدولية  لاستثمار هذا التراث و حمايته(24).

- الانتصاب في جهود تحفيزية للباحثين و الدارسين المتخصصين و كل المهتمين بتحقيق المخطوط و دراسته من طرف السلطات الوصية مؤسسات حكومية أو ادارة الجامعات الجزائرية ، و ذلك بتشجيع أولئك الباحثين ، كمنحهم جوائز تشجيعية لتحقيق التراث المخطوط. و كذلك الاهتمام بعملية الفهرسة لهذه المخطوطات الكثيرة التي تحوزها الجزائر لاستكمال الجهود القائمة في هذا المجال ، وفق أسس فن الفهرسة و قواعده من لدن المتخصصين و الحاذقين في علم دراسة التراث المخطوط و تصنيفه ، و ذلك ضمن شبكة المخابر و مراكز البحث المترامية عبر جامعات الوطن ، سواء ما تعلّق بالمواصفات الشكلية للمخطوط أو محتواه العلمي ، و كذا المعلومات الخاصة بمؤلفه و عدد نسخه و تاريخها و نوعها أصلية كانت أو فرعية ، و غيرها من الأمور المتعلقة بفن الفهرسة ، مع الحرص على نشر هذه الفهارس. و هذا لتسهيل عمل المحققين و الدارسين لمضامين تلك المخطوطات المفهرسة(25).

- ادخال مقياس التحقيق العلمي للمخطوط ضمن المناهج الدراسية في الجامعات الجزائرية ، خاصة في التخصصات المتعلقة بدراسة العلوم الانسانية و الاجتماعية و اللغة و الأدب ، يقوم على تدريسهم مؤطرون مختصّون ، مع عدم الاقتصار على الدراسة النظرية ، بل ضرورة العناية الفائقة بالجانب التطبيقي ، و مرافقة الطلبة ميدانيا ، مما يسمح بالوصول إلى تكوين رفيع ، بحيث يصبح الطالب المكون قادرا على الدراسة و المتابعة في حقل التحقيق ، فيمتلك عندئذ الطالب الباحث المبادئ الأولية في علم تحقيق المخطوط و تزول أمامه فكرة صعوبة تحقيق المخطوط ، و يكون ارهاصا أيضا للتعمق في دراسته في مرحلة الدراسات العليا ، ماجستير كانت أو ماستر أو دكتوراه.

     و نحن من وراء هذا ، لا ننكر أنّ هناك جهود كبيرة تبدل في سبيل تحقيق المخطوطات الجزائرية ، لكنها تبقى محدودة في ظل الزخم الهائل الذي تزخر به الجزائر في عدد مخطوطاتها. و من بين المخطوطات الجزائرية التي تم تحقيقها ، نذكر بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر ، و منها: مخطوط العقائد الاسلامية من الآيات القرىنية و الأحاديث النبوية ، لعبد الحميد بن باديس ، الذي حققه محمد الصالح رمضان. و ديوان الصيب و الجهام و الماضي و الكهام ، للسان الدين ابن الخطيب ، الذي حققه محمد الشريف قاهر. و كذلك مخطوط وشاح الكتائب و زينة الجيش المحمدي الغالب ، لابن رويلة قدور ، من تحقيق محمد بن عبد الكريم. و الجواهر الحسان في نظر أولياء تلمسان لأبي مدين شعيب ، الذي حققه عبد الحميد حاجيات ، و غيرها كثير(26).

      و هذا ، دون أن يغفل الباحث و طالب الماجستير أو الماستر و الدكتوراه عن الشروط التي وضعها المختصون و الكفيلة بتحديد صلاحية المخطوط ليدرس كرسالة جامعية ، و في طليعتها ، أن يكون ذا قيمة علمية ، بحيث يحتوي على المادة العلمية الجديدة التي غابت في غيره من الكتب المحققة ، ذلك أن الهدف العلمي من الرسالة العلمية يتعدى عملية تحقيق المخطوط لأجل حفظ مادته و اخراجها على حقيقتها حتى و ان تكررت مادته ، إلى ابراز حقائق علمية و معرفية جديدة تضاف إلى الرصيد العلمي المحقق. و من هذه الشروط ما نذكره فيما هو آت:

1- أن يكون هذا المخطوط قد صُنّف في فترة زمنية سبقت زمن الباحث إذ ينتفي شرط قبولها للدراسة إذا خُطّت في زمن دراسته من طرف الباحث.

2- كما يجب أن يكون المخطوط معلوم المؤلف موثوقا في ذلك.

3- ضرورة توفر نسخ أخرى عن المخطوط المراد دراسته.

4- أن يناسب حجم المخطوط المطلوب في الأطروحة العلمية المراد البحث فيها ، و ذلك من حيث عدد أوراقه(27).

      و من المخطوطات التاريخية التي حققت كدراسة أكاديمية للحصول على شهادة الماجستير ، الدراسة المتعلقة بتحقيق و تقديم مخطوط "أخبار و أيام وادي ريغ للشيخ محمد الطاهر بن دومة (1336 -1403ه /1918 -1982م)" ، و التي حققها الطالب الباحث "محمد الحاكم بن عون" بكلية العلوم الانسانية و الاجتماعية ، بجامعة منتوري  بقسنطينة. و قد أخذ على عاتقه هذا الباحث مهمة تحقيق هذا المخطوط نظير ما ينطوي عليه من أهمية بالغة ، كونه يتعلق بمنطقة وادي ريغ التي تُفتقد في الدراسات التاريخية -كما يذكر صاحب التحقيق- و التي كانت طريقا للحجيج و ممرا رئيسا للقوافل التجارية القادمة من المغرب ، و هو ما أنتج حقلا خصبا تتلقح فيه المعارف و الثقافات بتلك المنطقة. كما أن المخطوط يعدّ من المصادر المهمة لتاريخ الجزائر في عهد الاحتلال الفرنسي(28)

- ربط علاقات علمية تقوم على أساس التعاون و التنسيق بين مراكز البحث في الجزائر و في باقي دول العالم في مجال الاهتمام بتحقيق المخطوطات و دراسة نصوصها و نشرها ، و تبادل الخبرات الفنية و المعلومات التعريفية بالمخطوطات(29). مع تظافر كل الجهود الوطنية بكل مؤسساتها العلمية و الثقافية و الاعلامية بعناصرها العلمية الفاعلة ، و رصد كل الامكانات المادية و البشرية و التشريعية و المالية لإحياء هذا التراث و تحقيقه(30).

- فتح مشاريع للطلبة المقبلين على الدراسة في مرحلة الماجستير أو الماستر و الدكتوراه في الجامعات الجزائرية في مجال تحقيق المخطوطات و دراستها ، و توجيه طلبة الدراسات العليا لإعداد رسائلهم العلمية في مجال التحقيق و الفهرسة.

- تكثيف جهود الباحثين في مجال انتاج الكتب المتعلقة بوضع الأسس العلمية و المناهج لعملية تحقيق المخطوطات و قواعدها –خصوصا من ذوي الخبرات المتراكمة في التحقيق- و تسهيل عملية نشرها ، و وضعها في متناول الباحثين و الطلبة بعد نشرها و طبعها. مع ابراز المشكلات و الصعاب التي تعترض سبيل المحقق و الحلول الكفية بتجاوزها ، دون أن نغفل ضرورة اجتناب عملية اجترار مضامين المصنفات السابقة في نفس المجال بل لا بدّ من اضافة الجديد.

- الدراسة العميقة و الدقيقة من طرف المحققين للأساليب العلمية المتبعة في المصنفات التي تركها القدامى ؛ ممن كان لهم الفضل في تقعيد قواعد هذا الفن من التحقيق و تأصيله ، و الوقوف على كل التنبيهات و التوجيهات و الملاحظات الخاصة بعملية التحقيق و قواعدها. فإلى هؤلاء المصنفين المسلمين القدامى يرجع الفضل الأكبر في التأسيس لفن التحقيق و رسم ملامحه و وضع ارهاصاتها ، التي أخذت في التطور شيئا فشيئا خصوصا في وقتنا الحالي زمن التطور العلمي و التكنولوجي المذهل.

- نقد التحقيق:

      في ظل كثرة الأخطاء و تكرارها في مجال تحقيق روايات و نصوص المخطوطات و خطورتها على الكتابة العلمية المتنوعة ، أضحى الاهتمام بنقد التحقيق ضرورة حتمية بشكل كبير  قصد نقد الآثار المخطوطة المحققة في الأدب و التاريخ و سائر الفنون من لدن الباحثين و المتخصصين من النقّاد ، لتمييز العليل في الروايات من السليم ، و كشف مواطن الضعف و الزلل و الخلل لتداركها في عمليات التحقيق القادمة من لدن أولئك الذين صنّفوها لتدارك أخطائهم أو من غيرهم لنفس الغرض.

      و أساس النقد هو الحذر و الشك في الروايات و النصوص المدونة ، بحيث تقتضي اعادة الدراسة و الفهم و التحليل و الاستنباط للحقائق العلمية من ثناياها بعد عرضها على ميزان العقل الناقد و الدليل الثابت. و لا ريب أنّ هذه العملية النقدية ليست بالأمر السهل على الباحث أو المحقق ، ذلك أنّ عملية قبول أقوال أصحاب المخطوطات من رفضها و تمييز القيّمة و السليمة منها من الأقوال السقيمة و المكذوبة ، يقتضي الانسلاخ من روح العاطفة و الميول و الانحياز و لباس ثوب الموضوعية و الحياد و السعي لكشف الحقيقة العلمية التي هي المراد.

      و عليه فمادام ليس من باب الحكمة و العدالة العلمية أن نسوي في الميزان بين أقوال الناس لاختلاف قيمة تلك النصوص و أغراض أصحابها من تصنيفها و اختلاف نوازعهم و ميولاتهم ، أصبح أمرا حتميا ، عرضها على ميزان النقد العادل لإثبات الحقيقة العلمية السليمة(31).

      و بشأن العمليات النقدية التي يقوم بها النقاد لتحقيقات غيرهم ، منهم من يقوم بجمع تلك الأخطاء و الأوهام و الهفوات التي وقع فيها صاحبها محقق المخطوط و إرسالها إليه لمراجعتها و تصحيح ما وقع فيه من خطأ ، مع ارفاق تلك الأخطاء بالتصويبات ، أو يعمد الناقد لنشرها في شكل كتاب أو مقال ، فيستفيد منها المحقق الأول أو من يقوم بإعادة تحقيق المخطوط مرة أخرى.

      و هذا لا ريب قصد البحث عن الحقيقة العلمية الصادقة ، و ذلك طبعا وفق أسس منهج النقد العلمي و قواعده و أصوله أو علم "نقد التحقيق"(32).حيث أن ما يشترط في فن التحقيق يشترط أيضا في نقد التحقيق، و من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

- الخبرة:

و هي لا تتأتي إلا بالعمل الجاد و الهادف ، و الاستمرار في عمليات التحقيق لتطوير الكفاءات و القدرات الذاتية في مجال التحقيق ، و الالمام بفنون التحقيق ، مع الاستفادة في كل مرة من الأخطاء التي وقع فيها المحقق أثناء عملية تحقيق المخطوط و تفاديها في العمليات التحقيقية التي تليها. فتغدو لذى الباحث المحقق ثقافة متنوعة و رصينة عن فن التحقيق و أدواته ، فيسهل عليه وقتها ركوب سفينة التحقيق ، و يحسن قيادتها إلى بر الأمان.

- الدراية:

بأن يكون المحقق على دراية تامة بفنون تحقيق المخطوط و قواعده ، من مثل: ادراك أسسه كمعرفة موضوع المخطوط ، و شكله الفني ، و درجة قدم المخطوط. و القدرة على تفكيك المصطلحات و ادراك معانيها ، و تصنيفها سواء ما تعلق بالعلوم أو العمارة و الفنون(33). كما ينبغي أن يكون المحقق محيطا بالمصادر المخطوطة و المطبوعة ذات الصلة بموضوع المخطوط قيد التحقيق ، بالإضافة إلى معرفة مكانة المصنف العلمية و الاجتماعية بين علماء عصره و مدى اسهامه في الحقل المعرفي في الوسط الذي نشأ و أبدع فيه ، و مكانته بين المصنفين و العلماء خصوصا الذين خاضوا في نفس المجال المعرفي الذي ألف فيه.

- سعة الاطلاع على المظان:

و ذلك لا يتأتى إلاّ بالقراءة المكثفة ، و الاطلاع على أكبر عدد من النصوص المحققة ، و مقارنتها و اخضاعها لأسس التحقيق و مناهجه ، و الالمام بشكل كبير بما تزخر به المصنفات الخاصة بنقد التحقيق من لدن النقاد السابقين أو المعاصرين كتبا أو مقالات ، و كل ما يصدر حديثا في نفس المجال ، سواء في الجزائر أو غيرها من بلدان العالم الرائدة في ميدان علم نقد التحقيق ،و كذا الدراية بمضامين المخطوط المعرفية(34).

- اتباع منهج نقد التحقيق:

و يكون ذلك من خلال التقيّد بالهدف الرئيس من عملية النقد و هو اظهار الحقيقة العلمية المغيّبة في النص المحقق ، من خلال كشف كل الأوهام و التصحيفات و التحريفات و المغالطات و التزييف الذي شاب نصوص الرواية المحققة ، مع تحديد مواطنها في النص المدروس ، ناهيك عن ايراد الملاحظات و التصحيحات بشكل مضبوط و مبوّب ، مع ذكر المصادر التي كانت سندهم في عملية النقد التحقيق من أجل الرجوع إليها من طرف صاحب النص المحقق من جهة و للاستدلال بها على عملهم من جهة أخرى(35).

خاتمة:

و في ختام دراستنا هذه نقول: أن التراث المخطوط الذي تزخر به الجزائرجدير بالاهتمام ، و في حاجة لرصد جهود مكثفة من أبنائها الباحثين و الدارسين المتخصصين لتحقيقه و نشره ، و دراسة مضامينه دراسة علمية دقيقة و موضوعية، لحمايته من الموت البطيء في ظل الأسباب السالفة الذكر. و ذلك نظير ما ينطوي عليه هذا التراث من أهمية كبيرة سواء كانت علمية ، أو تاريخية أو أدبية ، و تراثية و عمرانية تكشف العديد من الجوانب المضيئة في حضارة الجزائر و ابداع علمائها و فلاسفتها و أدبائها و مؤرخيها. ذلك  أنّه يحدّد الملامح العامة لمسيرة الحياة العلمية و الفنية للنخبة الجزائرية ؛ فباستخراج مكنوناته تعظم الاستفادة منه في بناء حاضر الجزائر و مستقبلها ، هذا البناء الذي لا يمكن أن ينفك عن ماضيها. و لا ريب أنّ هذه الجهود المضنية في عملية تحقيقه و نشره كفيلة بإعادة الحياة إليه و بثّ الروح فيه من جديد.

     و نشيد في هذا المقام، بضرورة أن ترقى عمليات التحقيق هذه، لنصوص المخطوطات إلى مصاف الأعمال الجادة العلمية و الدقيقة ، و لا تقتصر على الشرح و التبسيط و الفهرسة و النشر ، ما يجعلها قريبة إلى المخطوط من المطبوع. فتغدو إذا تحقق ما ذكرنا ، جديرة بأن تكون مراجع أساسية في المجالات العلمية المختلفة ، تسدّ رمق الكتابة العلمية الهادفة ، و تكون متكأ الباحثين و الدارسين لمضامينها و تفاصيلها ، تزودهم بمادة علمية صحيحة و منقحة ، فنجاح العمليات الدراسية لمضامينها قرينة و مبنية على نجاح أعمال تحقيقها.

الهوامش:

(1)- عبد الرحمن النجدي: مناهج تحقيق المخطوطات ، دراسة و توثيق ، عباس هاني الجراخ ، مكتبة الثقافة الدينية ، بور سعيد ، القاهرة ، 2010 ،ص3.

 (2)- صالح يوسف بن قربة: واقع المخطوط بين الفهرسة و التحقيق ، المجلة المغاربية للمخطوطات ، العدد الرابع ، مخبر المخطوطات ، جامعة الجزائر2 ،2013 ،ص35 -36.

(3)- المرجع نفسه ،ص38.

 (4)- مريم بقدور: واقع خزائن المخطوط بالجنوب الجزائري من خلال الخزانة القندوسية الزيانية "تشخيص و اقتراحات" ، مجلة رفوف ، العدد الثالث ، مخبر المخطوطات الجزائرية في غرب افريقيا ، جامعة أدرار ، الجزائر ، ديسمبر 2013 ، ص16.

(5)- وهي خزانة أسسها مبارك الطاهر ، منذ سنة 1983 ، بهدف الحفاظ على هذا الموروث الهام الذي جاد به علينا أجدادنا في ظل ما يعتريه من نهب و سرقة و ضياع ، بعدما جمع ما يمكن جمعه من المخطوطات و صيانتها و فهرستها و تصوير عدد منها في أقراص مضغوطة حفاظا على سلامتها ، و أخذ عدد مخطوطات هذه الخزانة في التزايد حتى بلغ المائتين. للمزيد من التفصيل ، أنظر: مريم بقدور: المرجع السابق ،17.

(6)-  مريم بقدور: المرجع السابق ،16 وما بعدها.

(7)-يحي بن بهون حاج امحمد: جهود المكتبة الوطنية الجزائرية في حماية و ترميم المخطوطات من خلال دورة تكوينية بمخبر الحفظ و التجليد ، مجلة رفوف ، العدد الثالث ، مخبر المخطوطات الجزائرية في غرب افريقيا ، جامعة أدرار ، الجزائر ، ديسمبر من سنة 2013 ، ص76 -77.

(8)- أنظر: مريم بقدور: المرجع السابق ،22 -23.

(9)- للمزيد من التفصيل، أنظر: صالح يوسف بن قربة: المرجع السابق ،ص38.

(10)– أنظر: صالح يوسف بن قربة: المرجع السابق ،ص49.

(11)– عباس هاني الجراخ: المرجع السابق ،ص5 -8.

(12)-صالح يوسف بن قربة: المرجع السابق ، ص49 -50.

(13)-المرجع نفسه ، نفس الصفحات.

(14) – المرجع نفسه ، نفس الصفحات.

(15)- عباس هاني الجراخ: المرجع السابق ،ص3 -4.

(16)– صالح يوسف بن قربة: المرجع السابق ، ص47.

(17)- منير البصكري: أهمية التحقيق العلمي للتراث المخطوط في غرب افريقيا ، مجلة رفوف ، العدد الثاني ، مخبر المخطوطات الجزائرية في غرب افريقيا ، جامعة أدرار ، الجزائر ، ديسمبر 2013 ، ص12.

 (18)- للمزيد أنظر: حسن عثمان: منهج البحث التاريخي ، ط8 ، دار المعارف ، القاهرة ، مصر ، ص27 -29.

(19)– المرجع نفسه ، نفس الصفحات.

(20)– للمزيد أنظر: محمد دباغ: آليات تفعيل الجانب الدراسي في تحقيق المخطوط ، مجلة رفوف ، العدد الثاني ، مخبر المخطوطات الجزائرية في غرب افريقيا ، جامعة أدرار ، الجزائر ، ديسمبر 2013 ، ص141 -142.

(21)– منير البصكري : المرجع السابق ، ص14.

(22)– للمزيد ، أنظر: يحي بن بهون حاج امحمد: المرجع السابق ، ص79 -80.

(23)– صالح يوسف بن قربة: المرجع السابق ، ص40.

(24)- للمزيد من التفصيل ، أنظر: يحي وناس: الآليات القانونية لحماية المخطوطات و خزائنها في القانون الجزائري ، مجلة رفوف ، العدد الثاني ، مخبر المخطوطات الجزائرية في غرب افريقيا ، جامعة أدرار ، الجزائر ، ديسمبر 2013 ، ص131 -132.

(25)– صالح يوسف بن قربة: المرجع السابق ، ص38 -39.

(26)– أنظر: منير البصكري: المرجع السابق ، ص22 -23.

(27)– أنظر: رابح دفرور: شروط اختيار المخطوطات للرسائل الجامعية ، مجلة رفوف ، العدد الأول ، مخبر المخطوطات الجزائرية في غرب افريقيا ، جامعة أدرار ، الجزائر ، جوان 2013 ، ص94 -96.

(28)– للمزيد من التفصيل حول أهمية هذا المخطوط السياسية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، أنظر: محمد الحاكم بن عون: دراسة و تحقيق ، مخطوط "أخبار أيام وادي ريغ ، للشيخ محمد الطاهر بن دومة ، كلية العلوم الانسانية و الاجتماعية ، جامعة منتوري ، قسنطينة ، 1431 -1432ه /2010 -2011م ، ص55 و ما بعدها.

(29)– منير البصكري : المرجع السابق ، ص20.

(30)– صالح يوسف بن قربة: المرجع السابق ، ص40.

(31)– حول أهمية نقد النصوص العلمية ، أنظر: حسن عثمان : المرجع السابق ، ص83 -84.

(32)– عباس هاني الجراخ: المرجع السابق ،ص56 -57.

(33)- صالح يوسف بن قربة: المرجع السابق ، ص52.

(34)– حول بعض المصنفات المتعلقة بمجال نقد التحقيق ، أنظر( عباس هاني الجراخ: المرجع السابق ،ص57 و ما بعدها.

(35)– المرجع نفسه ،ص61.