مقاربة للمفهوم من خلال الممارسة. pdf

 

أ.بومقورة نعيم   

 جامعة عبد الرحمان ميرة بجاية(  الجزائر).

 

تمهيد:

جاءت المقاربة بالكفايات كرد فعل للتسارع الحادث على مختلف المستويات خاصة المعرفية منها و التي لها انعكاسات ميدانية و عملياتية الأمر الذي استدعى تكوينا حركيا و ديناميكيا يستجيب لمتطلبات الحياة المتجددة و المتنوعة، خاصة مع التطور التكنولوجي و المعلوماتي، و الوفرة المعرفية التي استوجبت توافقا معرفيا و منهجيا لمواكبة الثورة العلمية من جهة و تحمل تبعاتها من جهة أخرى.

و باعتبار النظم التربوية أساس أي تغيير جاد و ديناميكي فإن تغير مناهجها كان من الضرورات التي تؤدي إلى الاستجابة لهذه التغيرات من خلال مواكبتها أو للتفاعل معها مساهمة و تأثيرا. كل هذا أدى إلى انتهاج و اعتماد المقاربة بالكفايات على جميع المستويات التربوية و التكوينية بهدف إعطاء ديناميكية للمنظومة التربوية ككل.

و بالتالي أثرت المقاربة بالكفايات على ممارسي  و واضعي البرامج التربوية في عديد الدول بداية بالغربية و انتهاء بالدول النامية. مما حدى بالمسؤولين و القائمين على شؤون التربية اليوم إلى وضع و صياغة برامج دراسية تقوم على منطق الكفايات باعتباره نموذجا معرفيا قائما بذاته أثبت نجاعته في ظل تنامي الحاجة إلى المعرفة. الأمر الذي رسخ من فائدتها العملياتية خاصة في مجالات التكوين، التمهين، التأهيل و إعادة التأهيل.

و انطلاقا من كون مفهوم الكفايات متعدد المعاني polysémique فإننا سنحاول في هذه المداخلة تقديم عرض مفصل عن معنى هذا المفهوم و تطوره، إضافة إلى ربطه بالعديد من المفاهيم المشابهة كالأداء performance و الكفاءة qualification مع استعراض المقاربات النظرية التي تناولته، كل هذا بالاعتماد على الناحية الممارساتية و العملية العامة  أو الشاملة و ليس فقط التركيز على التطبيقات الخاصة و الجزئية.

و باعتبار الكفاية مفهوم حركي يستغرق عديد المجالات و ليس مجال التربية فقط  و إن كان على صلة وثيقة به فإننا سنسعى للتعريف به في خضم الجدل القائم حوله و الذي يؤدي بنا في النهاية إلى تكوين تصور محدد بشأنه يمكننا من تقييمه و تقويمه.

و عليه فإننا سنحاول في هذا المقال تناول و معالجة مفهوم الكفايات من خلال العناصر الموالية:

أولا: التأصيل النظري لمفهوم الكفايات.

ثانيا: مفهوم الكفايات: المعنى و الخصائص.

ثالثا: الناحية الممارساتية للمفهوم.

أولا: التأصيل النظري للمفهوم الكفايات:

يرجع أصل مفهوم الكفايات إلى اللسانيات حيث بدأ مع تشومسكي N.CHOMSKYمن سبعينيات القرن الماضي ثم انتقل إلى علم النفس و تركز خاصة في المجال الصناعي و نظريات العمل و التنظيم. و في الأخير وظفه أهل التربية لتفعيل التكوين و إعطائه معنى ديناميكيا يقوم على تفعيل و تنمية الكفايات الفردية و الجماعية و عليه سنحاول تقديم معنى المفهوم من خلال استعراضه وفقا للترتيب  التالي:

  1. في اللسانيات: تعبر الكفاية في ميدان اللسانيات عن قدرة فردية في حالة سكون. تأتي بعد ذلك وضعية الاتصال لتحريكها و الأداء لتفعيلها([1]) و تتعلق هنا على وجه الخصوص بالناحية اللغوية و اللسانية و لا تتعداها إلى نواحي أخرى.
  2. علم النفس: الكفاية في علم النفس هي نموذج قبلي يتم تنشيطه من خلال أداء معين  و ذلك في وضعية معينة. بمعنى أن الوضعية كاشفة للكفاية و مبينة للتفاوت الموجود بينها و بين الأداء أي أن الوضعية هي مصدر تفعيل الكفاية من خلال أداء معينو منه فإنها تحتل الصدارة أثناء التفكير في الكفايات([2]). و يمكننا اختزال معناها في  علم النفس في المخطط الموالي:


3.   في مجال العمل: لقد استعمل المختصون في مجالات العمل مصطلح الكفاءةQualification للتعبير عن الخصائصQualitésالتي يتميز بها شخص معين لأداء عمل معين و المبنية أساسا على التكوين و التمهين و لا تعبر بالضرورة عن الإمكانات و القدرات الخاصة التي يمتلكها الشخص التي تمكنه من تنفيذ عمل معين بل هي نتيجة للتكوين و الخبرة المكتسبة. و لذلك  تتبنى الكفاية في مجال العمل عموما وظيفة مختلفة بالنسبة للكفاءة حيث توطد و تقيم التفاعلات بين المهمة التييقوم بها الشخص و القدرة أو الطاقة التي يمتلكها، أي أنها تشرف على تسيير و إدارة العلاقات التي تنشأ بين المعارف التي يمتلكها الشخص و أفعاله. في نفس الوقت تقوم الكفايات بضبط مضمون الفعل (قراءته، التحضير من أجل أدائه، مراقبة أدائه و تقييم مدى التجانس بين الأداء و المضمون). و إجمالا تقوم الكفاية في ميدان العمل بالربط بين المهمة و الفعل من خلال التفاعل مع وضعية معينة. و عليه ترتكز الكفاية في مجال العمل على العناصر التالية: المضمون، المهمة، الوضعية و الفعل([3]).

4-الكفاية في ميدان التربية: إن استخدام مصطلح الكفاية في الميدان التربوي استدعى استحداث بعض التكييفات نتيجة وجود عديد التناقضات بين الثنائية كفاية/أداء. و كذلك الجدل الدائر حول كل من الكفاية، الأداء و الوضعية و أيها الأسبق و كيفية  تمظهرها و أين يتم التدخل من قبل القائمين على شؤون التربية و من له الحق في التدخل. إضافة إلى هذا هناك تعقيد ناتج عن الوضعيات التربوية نفسها و المرتبطة بكل من المعلم و المتعلم و المحيط التربوي سواء الداخلي (المدرسة، البرامج، الإدارة...)    أو الخارجي (الأسرة، المجتمع ككل). و بهذا المعنى يمكننا القول أن الأداء هو انعكاس لكفاية محددة قبليا و يظهر من خلال ارتباطه بوضعية تربوية داخل الوسط التربوي الداخلي و لا تتجاوزه إلى وضعيات أخرى خارجية. أي أن الكفاية تترجم من خلال الأداء في وضعية تربوية معينة([4]).

و يمكننا اختزال معنى الكفايات في كل تخصص معرفي في الجدول الموالي مع إضافة المقاربة المتعلقة بالمدرسة السلوكية و التي تعرف بالمقاربة أو بيداغوجيا الأهداف كتمهيد لتقديم مفهوم الكفايات ، المعنى، الخصائص و الناحية الممارساتية:

جدول يوضع معنى الكفايات في التخصصات الأصلية للمفهوم([5]):

 

 و على العموم يمكننا القول أن هذا المفهوم جاء نتيجة النقاش الطويل و حتى الحاد بين كل من الاتجاه البنيوي و الاتجاه السلوكي، هذا الأخير الذي يسعى إلى ترشيد و عقلنة السلوك الإنساني من خلال محاولة تشييء السلوك و جعله يخضع للمكننة ( اعتماد المقاربة بالأهداف على وجه الخصوص) أي أن الفرد يصبح أداة لتحقيق الأهداف المطلوبة و المرجوة. في حين يسعى التيار الأول إلى تفعيل القدرات الإنسانية من خلال تحريك و تحفيز ودعم القدرات الخاصة و الكامنة لدى كل فرد و هذا من خلال اعتماد المقاربة بالكفايات التي لا تختزل الفرد في مجرد سلوكيات يمكن التحكم فيها و توجيهها و إنما تمكنه و تدفعه إلى المبادرة و تحقيق الذات.

ثانيا: مفهوم الكفايات: المعنى و الخصائص.

بادئ ذي بدء يمكن تقديم الكفاية compétence على أنها مجموعة من السلوكيات الكامنة التي تسمح للفرد بممارسة و بفعالية وظيفة تعتبر بصفة عامة معقدة. كما أن الكفاية وثيقة الصلة بمهنة، وظيفة، مكانة، بوضعية مهنية أو اجتماعية تعد مرجعية و لذلك فهي تضم كل من المعارف، الخبرات ،المهارات و القدرات المترابطة بشدة فيما بينها و التي تسمح بإبراز الكفايات الكامنة([6]). كما أنه و بحسب ميريو Meirieu فإن الكفاية هي معرفة استخدام القدرات في حقل مفاهيمي أو تعليمي معين. هذا التعريف يوحي بأن الكفاية هي منسق بين العديد من القدرات في وضعية معينة([7]).

هذا بصفة عامة أما في ميدان التربية فإنه يمكننا تقديم مجموعة من التعريفات التي تمكننا من استخلاص مميزات الكفايات و خصائصها في الميدان التربوي. إلا أن الحقيقة التي لا يمكننا إغفالها هي أن تقديم تعريف للكفاية التربوية يخضع في أصله للأطر النظرية ولنماذج المعرفية المسيطرة في مجتمع معين، كما تخضع للممارسات و الأهداف المرجوة من تطبيقها. و لذلك فإننا سنقدم بعض التعريفات و نستخلص من خلالها أسس و خصائص المقاربة بالكفايات في الميدان التربوي.

1)  تعريف الكفايات: كما قلنا سابقا فإن هذا المفهوم متعدد المعاني و لذلك يمكن الانطلاق من أنه لتقديم تعريف للكفاية فإنه من الواجب الانتباه لمسألتين أساسيتين هما إدراك الوضعيات المختلفة للعملية التربوية ثم إعداد الأدوات و الوسائل الضرورية للتقييم و التقويم التي تجعل العملية التربوية متماسكة و متكاملة.

لقد عرف برنامج المدرسي في كيبك Québec الكفاية التربوية ب: " الفعل –معرفة التصرف- المبني على الحشد و الاستعمال الأمثل و الفعال لمجموعة من المصادر      أو الوسائل"([8]).نستخلص من هذا التعريف العناصر التالية:

1.   الفعل أو معرفة التصرف: و يعني القدرة على الرجوع أو استرجاع المكتسبات المحصلة سواء من خلال المسار الدراسي أو من خلال الحياة بصفة عامة.

2.       الحشد و الاستعمال الأمثل: التوافق و الاستعمال القصدي لمحتوى المفاهيم و المعاني و المؤهلات الفكرية.

3.   المصادر: الخبرات، المكتسبات المعرفية، المؤهلات العلمية و بؤر الاهتمام، إضافة إلى المصادر الخارجية المتمثلة في الأهل، الأساتذة، المراجع....

في نفس الوقت يعرف روجرزRoegiersالكفاية بأنها " إمكانية حشد مجموعة من المصادر المندمجة و المتوافقة من أجل مواجهة مجموعة من الوضعيات"([9]). نستخلص من هذا التعريف ما يلي:

1.   الكفاية هي قدرة أو إمكانية أو خاصية ملازمة للفرد، فهي تتعلق به حتى حينما يكون في حالة سكون. و بالتالي فهي على خلاف الأداء الذي لا يتم أو لا يظهر إلا أثناء وجود الفرد في حالة حركة.

2.       الكفاية هي القدرة على الحشد و التعبئة سواء للإمكانيات الذاتية أو الخارجية.

3.       هذا الحشد يتم بصفة باطنية بمعنى أنه مضمون و غير متردد.

4.       هذا الحشد و التعبئة يكون لمجموعة من المصادر و الموارد المندمجة و ليس فقط إضافة أو تقريب بين العناصر أو الموارد.

5.       هذه المصادر تتمثل في المؤهلات و القدرات الخاصة إضافة إلى الجوانب الخارجية.

6.       الكفاية هي قدرة تظهر و تبرز عند وجود الفرد في وضعية معينة.

انطلاقا مما سبق يمكننا القول أن الكفاية هي قدرة الفرد على التفاعل مع الوضعيات المواجهة وفقا للاستعمال المنتج للموارد و الإمكانيات المتاحة له و يمكن توضيحها من خلال المخطط الموالي:

 

كما يمكننا القول أن التفاعل أثناء الوضعية التربوية يكون إما داخلي مع مضمون الوضعية و إما خارجي مع محيط تواجد الوضعية التربوية و هو على علاقة مباشرة بالأسرة و المجتمع ككل. في حين أن اّلأداء يكون إيجابي لما يتم تحقيق الأهداف المرجوة من الوضعية التربوية ز سلبي عند عدم تحققها أو تأجل تحقيقها لتعقد الوضعية التربوية أو لعدم تفعيل الكفاية.

من جانب آخر للكفاية علاقة وطيدة بعديد المصطلحات القريبة المعنى منها و التي تدخل ضمن معناها و هي على التوالي: المهارة، الاستعداد، الأداء، القدرة، الكفاءة و هذا التداخل يجعل من الكفاية مفهوما عملياتيا يتميز بالليونة أو المرونة  التي تجعله في حالة حركة مهما كان نوع الوضعية التي تواجه الفرد. فكل من المهارة، الاستعداد، القدرة و الكفاءة يتعلق بمضمون الكفاية في حالة سكون، أما الأداء فيتعلق بها في حالة حركة و هو يعمل كذلكعلى تنمية و تطوير الكفاية. و عليه يمكننا بناء الكفاية وفقا للمصطلحات السابقة و إبراز كيفية التفاعل فيما بينها و ذلك وفقا للمخطط الموالي([10]):

بناء الكفاية:

 

1.    خصائص و مميزات الكفايات:

إن اعتماد المقاربة بالكفايات في الأنظمة التربوية الحديثة أدى إلى تحصيل النتائج التالية:

1.       إعطاء ديناميكية للعملية التربوية ككل و العلمية التعليمية خصوصا من أجل فتح المجال للمبادرة الفردية و الجماعية و تفعيل القدرات الخاصة.

2.       التنسيق، التعاون و التآزر بين مختلف الإمكانات و القدرات الخاصة و المكتسبة      و تفعيلها في مختلف الوضعيات التربوية و الحياتية ككل.

3.   تجديد و تحسين القدرات من خلال تطوير و تنمية الكفايات باعتماد التكوين الدائم    و المستمر و بالتالي الاستعداد للتوافق مع مختلف الوضعيات.

انطلاقا من التعريف و التوضيحات السابقة يمكننا استخلاص مميزات و خصائص الكفايات التربوية و التي يمكننا إجمالها في الآتي:

1.       الكفاية وظيفية بمعنى أنها تقوم على توظيف المعارف و المكتسبات وفقا لكل وضعية تربوية.

2.       الكفاية متطورة و ديناميكية لأنها تستدعي التكوين المستمر الناتج عن التفاعل الدائم مع وضعيات مختلفة و متنوعة.

3.       الكفاية منتجة بمعنى أنها متفاعلة مع الوضعيات المختلفة مما يسمح بتحصيل نتائج تكون متلائمة و متوافقة مع تلك الوضعية.

ثالثا: الناحية الممارساتية للمفهوم:

إن الممارسة التربوية أدت بالفكر التربوي إلى الانتقال من الاعتماد على تطوير و تنمية الاستعدادات المتعلقة بالفكر و الناحية السلوكية إلى اعتماد الكفايات التي أصبحت محور اهتمام النظم البيداغوجية و تقييم و تقويم التلميذ و النظم التعليمية ككل([11]) و جعلها نظما تعليمية مهنية و احترافية وعلى جميع المستويات من المدرسة إلى الجامعة([12]).

إن إعداد أو تبني مقاربة نظرية لا يكون له أثر فعلي ما لم يخضع للتجربة أو الممارسة الميدانية و لذلك فإن تبني المقاربة بالكفايات في ميدان التربية جاء كإستراتيجية ميدانية لحل المشاكل التي تعاني منها النظم التربوية ككل و التي تتركز حول التسرب المدرسي، العنف المدرسي، تجديد المعارف، ربط التحصيل العلمي بالممارسة و الواقع الاجتماعي.و لذلك فهي لا تركز فقط على المحتوى و إنما تتجاوزه إلى الفاعلين التربويين، خاصة المرسل (الأستاذ أو المكون)  و المستقبل ( المتعلم أو طالب التكوين)، بلغة علوم الاتصال من خلال تفعيل دورهما و فسح المجال أمامهما للمبادرة الفردية و الجماعية في سبيل ليس تحقيق الأهداف المرجوة أو المسطرة مسبقا و إنما من أجل تنمية القدرات  و المكتسبات و تحفيزها على التفاعل مع مختلف الوضعيات.

و بناء عليه يمكننا توضيح مكانة و دور المتعلم (التلميذ/ الطالب) من خلال جعله مسؤولا عن أفعاله و عن تكوينه و هي تفترض مسبقا تحصيله لقدرات و مهارات تمكنه من الاستفادة من التكوين أو من وجوده أو مواجهته لمختلف الوضعيات التربوية و هذا يكون من جانب فردي يقوم به المتعلم بنفسه و في جانب آخر جماعي من خلال اعتماد فرق البحث    أو الفرق التعليمية الأمر الذي ييسر من العملية التربوية و يخفف من مسار التكوين، بمعنى أن المتعلم هو الذي يحدد الأهداف المرجوة من تعليمه وليس القائم على التكوين هذا الأخير يتجنب نقل المعرفة بطريقة آلية([13]).

أما فيما يخص العلاقة مكون/ طالب للتكوين فإنها تتميز بالطابع البنيوي بمعنى أنا تقوم و تتأسس على كل ما يتمتع به طرفي العلاقة من معارف نظرية و خبرات ميدانية تمكنهما من التحليل و التركيب و إعادة بناء الوضعيات المواجهة لتحقيق التفاعل المنتج معها. فالمتعلم مسؤول عن مساره التكويني و بالتالي يسعى إلى تحصيل معارف جديدة، طرق أداء جديدة، التحكم في الوسائط التعليمية خاصة التكنولوجي منها.... أما المشرف على التكوين

فهو يمثل المرشد و المسير للعلمية التربوية من خلال تخطيط و تنظيم النشاطات التربوية، ثم نصح، مرافقة، تشجيع و دعم المتعلم من دون إلزام أو جبر([14]).

و من خلال هذا الاعتماد و التبني نجد أن هناك العديد من المحاولات لتقديم الناحية العملية لهذه المقاربة سواء بصفة مؤسساتية من خلال القائمين على الشأن التربوي، الوزارة على وجد الخصوص، كما أن هناك محاولات على مستوى القواعد التربوية للتحسيس بأهمية المقاربة و التعريف بها و تبيان كيفيات تطبيقها([15]). و هو نفس الأمر الذي يعتمده بعض الأساتذة الباحثين على مستوى الجامعات لدعم اعتماد هذه المقاربة و في جميع التخصصات العلمية الدقيقة و الإنسانية([16]). و لن نخوض في تفصيلاتها بل نقف عند حد المعلم و المتعلم كما بينا في الفقرات السابقة.

إلا أن تبني هذه المقاربة يواجه عديد الرهانات لعل أهمها الرهانات التي يمكن نعتها بالاجتماعية و التي تتمركز حول مدى الحرية و الاستقلالية التي تتمتع بها المؤسسات التربوية لإنجاز و تطبيق هذه المقاربة من خلال تبني البرامج و وضع الاستراتيجيات التربية. في الجانب الآخر يتعلق الرهان الثاني بمسألة تكوين المؤطرين أو القائمين على الشأن التربوي خاصة الأساتذة و الذي يمس جانبين أساسيين هما مسألة تعيين الأساتذة في المؤسسات التربوية الأمر الذي يستوجب العمل الجماعي و بالتالي وضع و صياغة استراتيجيات عمل متوافقة مع الوضعيات التربوية المتبناة، في الجانب المقابل يتعلق الأمر بمسألة تقييم الأساتذة من خلال تقييم الثنائية أستاذ/ فرقة بيداغوجية.

هذه في مجملها محاولة للتعريف بمقاربة الكفايات في الميدان التربوي خاصة في شقها التأصيلي النظري و تبقى الممارسة هي المحك على اعتبار أنها المبين لمكامن الخلل و نقاط الضعف و القوة في كل عمل إنساني.

خاتمة:

في الأخير نتساءل بدورنا عن مدى قدرة هذه المقاربة على الاستمرار معرفيا و عمليا و مدى فعاليتها ميدانيا، خاصة مع ملاحظة التطور السريع للمعرفة و وسائط تحصيلها و إنتاجها، كذلك مدى الاستجابة من قبل المعنيين بهاو تفاعلهم سلبا و إيجابا مع الواقع التربوي و الاجتماعي ككل.

إلا أن لا يمنعنا من القول بأن التوجه العام نحو اقتصاد و مجتمع المعرفة يستوجب علينا الأخذ بجميع الأسباب و السبل التي تمكننا من تحقيق قفزة نوعية لعل اعتماد المقاربة بالكفايات من بينها، خاصة إذا اعتمدناها وفقا لخطط مدروسة و باتفاق جميع الأطراف المعنية

بها و الأخذ برأيهم حول كيفية تطبيقها على اعتبار أن التنظير يستمد مصداقيته و فعاليته من خلال الاحتكاك بالواقع.

قائمة المراجع:

1.     Françoise Raynal et Alain Rieunier : Pédagogie : dictionnaire des concepts clés : apprentissage, formation, psychologie cognitive, 2ème édition, ESF éditeur, Paris, 2001.

2.     Gérard Scakkon : L’évaluation des apprentissages dans une approche par compétence, De Boeck, Bruxelles, 2004.

3.     Lucie Tanguy : Des aptitudes aux compétences, traité des sciences et des pratiques de l’éducation, ouvrage collectif, DUNOD, Paris, 2006.

4.     Philipe Jonnaert : Compétences et socioconstructivisme : un cadre théorique, De Boeck, Bruxelles, 2003.

5.     المقاربة بالكفايات و الممارسات البيداغوجية، كراسات المركز عدد:16، المركز الوطني للبحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية، وهران، 2009.

6.     Gérald Boutin : L’approche par compétences en éducation : une analyse paradigmatique, Connexions, N° : 81, 1/2004. Article disponible en ligne à l’adresse : http://www.cairn.info/revue-connexions-2004-1-page-25.htm.



[1] )- Philipe Jonnaert : Compétences et socioconstructivisme : un cadre théorique, De Boeck, Bruxelles, 2003, p : 11.

[2] )- Philipe Jonnaert : Compétences et socioconstructivisme : un cadre théorique, op. cit, p 12.

[3] )- Ibid.p-p : 12-14.

[4])- Philipe Jonnaert : Compétences et socioconstructivisme : un cadre théorique, op. cit. p-p : 17-21.

[5])- Ibid.p : 23.

[6])- Françoise Raynal et Alain Rieunier : Pédagogie : dictionnaire des concepts clés : apprentissage, formation, psychologie cognitive, 2ème édition, ESF éditeur, Paris, 2001, p-p : 76-77.

[7])- Ibid. p-p : 77-78.

[8])- Gérard Scakkon : L’évaluation des apprentissages dans une approche par compétence, De Boeck, Bruxelles, 2004, p : 105.

[9])- Ibid.  p : 105.

[10] )- Philipe Jonnaert : Compétences et socioconstructivisme : un cadre théorique, op. cit. p : 60.

[11])- Lucie Tanguy : Des aptitudes aux compétences, traité des sciences et des pratiques de l’éducation, ouvrage collectif, DUNOD, Paris, 2006, p-p : 369-378.

[12])- يمكن اعتبار النظام التكويني المتبنى على المستوى الجامعي آل آم دي يسعى لتحقيق نفس الهدف و هو إضفاء الطابع المهني على التكوين الجامعي و فتح المجال للتكوين المستمر و الدائم لمختلف الفئات الاجتماعية.

[13])- Gérald Boutin : L’approche par compétences en éducation : une analyse paradigmatique, Connexions, N° : 81, 1/2004, P-p : 29-30. Article disponible en ligne à l’adresse : http://www.cairn.info/revue-connexions-2004-1-page-25.htm.

[14])- Ibid. p-p : 30-31.

[15])- يمكن الرجوع إلى النصوص المعتمدة من قبل وزارة التربية و التي تقوم بالتعريف بكيفيات اعتماد المقاربة بالكفايات في جميع المواد.

[16])- أنظر في هذا الصدد: المقاربة بالكفايات و الممارسات البيداغوجية، كراسات المركز عدد:16، المركز الوطني للبحث في الانثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية، وهران، 2009.