حرجية الكفاية التربوية بين المطلب النفسي و البيداغوجيpdf

 أ . محمد زردومي

أ. زرقط خديجة

جامعة الجزائر )الجزائر)

ملخص المداخلة:

ظلت الأنظمة التربوية في البلاد النامية تستقطب اهتمام الباحثين المحليين و المتعاونينو المهتمين بشؤون التربية و التعليم.الإصلاحات التربوية القائمة تأتي على شكل جرعات إنعاش لإنقاذ الموقف من أجل تكييف الأهداف التربوية وفق إيديولوجية النظام القائم.زوال مفهوم الدولة الأمة ، بالمعنى السياسي، فتح مجال التربية للنقاش أمام الحكومة في التربية     و الحكم الراشد، فضلا عن رغبة من يهمه الشأن التربوي في الظفر بالجودة التربوية قصد الاستجابة إلى مطالب التحولات التي أملتها سوق الشغل و تحولات العولمة.

جاءت في هذا السياق محاولات الإصلاح التربوي بشكل متواتر تعتمد التوجهات الحديثة في مجال التنظير التربوي.تجربة المنظومة التربوية الجزائرية طبعتها دينامية التغيير و التعديل  و الإصلاح و المصالحة، مثل ما هو الشأن في الواجهة السياسية.وصفات تربوية متنوعة تمليها الحاجة و تفرضها المستجدات و جدت مجالا للتجريب و التعديل و الإنعاش و العدول في نهاية المطاف.

 أمثلة كثيرة يمكن أن نسوقها بدءا من تجربة التعليم الأساسي، التدريس بالاهداف ، ثم بالكفايات.

هذه النماذج ليست غريبة و لم يأت أحد بالنموذج المثالي.ذلك أن فلسفة التربية منذ الثورة التي أحدثها "ديوي جون" في التربية كانت ترافق كل الفكار التي من شأنها أن تعمل على رفع الأداء و الانجاز لتحقيق الكفاية و الجودة في التربية مثل طريقة المشروع و حل المشكلات.

 الحرج القائم في هذا السياق هو/ إلى من توكل مهمة الإصلاح التربوي عبر التنظير و التأطير؟

إلى أي مدى تمت معاينة الفجوات التربوية و هفوات النظام التربوي للحكم على مواطن الخلل؟

هل تستند الإصلاحات و التعديلات إلى مرجعية فكرية و منظومة قيم أم أنها مجرد ترقيع ؟

من وجهة نظر أدبيات التربية المقارنة، سوف تأتي هذه المداخلة لتوضيح ثنائية حرجة قائمة في المفهوم (الكفاية التربوية) من حيث المطلب النفسي و البيداغوجي. يبدو أن موطن الحرج والخلل قائم في آن واحد، في كون الأهداف التربوية كانت دوما تسعى إلى الرفع من أداء المتعلم لتحقيق كفاية ما.

  الكفاية تتحقق بالبيداغوجيا، أم أن تدبير الشأن التربوي تحققه كفاية ما... كفاية المعلم المرسكل أو كفاية التلميذ من خلفية تنعت بالصفوة.إن أبسط طريقة لرفع اللبس هو التذكير بالحكمة الفرنسية التي تقر أن بالعربة التي تسبق الثيران.

الكفاية كمفهوم سيكولوجي تأتي في قمة هرم سلم الحاجات و تلازم توازن بناء ملمح الشخصية.

الكفاية التربوية تقترن بحجم المعارف المكتسبة و الكيفية التي تستثار بها للرفع من الأداء و الانجاز.

على ضوء هذه الثنائية سوف نناقش مبدأ حرجية الكفاية التربوية بين المطلب النفسي و البداغوجي.

 مدخل:

 تحاول المدرسة ببرامجها و بيداغوجيتها أن ترقى إلى مستوى تحقيق معنى التـعلم حتى تستجيب إلى الأهداف المتوخاة في التشريع المدرسي.الهدف الأسمى، تحقيق مواطن

صالح. يعتقد الكثير أن ذلك يتم، و فقط، بإتباع أسلوب تلقين المعلومات و تدريب ملكة الحفظ من أجل تخليص الطفل من عوالق التنشئة الاجتماعية.  المعلم مسؤول و متـهم في آن واحد.  مكانته تنحصر بين سلطة المشرع المدرسي و الأسرة. مهمة شريفة و شاقة في نفس الوقت، تحمله أعباء الضغوط السياسية و الاجتماعية.حتى أمام أدبيات التربية يجد المعلم صعوبة في تحديد معنى للتـعلم.

* هل يعلم، يربي، يلقن، يدرس، ينصح، يوجه، يرشد، يضبط، يتحكم؟

* هل يقوم بالتربية أم البيداغوجيا ؟

* هل ذلك مرتبط بمعارف المعلم أم بتصرفاته؟

كل هذه الوظائف تصب في مهام المـعلم و واجباته.أين يمكن حصر السلوك التربوي و الفعل البيداغوجي، من أجل تحقيق معنى التـعلم أو بالأحرى كفاية؟

مهما كان هذا التداخل بين الواجبات و المهام و الحقوق. يتوقع المجتمع من المعلم والمدرسة أن يكون في مستوى طموحه. رغم كون المعلم قدوة و نموذجا، فإن صعوبات كثيرة تقلل من شأنه و تعطل مهامه، عندما لا يتحقق معنى للتعلم. المعلم هو المتـهم، الأسرة و المجتمع يتنصلان من المسؤولية.أما البرامج و محتواها لا أحد له الحق أن يبحث فيها عن أثر لمعنى التـعلم.هذا هو السياق العام الذي يحقق فيه التـعلم معنى.المعنى الحقيقي في بيداغوجية تحقق الصلة بين البيئة المدرسية و الاجتماعية.

  "أعتقد أن التـعقد سائدا جدا للتحكم من شخص، لكن يمكن أن يكون محل تشخيص من طرف الجميع.سوف نكون بحاجة إلى نوع جديد من المدرسة ؛ ليس مدرسة للتـعليم والكتابة و الحساب، لكن مدرسة للمشكلات.هذا الصنف من المدرسة بحاجة إلى امتداد المشاركة، الاتجاهات المناسبة للبنيات فيما يخص التأطير و المؤسسات.المدرسة التي تمنح الفرصة للناس لفحص مشكلاتهم، تتعامل مع مشكلاتهم، و تتـعلم من مشكلاتهم.التحليل يجب أن يبدأ على مستوى الناس مع/ وفي تجاربهم و مستوى فهمهم.هذه تضمن المبادرة الجماعية و المساهمة في أي نوع من مسار التغـيير.( JA N SERVAES,2002,10)

إشكالية معنى التـعلم و مبدأ الكفاية التربوية:

القيام بالتعليم والبيداغوجية هو جوهر التربية.ذلك يعني تحسين و إضافة و تغيير من أجل حسن كيان الفرد.  المدرسة هي المؤسسة الرسمية التي تظطلع بمهام التربية. فهي الموظبة المنظمة لسلوك الفرد من أجل تحقيق المعايير و القيم الاجتماعية.

التربية، بفضل الارتقاء للمعلومة و ترقية المعارف، وحدها قادرة على ضمان الأهداف الاجتماعية.ففي سياق وبيئة تربـوية، يلتقي المعلم، التلميذ، البرنامج من أجل التفاعل وتبادل الخبرات وإعطاء معنى للتـعلم والتمتع بالحياة.هذه المتعة هي جوهر الكفاية التي تأخذ على عاتقها عوامل نفسية و معرفية موجودة كحيازة لدى المتعلم و تعزز دافعية التعلم للظفر بكفاية تمليها الحاجة و الواقع.

  محاور العملية التربوية وقعت ضحية بيئة اجتماعية و سياسية عدائية. المعلم يملي تعليمات؛ أما التلميذ يتلقى البرنامج بدلالة سلطوية، دون تعليق . الحياة والتـعلم ليس لهما معنى في المدرسة، بالتالي ما هو في مخيلة التلميذ كرغبة جديرة بالأهتمام ، نادرا ما تجد صدى عبر البرامج و المناهج التربوية. الأطفال معرضون إلى محتوى برامج و معلومات لا يستفيدون منها في الحيــاة اليومية.إذن حدثت المواجهة.

الإشكالية هي مأساة الذكاء، الفشل الدراسي، التسرب الدراسي.  إنها المدرسة الجانحة(EDMUND J KING ,op cit,05) التي تسير معرفة لا طائل منها للحياة و المستقبل. لإعطاء معنى للتـعلم، يجب إعادة النظر في كل شيء و جعل البيئة الاجتماعية معززة للمكاسب المعرفية.

نظريـــات علم النفس و علوم التربية وضحت مختلف أنماط و أبعاد التـعلم.التداخل بين التخصصات، فن التعليم، التوجيه و الإرشاد، تكويـــن المكونين.هذه هي التحديات التي يجب رفعها في أقرب الآجال.و إلا لا مجال للبحث، لماذا نعيش الأزمة

 الاجتماعية الممتدة في عدم الطمأنينة المستمرة. أطفالنا على وشك للضياع في مفهوم الزمن والمجال.واقع التربية و التعليم يحتاج إلى تبيؤ تربوي، بمعنى الخروج من البروج العاجية التي تطوق المعلومة في حدود الأهداف التربوية التي لا تعتمد الأبعاد البيئية والمستقبلية.                 

أصبح العالم يراهن على الفضاءات و المعلومات. الحروب تغيرت و ارتبطت بآليات التنمية المستدامة و الإستراتيجيات المستقبلية المدمجة. المعلومة في حد ذاتها لم تعد محتكرة

وتسوق عبر قنوات الاتصال مخترقة حدود الزمن والمكان.العملية التربوية والتعليمية مطالبة بالتكيف مع معطيات العولمة، عليها أن تمتد و تستمر و تتفتح و تخترق الفضاءات الجديدة التي يراهن عليها عالم الألفية الثالثة.

انطلاقا من هذا الطرح المتعلق بالمعلومة و رفع الأداء على أساس الكفاية التربوية والتعليمية على الخصوص،التي تنطلق من الواقع و تعود إليه.بمعنى تأخذ على عاتقها مبادىء الممارسة و التدريب على حل المشكلات. يجب أن تأخذ التربية على عاتقها المهام الاجتماعية والتربوية و التعليمية.كما تعمل عل تحقيق المعنى والمغزى من الفعل التعلمي عبر كافة  الشركاء الاجتماعيين في العملية التربوية.

 تحاول التربية تصحيح أخطاء التعلم في المراحل المبكرة  و الأخذ بيد المتعلم من مرحلة السذاجة و التعميم و التلقي إلى مرحلة الاستكشاف و الاستشفاف بحسب متطلبات النمو.بالتالي سوف تسعى التربية من تخليص النشء من الأفكار الخاطئة والعالقة من مرحلة التنشئة الاجتماعية بكل مجالاتها .

ظلت الممارسات التربوية تشكل مرجعية المختصين و الأولياء و المشرفين على مشكلات التعليم و التعلم. لذا، رافقت الكفالة النفسية أداء الفئات الاجتماعية في كل الظروف.

وهي تقوم بذلك، تحاول تقديم المساعدة و الخدمة الاجتماعية لتحقيق التكيف مع متغيرات الحياة و الرفع من الكفاية الإنتاجية. ففي ظل التحولات و التغيرات، التي انتشرت بصفة كونية مع مطلع التسعينات، أملت الضرورة مراجعة طبيعة التعامل مع إشكاليات الحاضر لمواجهة تحديات المستقبل.

  يشهد المجتمع الجزائري تحولات جذرية، مما يملي عليه تجديد آليات التكيف مع الرهانات المستقبلية.  ستكون الممارسات السيكـــولوجية هي السبـــاقة للتكفل بالحاجــــات الفرديــة

والاجتماعية، خاصة إشكالية التعليم و التعلم، قصد ضمان الاستمرار في عالم يحتكم إلى اقتصاد المعرفة.على أن ما أفضت إليه تكنولوجيا التعليم و التعلم، جعلت من العملية التربوية

المستدامة، هي أساس ارتقاء المجتمعات سلم الأقوياء. بالتالي يصبح معيـــار التفوق بمدى الاستحواذ على المعلومة و التكفل بحاجات الموارد البشرية.

تحولت بيئات التعلم إلى فضاءات افتراضية وفق تطور مسار التكنولوجيات الجديدة من معلوماتية و رقمنه.  تفرض هذه، التحولات و الانعكاسات، مسايرة الممارسات السيكولوجية

مستجدات البيئات الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية. ذلك، يتم باستحداث تناولات تستجيب لتوجهات و رهانات المستقبل.

   تعمل ،الاتجاهات الحديثة في العلوم الإنسانية و الاجتماعية،على تحقيــــق المعنى من التعلم. على أن المعرفة الحقيقية، لا يتم نيلها، إلا إذا جردت من سياقها.إن الكثير مما نلاحظه من مشكلات التعليم و التعلم و التكيف، ينبثق من عدم العناية بالسياق الذي تقع فيه الأحداث.

يحتاج التعلم المتجـــدد إلى امتصاص تشكيلة كبيرة من السياقات. هنا تقع مهمة و رسالة الأبحاث الاجتماعية، بالمدى الذي تتدخل فيه لتحقيق التوافق بين التعليم و التعلم.

  يبقى أن تنكب أعمال المختصين في مجال العلوم الإنسانية على واقع المجتمع من منظور البيئة العالمية، بما في ذلك التغيرات التي تملي علينا مواكبة المستجدات من أجل توفير أنجع السبل لترقية كفايات الموارد البشرية.

يعرف العالم تحولات عميقة في جميع المناشط البشرية.سرعة التطورات العلمية و التكنولوجية أثارت تحولات معتبرة على الساحة الكونية. أعطى هذا النمو المذهل تأشيرة جديدة للكم الهائل من المعلومات المتناقلة عبر أجهزة الاتصال و التواصل.

أصبح اقتصاد المعرفة عملة متداولة في أوساط المبدعين و المخترعين و المسيرين.تطور و نمو كوني يملي ضرورة استحداث أساليب التربية و التعليم لمواكبة المستجدات.هذه المعطيات غيرت النظرة إلى التعلم و التعليم و المناهج لدرجة أنها تكاد تعصف بالطرق الكلاسيكية للتربية و التعليم.

 استجاب الأولياء و المدرسة و كل المهتمين بالشأن العام لهذه التحولات في مجال المعرفة و المعلومة، بتغيير اتجاهاتهم نحو المعلومة و المعرفة و أساليب الوصول إليها و نقلها .

شكلت الوسائط التعليمية و المواقع الالكترونية فضاءات إضافية و بديلة تمكن كل أطراف العملية التربوية و التعليمية من التزود بكم هائل من المعطيات التي باتت تنافس السلطة المعرفية للمعلم و البرنامج و حتى المناهج.

سارعت الكثير من المنظومات التربوية و التعليمية إلى تبني خطوات إصلاح و تعديل و إنعاش لمناهجها و برامجها قصد التكيف أو الاستجابة للوضع الراهن. مع هذه الوجهة الإصلاحية المفروضة، سواء من حيث الوتيرة المتسارعة للاختراعات و التكنولوجيات التربوية، أو من حيث الاستجابة إلى متطلبات سوق العمل.كل المجهودات أصبحت تصب في سياق اقتصاد المعرفة و امتلاك الخبرة الضرورية المؤهلة للإبداع و الاختراع.

لم تعد البيئة التربوية الجديدة رهينة المدرسة و المجتمع، بل أدخلتها النزعة التشاركية في فضاءات افتراضية ينهل منها المتعلم بكل حرية.أصبحنا نعيش في فضاءات معولمة و كونية تتيح إمكانية التنقل و التجوال و بسرعة فائقة عبر الاتصال و التواصل إلى فرص تفوق قدرة الخيال  التي استوعبتها آليات الرقمنة.حتى أن بعض الاتجاهات الفلسفية و أصحاب النظرة الاستشرافية ينظرون إلى التربية بمنطق فوكوياما "نهاية التربية".مصطفى محسن 19/ 2005

أصبح مفهوم الجودة في التربية من الرهانات التي تريد المؤسسات تحقيقها على أساس الظفر بالكفاءات و استثمار الرأسمال البشري إلى أبعد حد. تجدد مفهوم التكوين ليدخل التوأمة مع اقتصاد المعرفة الذي يضمن المكانة المرموقة في السوق العالمية بكل التحديات التي تفرضها.

هذه الجودة المفروضة على التعلم و التعليم، تحركها آليات المنافسة الشرسة للظفر بالكفاءات و الاستجابة على تحديات سوق كوني قائم على الاستهلاك المتجدد المبني على أجيال من السلع و المنتجات و المعارف التي تعصف بها قوة الإبداع بين حين و آخر لتصبح رهينة المتاحف.

أملت الحاجة و الضرورة مواكبة المسار المعارفي لضبط الأمور وفق معايير دولية و تحت ضغوط منظمات التجارة العالمية والتقييس الذي يتطلب هو الآخر الجودة و استقطاب المستهلك.

المعطيات الاقتصادية غيرت معها المنظومات التعليمية و التربوية في سياق عالمي موحد، ذلك أن تنقل العمالة و حراك الكفاءات لم يعد متاح التحكم فيه بزوال الإيديولوجيات التي كانت تتغني بترقية الطابع الوطني و التصدي للاستلاب الثقافي.

أصبحت الكفاءة و الأداء و الانجاز معيار التفوق و التكيف بمثابة مقاييس تعبر عن الجودة. و حتى تجد أي مؤسسة مكانتها في هذا المخاض المتسارع؛ تقدم الكثير من الهيئات خدمات التقييم و المتابعة المستمرة و الإسعاف الاقتصادي التشاركي للظفر بالجودة و ليس لإنقاذ الغريق أو ما يعرف عندنا بالإنعاش الاقتصادي . لم يكن قطاع التربية و التعليم في منأى عن هذه التحولات؛ بل وجدت المؤسسات الإنتاجية، ضالتها في المراهنة على الجودة و استقطاب الأطر و تشجيعها في إطار عقود براءة الاختراع للفوز بالأسبقية. بالتالي، لم يعد العالم المعاصر يراهن على الحاضر فحسب، بل يعمل بنظرة إستشرافية لمواجهة تحديات المستقبل 

تجـدد التعليم و التعلم:

 يوحي التعلم و التعليم في دلالاتهما إلى فعل الاستمرارية و التوقع و التنبؤ الافتراضي لحال الإنسان و المادة على حد سوى. لم يعد يكتسي التعلم الكلاسيكي الموسوعي  مكانا أمام انتشار الموسوعات و الفضاءات الالكترونية.التعليم هو الذي يوجه المتعلم عبر مسالك التزود و الاستزادة بالمعلومة لتحويلها إلى معرفة.لذا، يأخذ التعلم طابعا ديناميا يواكب و يساير و يراهن على حل المشكلات و طريقة التعامل معها في سياقها ضمن معادلة الزمن و المكان.

 من خصائص التعلم المعاصر كونه تشاركي، توقعي و متجدد، فضلا عن ذلك يسعى إلى ترقية الجودة في التربية.

"من الجوانب الأساسية في التعلم المتجدد أن يكون توقعيا. و لكي نفهم معنى هذا التجدد، نقارنه بالتلاؤم.فالتعلم المجدد يتميز بالتوقع أكثر مما يتميز بمجرد التلاؤم أو التكيف مع الظروف الحاضرة. فبينما يتضمن التلاؤم تكيفا مع الضغوط الخارجية، فإن التوقع يتضمن أن يتهيأ الإنسان لما يحتمل حدوثه من طوارئ، و أن يأخذ في اعتباره بدائل المستقبل البعيد،    و أن يتهيأ في تعلمه التوقعي هذا لأن يستخدم وسائل الإسقاط و التنبؤ و المشابهة و السيناريو و النماذج، و كل هذا يشجع على وضع الخطط و تقويم ما يترتب عليها، و تقدير الآثار الجانبية الضارة  لما قد يتخذ الآن  من قرارات ، و تشجع أيضا على التعرف إلى النتائج العالمية للتصرفات المحلية و التصرفات على مستوى الدولة أو على مستوى الإقليم. و غاية هذا كله إنما حماية المجتمع من مضرة التعلم بواسطة الصدمة."

المهدي المنجرة،54 /2003

مما سبق نستنتج،  أن طبيعة التعلم تتغير مع الواقع و السياق الذي تتواجد فيه المجتمعات و المشكلات.لو عدنا إلى مسار التعلم عبر التاريخ، نجده هو الآخر قد مر بمراحل النمو مثل ما تمر به كافة الكائنات.هذا لا يعني، أننا نعتبر التعلم كائنا حيا، و إنما ننظر إلى طبيعته الحيوية؛ كونه يحمل بذور النمو و التغيير و الارتقاء لبلوغ الكفاية و الجودة. 

 إستقراء مفهوم التعلم:

زودت الشرائع السماوية، كونها مصدر سلطة التعلم، الإنسان بما يكفيه لفهم واقعه و العمل على تغييره نحو الأفضل.مثلما علم الإله آدم الأسماء كلها، علم الإنسان ما لم يعلم، و جعل فرقا في المكانة بين الذين يعلمون و الذين لا يعلمون.بالمقابل أوحى الإله إلى النحل أن تتخذ من الجبال مسكنا.كما بعث بالغراب كقدوة ليعلم "هابيل" كيف يواري سوءة أخيه" قابيل".

هذه المشاهد القرآنية تبين مدى مرونة التعلم و تحوله من تعلم صدمي إلى تعلم توقعي إلى تعلم فعال و تعلم متجدد و تشاركي "الرحمان علم القرآن،خلق الإنسان، علمه البيان".مسار التعلم لا منتهي من المهد إلى اللحد و ينير الطريق إلى عالم متجدد.

"نعتقد أن أصل الصدق لمفهوم التعلم، يستمد جذوره من المؤسسة المسؤولة على التعليم؛ ذلك أن التعليم كان مسؤولا بشكل كبير عن ولادة التعلم وفق الفهم الحالي.كما أن مؤسسة التعليم تفترض تواجد مدرس و معرفة نظرية أو تطبيقية و أفراد تنقل إليهم هذه المعارف لتحسيسهم بها أو خوفا على ضياعها.إن هذه العناصر الثلاثة، لا يمكن لها أن تشتغل إلا في ظل تنظيم اجتماعي يستفيد من التعليم، و هو النظام الذي كان و لا زال مجسدا في هيأة تعليم...و مع تنوع مجالات النشاط  و تقييم العمل، أصبح الكل يكون موضوعا للتعليم، و طرح المشكل بحيث أن الناس، لم يتمكنوا جميعا من تعلم ما يدرس إليهم. و أمام هذا الوضع، أصبحت الحاجة ماسة للبحث عن بديل؛ ...و يكفي للاقتناع بذلك، تعويض المدرس بالمجرب و المعرفة بالأسئلة، و التلميذ بالفرد المستهدف؛ و الباقي في ذلك حافظ على حاله ؛ و بحيث أن الكل يسعى إلى خدمة صيرورة التعليم و التعلم في تتابعهما و لحظيتهما.ذلك أن فعل التعليم، كيفما كانت تصوراته، إذا ما كان قارا في أشكاله و معداته، فإن صيرورة التعلم، هي في طبيعة وظيفتها دينامية تستمر داخل الزمن، و لا تتوقف خلال فترات توقف فعل التعليم، و بالتالي، فإنه يوجد بالتأكيد توازن شكلي بين هذين النمطين على مستوى بدايتهما، فعندما ينتهي التعليم يبدأ التعلم في الاستمرارية إلى ما بعد نهاية الدرس أو التجربة.و على الرغم من التشابه الشكلي و الأداتي، فإن السيرورتين تختلفان على مستوى التكامل." علال  بلعزمية.61/2001

 نمو فعل التعلم:

فعل التعلم قائم منذ اللحظات الأولى التي تعقب صدمة الميلاد أو الانفصال. المعرفة هي السبيل الوحيد للارتقاء التدريجي في قنوات النمو و الاتصال و التواصل. المثيرات الحسية الفيزيائية، مثل الضوء و الظلام، هي أولى مراحل تكوين المعرفة. يحدث التراكم المعرفي مشكلا مرجعية معيارية للتسمية و الوصف والتصنيف و التمييز لبلوغ الدراية قصد تشكيل

مفاهيم و بناء مفهومية للارتقاء إلى الوعي . يعتبر التعرف أساس تشكيل المعاني لبناء مفهوميه استنادا إلى المرجعية التي تؤطر الفهم لبلوغ الدراية و الوعي.المسار المعرفي للمعلومة قائم على التعزيز، هنا يأتي التعليم للأخذ بيد المتعلم و هو يستكشف ما هو متاح لبناء خريطته المعرفية.

"يكمن أحد الاختلافات في كون التلميذ يحظى في مبادراته الخاصة بامتياز الانطلاق من تجربته الشخصية التي تساعده على إعطاء معنى للمعلومات الجديدة و ربطها بمعارفه السابقة.و بصورة تناقصية، غالبا ما يتم عكس الوضع في المدرسة، إذ بدل أن تشكل ذاتية التلميذ امتياز له، فإنها قد تضلله و تصبح معيقا له."04 بريت ماري بارث 08/2007

 ففي ظل توافر المعلومة خارج المدرسة عبر الخبرة الشخصية و أجهزة الاستقبال السمعية و البصرية و الوسائط التعليمية و فضاءات الانترنت.لم تعد العملية التعليمية مصدرية و سلطوية، بل اكتست طابع الاختيار و الانتقاء و الحرية.فضلا عن التفاعلية القائمة بين المرسل و المستقبل .

تحقيق معنى التعلم لا يعني بالضرورة وقوعه خارج سياق بيداغوجي، و إنما طابع الديداكتيكا هو المحقق للمعاني المرجوة عبر بيداغوجية حل المشكلات و المشروع و اليد في العجينة.

هذا هو مسعى المدرسة الحديثة التي أصبحت تغازل المناهج التربوية و التعليمية و تستدرج الخطط الإصلاحية لاستدراك الفجوات التربوية أو اللحاق بالتسارع المعرفي و المعلوماتي.

لم يعد رهان الجودة في التربية و العمل على ترقية الكفاية الإنتاجية، من أهداف المدرسة لوحدها، بل يعمل الأفراد و مؤسسات التنمية البشرية، على هامش النظام التعليمي أو بالموازاة معه، على الرفع من أداء الأفراد و الجماعات المهنية  لتعزيز قدراتهم للاستجابة إلى مطالب السوق التنافسية؛ و مواكبة بالمسار ألمعلوماتي و الرقمي بالمنتجات المعرفية.

 مؤسسات علمية و اجتماعية، تقترح نفسها كبدائل للنظام التعليمي العمومي مروجة ترقية المهارات الفردية و الأدائية في زمن قياسي. قلصت تسارع وتيرة الانجازات و الإبداع من حجم منظومة التوقيت للالتحاق بسوق العمل. أضحى التكوين المستمر من البدائل السريعة لترقية الموارد البشرية و استشرافها بتكوين متخصص على أساس نقل الخبرة بالخبرة المكتسبة.كل هذه العوامل أعادت النظر في معنى التعلم و التعليم، خاصة التعليم المهيكل الذي لا يستجيب إلى تحولات البيئة الاقتصادية و الاجتماعية.

السياق الجديد للتعلم:

تجد التوجهات الجديدة، القائمة على الإصلاح التربوي لمواكبة التغيرات المفروضة، نفسها أمام تحديات التكوين و نوع التعليم المدرج لمواجهة سياقات التعلم الجديدة.بمعنى أن التعليم لم يعد يعمل في السياق المحلي، بل يجب أن يعمل في سياق إقليمي و دولي بحسب المعايير المعتمدة و المحددة و التي تمليها المؤسسات الرائدة. و حتى لا نقول الشركات العالمية المتعددة الجنسيات والمالكة لبراءة الاختراع ، هي السباقة لتأسيس المعايير، مثل التي نجدها عبر فكرة حماية الملكية الفكرية و إسناد عربون الجودة و الخدمة بما يعرف "إيزو".   لم تعد الجودة معيار التباهي على المستوى المحلي أكثر مما هي حجز مكانة في حظيرة المبدعين و التطلع لسباق تنافسي دولي يعطي المكانة للمعرفة و المعلومة على أساس الأهمية ، بتقييم الجودة في حد ذاتها. و إذا كانت الجودة في التربية و التعليم تقابلها الجودة في المخرجات التربوية، فإن العودة إلى فحص معنى التعلم و تحقيقه هو الطريق الآمن لتحقيق الجودة في التربية التعليم. تجد منظومة التربية و التعليم، في هذا السياق، نفسها أمام التحدي لإعادة بناء و تطهير معنى التعلم من العوالق الإيديولوجية و الاجتماعية التي تقيد نزعة الإبداع لدفع المتعلم إلى التحرر من الوصفات الجاهزة و المضي نحو بناء خريطة معرفية على أساس تغذية راجعة تؤول على التوافق و التكيف مع رهانات الحاضر و المستقبل.

"لا توجد معرفة بمعزل عن سياقها الاجتماعي و الثقافي ، و عليه كان طغيان طقوس البيداغوجيا على الفعل التربوي و اصطناع التصميم الديداكتيكي و صرامته في ظل الاهتمام الزائد بالبيداغوجيا و مقولات التفاعل بين الذات و الموضوع، قد أحدث فجوة عميقة و بونا  شاسعا بين المعارف المدرسية و الواقع الاجتماعي لتلك المعارف، مما جعل المعرفة المدرسية غير ذات معنى اجتماعي في ذهن التلميذ.05(فرحاتي العربي2009).  

       واقع التعلم:

المتصفح للكتب المدرسية و البرامج الدراسية يلاحظ غياب التراتبية في إيلاء الأهمية للأبعاد المعرفية والوجدانية و السلوكية للمعلومة و المعرفة المتضمنة في محتوياتها.

مسار التعلم بين مدخلات التنشئة و منتجات المدرسة يوقع التلميذ قي تناقضات و إكراهات قسرية بين سلطة أسرية ترغب في الاستثمار و سلطة مدرسية تريد تحقيق الأهداف التربوية المرسومة.

في ما يتعلق بأهداف التربية و مسار التربية و التعليم؛ إنها العلاقة بين المحتوى و الأهداف. تمكن هذه العملية المدرسة من اتخاذ تدابير التغيير المطلوبة في الحياة اليومية للفرد و المجتمع.كما تمكن الأهداف المتعلمين من مواجهة الحياة بإدراك مشكلات بيئتهم الاجتماعية، الاقتصادية، الصحية و تسيير واقعهم.هذه المشكلات تستقطب اهتماماتهم في البحث عن حلول مناسبة، انطلاقا من قدراتهم و تصوراتهم.

إن إدماج أي معرفة و تمثيلها معرفيا ليس بالضرورة أن يكون متبوعا باستعمالها أو اقل أحيانا بترجمتها إلى أفعال ممارسة أو سلوك.هذا التباعد ليس في مقدوره أن يشكل اهتمام خاص.ما هو مهم، هو المعرفة التي تحدث في زمن معين و المعنى الذي يرافقها و الكيفية التي تتحول بها في الخريطة المعرفية و الذهنية و قابليتها لأن تكون ذات مسلكية.

 (Sid Ahmed ABDELLAOUI,2007)06

عندما يشغل التعلم مركز اهتمامات المجتمع، مثلما كان الشأن في بداية بناء الدولة الوطنية، سوف يتجاوز معنى التعلم الرتابة المعرفية التي أدخلتها دوامة الإصلاحات الظرفية للاستجابة إلى مطالب المؤسسات الدولية.

معنى التعلم هو الاكتساب لحجم من المعارف المعزز بالتجربة و الذي يستجيب للتحديات التي تواجه المجتمع فيما يتعلق بالمعارف العلمية.

يحدث التعلم في السياق الرسمي تحت ضغط المراقبة الصارمة و التوجيه بغرض إعادة الإنتاج المعرفي الذي بحوزة المعلم.مما ينعكس سلبا على حرية التفكير لدى التلميذ و يحرمه من المبادرة و النقاش و الإبداع.كما تسهر البرامج على إعادة نفس الإنتاج الاجتماعي الذي يستجيب للأهداف التربوية بمنأى عن الأهداف الاجتماعية و الاقتصادية و التوجهات المعاصرة للحياة العامة.يعكس هذا التواطؤ في إيصال المعرفة ملمح المجتمع المحافظ الذي يخاف التغيير.

يسود التعلم السطحي الفعل البيداغوجي للمعلم و الفعل التعلمي للتلميذ، مما يجعل المعلومة خالية من المعني، تعتمد المعلومة الملقنة لأجل الاسترجاع في الامتحانات.أما التعلم العميق المدعم بالخبرة و الاستكشاف، كثيرا ما كان رهينة غياب توافر الإمكانيات و فرص الاختبار بالحواس في الواقع.نرى أن استبعاد الخبرة و الاستكشاف و التجريب يجرد التعلم من معناه الحقيقي الذي يحصله التلميذ باستعمال تفاعلي للأسس الوجدانية و الانفعالية و المعرفية للوصول إلى موقف حل المشكلات.

المراجع:

01)مصطفى محسن، التربية و تحولات عصر العولمة ، مدخل للنقد و الاستشراف، المركز الثقافي العربي،الدر البيضاء، المغرب، ط1، . 2005

المهدي المنجرة، من المهد إلى اللحد، التعلم و تحديات المستقبل،ط03، الدر البيضاء، 2003   02)

03)  علال بلعزمية، في/سيكولوجية التربية، مجلة سيكوتربوية02"التعلم و الاكتساب" علم التربية، المغرب، 2001

04) بريت ماري بارك، تعلم التجريد، ترجمة/عبد الكريم غريب، منشورات عالم التربية، المغرب، 2007

05) فرحاتي العربي، الحكامة في إدارة جماعة القسم أثناء الدرس في ضوء جدلية الانعتاق والاعتناق، ورقة مقدمة للملتقى الدولي حول الحكامة في التربية، جهة دكالة عبدة، المملكة المغربية،09/2009

06) ( Sid Ahmed ABDELLAOUI,2007). 

Approche globale d’une pédagogie proactive : vers un modèle de référence pour l’enseignement spécialisé.

Actes du quatrième colloque,enfants a besoins spécifique,Sétif 23/24 avril 2007,Algérie.