المقاربـــة بالكفاءات: الجذور والتطبيقpdf

د. لخضر لكحل           

جامعة الجزائر 2 ( الجزائر)

 المقدمة

شرعت الجزائر منذ السنة الدراسية 2003/2004 في تطبيق المقاربة بالكفاءات، وذلك بعد شروع اللجنة الوطنية للمناهج والمجموعات المتخصصة للمواد في تصميم المناهج الدراسية وفق هذه المقاربة منذ سنة 1998، ليكون ذلك شروعا عمليا في الانتقال من المقاربة بالأهداف إلى هذه المقاربة الجديدة، التي أصبحت مطبقة في الكثير من دول العالم سواء منه المتطور أو السائر في طريق النمو. وقد طرح تطبيق هذه المقاربة الكثير من المشاكل والصعوبات سواء ما تعلق منها بتكوين المعلمين أو تصميم المناهج أو التقويم بكل أنواعه.

إن الانتقال من المقاربة بالمحتوى القائمة على الكم المعرفي، إلى المقاربة بالأهداف القائمة على أجرأة الأهداف التعليمية، ثم إلى المقاربة بالكفاءات القائمة على إدماج المكتسبات، يبين الحركية الكبيرة التي أصبحت تميز الأبحاث في الحقل التربوي. فلم تعد المسألة مطروحة على التناقضات الموجودة بين التربية التقليدية والتربية الجديدة في محورية العملية التربوية، وأيهما أكثر خدمة للمتعلم السلطة أو الحرية، وإنما أصبحت مرتبطة بالمتعلم نفسه، بحيث لا تخرج عن محيطه المعرفي والذهني والنفسي والاجتماعي، ولابد للمناهج الدراسية أن تكون مستجيبة لهذا المتعلم، وجعل مكتسباته على محك التوظيف والانتقاء والإدماج، حتى يتخرج بحيث يمكنه التكيف مع الواقع مهما حدثت به من تغيرات ومستجدات.

لقد حاولت الجزائر الالتحاق بالركب وتبنت تطبيق المقاربة بالكفاءات، من أجل أداء أفضل ومخرجات أكثر قدرة على توظيف المعارف والتكيف الإيجابي مع التغيرات الحاصلة في شتى المجالات، ضمن هذا السياق جاءت هذه الدراسة كمحاولة للإجابة على التساؤلات الرئيسية التالية:

ما هي الجذور التاريخية لهذه المقاربة؟

ما هي المفاهيم المرتبطة بتطبيق هذه المقاربة؟

ما هي المبررات المقدمة من القائمين على إصلاح المناهج الدراسية الجزائرية في تبني هذه المقاربة؟

ما هي الصعوبات والمشاكل التي تعترض تطبيق هذه المقاربة في الجزائر؟

ما هي آفاق تطبيق هذه المقاربة بالنظام التربوي الجزائري؟

ستشكل الإجابة على هذه التساؤلات، المحاور الرئيسية لهذه الدراسة.

1.   جذور المقاربة بالكفاءات

إذا كانت المقاربة بالأهداف ذات خلفية سلوكية واضحة، فإن المقاربة بالكفاءات استندت في خلفيتها النظرية على الاتجاه السلوكي والبنائي والمعرفي. وإذا كان تأثرها بالاتجاه السلوكي واضحا من خلال المحافظة على الأساليب التقويمية القائمة على أجرأة الأهداف والتقدير الكمي الواضح للأداء، فإن الجديد في هذه المقاربة هو استنادها للاتجاه البنائي والمعرفي القائم على الانطلاق من ذاتية المتعلم وما يتوفر عليه من قدرات معرفية ذاتية، وكذلك على تأثير العوامل الاجتماعية في التعلم، ونشير في هذا المجال إلى أربع نماذج بارزة هي (Gherib , 2010 : PP 42-55): 

1-1.النموذج البنائي: (Modèle constructiviste)

يعود هذا النموذج في أصوله إلى أبحاث بياجيه (J.Piaget) حيث ركز على تفاعل الطفل مع بيئته واعتبر البيئة شرطا أساسيا لكي يتمكن الطفل من الاستمرار في نموه، وذلك من خلال إدماج المثيرات الجديدة مع ما هو موجود عنده من مخططات معرفية سابقة، لتتحول هي الأخرى إلى مكونات جديدة في المخططات المعرفية وهكذا. ولكن البنائية لا تعني إمكانية تدخل العوامل البيئية في تسريع النمو العقلي إلا في إطار محدود، بحيث يرى بياجيه بأن النمو العقلي هو الذي يتحكم في التعليم وليس العكس، ومن هنا فإن التعليم لا ينبغي أن يكون قائما على تبليغ المعلومات، وإنما على تسهيل بناء المعلومات لكل طفل بمفرده وهذا

بواسطة الأدوات التعليمية والاحتكاك مع المحيط. وبهذا يصبح التعليم قائما على الاختيار بين الأدوات ووضع المتعلم في بيئة تعليمية تناسب مستوى نموهم العقلي.

إن النظرة البنائية، جعلت من المتعلم وما يحمله من مستوى النمو العقلي العنصر الرئيسي في العملية التعلمية التعليمية، وهذا ما يتقاطع مع المقاربة بالكفاءات في اثنين من أهم مميزاتها ألا وهما بناء المعرفة وتفريد التعليم.

 

1-2.البنائية الجديدة:  (Modèle néo constructiviste)

من أقطاب هذا الاتجاه نجد كلا من دواز ومونيي (Doise et mugny) وهما تلميذان لبياجيه. وفي هذا النموذج نجد محاولة تجاوز النظرة القائم على المتعلم عند بياجيه إلى الصراع المعرفي الاجتماعي كأساس لنمو التعلم. والفكرة الأساسية لهذا الطرح تقوم على أن الصراع المعرفي يكون أكبر إذا صاحبه صراع اجتماعي، ويأخذ الصراع هنا معنى التحديات التي يواجهها المعلم، وهي تحديات خارجية تثير قدراته التعلمية، فيكون بالتالي أكثر قدرة على اكتساب معارف جديدة وعلى تدعيم قدرته على التعلم. فهذه التحديات تمنح فرصا أكثر لمسار مواءمة البنى المعرفية الموجودة سلفا وهو ما يحقق التوافق الذي يفرضه الاحتكاك مع البيئة خاصة منها ما تعلق بالجانب التعليمي.

   وقد توصل الباحثون في هذا النموذج، وبعد إجراء الكثير من التجارب إلى نتائج جد هامة نجد من أبرزها:

-      يؤدي التفاعل الاجتماعي بالمتعلم في الظروف المناسبة إلى حل مشكلات لا يمكنه حلها إذا كان وحده.

-      إذا تم وضع المتعلم مجددا أمام هذه المشكلات، فإنه سيتمكن من حلها بمفرده.

-      المخططات المعرفية الجديدة الناتجة عن حل هذه المشكلات، تكون ثابتة وقابلة للتحريك نحو التعامل مع مشكلات جديدة.

-      كنتيجة لهذه التفاعلات، فإن الصراع الاجتماعي المعرفي يصبح المحرك لعملية التعلم.

وبهذا يظهر من خلال هذا النموذج أهمية الاحتكاك بالبيئة بما يجعل الطفل في موقع الصراع والتحدي المعرفي، وهو ما يجعله يقوم بعملية تجنيد أكبر لكل مكتسباته واستراتجياته التعلمية، وهو العنصر الذي تؤكد عليه المقاربة بالكفاءات خاصة في أدواتها التقويمية التي ترتكز على الوضعية المشكلة والإدماج وتجنيد الموارد.

 1-3.النموذج السوسيوبنائي التفاعلي: (Modèle socioconstructiviste interactif)

يقوم هذا النموذج على التفاعل الموجود بين الفرد وما يوجد لديه من قدرات ومعارف قبلية وبيئته المدرسية والاجتماعية وما تفرضه من تكيفات مستمرة معها. إن بناء المعرفة في المنظور البنائي يتضمن أربعة محاور أساسية وهي: النشاط الذهني، نشاط الفرد، رابط بين العمليات المنجزة ونتائجها وأخيرا جدل فكري (Dialectique réflexive) بين معارفه السابقة والعمليات المنجزة في وضعية ما. وضمن هذا السياق فإن نشاط الفرد لا يرتكز على الأشياء المحسوسة وإنما على معارفه المتفاعلة مع الواقع الطبيعي والاجتماعي، حيث يواجه موضوع التعلم في وضعية تحدي. إن النشاط المعرفي للفرد في هذه الحالة يهدف على تحليل النتائج المتعلقة بوضعية ما، ومن خلال تحليل العلاقة بين نشاط الفرد ونتائج هذا النشاط والعناصر المؤثرة يستطيع الفرد الوصول إلى بناء علاقات سببية بين هذه المكونات للموقف.

إن البنائية الاجتماعية لا تشكل اتجاها بيداغوجيا وإنما نموذجا ابستملوجيا للمعرفة، فهي تمثل إطارا مرجعيا عاما، يحدد المفاهيم والتصنيفات الموجهة للتفكير. ومن خلال هذا الإطار المرجعي تستخرج الأساليب والمقاربات البيداغوجية التي تترجمه إلى ممارسات تعلمية تعليمية. وتظهر في هذا النموذج على قاعدة جعلت المعارف السابق في تفاعل مع عناصر جديدة في وضعية محددة، وهو ما يمكن المتعلم من تعديل معارفه السابقة وبناء معارف جديدة. وهنا يلتقي هذا النموذج مع المقاربة بالكفاءات التي نجد من بين أهم متطلباتها جعل المتعلم يواجه وضعية ما يكتشف من خلالها قصور معارفه السابقة عن التعامل معها، وهو ما يجعله يجند تلك المعارف ليضيف إليها مكتسبات أخرى توصل إليها من خلال مواجهته

للوضعية الجديدة. إن الوضعيات تشكل لب المقاربة بالكفاءات وهي عنصر التقاء رئيسي مع النموذج السوسيوبنائي الذي يرى بأن الكفاءات لا يمكن بناؤها إلا من خلال الوضعيات والتي تعني مواجهة مشكلة جديدة بتجنيد المعارف القبلية، وفي هذا السياق فإن مفهوم الكفاءة يتلاءم تماما مع هذا النموذج، فهي تدل على التجنيد والتفاعل مع المحيط وبناء معارف جديدة في حلقة تعلمية مستمرة.

1-4.النموذج المعرفي: (Modèle cognitiviste)

يعود هذا النموذج في أصوله إلى جهود كل من بياجيه وفيغوتسكي  (Piaget et Vygotsky)، رغم وجود منيرى بحداثة نشأته مثل تارديف (J.Tardif) الذي يرى بأن هذا النموذج تأسس في سنة 1979، بفعل الاهتمام المشترك لعدة علوم ذات صلة بالنشاط المعرفي للإنسان مثل الفلسفة واللسانيات والذكاء الاصطناعي وعلم النفس المعرفي... وينطلق هذا النموذج من العمليات الذهنية التي يقوم بها الدماغ وتأتي في مقدمة تلك العمليات الذاكرة بنوعيها قصير المدى أو ما يعرف بالذاكرة العملية وطويلة المدى التي تقوم بوظيفة التخزين. فالعملية المعرفية تعني عملية الذاكرة بالدرجة الأولى فهي تخزن المعلومات بعد ترميزها وتسترجعها عند الحاجة إليها. وتواصلت الأبحاث بعد ذلك بشكل سريع لتقتحم ميدان التعلم، باعتباره الميدان الرئيسي التي تبرز فيه العمليات المعرفية من معالجة المعلومة والتذكر والتفكير والإدراك... وتتضمن معالجة المعلومات باعتبارها العنصر الذي تتداخل فيه بقية العمليات الذهنية الكثير من الأنشطة الذهنية المعرفية مثل التفسير والاستدلال وأخذ القرار وحل المشكلات، أو الماوراء معرفية (Métacognitif) مثل الوعي بخطوات التفكير والمراقبة والتنظيم. وفي مجال التعلم، فإن هذا النموذج يميز بين نوعين من المعارف، المعارف الصريحة (Connaissances déclaratives)، المتعلقة بحدث ما مثل خصائص ظاهرة معينة وقوانينها... والمعارف الإجرائية (Connaissances procédurales)، وهي ترتبط بإجراء ما أو استعمال قواعد معينة من أجل حل مشكلة ما. وهنا نجد نقطة الالتقاء بين هذا النموذج والمقاربة بالكفاءات التي تقوم على تجنيد الموارد في التعامل مع وضعية مشكلة .

تعتبر جديدة بالنسبة للمتعلم، وتستلزم عملية التجنيد الانتقاء الصحيح والسريع والملائم، وبهذا تتجاوز التناول السلوكي القائم على الاستجابة المباشرة لمثير ما.

من خلال كل ما سبق يتبين أن المقاربة بالكفاءات تعتبر نتيجة بيداغوجية لجملة من النظريات والنماذج والاتجاهات، تلتقي كلها في إعطاء الأهمية الكبرى للمتعلم، والانطلاق بما يوجد عنده من قدرات ومكتسبات ومهارات في بناء المعرفة، ليتم بذلك تجاوز التعليم النمطي القائم على حصر النتائج في زاوية قدرة المتعلم على استرجاع المكتسبات، وهو ما يجعله عاجزا على إدماج معلوماته للتعامل مع وضعيات معقدة.

2.   مفاهيم أساسية مرتبطة بالكفاءات

2-1. تعريف الكفاءة:

قبل تقديم التعريف الاصطلاحي للكفاءة نشير إلى ذلك الاختلاف اللغوي الموجود بين استعمال مصطلح الكفاءة أو الكفاية، وليس من مجال بحثنا الدخول في هذا النقاش اللغوي، واستعمالنا لمصطلح الكفاءة لا يعني أنه أكثر دلالة من الكفاية، بل إن السبب في استعمالنا لهذا المصطلح يعود بالدرجة الأولى إلى استعماله في المناهج الرسمية الجزائرية، وفي كل الحالات فإن العبرة في هذا المجال تكون بالدلالة الاصطلاحية للمصطلح، وهو ما سنقف عليه من خلال التعاريف التالية: (غريب، 2006: ج 1 ص 163 ، 167)

 يعرفها رومانفيل Romainville بأنها: "الإدماج الوظيفي للدرايات، والإتقان، وحسن التواجد مع الغير، وحسن التخطيط للمستقبل، بحيث أن الفرد عند مواجهته لمجموعة من الوضعيات، فإن الكفاية تمكنه من التكيف، ومن حل المشاكل، كما تمكنه من إنجاز المشاريع التي ينوي تحقيقها في المستقبل".

وهي عند فرانسواز وآلان Françoise. R  et Alain. R : "مجموعة من السلوكات الممكنة (الوجدانية، المعرفية، والحسحركية)، التي تسمح لفرد ما بالممارسة الناجعة لنشاط معين".

ويعرفها محمد الدريج بأنها: "نظام من المعارف المفاهيمية الذهنية والمهاراتية العملية، التي تنظم في خطاطات إجرائية تمكن، في إطار فئة من الوضعيات، من التعرف على المهمة الإشكالية وحلها بنشاط وفعالية".

وتعرف أيضا بأنها: "مجموع السلوكات السوسيووجدانية، كما تفيد كذلك المهارات المعرفية أو المهارات السيكوحسية حركية: فالكفاية بهذا المعنى تحيل على أنماط من التعلم المرتبطة، في الوقت نفسه، بالمجالات المعرفية والسيكوحركية والسوسيووجدانية".

ونجدها معرفة بكونها: "مجموعة من القدرات المدمجة التي تسمح – بكيفية تلقائية – بإدراك وضعية معينة وفهمها، والاستجابة لها بشكل أقل أو أكثر ملاءمة". (بوسمان وآخرون، 2005: ص 9 - 10)

وفي تعريف آخر لليندا علال، نجد مفهوم الكفاءة يرتبط بنفس المجالات الموجودة في تصنيف الأهداف البيداغوجية، بحيث تعرفها بأنها: "شبكة المكونات المعرفية والوجدانية والاجتماعية والحس –حركية وتطبيقها داخل فئة من الوضعيات وتوجهها نحو غاية محددة" (جواكيم دولز وآخرون، 2005: ص 11-12).

وذكر سكالون (Scallon.G, 2007) مجموعة من التعاريف التي وجد أنها من الممكن أن  تعبر عن مفهوم الكفاءة وهذه التعاريف هي :

- الصفات العامة للشخص،

- إدماج المعارف بكل مستوياتها (المعارف بمفهومها العام، معرفة الفعل، معرفة التواجد)،

- نظام من المعلومات المتعلقة بالمفاهيم والتطبيقات،

- حالة الشخص،

- القدرة على التحويل،

- مجموعة مدمجة من المهارات،

- القدرة على الفعل.

وبعد عرض هذه التعاريف ومناقشتها وصل إلى أن التعريف الأكثر تعبيرا عن مدلول الكفاءة هو التعريف الذي قدمه روجيرس X.Rogers وهو كما يلي: "الكفاءة هي إمكانية الشخص في تجنيد بطريقة متداخلة لمجموعة من الموارد المدمجة من أجل حل عائلة من الوضعيات مشكلات". ونرى بأن هذا التعريف هو أكثر التعاريف إجرائية وتمكينا للقيام بعملية التقويم في سياقها الصحيح حسب متطلبات المقاربة.

ونكتفي بهذا القدر من التعاريف، وما يمكن استخلاصه منها أنها تؤكد على ما جلبته هذه المقاربة من إضافات لم تكن موجودة في المقاربة السابقة، من ذلك نجد تأكيدها على الإدماج والإنجاز والتوظيف والممارسة الناجعة ومواجهة الوضعيات من خلال إدراكها وفهمها...الخ. ونلاحظ على مختلف التعاريف المقدمة للكفاءة أنها ذات طابع معرفي سلوكي، أي أنها لا تخرج عن مجال توظيف المعارف وتجنيدها من أجل مواجهة وضعيات مختلفة بحيث لا تكون هذه الوضعيات ذات طابع نمطي، بل هي مستجدة، ودور المدرسة هو تزويد التلميذ بأدوات مواجهة هذه الوضعيات مهما كان نوعها ودرجتها والمكان الذي يواجهها  فيه. وقد عبر الأستاذ محمد فاتحي عن هذا المعنى المعرفي السلوكي للكفاءة حينما حدد مقاربتين لفهمها؛ أولاهما المقاربة الذهنية، التي تعتبر الكفاءة فيها كتلة من المعارف مرتبطة فيما بينها، وثانيتهما المقاربة التصرفية السلوكية، ترتبط الكفاءة فيها بالقدرة على الإنجاز (فاتحي،2004: ص 34- 35).

2-2.وضعية مشكلة: يتطلب قياس الأداء نمطا تقويميا لا يقوم على قاعدة استرجاع المعارف، وإنما على قاعدة توظيف المعارف. وما دام التوظيف يرتبط بإسقاطات معرفية أو أداءات عملية، فإن خير وسيلة للتحقق من ذلك هو جعل التلميذ يواجه موقفا يستدعي توظيف مكتسباته في وضعيات مختلفة، هذا الموقف هو ما يطلق عليه مصطلح وضعية مشكلة. فإذا أردت مثلا أن أتحقق من أن التلميذ قد استوعب معنى المحافظة على البيئة بالمستوى الذي يناسبه، فإني أضعه أمام مواقف سواء في القسم أو في الطبيعة تستدعي حل مشكلة ما لم يسبق له مواجهتها، وعن طريق الامتحان أو الملاحظة أعرف المستوى الذي بلغه. وقد عبر كريستيان بوسمان ومن معه على هذا المعنى حين أكدوا على ضرورة القدرة على مواجهة الوضعيات الجديدة بتجنيد المعارف السابقة وهو ما يدل عليه قولهم: "في جميع الحالات، ليست الكفاية مكونة من مجموع المعارف والمهارات التي تتطلب الاستثمار والتحريك في وضعية معينة. إنها قدرة على مواجهة الوضعيات المختلفة – أو فئة من الوضعيات/المشكلات – الشيء الذي يقتضي بشكل شبه دائم، القدرة على التكيف واتخاذ المبادرات"(بوسمان وآخرون، 2005: 130).

2-3.الإدماج : من بين التعاريف الكثيرة للإدماج، نجد التعريف التالي للجندر Legendreأكثر تعبيرا عن معنى الإدماج في ظل المقاربة بالكفاءات: "يستند الإدماج التعلمي إلى مسلمة؛ ترى أن المعارف تشكل كلا منطقيا منظما،  وتعتبر التعلم عملية حل المشكلات بواسطة المعارف والمهارات المكتسبة" (غريب،ع. 2006: ص 518).

ومن التعاريف المقدمة للإدماج نجد تعريف المجلس الأعلى للتربية في كيبك (كندا): "يشير إدماج المعارف إلى السيرورة التي يربط بها التلميذ معارفه السابقة بمعارف جديدة، فيعيد بالتالي بنينة عالمه الداخلي، ويطبق المعارف التي اكتسبها في وضعيات جديدة ملموسة". وعرفه كزافيي روجيرس X.Rogers بأنه: "عملية نربط بواسطتها بين العناصر التي كانت منفصلة في البداية، من أجل تشغيلها وفق هدف معطى". وهو في رأيه يتشكل من ثلاث مكونات أساسية هي؛ الترابط، ويقصد به نسج التلميذ لشبكة بين العناصر المطلوب إدماجها، ومفصلة العناصر وتحريكها، وذلك من أجل استثمار المكتسبات، وأخيرا الاستقطاب، ويقصد به أن التحريك إنما يكون لتحقيق هدف حتى يصبح له معنى (روجيرس، ك. وآخرون، 2005: 50 – 51).

وقد حدد الأستاذ عبد الكريم غريب ثلاث مراحل للإدماج كما يلي: (غريب،ع. 2006: 518)

-تمكين التلميذ من معرفة جديدة تضاف إلى معرفته السابقة، والتي ينبغي ترسيخها في ذهنه.

-إعادة بناء العالم الداخلي، لأن إدماج معارف جديدة يتطلب إعادة التنظيم الداخلي للمعارف.

-توظيف المكتسبات السابقة واستعمالها في وضعيات متشابهة أو في وضعيات جديدة.

إن ما ينبغي التأكيد عليه في هذا العنصر هو أن الإدماج يعتبر من أهم ما استحدثته المقاربة بالكفاءات، فمن بين النقائص المسجلة في المقاربة بالأهداف، نجد قيام المنهاج على شكل مجزأ منفصل يرتبط بالمستوى المراد قياسه. وقد تم التخلص من هذا المشكل في المقاربة بالكفاءات باستحداث الإدماج الذي يدل على بناء المعرفة وربط المكتسبات ببعضها البعض ليتم تمثلها من طرف التلميذ بصفة شاملة يعبر عنها بالكفاءة. فالكفاءة في نهاية المطاف تنزع إلى تحقيق مستوى من الأداء هو خلاصة لعملية إدماج مستمر بين المكتسبات، بحيث يكون هذا الإدماج بين وحدات المادة الواحدة وبين مختلف المواد.

2-4. الأداء: جاء في تعريف الأداء بأنه:" ما يتمكن الفرد من تحقيقه آنيا من سلوك محدد، وما يستطيع الملاحظ الخارجي أن يسجله بأعلى درجة من الوضوح والدقة" (غريب،ع. 2006: 737). وذكر سكالون خاصيتين أساسيتين للحكم على الأداء وهما وضع المشكلات المطروحة في سياق معين وتقديم أجوبة وتبريرها من طرف التلاميذ. ورغم أهمية الأداء في الحكم على إنجازات التلاميذ، فإنه مع ذلك يبقى يشكل عنصرا من عناصر بناء الكفاءة ولا يرقى إلى أن يؤشر بمفرده على تحقق الكفاءة، ذلك لأن تقويم التلاميذ يركز على المهارات أكثر من الكفاءة 137-140)(Scallon.G, 2007:، وهذا يعني أن لا يتطلب بالضرورة وجود وضعيات مركبة، ولكنه يبقى مع ذلك عنصرا مهما في قياس الكفاءات، إذ لا يمكن التأكد من تحقق الكفاءة دون وجود الأداءات الدالة عليها، فتفكيك الوضعيات المركبة يؤدي إلى معرفة العناصر التي تتكون منها، والتي نجد من ضمنها مجموعة من الأداءات التي نجح المتعلم في القيام بها.

2-5. مستوى الكفاءة: حتى تتم عملية التقويم بصفة سليمة، لا بد أن نعرف مستوى الكفاءة الذي نحن بصدد قياسه. ويتدرج تقويم مستوى الكفاءة من الكفاءة القاعدية إلى الكفاءة المرحلية وأخيرا الكفاءة الختامية. وهي كفاءات تتحقق بصفة مستمرة غير منقطعة، في الوحدة التعليمية والفصل الدراسي والسنة الدراسية والمرحلة الدراسية... بحيث تتشكل الكفاءة المرحلية من مجموع الكفاءات القاعدية وتتشكل الكفاءة الختامية من مجموع الكفاءات المرحلية.

و تجدر الإشارة إلى مستوى آخر من الكفاءة ألا وهو الكفاءة المستعرضة، وهي تلك الكفاءات المتقاطعة والتي تشترك في تكوينها بعض المواد أو مواد كثيرة، والتي يمكن تحقيقها بواسطة إدماج نواتج تعلمات معينة لبعض المواد أو لبعض المجالات.

3.   مبررات الانتقال إلى المقاربة بالكفاءات

إن الانتقال من مقاربة إلى أخرى ليس وليد رغبة في التغيير من أجل التغيير، وإنما نتيجة نظرية وتطبيقية لجملة المشكلات والصعوبات التي تم تسجيلها في تطبيق المقاربة السابقة، وفي هذا المجال يمكننا تسجيل مبررات ترتبط بالتغيرات الحاصلة على المستوى العالمي وأخرى ترتبط بالمجتمع الجزائري وحاجته لنظام تربوي فعال بإمكانه تحقيق الأهداف التي تجعله في مستوى تطلعات المجتمع ومواكبة التغيرات الحاصلة في العالم، ويمكننا تقديم هذه المبررات من خلال العناصر الرئيسية التالية:

3-1. انتشار استعمال المقاربة بالكفاءات في الأنظمة التربوية عبر العالم :

لقد شهدت فترة التسعينيات ومطلع القرن الحالي انتشارا كبيرا لاعتماد المقاربة بالكفاءات في كثير من الأنظمة التربوي عبر العالم، واشتركت في ذلك الدول المتطورة والدول المتخلفة. ومن أبرز الدول المتطورة التي اعتمدت هذه المقاربة نجد؛ فرنسا حيث تم نشر القاعدة المشتركة للكفاءات التي ينبغي أن يتمكن منها كل التلاميذ، كما تم تحديد كفاءات

خاصة بكل مادة دراسية إضافة إلى اعتماد المقاربة بالكفاءات في عملية التقويم (Ministère de l’éducation nationale, 2006). ونجد أيضا بلجيكا التي استند فيها التعليم الأساسي والمستوى الأول من الثانوية إلى أساس الكفاءات، ونجد كذلك مقاطعة الكيبك في كندا، حيث اعتمدت نفس المقاربة في إعادة صياغة برامج إعداديات التعليم العام والمهني. وقبل هذه الدول والمقاطعات الفرانكفونية، نجد المقاربة بالكفاءات في الدول الأنجلوساكسونية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبنت هذه المقاربة في مفهومها السلوكي منذ الستينيات من القرن الماضي حسب هاملتون Hamilton، وقد تطور مفهوم الكفاءة في هذا البلد ليصبح دقيقا وواضحا، حيث أصبح معناها متمثلا في إظهار الفرد لسلوكات متوقعة من كفاءة ما في إطار برنامج دراسي (جونايير، 2005).

وفي العالم العربي نجد اعتماد هذه المقاربة في البلدان المغربية الثلاث؛ تونس والمغرب والجزائر. فتم اعتمادها في النظام التربوي التونسي نظرا للخصائص التي تميزها عن المقاربات التقليدية، بحيث تقدم هذه المقاربة مفهوما مختلفا للتعلم والتقويم والعلاقة بين المعلم والتلميذ، كما أنها تقدم تصورا جديدا لإدارة وتنظيم القسم والمدرسة (بوسمان.ك. وآخرون، 2005). وفي المغرب تم اعتماد هذه المقاربة بصدور الكتاب الأبيض الذي حدد جملة من الكفاءات الدراسية، بحيث صنف في خمس كفاءات رئيسية هي؛ الكفاءات الإستراتيجية والكفاءات التواصلية، والكفاءات المنهجية والكفاءات الثقافية والكفاءات التكنولوجية (فاتحي، 2004). وفي الجزائر تم اعتماد المقاربة بالكفاءات وشرع في تطبيقها بداية من العام الدراسي 2003/2004، ونجد في مختلف المناهج الصادرة لحد الآن تقريبا نفس المدخل، بحيث تضمن هذا المدخل شرح هذه المقاربة ومبررات اعتمادها والكفاءات الرئيسية المنتظر تحقيقها، وقد تم تصنيف هذه الأخيرة إلى أربع كفاءات أساسية هي؛ كفاءات ذات طابع اتصالي، كفاءات ذات طابع منهجي، كفاءات ذات طابع فكري وأخيرا كفاءات ذات طابع اجتماعي وشخصي (وزارة التربية الوطنية، ديسمبر 2003).

إن هذا الاعتماد لهذه المقاربة في كثير من الأنظمة التربوية في العالم سواء في البلدان المتطورة أو البلدان المتخلفة يدل على الطابع العالمي لهذه المقاربة، وإن انتشارها بهذا الحجم ما هو إلا مظهر من مظاهر العولمة، التي انتقلت من المجال الاقتصادي المحض إلى المجال الثقافي والتربوي. وما ينبغي التنبيه إليه بالنسبة للعالم العربي، عدم التسرع في اعتماد هذه المقاربة دون أي تكييف وفق الخصوصيات الحضارية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية، وهذا حتى تكون الاستفادة مقتصرة على الطابع التقني والبيداغوجي، مع الاعتراف بصعوبة تحقيق هذا المطلب أمام نقص الدراسات المتعلقة بتصميم المناهج، خاصة منها الدراسات الأصيلة التي تتجاوز السعي نحو التكييف الصوري إلى السعي للوصول لمقاربات جديدة ناتجة أساسا من واقعنا العربي بكل خصوصياته.

3-2. المبررات البيداغوجية الديديكتيكية :

من خلال الشروط التي حددها فيليب بيرينو Ph.Perrenoudلنجاح اعتماد المقاربة بالكفاءات، يمكننا استنتاج المبررات التالية، التي فرضت الانتقال من المقاربة بالأهداف إلى هذه المقاربة (بيرنو،2004):

  ·  إعادة صياغة النقل الديداكتيكي : يقصد بالنقل الديداكتيكي مجموعة التحويلات التي تتم من ثقافة وقيم المجتمع إلى أهداف وبرامج تربوية. وترتبط إعادة الصياغة بالتغيرات التكنولوجية والاجتماعية السريعة التي تعيشها مختلف المجتمعات، فالأدوات والمعارف التي يتم تبليغها للتلميذ في المدرسة ستتطور وتتغير قبل أن تهضمها البرامج الدراسية. ومن هنا فإن المقاربة بالكفاءات تفرض التخلي عن إعداد التلاميذ استنادا إلى تصورات دقيقة لما يمكن أن ينتظرهم في المستقبل، كما تفرض التخلي عن حصر التكوين في عدد قليل من الكفاءات المستعرضة والعامة. إن المستجدات الحاصلة تفرض التزود بسلاح المعرفة والتدرب على حل المشكلات والتفاوض والتخطيط، وكل هذا يشكل مبررا رئيسيا للانتقال إلى مقاربة جديدة في تصميم المناهج الدراسية.

  ·  تخفيف الحواجز بين المواد : نلاحظ في المقاربة بالأهداف ذلك الفصل الموجود بين المواد، بحيث كل مادة تسعى لتحقيق أهداف خاصة بها، وعلى العكس من ذلك فإن المقاربة بالكفاءات تقوم على استغلال كل نقاط التقاطع بين المواد لتشكيل الكفاءة المستهدفة. ويقدم لنا بيرنو مثالا لتوضيح هذا المعنى؛ إن مدرسا العلوم واللغة الفرنسية يشرفان على نشاط واحد إذا تعلق الأمر بالكتابة العلمية (تقارير التجارب والمعاينات)، وهو نشاط في نهاية الأمر لا ينتمي حصرا إلى العلوم ولا إلى الآداب، وعلى غرار هذا الالتقاء، يمكن الذهاب بعيدا في إقامة علاقات بين المواد المتقاربة.

  ·  تكسير الحلقة المفرغة : إن ما يلاحظ على المقاربات التقليدية، أنها قائمة على إعداد المتعلمين في كل مرحلة للمرحلة التي تليها، وهكذا فإن المرحلة الابتدائية تعد المتعلم للنجاح في الانتقال إلى المتوسطة وفي هذه الأخيرة يعد للنجاح في الالتحاق بالثانوية... وبهذا تكون المدرسة منغلقة على نفسها ولا يهمها إلا المسار الدراسي للمتعلمين، مع أن الكثير من هؤلاء المتعلمين لا يستمرون في الدراسة إلى نهايتها. ومن هنا فإنه جدير بالمصممين للمناهج إعادة النظر في الدور الذي تلعبه هذه المناهج في الحياة اليومية للتلاميذ، بحيث يتحول الاهتمام من الإحالة على المراحل المقبلة من التمدرس إلى الإحالة على الحياة.

  ·  ابتكار طرق تقويم جديدة : يتميز التقويم في المقاربات السابقة أنه يرتبط بالتأكد من اكتساب التلميذ لما تم تعليمه إياه، سواء عن طريق الاسترجاع البحت، أو عن طريق قياس الأهداف الإجرائية. وهذه الأساليب تُبقي التقويم في دائرة الاهتمام بمعدل الفرد ورتبته بين أقرانه، فهو إذن تقويم يركز على جمع الدرجات لإصدار الحكم بمدى أهلية المتعلم للانتقال إلى مستوى أعلى. كل هذا يتعارض مع مبدأ أساسي من مبادئ المقاربة بالكفاءات ألا وهو مبدأ تفريد التعليم، أي أن المقارنة لا تكون بين التلميذ وزملائه، وإنما بين المهمة المطلوبة وما أنجزه التلميذ فعلا. ومن هنا استحدثت طريقة التقويم تحت وضعيات محددة، بحيث ينبغي إتاحة الفرصة لكل متعلم لإظهار ما يعرف فعله. وبناء على ذلك فإن كفاءات المتعلم تُقوَّم عند الضرورة بطريقة شاملة من أجل غايات تكوينية وجزائية. كما أن التقويم في المقاربة بالكفاءات لا يركز فقط على التقويم التجميعي، بل إنه يعطي أهمية كبرى للتقويم التكويني، باعتبار أن الأداء ينبغي أن يراقب أثناء العملية التعليمية وليس فقط بعد انتهائها.

تفريد التعليم : من المشكلات المطروحة في التعليم المتمحور حول المدرس والقائم على استعمال الأسلوب الإلقائي، أنه يتيح الفرصة للمتفوقين بالتعلم بشكل أفضل وأسرع من الآخرين، وهو ما يؤدي في نهاية الأمر إلى تحول الفروق الأصلية الموجودة بين التلاميذ إلى عدم المساواة في النجاح المدرسي وبالتالي صنع الفشل المدرسي لعدد كبير من التلاميذ الذين لا يستطيعون مسايرة المتفوقين. ومن هنا يأتي تفريد التعليم ليركز على أداء كل تلميذ عوض الاهتمام بنسبة النجاح وعدد التلاميذ الذين تحصلوا على المعدل. فتفريد التعليم يحارب الآلية التي تسير بها الطرق التقليدية ليجعل محلها التفرقة الإيجابية التي تبقي للمتفوقين مستواهم، وتضمن لباقي التلاميذ أفضل أداء يمكن أن يصلوا إليه. وأفضل طريقة مناسبة للمقاربة  بالكفاءات، تتمثل في مشروع طويل الأمد بحيث يكلف كل متعلم بمهمة معينة، ليثبت ما يستطيع القيام به فعلا. وإن التحدي الذي تفرضه هذه المقاربة هو جمع تلاميذ من مستويات متفاوتة في نفس الوضعية التعلمية، مع الحرص على أن لا يكون ذلك تشجيعا للمتفوقين على حساب العاديين وبطيئي التعلم. وهكذا تعتبر مشكلة عدم تمكن المقاربات السابقة من التوفيق بين الاهتمام بالتلاميذ النجباء والتلاميذ متوسطي وبطيئي التعلم، مبررا هاما للانتقال إلى مقاربة جديدة.

3-3. المبررات الخاصة بالنظام التربوي الجزائري :

يشكل الإصلاح التربوي الجديد إصلاحا شاملا للنظام التربوي الجزائري، ولم يضاهيه في شموليته منذ الاستقلال إلا الإصلاح السابق له المتمثل في المدرسة الأساسية. ذلك لأن هذا الإصلاح مس كل مكونات المنظومة التربوية من أهداف وسياسة تعليمية عامة إلى المجالات البيداغوجية والتنظيمية التي شهدت هي الأخرى تحولات كبيرة. وفي تصورنا فإنه يمكننا جمع أبرز مبررات الإصلاح التربوي الجديد في العناصر التالية:

- مواكبة التغيرات الحاصلة في الجانب البيداغوجي خاصة ما يتعلق منها بمقاربات بناء المناهج.

- الحاجة إلى تصميم مناهج جديدة تحقق الحاجات الجديدة للمجتمع خاصة مع التغيرات التي حصلت على كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

- ضرورة الانفتاح على العالم بحكم التغيرات الحاصلة في العلاقات مع الآخر خاصة مع بروز العولمة ووسائل الاتصال الجديدة من انترنت وفضائيات وغيرها.

وقد حدد السيد فريد عادل بصفته مدير التعليم الأساسي بوزارة التربية الوطنية، مبررات الإصلاح التربوي الجديد، خاصة ما تعلق منه بالمناهج الدراسية في العناصر التالية: (فريد عادل، 2002)

- "انتقال البلاد من نظام سياسي أحادي إلى التعددية الحزبية وإلى نظام ديمقراطي،

- انتقال البلاد من نظام اقتصادي ممركز إلى نظام الاقتصاد الحر،

- التطور المذهل للعلوم والتكنولوجيا بما في ذلك علوم التربية،

- التدهور المستمر لمستوى التلاميذ ونتائجهم،

- التحديات الجديدة التي من المنتظر أن تواجهها المدرسة".

4.   صعوبات تطبيق المقاربة بالكفاءات في النظام التربوي الجزائري

تعترض تطبيق المقاربة بالكفاءات صعوبات كثيرة، نجد منها عدم التحضير الكافي للشروع في تطبيق هذه المقاربة، وصعوبة فهم المقاربة نفسها، وسنتناول من بين هذه الصعوبات صعوبتين كبيرتين، نجد أن تجاوزهما يساعد كثيرا في إنجاح تطبيق هذه المقاربة، وتتجلى هاتان الصعوبتان في مستويين بارزين هما:

4-1. على مستوى تكوين المعلمين: إذا أردنا أن نقوم المعلم على مستوى أدائه المهني، فإن هذا التقويم يأخذ في الاعتبار ثلاث كفاءات أساسية:

الكفاءة المعرفية: وهي تتعلق بكل ما له صلة بالتكوين التخصصي أي التكوين في المادة العلمية التي يدرسها. وفي هذا المحور لا مجال لوجود أعذار تحول بين المعلم وتقديم المادة العلمية بالشرح الكافي والإحاطة الشاملة حسب متطلبات المنهاج. ويوجد ارتباط وثيق بين كفاءة المعلم المعرفية ونتائج التلاميذ الدراسية، ويزداد هذا الارتباط قوة كلما تقدم التلميذ في المراحل الدراسية، حيث يصبح المعلم عاجزا عن التدريس بالمستوى اللازم إذا لم يكن تكوينه التخصصي متينا، وهذا على خلاف المرحلة الابتدائية التي يستطيع المعلم تغطية ضعف تكوينه بجهد بسيط يمكنه من التحكم في الجانب المعرفي للمنهاج.

-الكفاءة البيداغوجية: ويقصد بها كل ما يتعلق بكيفية إيصال المعارف على أحسن صورة ممكنة، وتستند هذه الكفاءة على دعامتين أساسيتين هما فهم المتعلم والتحكم البيداغوجي. أي أن برامج التكوين لا بد أن تكون متضمنة لشتى المعارف التي يزودنا بها علم النفس حول خصائص المتعلم الذهنية والعضوية والانفعالية... في المرحلة التي يدرس فيها، كما يجب أن تتضمن كل الدعائم البيداغوجية التي تمكن المتعلم من المتابعة السليمة وما تستلزمه من عناصر التشويق وحسن توظيف الوسائل التعليمية وتطبيق الطرق والإستراتيجيات المناسبة في التدريس وتحقيق التفاعل الصفي والتحكم في الأساليب التقويمية...

-القدرة على البحث: إن المعلم في المدرسة المعاصرة لم يعد بإمكانه الاكتفاء بتكوينه القاعدي أو التكوين أثناء الخدمة لإنجاز مهمته على أحسن وجه، بل لا بد له من قدرة ذاتية تمكنه من المواكبة المستمرة للمستجدات في ميدان التربية خاصة على المستوى البيداغوجي، حيث أصبحت المعارف أكثر تعقيدا وتطبيقاتها أكثر صعوبة مما يتطلب جهدا ذاتيا مستمرا لتحسين الأداء البيداغوجي. وتعكس هذه الكفاءة جملة من العوامل المحيطة بمهنته كمدرس، سواء على المستوى النفسي أو المهني أو العلائقي، فعلى المستوى النفسي تبرز الدافعية ومستواها فكلما ارتفع هذا المستوى تحرر المعلم من النمطية وأصبح باحثا عن الجديد سواء في مجال التخصص أو المجال البيداغوجي. وعلى المستوى المهني يظهر الرضا المهني وما

يجلبه من استعداد لبذل جهد أكبر في مهنة يحبها ويجتهد من أجل النجاح في مهمته، وعلى المستوى العلائقي تظهر شبكة العلاقات التي يبنيها مع زملائه والطاقم الإداري ومراكز البحث... فتوفر هذا المستوى من الجاهزية يجعل المعلم أكثر بذلا للجهد ومواكبة للمعرفة وبالتالي تحقيقا لنتائج إيجابية على مستوى تحصيل التلاميذ.

ومن بين هذه الكفاءات الثلاث، نجد الكفاءة البيداغوجية الأكثر تأثيرا على أداء المعلم، باعتبار أن الجانب المعرفي يمثل مطلبا تظهر نتائجه بمجرد الاحتكاك بالتلاميذ، ويسهل الحكم على مستوى المعلم فيه، وباعتبار أن القدرة على البحث ما زالت مطلبا بعيد المنال عند المعلم الجزائري. ومن خلال تجربة الباحث وبحكم مشاركته في تأطير تكوين المعلمين والمفتشين للتدريس وفق المقاربة بالكفاءات، فإنه وقف على الصعوبات الميدانية التي تواجه المعلمين في تطبيق المقاربة بالكفاءات، وتمثلت هذه الصعوبات بصفة أساسية في العناصر التالية:

-عدم فهم الخلفية النظرية للمقاربة الجديدة؛

-عدم تمييز هذه المقاربة عن المقاربة بالأهداف، وهو ما جعل الكثيرين يقدمون الدروس دون أي تغيير في كيفية التقديم، أو التكيف مع متطلبات المقاربة الجديدة؛

-الصعوبات الكبيرة في تطبيق الأساليب التقويمية المناسبة خاصة ما تعلق منها بالوضعية مشكلة والوضعية الإدماجية؛

-عدم التحكم في تطبيق توجيهات الوثائق المرافقة للمناهج؛

-عدم التحكم في تطبيق مراحل الحصة التعليمية بدءا من وضعية الانطلاق إلى مرحلة بناء المعرفة؛

-عدم القدرة على التخلص من الأنماط التقليدية القائمة على المذكرات والمواضيع الجاهزة، إلى أساليب أكثر مرونة قائمة على مراعاة متطلبات الموقف التعليمي بكل مكوناته؛

-عدم التحكم في الوسائل التعليمية وتنويعها حسب متطلبات المقاربة الجديدة.

4-2. على مستوى التقويم: إن الحكم على مستوى التعلم وجودة التعليم لا يتحقق دون تقويم سليم قائم على مراعاة متطلبات المقاربة التي صممت على أساسها المناهج الدراسية.

 ويعتبر التقويم مربط الفرس في المقاربة الجديدة، فأغلب الصعوبات التي يواجهها المعلمون ترتبط بهذا العنصر، وذلك نظرا للتعقيدات الموجودة في التقويم وفق هذه المقاربة، وهذه الصعوبات ناتجة أساسا عن الضعف التكوين الذين يتلقاه المعلمون في هذا المجال، فضلا عن صعوبة وجود مفتشين يتحكمون في هذا الموضوع، خاصة إذا علمنا أن جل المعلمين شرعوا في تطبيق المقاربة الجديدة بعد تخرجهم من مؤسسات التكوين وممارسة التدريس بالمقاربة القديمة لردح طويل من الزمن، ومن أبرز الصعوبات التي يواجهها المعلمون في تطبيق التقويم وفق المقاربة بالكفاءات نجد:

-عدم فهم المصطلحات الأساسية في التقويم وفق المقاربة بالكفاءات ونخص بالذكر، الوضعية مشكلة، الإدماج، مستوى الكفاءة، تجنيد الموارد؛

-تطبيق التقويم على خلفية المقاربة بالأهداف، فأصبح التغيير في اسم المقاربة فقط، بينما التطبيق بقي دون تغيير؛

- صعوبة بناء الامتحان وتقنينه وفق متطلبات المقاربة؛

- صعوبة بناء سلم التصحيح؛

- صعوبة استخراج المعايير والمؤشرات والتفريق بينها.

5.   آفاق تطبيق المقاربة بالكفاءات في النظام التربوي الجزائري

إن اعتماد الكفاءات كمقاربة في صياغة المناهج بتطلب إعدادا دقيقا وتحضيرا مكثفا، لذا فإنه لتطبيق هذه المقاربة لا بد من توفر مجموعة من الشروط كفيلة بإنجاح العملية، ومن بين أهم هذه الشروط يمكننا ذكر ما يلي :

§مراعاة الخصائص والإمكانات والموارد المالية والبشرية التي يتوفر عليها النظام التربوي.

§الاهتمام بتكوين العنصر البشري على كافة المستويات، وبصفة خاصة المعلمين الذين تقع على عاتقهم مهمة تنفيذ المنهاج الجديد.

§تحرير المعلم من القيود النمطية وجعله أكثر حركية وفتح مجال المبادرة أمامه.

§إعداد المعلمين على كافة الأنماط التقويمية وذلك من خلال تكوين نوعي يتم التأكد من خلاله على استيعاب هذه الأنماط وتطبيقها بما يتناسب مع المقاربة الجديدة.

§توسيع الوسائل التقويمية بصفة واضحة وبيداغوجية إلى الوسائل الأقل استعمالا في التقويم التقليدي، وبصفة خاصة تلك الوسائل المرتبطة بتقويم أداءات التلميذ الصفية واللاصفية، مثل الملاحظة وسجل الكفاءات المحققة...

§التفتح أكثر على الحياة غير المدرسية للتلميذ حتى نفهم ما يحتاج إليه من كفاءات يوظفها في حياته اليومية.

§المتابعة المستمرة لأداءات المعلمين ومراقبة المشاكل التي تعترضهم في تطبيق المقاربة الجديدة وبالتالي إدخال التعديلات اللازمة كلما تطلب الأمر ذلك.

§العمل على تحقيق إشراف تربوي كفؤ، يكون دعما للمعلم في تحقيق المستوى المطلوب.

وبدون توفر هذه الشروط، فإننا لا نتوقع نجاحا لتطبيق هذه المقاربة، فتلقى حينئذ قرارا ارتجاليا، ستكون نتائجه وخيمة على مستقبل النظام التربوي الجزائري.

الخاتمة:

لقد أحدثت المقاربة بالكفاءات ثورة في مجال تصميم المناهج الدراسية، وأصبحت من أكثر المجالات جلبا للاهتمام والبحث في الميدان التربوي، وذلك نظرا لما ارتكزت عليها من نظريات متعددة في علم النفس وعلوم التربية، ولما أحدثته من تغييرات جوهرية في الحكم على مخرجات التعليم. وإن الحكم على نجاح أو فشل تطبيق هذه المقاربة -وذلك في حالة توفير كل متطلبات هذا التطبيق- لا يزال سابقا لأوانه، خاصة في الأنظمة التربوية التي تبنت هذه المقاربة دون أن تكيفها تكييفا تاما حسب الواقع بكل مكوناته. ولكن في كل الحالات فإن الانتقال إلى مقاربة جديدة بات أمرا مفروضا بحكم التطورات الحاصلة على كافة الميادين، خاصة مع الانفجار المعرفي وما تضمنته الأبحاث في ميدان علم النفس وعلوم التربية من نتائج تؤكد أن المقاربات القديمة لم تعد تفي بالغرض لتمكن المتعلم من التكيف مع واقع عنوانه الكبير وسمته الرئيسية التغير السريع في شتى المجالات.

قائمة المراجع:

1.     بوسمان، كريستيان. وماري، فرانسواز. وجزافيي روجي وآخرون. (2005). أي مستقبل للكفايات. ترجمة عبد الكريم غريب، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء (المغرب).

2.     بيرنو، فيليب. (2004). بناء الكفايات انطلاقا من المدرسة. ترجمة لحسن بوتكلاي، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء (المغرب).

3.   جواكيم دولز، إدمي أولانيي، فيليب بيرينو وآخرون. (2005). لغز الكفايات في التربية، ترجمة عز الدين الخطابي وعبد الكريم غريب، منشورات عالم التربية، الطبعة الأولى، الدار البيضاء (المغرب).

4.     جونايير، فيليب. (2005). نحو فهم عميق للكفايات؛ (الكفايات والسوسيوبنائية). ترجمة عبد الكريم غريب وعز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، الدار البيضاء (المغرب).

5.     عادل، فريد. لماذا إصلاح المناهج وكيف؟ (2002). في مداخلات المنتدى حول الكفاءات والمعارف، المنظم من وزارة التربية الوطنية، من 27 إلى 29 أكتوبر 2001، الجزائر.

6.   غريب، عبد الكريم. (2006). المنهل التربوي، معجم موسوعي في المصطلحات والمفاهيم البيداغوجية والديداكتيكية والسيكولوجية. منشورات عالم التربية، الطبعة الأولى، الدار البيضاء (المغرب).

7.     فاتحي، محمد. تقييم الكفايات. (2004). منشورات عالم التربية، الطبعة الأولى، الدار البيضاء (المغرب).

8.وزارة التربية الوطنية؛ مديرية التعليم الأساسي. (ديسمبر 2003).  مناهج السنة الثانية من التعليم الابتدائي. الجزائر.

9.     Gherib, Abdelkrim. (2010). Compétences et pédagogie d’intégration. Ed. Monde de l’éducation, Casablanca (Maroc).

 

10.  Ministère de l’éducation nationale. (2006). Qu’apprend-on à l’école élémentaire? Les programmes 2006-2007, Centre Nationale de Documentation Pédagogique, XO édition, imprimé en France.

11.  Scallon, Gérard. (2007). L'évaluation des apprentissages dans une approche par compétences. édition De Boeck université, 2eme édition, Bruxelles.