من قضايا الخطاب اللغوي التراثي :  النحو والمنطقpdf

 

أ. يوسف منصور                      

جامعة باجي مختار - عنابة - الجزائر 

تعد المناظرة الشهيرة التي وقعت بين "أبي سعيد السيرافي" و"متى بن يونس" صورة جلية لصراع ثقافي محموم بين ثقافة موروثة(النحو العربي) وثقافة وافدة(المنطق اليوناني) على حد تعبير الأستاذ حسن حنفي ([1])،كما يعد أبو حيان التوحيدي المرجعية الكتابية الوحيدة في نقل تفاصيل هذه المناظرة ،على نحو مانجد ذلك في الليلة الثامنة من مصنفه المعروف"الإمتاع والمؤانسة" ([2])التي عرضت صورة عن هذه القضية بشكل مغاير للتعليقات الجانبية التي وقعت على هامش الموضوع وعن القضية ذاتها وهي باعتقادي مستوى آخر من مستويات معالجة التوحيدي لإشكالية النحو والمنطق.

         إذن ومبدئيا فنحن أمام نصين أحدهما مركزي يقدم لنا موضوعةthème النحو والمنطقوهو نص الليلة الثامنة والآخر نص هامشي يختلف عن المناظرة من حيث الرؤية والتناول حد التعاكس ،وكأني بأبي حيان التوحيدي في مقابسته الثانية والعشرين (النص الهامشي) قد خلص إلى ما يفض الإشكال في أولوية المنطق على النحو أم النحو على المنطق؟

         ولكي نضع القارئ في الصورة ليتمكن من التمييز بين الرؤيتين المختلفتين للموضوع نعرض عليه النص الهامشي كاملا ،فقد أجاد التوحيدي فيه من حيث قدرته من خلال من نقل عنهم التعليق أو الهامش- على لم الموضوع وعرضه بالصورة الحوارية والجدالية  التي كان يجب أن تكون عليها المناظرة أو النص المركزي.

         يقول:" قلت لأبي سليمان:إني أجد بين المنطق والنحو مناسبة غالبة ومشابهة قريبة ،وعلى ذلك فما الفرق بينهما،وهل يتعاونان بالمناسبةوهل يتفاوتان بالقرب منه؟([3])فيحيبه ابوسليمان:النجو منطق عربي والمنطق نحو عقلي ،وجل نظر المنطقي في المعاني ،وإن كان لا يجوز له الإخلال بالألفاظ...وجل نظر النحوي في الألفاظ وإن كان لا يجوز له الإخلال بالمعاني.

وكما أن التقصير في تحبير اللفظ ضار ونقص وانحطاط ،فكذلك التقصير فيتحرير المعنى ضار ونقص وانحطاط " ([4]).

         ثم يعاود التوحيدي السؤال كالذي يحاول التأسيس للمفهومين قبل مقابلتهما، فيقول:"فما النحو؟ فقال إنه نظر في كلام العرب يعود بتحصيل ما تألفه وتعتاده أو تفرقه وتعلل منه، أو تفرقه أو تخليه ،أو تأباه وتذهب عنه وتستغني بغيره" ([5])ثم يردف قائلا: " فما المنطق ؟قال:آلة بها يقع الفصل والتمييز ، بين ما يقال هو حق أو باطل فيما يعتقد، وبين ما يقال هو هو خير أو شر فيما يفعل ،وبين ما يقال هو صدق أو كذب فيما يطلق اللسان،وبين ما يقال هو حسن أو قبيح بالفعل"([6]).

 - ما يلاحظ على النصالهامشي:

1- إن الصيغة الاستهلالية لتساؤل التوحيدي في مفتتح المقابسة، مضافا إليها مصطلحات كالمناسبة والمشابهة والقرب، تكشف عن قناعته بأن النحو والمنطق يتكاملان أكثر مما يتعاكسان، ويتوافقان أكثر مما يتقابلان، فكأن بينهما أسباب حاجة، و استدعاء من أحدهما للآخر والعكس أيضا .

2- يكشف أسلوب الإجابة: "النحو منطق عربي و المنطق نحو عقلي " عن رؤية مضادة لما في المناظرة ، و هي على رأي " متى " أن "  النحو منطق عربي و المنطق نحو يوناني"، فالتوحيدي لا يحصر المنطق كآلة من آلات العقل في اليونان، بل هو شامل لكل الأمم لاستعمالها إياه ، في حين خص النحو بالعرب لأنه علم مستنبط من لغتهم ومن استقرائهم لكلامهم ،فالقضية عنده مختصرة كما قال في عرض المقابسة: " النحو مقصور والمنطق  مبسوط "([7]).

3- الإشارة إلى المواطن التي يشتغل عليها كل من النحو والمنطق بشكل يختلف عن الرؤية الاقصائية  في المناظرة وبخاصة من لدن "متى"، فإذا كان المنطقي حسب" المناظرة"يوقف نظره عند المعاني دون الألفاظ، والنحوي على العكس منه، فالتوحيدي ينحو منحى توفيقياً، إذ لا بد للمناطقة من اشتغالهم بالألفاظ رغم أسبقية المعاني، كما أنه يتوجب على النحاة الاشتغال بالمعاني رغم أولوية اللفظ عليها، وأضن أن هذا الرأي يومئ إلى مفهوم آخر يمكن فهمه من تأكيد أي  التوحيدي التوفيقي فالدليل   اللساني كما نعرف ذو وجهين متلازمين أحدهما، الدال وهو اللغة، مجسداً في أصواتها و حروفها  وأسمائها وأفعالها ، والآخر هو المدلول الذي يتخذ من المنطق آلة من آلات ممارسة نشاطه ومادام متلازمين فإن اللغة والمنطق- ليس لذاته بل بوصفه أسلوبا عقليا في التفكيرأو ممثلا  للعقل- متلازمان وجب أحدهما الأخر.

4- التأسيس لمفهوم الاصطلاحين ، ولئن كان التوحيدي قد حدد مفهوم النحو في مواطن أخرى من الإمتاع و المؤانسة ، فإن تحديده في المقابسات  يكتسي طابعا خاصا الهدف منه مقابلة المصطلحين لتبيين أوجه التقارب  أو التباعد .

         وعليه فالنحو عنده نظر وعلم بطرق العرب في كلامها . وأما المنطق فأشبه بالحكم أو الميزان يميز العقل به القضايا المختلفةسواء  كانت معتقدات (حق وباطل)، أم معاملات وسلوك (خير وشر) ، أم أخلاق ومفاهيم ( صدق وكذب) .

         من خلال هذا يبدو أن اللغة لها منطق خاص بها تحتكم إليه ،هو نحوها ، أما العقل فيحتكم إلى أكثر من نحو  كالمنطق الأرسطي أو المنطق الصوري أو ..إلخ، ويزيد التوحيدي الأمر وضوحا فيقول "فوائد النحو مقصورة على عادة العرب  بالقصد الأول([8]) أي أن العلة من وجود النحو صيانة اللغة والحفاظ على الألسنة من اللحن .

         وأما المنطق " فمقصور على جميع أهل العقل من أي جيل كانوا وبأي لغة أبانوا"([9])فالمنطق يجنح إلى الشمول والعموم أي عدم الاختصاص بأمة دون أخرى فكأنه على العكس من النحو ، متعلق بكل اللغات ومباح استعمالها لكل الأمم  لأن مصدره هو العقل الذي هو هبة ونعمة من الخالق لمخلوقاته .

         ثم يواصل التوحيدي هامشه أو الشطر الثاني منه بنص أقرب إلى الخلاصة العامة والتي تبرز بصورة أوضح وأكثر عمقا أوجه الاختلاف بين المنطقين: منطق اللغة ومنطق العقل يقول: وبالجملة، النحو يرتب اللفظ ترتيبا يؤدي إلى الحق المعروف أو إلى العادة الجارية، والمنطق يرتب المعنى ترتيبا يؤدي إلى الحق المعترف به من غير عادة سابقة، والشهادة في المنطق مأخوذة من العقل ،والشهادة في النحو مأخوذة من العرف، ودليل النحو طباعي،ودليل المنطق عقلي…

         والنحو يتبع ما في طباع العرب وقد يعتريه الاختلاف، والمنطق يتبع ما في غرائز النفوس، وهو مستمر على الائتلاف والحاجة إلى النحو أكثر من الحاجة إلى المنطق،كما أن الحاجة إلى الكلام في الجملة أكثر منالحاجة إلى البلاغة... والنحو تحقيق المعنى باللفظ. واللفظ تحقيق المعنى بالعقل([10]).يسوق التوحيدي جملة من الخصائص لكل من النحو والمنطق نعرضها على الشكل الآتي: 

1- الغاية :

         الغاية من الاحتكام إلى النحو و إتباع قواعده  أن يصوغ المرء كلامه وفقه لأنه مستوحى من عادة أهل تلك اللغة ، فكأن النحو مثال أو معيار أو عادة سابقة ننحو نحوها في كلامنا وخطاباتنا ، فأما المنطق فالهدف من وراء استعماله تقليب أوجه المعنى أو التصور للوقوف على وجه الصحة أو الخطأ فيه ، ومن ثمة فإن الغاية من النحو لغوية الطبيعة ، تنطلق من اللغة وتأخذ عنها ، وتعود إليها ، أما المنطق فلا حدود تحده ، بل يتعامل به في شتى العلوم والمعارف، ومن هنا يكمن وجه الخصوصية في النحو والعموم في المنطق، والمنطق إلى جانب ذلك لا مثال أو معيار له ليحتذيه للوصول إلى نتائج ما، بل هو جملة من الإجراءات الذهنية يؤدي تطبيقها إلى نتائج معينة، فالغاية  منهما إذن مختلفة تبعا لطبيعة كل منهما.

2- الاستدلال والبرهنة :

         البرهنة عن القضايا اللغوية ، غير البرهنة على العقلية ، لأن المرجع المحتكم إليه في البرهنة متباين عند كليهما ، فنحن إذا أردنا التحقق من صحة جملة ما، نعود إلى القواعد النحوية وشواهدها أما إذا أردنا معرفة  صدق قضية ما أو كذبها  فنعود إلى العقل ومبادئه، ومن ثمة فاللغة من حيث نفيها أو إثباتها لقضاياها  تعول على نفسها، فهي أشبه بالمتحرك الذاتي (autonomme) فقانونها منها، ومعايير الصحة أو الخطأ منها، ومقاييس البرهنة منها أيضا، بينما المنطق لا يخدم نفسه بنفسه بل يعود للعقل أو من كان سببا في استعماله (أي العقل)، فالعقل لا يحكم أو يبرهن على قضايا يتسلط عليها المنطق فحسب، بل يحكم على المنطق نفسه .

3-طبيعة الاستدلال أو البرهان :

         لما كانت اللغة تأخذ من نفسها أسبابا للبرهنة عن قضاياها فبالضرورة سيكون الاستدلال ذا طبيعة لغوية، ومن ثمة مأخوذا -كما أخذت اللغة- من طبائع أهل اللغة في كلامهم، أو " بالطبع أو الإسماع "([11]) كما يقول التوحيدي، بينما يكتفي المنطق بأن يكون لاستدلاله طبيعة عقلية مادام هو الأخر مأخوذا عن العقل ذاته.

4 - الحاجة والضرورة :

         المرء أكثر حاجة إلى النحو منه إلى المنطق، وتفسير ذلك هو أن الإنسان اكثر مواظبة وانشغالا على التواصل والاتصال بغيره، فيحتم عليه سوق الكلام وفق قوانين الكلام ذاته حفاظا على العملية التواصلية، أما الحاجة إلى المنطق فتأتي في المقام الثاني، من حيث استدعاء اللغة له، ذلك أن التوحيدي يربط النحو بالكلام اليومي العادي ويربط البلاغة بالمنطق، لأن فيها من التقسيمات المعنوية والاختيارات اللفظية والصور الاستعارية ما يجعل صاحبها في حاجة إلى المنطق، فكأن معيار التواتر بين الكلام العادي أو اللغة في مستواها الأول وبين الكلام البليغ أو اللغة في مستواها الثاني، هو من يفضي إلى أولوية الحاجة إلى النحو على أولوية الحاجة إلى المنطق .

5-الوظيفة :

النحو والمنطق كلاهما محقق لما هو مختص به، فالنحو بتحقيقه للفظ صيغة وموقعا في التراكيب يضمن تحقيقه للمعنى، إي أن يضمن بذلك متكلم قدرة لفظه على آداء معناه والمنطق يحقق المعاني أو التصورات على الرغم من أن طرق التحقيق هاته من لدن المنطق، تتم حتما عبر العقل فإنها بلا شك غير سهلة، أو فلنقل عمليات ذهنية معقدة، تؤدي في النهاية إلى عدم تعارض المعنى مع شهادة العقل .

- مساحة الاشتراك بين النظامين :

         بعدما أشار التوحيدي في هامشه إلى خصائص النحو والمنطق نراه يشير إلى النقاط المشتركة بينهما، ولو أن ذكره للخصائص، ينبئ عن استحالة استغناء أحدهما عن الآخر .يقول :" والنحو يدخل المنطق ولكن مرتبا له ، والمنطق يدخل النحو ولكن محققا له ، .. وما يستعار للنحو من المنطق حتى يتقوم أكثر مما يستعار من النحو للمنطق حتى يصح ويستحكم فالمنطق وزن لعيار العقل والنحو كيل يصاغ اللفظ ([12]) .يشير هذا النص إلى نقاط التداخل والالتقاء بين النحو والمنطق وما يمكن أن يكون بينهما من وشائج فمن ذلك أن النحو يدخل المنطق بغاية الترتيب، بمعنى أن متكلما إذا نظم جملة ما، وقصد فيها إلى استعمال فنيات التقديم والتأخير مثلا، فإنه يتبع سننا النحو في هذا الباب ، وعلى ذلك يرتب ألفاظه حتى تحقق معانيها، فقد يتفق أن تكون فكرة تقديم شيء على آخر قارة في ذهن المتكلم، ولكن تراكيبه لا تعكس ذلكومنه يتدخل النحو لإثبات ما أقره المنطق في ذهنه .

         وأما المنطق فيدخل النحو بهدف التحقيق ، وهنا تؤخذ القضية على الضدية من الأولى، فالباث قد يلفظ تركيبا سليما نحويا غير أنه قد يكون محالا أو غير سليم بمنظار منطق العقل، ومن ثمة لا يمكن للمعنى أن يتحقق وتنعدم الفائدة، وعليه فالمنطق يؤكد المعنى ويتحقق منه بقبوله حتى يتفق والتركيب النحوي .

         كما توجد بين المنطق والنحو علاقات استعارة، دون أن يلمح أبو حيان إلى قد ما يستعيره النحو من المنطق: أهي علله وقياساته؟ أم حدوده وأشكاله؟ أم إلى  ما يستعيره المنطق من النحو: آ قواعده أو طرق استدلاله ؟ أم علله وقياساته أيضا؟ وقد حاولنا فهم قصد أبي حيان، ومنه فهو قد  يعتقد بأن النحو بحاجة إلى المنطق لأن" من الأغراض ما يفهم وإن عرى لفظه من النحو ، ولا يفهم شيء منها- أي الأغراض- إذا عرى من العقل"([13]) ، بمعنى أن كلامنا فد يكون مقبولا نحويا لكن ليس مقبولا عقليا ومنطقيا ومن هنا وجب على النحوي أن يستعير من المنطقي سبل تحقيق المعنى وقبوله من جهة العقل حتى يصح كلامه لفظا ومعنى، وعلى خلاف ذلك      فقديكونكلامنا مخلا بأسس النحو، غير أن معناه يبقى محفوظا ومفهوما ومدركا ، ولو أننا  نعتقد في هذه النقطة ،بأن رأي التوحيدي يبقى نظريا ونستبعد أن يكون قناعة شخصية لأنه يتنافى مع رؤيته العامة والتي تندرج في إطار عقلنة اللغة وتطهيرها من حيث التداول والاستعمال .

         وجماع القول في هذا الفصل ، ما قاله التوحيدي ذاته فلا ترانا سنزيد أو نجمل ما أجملههو وأجمعه بقوله :"وبهذا تبين لك أن البحث عن المنطق قد يرمي بك إلى جانب النحو،والبحث عن النحو قد يرمي بك إلى جانب المنطق ، ولو لا أن الكمال غير مستطاع لكان يجب أن يكون المنطقي نحويا والنحوي منطقيا ، خاصة والنحو واللغة عربية ، والمنطق مترجم بها ومفهوم عنها "([14]) ، ويرد مرة أخرى على من يزري بالنحو أو المنطق قائلا : "لأنه لا عيب على العلم إلا من جهة خطأ المخطئ فيه لامن جهة اسمه "([15]).


الإحالات

([1])-جدل الوافد و الموروث:حسن حنفي،مجلة فصول،الهيئة العامة المصرية للكتاب،القاهرة،1995،مج:14،ج:02،ع:4،ص:249

([2])- أنظر:الإمتاع والمؤانسة:أبوحيان التوحيدي،تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين،لجنة التأليف والترجمة،مطبعة الناشر،ب ط،القاهرة،1939،ج :01،ص 112. 

([3])-المقابسات:أبوحيان التوحيدي،تح:حسن السندوبي،المطبعةالرحمانية،مصر،ط:01،1929،ص:169

 ([4])-المصدر نفسه:ص 170.

([5])-المصدر نفسه:ص 170.

([6])-المصدر نفسه:ص 171.

([7])-المصدر السابق:ص 170.

([8])-المصدر السابق:ص 171.

([9])-المصدر السابق:ص 171.

([10])-المصدر السابق:ص 171-172.

([11])-المصدر السابق:ص 171.

([12]) - المصدر السابق : ص 172.

([13]) - المصدر السابق : ص 172.

([14]) - المصدر السابق : ص 172.

([15])- الهوامل و الشوامل:أبو حيان التوحيدي،نشرة أحمد امين وأحمد الصقر،مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،القاهرة،ب طـ1951 ص: 170.