خزائن المخطوطات بالجنوب الجزائريpdf

الأستاذة :مـــــــريم طــــــــهراوي

ـــ جامعة الجزائر02

عنوان المداخلة:

 

التعريف بالخزانة العلمية للزاوية التجانية قمــــار

في جنوبنا الكبير ، وفي واحاتنا الساحرة، وبين كثباننا الرملية، كنوز لابد من التنقيب عنها، وإخراجها لنستفيد منها ، هي خزائن من الكتب والرسائل والمخطوطات التي تصنع علمنا وميراث أجدادنا. إن أهمية هذا التراث ودراسته لمن يريد أن يقيم حضارة ويؤسس علم أمة؛ لابد له من العودة إلى جذرها ليرعاه، ويكون منه البدء والانطلاق.

واقع الكثير من خزائن التي خلفها علماؤنا بالجنوب الجزائري دفنها التراب أو كانت طعام للأرضة أو تناثرت بلا عنوان، ويأتي هنا دور الباحثين لأن يولوا هذا التراث الأهمية بالدراسة والتعريف والتنقيب والتحقيق. ومن الخزائن التي تحاول هذه المداخلة أن تسلط عليها الضوء بالتعريف وكشف محتوياتها وإخراج ما حوته من تاريخ مدفون إلى النور، ووصف لحالها، هي خزانة الزاوية التجانية بمنطقة بقمار، وذلك من خلال عناصر هي: التعريف بالزاوية والمنطقة، وأيضا نظرة على الحركة العلمية والعلماء الذين برزوا فيها، ثم قراءة في المخزون التي حوته الخزانة ومحاولة تصنيفه وتبويبه.وأهمية هذه المخطوطات في عصر الإلكترونيات.

قمار الموقع والتسمية:

في الشمال الشرقي لصحراء الجزائر ، وفي إحدى واحات سوف، كانت قمار تلك الواحة الهادئة والمدينة التاريخية والعاصمة الدينية لسوف ، مدينة المساجد والزوايا والعلم والعلماء.توجد مدينة قمار على الطريق الوطني رقم48 ، على بعد 15كلم شمال عاصمة الولاية ، تحدها بلديتا الزقم وسيدي عون شرقاً، أما من الشمال شط ملغيغ وبلدية الحمراية ، وفي جهة الغرب نجد بلديتا الرقيبة وتغزوت، وتكون بلدية تغزوت تحدها من ناحية الجنوب. وهي تتربع على مساحة: 1264,60كلم2.

تأسيس قمار تاغزوت الأولى: يعتقد الكثير من الباحثين أن أصل قمار يكون من بقايا قرية جلهمة التي كانت من بلاد للنصارى من بقايا الروم، ولما نزل بها عدوان أنشأوا قرية جديدة عرفت بالقدايم[i]

أما تسميتها : يقال أن أخوين من عدوان بقيا في المنطقة بعد رحيل القبيلة عنها، ونشب خلاف بينهما حول مكثهما، فوضع أحدهما علامة على موقع قمار الحالي الى شمال لقدايم وقال للآخر (أحط هنا قمار فيك) أي نكاية فيك[ii]؛ وهكذا أصبح أبناءه يعرفون بأبناء قمار.وتشيع التسمية فيما بعد ، والتي تدل على العلامة، لتصبح قمار فعلا علامة في وادي سوف.

قمار حاضرة العلم والثقافة:

تعد قمار من التجمعات السكانية الأكثر قدما في سوف ، والأكثر تميزا بنمطها العمراني الذي لا نجده في أي مكان من خلال أزقتها وطرقها المغطات بالقباب أو منازلها بطابق واحد وخاصة بحي السوق[iii]. ولقد كان لها في القديم أبواب تحرس المدينة بمراكز حراسة لذلك، ونجد في كل حي مكان يلتقي فيه السكان لمناقشة مختلف قضايا الحياة الاجتماعية وشؤونها ويكون ذلك في ساحة مقابلة لمسجد الحي وبه أقواس (سباط) ظهراوي (شمالي) وجنوبي(قبلاوي)[iv]

أما النشاط العلمي والتعليمي الذي يتميز بفعالية مستمرة من خلال الدور الذي تقوم به المساجد والزوايا بتفعيل الحركة الثقافية ببروز شخصيات وأعلام فيها ليس على مستوى بلدة قمار فقط؛ بل امتد صداها الى أرجاء إقليم سوف ووادي ريغ. ومن بين العلماء محمد الصالح بن الخوصي القماري الذي كان معلم قران لسنوات طويلة بالزاوية التجانية بقمار وأيضا يحترف نسخ المصاحف والكتب ويكتب القصائد للانشاد توفي سنة 1926م. وأيضا الشيخ أحمد بن القا القماري ولد 1884م وتوفي1939م ورغم أنه كان ضريرا لكنه كان منهلا من العلم يحفظ عدة متون ويدرس متن ابن عاشر في الفقه وكتاب الآجرومية [v].

الزاوية التجانية بقمار:

كانت نشأة الطريقة التجانية على يد مؤسسها الشيخ سيدي أحمد بن محمد التجاني[vi] المولود بعين ماضي بولاية الأغواط، سنة.. 1782 م. بقرية أبي سمغون بصحراء الجزائر، وكان وصول الطريقة التجانية الى شرق الصحراء وتحديدا وادي سوف على يد سيدي محمد الساسي؛ حيث في سنة 1785 التقى الشيخ سيدي أحمد التجاني بابن قمار سيدي محمد الساسي بعين ماضي عندما كان يشتغل معلم قرآن في احد مناطق ولاية الأغواط ، وبعد احتكاك وتعارف بينهما وأخذه لطريقته طلب منه العودة لبلدته ونشر الطريقة عندهم، عاد الى قمار وبدأ ينشرها وبدأ المنتسبون إليها يتزايد، وسيدي محمد الساسي لا يتوانى عن زيارة شيخه مع أهل قمار. وفي الزيارة التي قادته يوم 10سبتمبر1788 وبعد الاحتفال بعيد الأضحى أعطاه الشيخ الأمر بتأسيس الزاوية في قمار، وشيدت الزاوية في قمار الغربية (تغزوت) سنة 1788، لكن الشيخ قال لهم لابد أن تكون في قمار وشيدت سنة 1789وذلك بعد سبع سنوات من ظهور الطريقة التجانية [vii].

الحياة العلمية والفكرية في زاوية قمار

للزوايا دور مهم قديما وحديثا في الحفاظ على الهوية الوطنية والشخصية الاسلامية ، فكانت مركزاً للعناية بمختلف العلوم الشرعية واللغوية ، وأيضا كانت مركزا اجتماعيا تُعنى بشؤون وقضايا المجتمع وهكذا كان لها دور تعليمي وديني واجتماعي .

الحركة العلمية في زاوية قمار:

منذ نشأتها عرفت زاوية قمار بنشاطها العلمي والثقافي؛ فكانت بؤرة علمية ومركزا ثقافيا امتد صداه إلى البلدان المجاورة مثل تونس والمغرب وغيرها. وكل هذا جاء لتظافر عدة جهود وعوامل رسمت هذه الحركة في الزاوية، فلقد كانت عناية شيوخ الطريقة بالعلم والعلماء ، وجلبهم للعلماء لتدريس في الزاوية من أهم العوامل التي دفعت الحركة العلمية في الزاوية للتطور وأيضا:

الرحلة العلمية :

لقد شهدت الزاوية التجانية بقمار توافد الكثير من العلماء من مختلف الأمصار، كما شدَّ طلابها الرحال إلى مختلف الحواضر العلمية وخاصة جامع الزيتونة بتونس، وتمكن هؤلاء الطلبة من العودة بعلم في صدورهم والعديد من المصنفات في شتى العلوم. كما كان لرحلات الحج إسهام كبير في الاحتكاك بالعلماء وفرصة للأخذ والتحاور الفكري. فهذا على سبيل المثال ابن الخليفة التماسيني سيدي محمد العيد التجاني التماسيني يلتقي في البقاع المقدسة سنة1283ه/1866م بمفتي الديار المصرية الشيخ عليش وتدارس معه وأجازه في مختصر الخليل وموطأ مالك.

كما أن للمراسلات دور مهم في بعث الحركة العلمية و دعم الروابط بين علماء المنطقة وعلماء الشرق والغرب ، من بين تلك المراسلات: المراسلات التي كانت بين شيخ الاسلام سيدي ابراهيم الرياحي(ت1266ه/1849م) والعلامة الفقيه لخضر بن أحمد حمانة القماري وقد ذكرت في كتاب تعطير النواحي في ترجمة ابراهيم الرياحي [viii].

التعليم بالزاوية :

التعليم مظهر مهم على وجود حركة علمية وتطورها، يعكس مستوى التعليم الذي يعكس مستوى المجتمع، ودرجة تقدمه وتطوره وترقيته سلوكياً وحضاريًا، وهكذا كانت زاوية قمار مركزا مهماً لازدهار حركة التعليم في المنطقة بشتى طرقه.

ولقد سلك التعليم في الزاوية طريقين أو نوعين، أحدهما منظم والآخر مفتوح.

التعليم المنظم وهو التعليم القرآني الموجه إلى النشئ بهدف تعليمهم الكتابة والقراءة وحفظ القرآن والإلمام بقواعد اللغة العربية، وأيضا تلقي مبادئ الشريعة كتعلم الوضوء ، والصلاة وبعض مبادئ الحساب. وهذا التعليم ما عرفه ابن خلدون:" التعليم القرآني هو اللبنة الأولى من التعليم الاحترافي الذي هدفه تكوين جيل من الطلبة والمتخصصين في العلوم حيث كانوا يستمرون في مزاولة الدروس والتعمق فيها ، وذلك بواسطة الرحلات العلمية والتنقل للاستزادة وملاقاة العلماء والفقهاء وكبار الشيوخ".[ix] وكان للزاوية التجانية بقمار ومنذ نشأتها كُتَّاب أو جامع أو ما يسمى حالياً بالمدرسة القرآنية، تعاقب عليه الكثير من المعلمين الذين أشرفوا على التدريس والتحفيظ ومنهم:( العارف بالله سيدي عبد الله بدة، وأيضا العالم الجليل سي ابراهيم زغودة(1845/1930) الذي كرس حياته لخدمة كتاب الله بالزاوية . وأيضا المعلم سي أحمد بسا(1902/1955)، والمعلم سي الطاهر بسا(1902/1990) وقد تخرج على أيديهم الكثير من حفظة كتاب الله وكان من بينهم بعض خلفاء الطريقة.

أما الطريقة الثانية من التعليم فهو تعليم مفتوح موجه لعامة الناس لترشيدهم وتذكيرهم وتعليمهم مبادئ الدين وتبين الحلال من الحرام. وكذا حلقات دروس تفسير القرآن وشرح الأحاديث النبوية، وهذا ما أسماه ابن خلدون التعليم الشعبي وعرَّفه قائلا:" وهو ترشيد العامة من الناس والوصول بهم الى درجة معينة من الفهم والعلم التي تؤهلهم إلى معرفة الأحكام الشرعية وتمييز الحلال من الحرام في أمور الدين"[x].وهذا ما كان يظهر في حلقات التدريس التي تنظمها الزاوية في مسجد الزاوية وبعض المرافق الأخرى التابعة لها مثل (الحوش الشرقي) ،و( الدار الخضراء)[xi]. ويشرف على هذه العملية أبناء الزاوية كالشيخ سيدي محمد حمه، وسيدي البشير. ويقوم بهذه العملية مجموعة من العلماء والأدباء مثل الحاج بلقيم القماري، والشيخ محمد اللقاني الطيباتي، وغيرهم من العلماء.

لقد حرص القائمين على الزاوية اختيار الطرق الناجحة في التعليم وإلقاء الدروس، وكذا انتقاء الأساتذة وجلبهم للتدريس في الزاوية مثل الشيخ أحمد بن دغمان القماري الذي كان يدرس بمدينة الكاف التونسية الذي عاد بدعوة من الزاوية التجانية ليتولى التدريس بها ، وأيضا الكثير من العلماء الذين يمرون ويحطون رحالهم في زاوية قمار مثل الشيخ السعيد الدوكالي المغربي ، والشيخ مناشو التونسي ، والفقيه عثمان النفطي التونسي.

وهكذا كانت قمار معروفة بكثرة علمائها آنذاك ونذكر بعض منهم ومن أهل منطقة وادي سوف الذين درسوا بالزاوية التجانية بقمار:[xii]

      ×        سيدي محمّد بن عمّار التغزوتي (نسبة إلى تاغزوت قرية غرب قمار) المعروف بكونه من تلاميذ سيدي خليفة بن حسن القماري ناظم متن خليل.

      ×        سيدي الأخضر بن حمّانه القماري الذي تولى القضاء بها.

      ×        سيدي احمد دغمان القماري .

      ×        الشيخ المبارك المازق التغزوتي أصلا الجريدي التوزري منشأ ودارا.

      ×        الحاج علي بن القيّم القماري.

      ×        والشيخ محمّد بن البريّة القماري.

      ×        الشيخ محمّد بن جديدي العلاّمة الوادي.

وهكذا ساهم هؤلاء العلماء من قمار وضواحيها بواد سوف في نشر العلم والثقافة العربية الإسلامية بالزوايا التجانية بقمار وتماسين.

النتاج الفكري لعلماء الزاوية التجانية بقمار:

كان للحركة العلمية في الزاوية التجانية نتاجها الذي خلفته، وهذا في شتى المجالات التي تفاعلت فيها مثل العلوم الشرعية ، العلوم اللغة العربية ، والعلوم العقلية.

العلوم الشرعية: وهي في مقدمة العلوم التي كان لها النصيب الأوفر والأكبر في اهتمام الزاوية، وتشتمل علوم التفسير والفقه والقراءات والحديث النبوي.فهذا الفقيه أحمد دغمان ترك الكثير من الفتاوى الفقهية التي تعبر عن آرائه السديدة، ومستواه العلمي الراقي، كما قام بشرح متن الشاطبية في علم القراءات[xiii]، وكما قام بنظم أحكام البسملة .

علوم اللغة العربية:

ولقد حضت علوم العربية باهتمام كبير لما لها صلة كبيرة بعلوم الشريعة؛ ولهذا أحاط الكثير من علماء الزاوية بعلوم العربية ورعوها رعاية خاصة من حيث التدريس والتأليف. وبها اشتهر الكثير من الأدباء والشعراء، مثل الشاعر محمد الصالح الخوصي( ت1346ه/1927م) الذي خلف الكثير من القصائد.والأديب الشاعر الفقيه محمد بن بلقاسم الزيري (1869-1945) حيث كانت له مراسلات أدبية وفقهية مع العديد من العلماء بتونس وخصوصا مفتي الديار التونسية للشيخ البشير النفر وله عدة قصائد أشهرها نونية يمدح فيها سيد الوجود صلى الله عليه وآله وسلم.أما الشاعر الشيخ محمد اللقاني بن السايح الذي ترك الكثير من الآثار الأدبية والعديد من القصائد.

العلــــــــوم العقلية:

لم يقتصر نشاط علماء الزاوية على العلوم الشرعية واللغوية بل تعداه إلى العلوم العقلية كالحساب والتاريخ والجغرافيا والمنطق، فقاموا بشرح بعض مصنفات هذا المجال والتعليق عليها، وتبسيط محتواها حتى يسهل فهمها[xiv].

مؤلفات علماء الزاوية :            

لم يكتفي علماء الزاوية بالتدريس بل كان لهم جانب من التأليف في مختلف العلوم والمعارف مثل:

الشيخ أحمد دغمان الذي ترك مؤلفات منها "الإجابة بحسم الخلاف أسوأ السوأى في الكتابة"[xv]، وأيضا العلامة سيدي محمد العروسي الذي كتب بعض المصنفات منها "الكناش"، و"المخدرة"[xvi].

علماء الزاوية نشاطهم بالزاوية لم يعزلهم عن المجتمع وما يجري فيه ، بل كان لهم تفاعل كبير فيه وذلك من خلال المناصب والوظائف الإدارية المهمة كالقضاء والإفتاء والإمامة مثل سيدي لخضر بن أحمد حمانة الذي تولى الإفتاء، والشيخ أحمد دغمان الذي تولى القضاء بقمار حوالي 14سنة.

خزانة المخطوطات للزاوية التجانية بقمار:

المخطوطات الذاكرة التي تقف شاهداً على عظمة الأجداد ، وهي الكنز الباقي الذي العلماء السابقون من كتابات وكتب خطوها بأيديهم أو نسخها النُّساخ، وهي سجلُّ عصرهم ومرآة أحداثه وأفكاره وقيمه، وبذلك تكون من أهم المصادر التي لا غنى عنها لكل باحث يبحث في أي جانب من جوانب الحياة العلمية والاجتماعية وغيرها في ذلك الزمن البعيد. بفعل الزمن ركنت هذه المخطوطات في رفوف النسيان وتآكلت بفعل الإهمال، لنحاول الآن إزالة الغبار و فتح باب التاريخ لقراءة كتب صنعت في ما مضى التاريخ.

التعريف وتاريخ نشأة الخــــزانة:

الطريقة التجانية وفي زاويتها بقمار منذ نشأتها وتوسعها، ولأن الدّاعي الأول لتأسيسها هو العلم والتعلم، عمدت لتخصيص مكان خاص للكتب والمكتبة. والقبة الهرمية، التي أنشأت سنة 1300ه /1893م[xvii]، هي المكان الذي وضعت به المكتبة ، وحاول مؤسسوها أن يجمع كل كتب السابقين، وما حوته الزاوية من مصادر والسعي إلى اقتناء الكتب وكذلك العمل على تشجيع نسخ الكتب. وكانت تعرف باسم "الخزانة العروسية". وفي مرحلة متقدمة حاول أبناء الزاوية تطوير المكتبة فجمعت كل عائلة مخطوطاتها وأطلق عليها " المكتبة العرفانية "(1988/1989). وكانت أكبر مكتبة وقتها بسوف، وأخذ منها الكثير من العلماء ومن بينهم صاحب كتاب الصروف . فجمعت بين الكتب المخطوطة والكتب المطبوعة في شتى المجلات الدينية والأدبية والعلمية... وكذا المجلات العلمية والأدبية والفكرية وهذا حسب اطلاعنا لفهرس المكتبة آنذاك.[xviii] وعلى الرغم من أن يد الإنسان والنسيان عبثت بها واختفت بعض أجزاء هذه المكتبة؛ إلا أن القائمين على الزاوية أبو إلا أن يحيوا سنة الأولين، ويعيدوا تجديد هذه المكتبة لتكون مواكبة لهذا العصر وكان افتتاحها في 2008 وتزويدها بالكثير من المصنفات والعناوين، وأيضا اعتمادها على الإعلام الآلي في عملها لتصبحت قبلة للطلبة والباحثين.

محتوى الخزانة:

الخزانة العروسية هي النواة الأولى والبذرة التي نمت لتنمو وتتطور لتكون المكتبة العرفانية ، لتكبر الشجرة وتثمر مكتبة المجمع الثقافي للطريقة التجانية بزاوية قمار الذي تم افتتاحه في 2008. ان محاولة إحصاء ما حوته المكتبة من بدايتها إلى الآن ليس بالأمر السهل ، وتضيق ورقات هذا البحث أن تحتويه. وسنكتفي بإجراء مسحة فوقية لما حوته من عناوين مهمة .

على الرغم من الخزانة العروسية هي المكتبة الأم والتي مازال أحفاد الشيخ سيدي محمد العروسي يحتفظون ببعض مخطوطات الكتب إلا أن المكتبة العرفانية هي المرحلة التي تم فيها جمع الكثير من الكتب والمخطوطات من أبناء الزاوية التي ورثوها عن آبائهم ؛ بل وحتى أبناء قمار الذين كان لهم باع في العلم والتدريس أو ما خلفه آبائهم وأجدادهم، وهذا ما سجل في خانة الملاحظات بفهرس المكتبة[xix].

إن قراءتنا لمحتوى الخزانة سيكون بداية من خلال هذا الفهرس أن المكتبة انطلقت كما سلف بالخزانة العروسية وهذا ما نلاحظه في بداية فهرسة الكتب حيث نلاحظ أن الكتب كانت مقسمة إلى ثلاث مصنفات عامة

الكتب الخاصة بباب الفقه والعبادات وهي :( 64)مصنف، مثل كاتب جامع الترمذي لمحمد بن عبد الرحمن الأخضري بأربعة أجزاء ومقدمة، وموطأ مالك، فقه السيرة لمحمد الغزالي...

الكتب الخاصة بباب التصوف والطريقة التجانية: وهي (56) مصنف، مثل جواهر المعاني لسيدي على حرازم، والفتوحات المكية لمحي الدين ابن عربي، الإشارات الإلهية لأبي حيان التوحيدي...

كتب خاصة بباب الأدب والشعر والقصة وهي: (38) مصنف مثل شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (5أجزاء)، المقدمة لابن خلدون، مقامات الحريري ، كتاب الأغاني، روائع الجاحظ، المعذبون في الأرض لطه حسين، الخمائل لإيليا أبو ماضي،...

جانب خاص بالمجلات: مجلة الوطن العربي (20) عدد، مجلة الحوادث(21) عدد، مجلة المستقبل (23)عدد، مجلة هنا لندن(61) عدد، مجلة الفيصل( 9) أعداد، ومجلة العربي(6)أعداد.

بالإضافة إلى جدول غير مرقم به الكتب التي ألحقت بالمكتبة سواء كانت عن طريق الإعادة أو الإهداء للمكتبة، (22) عنوان.

والسؤال المطروح ما مصير هذه الكتب الآن؟، من خلال لقاءنا بأبناء الزاوية والقائمين بالمكتبة أن قسم كبير من الكتب المُعارة قد استرجعها أصحابها، وهناك قسم أكبر من الكتب أضيف للمكتبة التابعة للمجمع الثقافي بمقر الزاوية، أما قسم الباقي من المخطوطات، وهي من بقايا الخزانة العروسية، مازالت محفوظة عند أحفاد سيدي محمد العروسي بقمار، وهو القسم الذي يعتبر الآن القسم الأثمن في مخطوطات الزاوية التجانية بقمار، ولقد وقفنا على هذا القسم الذي يحتوي على (117) مخطوط بالإضافة إلى (2) ختمتين من القرآن، وهناك فريق يسهر على المحافظة عليه.

وصف المخطوطات:

     المخطوط هو ذلك الكتاب الذي يحمل أثر يد صاحبه مخطوطا أو ناسخها، ويحمل محتوى ثقافي بشري بين جوانبه، سنحاول تقديم وصف عام للمخطوطات التي وقفنا عليها.

حالة المخطوطات: إن الحالة التي عليها المخطوطات تستدعي دائما عناية خاصة، بفعل مرور الزمن وعوامله. لذلك نجد حالة المخطوطات التي وقفنا عليها تتراوح بين الجيدة والمهترئة، وهناك من به مجلد مزخرف أو مجلد غير متماسك، أو بدون مجلد. و كثير منها فقدت واجهة العنوان الذي يستدل في تحديده من خلال مقدمة الكتاب أو خاتمته.

حجم المخطوط: تتنوع المخطوطات من خلال أحجامها من الكبير إلى المتوسط، الى الصغير مثل جزء من ختمة القران طول صفحته:19.5سم، مخطوط مولد النبي للبرزنجي طول صفحته 25سم، وهناك مخطوط يصل طول صفحته الى 12.5سم، وقد يصل طول صفحته 33سم.أما من ناحية عدد الأوراق أيضا تتفاوت قد يصل المخطوط إلى 300ورقة وهناك مخطوطات بها 69ورقة فقط.

نوع الخط: المخطوطات أغلبها مكتوبة بالخط المغربي لكن هناك الرقيق مقروءة، وهناك ذات الأحرف السميكة، ولقد كان استخدام اللون الأسود هو الغالب في حبر الكتابة، واستعمل أيضا الأحمر والأخضر، والأزرق.

النُّساخ وتاريخ النسخ: إن معرفة اسم الناسخ وتاريخ نسخه للكتاب أمر مهم لتحديد تاريخ وصاحب النسخ الذي لن يخلو عمله من ترك بصمته الخاصة على الكتاب حتى وإن لم يكن هو من ألفه.ولقد ساعدنا القائمين على هذه المخطوطات في معرفة بعض النساخ الذي كانوا من منطقة قمار، مثل محمد الصالح القماري (ت1308ه) ، وابراهيم بودراع بن محمد الصالح بن على (1374/1955)، وهناك مخطوطات تحمل تواريخ نسخها مثل : مخطوط باب التأويل في باب التنزيل (1205ه)، تاريخ الفراغ من تأليف الجامع الصغير من حديث البشير النذير(907ه)...

أهمية هذه المخطوطات في تاريخ الزاوية بين الماضي والحاضر:

لقد كان القائمين الأوائل على الزاوية يطمحون لإنشاء جامعة علمية شبيهة بالزيتونة والأزهر وهذا ما عكسه البناء المعماري للزاوية ، لأن القراءة المعمارية للقبة الهرمية " تشبه تخطيط المدارس الداخلية التي أنشأت في والحواضر الكبرى والتي عادة ما تشتمل على قاعة للدروس أو أكثر وقاعات صغيرة للمذاكرة أو للمجالسات العلمية وإقامة الطلبة"[xx]، ورافق هذا البناء المعماري بناء علمي تسعى الزاوية لبنائه من خلال نشاط العلمي في إلقاء الدروس وتعلم القرآن، وأيضا إقامة مكتبة تزخر بشتى العناوين. إن ما نسميه اليوم مخطوطات كان هو المصدر الأول للمادة العلمية، وكان اختيار عناوين الكتب يسعى لبناء مجتمع وتربيته حتى لا يحيد عن هويته ودينه، وهكذا المخطوطات آنذاك لم تكن حبر على ورق بل كانت مفاهيم تطبق ، ومعاني يُتحلى بها، بل كانت تمثل فكرهم وآراءهم، وزادهم العلمي الذي يتزودون به، ومرجعهم الذي يرجعون إليه. أما الآن اختلفت العلوم، وانتشرت وسائل مختلفة وأسهل لطلب العلم ودراسته، وغزو المعلوماتية جعل المخطوطات تركن على رفوف تصارع عوامل تآكلها، أو أنها تتآكل شيئا فشيئا من دون أن ننتبه لها. ومن هنا وجب الحفاظ عليها، لإعادة قراءتها، حتى نعرف المستوى العلمي الحقيقي لتلك الفترة وأصحابها، وحتى تبقى شاهدة على ما وصل إليه السابقون، وكيف تحدوا الصحراء لبناء حاضرة عليمة في وسط الرمال.

مشروع جمع ورقمنة المخطوطات:

الزاوية التجانية بقمار، سواء أبنائها أو حتى المنتسبين إليها لم يقفوا مكتوفي الأيدي، لأن إحساسهم بقيمة هذه المخطوطات وأهميتها، واعتبارها من الكنوز التي ورثوها عن آبائهم، بل أقاموا مشروع للحفاظ عليها. فهم يشتغلون منذ مدة على رقمنة جميع مخطوطات الزاوية ، وإقامة فهرسة علمية ممنهجة لها، ويسعى هذا المشروع الحفاظ على المخطوطات أولا من خلال تقليل الأضرار التي تنجم عن الاستعمال المباشر لها، وتسهيل الوصول إليها والاستفادة منها وتوظيفها في المجال المعرفي. لأن وجود هذه المخطوطات في بيئة صحراوية مفتوحة والعوامل الجوية المتقلبة أسرع في إتلافها. وهذا ما وقفنا عليه وأعلمنا به مسؤول المشروع[xxi]، وتحت إشراف دكاترة متخصصون في هذا الميدان، ولقد قطع هذا المشروع شوطا كبير، حيث تم تصوير ورقمنة عدد كبير من المخطوطات ، وإقامة لكل مخطوط بطاقة فنية وتقنية كأنها بطاقة تعريفية للمخطوط وسنرفق الآن نموذج لذلك:

ملحق:

dakira0416

       
     
   
 

dakira0417

 

dakira0418

dakira0419

 

 

الإحالات:

1ابراهيم لعوامر، الصروف في تاريخ صحراء سوف ص145.( اطلعنا على نسخة مخطوطة في مكتبة المجمع الثقافي التابع لزاوية قمار).

2نقلا عن محمد الطاهر تليلي ،فذلكة تاريخية عن منطقة سوف تقديم أبو القاسم سعد الله، مجلة العرب ج11و12، الرياض 2002،ص543.

3 حسونة عبد العزيز ، عمارة مدينة قمار ،ص44 وما بعدها.

4انظر : عثمان زقب، الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في منطقة وادي سوف،ماجستير تاريخ،جامعة باتنة2005/2006، ص181.

5نقلا عن : محمد الطاهر تليلي من تاريخ سوف (مخطوط) . أنظر عثمان زقب، ص178.

6 الشيخ سيدي أحمد التجاني هو سيدي أحمد بن محمد، الملقب بابن عمر لشدته في دينه ، ابن المختار بن محمد وهو أول من نزل من هؤلاء السادة بعين ماضي، ابن سالم بن أبي العيد بن سالم الملقب بالعلواني بن أحمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد الجبار بن إدريس بن إدريس بن إسحاق بن علي بن زين العابدين بن أحمد بن محمد النفس الزكية بن عبد الله بن الحسن المــــثنى بن الحسن السبط بن علي بن ابـــي طالب كرم الله وجهه من السيدة فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة عليها السلام ابنة خير الخلق وسيدهم رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ». أنظر: الطيب السيفاني :الإفادة الأحمدية ،مطبعة صدق الخيرية بجوار الأزهر،مصر، (دط) ،1350ه،ص ج.

7أنظر :السعيد عقبة، جوانب من الحياة الفكرية بالزاوية التجانية بقمار ، الملتقى الدولي الثاني للطريقة التجانية "الخطاب الصوفي التجاني زمن العولمة قمار (6/5/4/)نوفمبر2008. مطبعة الوليد الوادي الجزائر، ص147وانظر أيضا كشف الحجاب لسيدي أحمد سكيرج.

8انظر : المرجع نفسه.

9نقلا عن: ابن خلدون: المقدمة، ص 447 أنظر: علي غنابزية: دراسة تاريخية لمناهج تعليم القرآن الكريم بين الماضي والحاضر،( مجتمع وادي سوف ، نموذجا )، مجلة البحوث والدراسات، العدد 04 . يناير 2007 ، ص 73.

10المرجع نفسه.

11 حسونة عبد العزيز،عمارة مدينة قمار بمنطقة سوف ، مطبعة مزوار الوادي(د ت) ص89وما بعدها

12 انظر: السعيد عقبة، المرجع نفسه.

13متن الشاطبية هو تعرف بحرز الأماني لأبي عبد الله الشاطبي (ت 590ه/1194م).

14انظر: السعيد عقبة، المرجع نفسه،ص159.

15ابراهيم لعوامر، الصروف في تاريخ الصحراء وسوف ، ص 32.

16وهما الكتابان الذي استقى منهما صاحب الصروف أكثر مادته

17وتعرف براد الضيافة وتعد من أروع عمائر الزاوية سواء من حيث التصميم واو من حيث الزخرفة حتى جاز تسميتها بالقصر وكان تأسيسها بتكليف من سيدي محمد العروسي ، أنظر: حسونة عبد العزيز ،ص97.وما بعدها.

18عند زيارتنا لزاوية قمار واطلاعنا لبعض المخطوطات اطلعنا أيضا على الفهرس المعد بطريقة علمية منظمة لكل الكتب ومؤلفيها ومصدرها ،وتصنيفاتها ( كتب دينية ، فقهية وأخرى صوفية والشعر والأدب والقصة ومجلات متنوعة مثل مجلة الفيصل، هنا لندن ، الحوادث ، العربي...)

19فهرس المكتبة مكون من أربع خانات الأولى للرقم والثانية للعنوان والثالثة لاسم المؤلف والرابعة للملاحظات الذي تسجل فيه مثلا: ان كان في الكتاب أجزاء أو نسخ، أو أيضا من صاحب الكتاب وهل هي مهداة أم اعارة للمكتبة ...

20حسونة عبد العزيز ، المرجع نفسه،ص98، وهناك بعض المخططات المرقفة للبناء المعماري للزاوية.

21في لقاء مع السيد ابراهيم تجاني في المجمع الثقافي التابع للزاوية بقمار.