المباحث الدلالية عند علماء الأصول في ضوء pdf

الدراسات الحديثةابـن القيّـم نمـوذجاً

أ. عبد العليـم بوفـاتح      

جامعة الأغــواط - الجزائر

يحْسـن بنـا قبل الخوض فـي مباحث الدلالة عند علماء العربية وعلماء الأصول منهم على الخصوص. ثم تخصيـص ابن القيم من بينهم أن نقدّم فكرة عن المستوى الدلالي باعتباره أحد مستويات التحليل اللغوي، بل هو المستوى الذي يشمل بقيـة المستويات الأخرى التي لا تعـدو أن تكون أنواعاً متفرعـة عنـه، ذلك إنها جميعها مرتبطة بـه، وهو العامل المشترك بينها. فهناك الدلالة الصوتية والدلالة الصرفية والدلالة النحوية والدلالة المعجمية..

ويتناول هذا المستوى بالدراسة نظرية المعنى. والمعنى اللغوي هو العلاقة التي تتحقق باتحاد عنصري العلامة اللغوية، أي: الدال والمدلول. اللذين يوجد بينهما تلاحم وثيق." وقد شبههما دي سوسور بورقة ذات وجهين : أحدهما هو الدال والآخر هو المدلول . فلا يمكن تمزيق أحد الوجهين دون تمزيق الآخر.أي : لا يمكن فصل الدال عن المدلول أو العكس." ([1])فهذا المستوى إذًا يدرس دلالات العناصر اللغوية أو المفردات. ومن الصعب تحديد دلالة الكلمة، ذلك أن الدلالة لا تقتصر على مدلول الكلمة فقط، وإنما تحتوي على كل المعاني التي يمكن أن تتخذها ضمن السياق اللغوي إذ انّ المفردات- في الحقيقة- لا تحمل في ذاتها دلالة مطلقة إنما تتحقق دلالتها انطلاقا من السياق الذي تظهر فيه الكلمة([2])

علم الدلالة هو العلم الذي يتناول المعنى بالدراسة أو هو " ذلك الفرع من علم اللغة الذي يتناول نظرية المعنى، أو ذلك الفرع الذي يدرس الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادرا على حمل المعنى.. فيكون موضوع علم الدلالة متعلقا بدراسة الرموز وأنظمتها حتى ما كان منها خارج نطاق اللغة .فإنه يركز على اللغة من بين أنظمة الرموز، باعتبارها ذاتأهمية خاصة بالنسبة للإنسان ... ولا يمكن فصل علم الدلالة عن غيره من فروع علم اللغة . فكما تستعين علوم اللغة الأخرى بالدلالة للقيام بتحليلاتها، يحتاج علم الدلالة- لأداء وظيفته- إلى الاستعانة بهذه العلوم.فلكي يحدد الشخص معنى الحدث الكلامي لابد أن يقوم بملاحظات تشمل الجانب الصوتي، والتركيب الصرفي للكلمة  والجانب النحوي(أي: وظيفة الكلمة داخل الجملة والمعنى المعجمي، والتعابير التي لا تفهم بمجرد تفسير كل كلمة من كلماتها..."([3]) وعلم الدلالة هو وسيلة لعرض معنى الملفوظات. وعلى نظرية علم الدلالة أن تضع في الحسبان القواعد العامة التي توفر شروط التمثيلات الدلالية للملفوظات.([4])وللدّلالة مكان أيضا في تاريخالدراسات المورفولوجيةوالفونولوجية.فالمعروف تقليديا أنّ الفونيمات(الأصوات) وحدات صغرى مجردة من المعنى. والمورفيمات(الكلمات) وحدات صغرى ذات معنى. ([5]) 

      إن مدار هذا العلم على المعنى، وكل بحوثه تدور في فلكه مهما اختلفت طرائقها وتنوعت أساليبها." فالمعنى مجال يجذب إليه كل المهتمين بدراسة الأحداث اللغوية، من علماء اللغة والفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا والأدب وغيرهم. فالفلسفة تتناول مشكلة المعنى في مبحث "نظرية المعرفة أو الابستمولوجيا" وهي تدخل إلى هذه المشكلة من مدخل العلاقة بين الألفاظ والمعاني وطبيعة هذه العلاقة؛ والمعنى في الفلسفة هو معنى ذهني؛ أما المعنى عند اللغويين فهو علاقة اعتباطية عرفية يحددها الاتفاق الجماعي، وهم يركزون اهتمامهم على(المعنى الوظيفي)؛ وعلم النفس يهمّه التكوين النفسي للفرد مثل الإدراك ودراسة السلوك اللغوي، وكيفية اكتساب اللغة وطرق تعلمها؛ أمّا الأدباء والنقاد فهم يهتمون بالوسائل الفنية في التعبير عن الفكر، ومن ثم فهم يبحثون في الحقيقة والمجاز والصور الشعرية وغير ذلك .كما أنّ الدراسة الدلالية لها تطبيقات كثيرة نراها في مجالات الطب النفسي وتعليم اللغات القومية والأجنبية وإعداد الخطب السياسية وتصميم الإعلانات التجارية..إلخ." ([6])

وبتعدد أشكال البحث في المعنى، ظهرت نظريات عديدة بتعريفاتها المختلفة ، وتبعا لهذا الاختلاف تباينت مناهج دراسة المعنى لدى اللغويين وذهب بعضهم إلى إبعاده من ميدان البحث اللغوي كما فعلت مدرسة بلومفيلد السلوكية وأتباعها، إذ اعتمدت على ملاحظة الأحداث الكلامية باعتبار اللغة - في نظر هذه المدرسة - سلوكا ظاهرا مبدؤه الإثارة والاستجابة بين المتكلم والسامع وبذلك أهملت ما هو ذهني تجريدي، ومنه المعنى.

         غير أنّ بلومفيلد لم يكن يرفض المعنى رفضا كليا ولم يكن يتجاهله، كما ظنّ البعض، فما كان ذلك منه إلاّ تعبيرا عن حرصه على الدراسة العلمية للغة. "وقد استاء عموما من الإيحاء بأنه هو أو أيّ مجموعة أخرى ذات شأن من اللغويين، قد تجاهلوا المعنى أوسعوا لدراسة اللغة دون وضع المعنى في الاعتبار. وكان ما طرحه هو أن التحليل الدلالي لا يمكن أن يطمح للوصول بأي حالة للدقة العلمية المتاحة للتحليل الشكلي للمادة اللغوية كما تلاحظ وتسجّل ، وأنّ أيّ تحليل للمعاني يتطلب معرفة واسعة من خارج علم اللغة نفسه، وأنّ المعاني الصحيحة أو المفترضة لا يمكن أن تستعمل بشكل صحيح بوصفها معايير في الخطوات التحليلية .لهذه الأسباب فقط ، ولصعوبة الوصول للدقة فإن التحليل يخفق ، وبذلك تخفق المعايير" ([7])

هذا عن مجال علم الدلالة وميدانه ، أمّا ظهوره لأوّل مرة كمصطلح علمي فيعود الفضل في ذلك إلى اللغوي الفرنسي " ميشال بريال(Michel-Bréal)، " فلقد كان أول من فطن إلى المصطلح (Sémantique) وذلك في سنة 1983  قاصدا به (علم المعنى ) أو علم الدلالة كما بدا لنفر من علمائنا اللغويين العرب أن يترجموا بـ (الدلالة) اللفظ الأعجمي ، وقد كتب هذا العالم رسالة درس فيها "الدلالة" في جملة من اللغات الهندية الأوربية كاللاتينية والسنسكريتية وغيرهما وقد نشرت هذه الرسالة في سنة 1897 وشاعت واستقبلها الباحثون استقبالا حسنا.. وفي القرن العشرين اتّسع البحث في المعنى والدلالة واتّضحت المناهج فيه .فإذا كان (بريال: M.Bréal) أول من لفت الأنظار إلى الموضوع في رسالته المسماة (Essai de sémantique) فإنه قد توصل إلى قواعد عامة في تطور الدلالة لا تخرج عن الناحية التاريخية . غير أنّ الباحثين الذين جاؤوا من بعده قد فطنوا إلى الناحية الاجتماعية في تطوّر المعنى ، كما فطنوا إلى العوامل الإنسانية في هذا التطور، والعوامل الخارجية .وفي هذا المنهج جرى (أوجدن C.K .Ogden ) وريتشاردز (  I.A. Richards) فقد كتبا في سنة 1923  كتابهما المشهور  (معنى المعنى) : (The meaning of the meaning) وبحثا فيه مسألة الدلالة وتطور المعنى من الناحيتين: الاجتماعية والنفسية ، فبيّنا علاقة الشعور والعاطفة والإرادة والسلوك في تطور المعنى. كما اهتمّ الأمريكيون في الفترة الأخيرة بدراسة موضوع الدلالة حتى أدّى بهم هذا الاهتمام إلى كثرة الباحثين فكثرت الدراسات" ([8])

 ولا يخلو التراث اللغوي العربي من مثل هذه البحوث والدراسات الدلالية، فلقد اهتم علماء العربية بالمعنى ودراسته ووقفوا عنده وقفات جديرة بإمعان النظر فيها لما لها من قيمة علمية." ولقد تجلّى هذا الشكل المنظّم من الدراسة اللغوية وخاصة البحوث الدلالية في حضارتنا العربية الإسلامية قبل قرون من ظهوره في العقود الأخيرة في الحضارة الغربية المعاصرة التي بهرجت فأنست وخلبت فاستأصلت وأجادت فسلبت واحتكرت كل طريف وبديع ، حتى كأنه لم يعرف عند غيرها من الأمم على تعاقب الحضارات تراكم المعارف الإنسانية. ومن المخالف لسنن الكون أن يظهر شيء لأوّل مرة مكتملا.." ([9]) ويتأكد لنا هذا القول للدكتور محمد العيد رتيمة عندما نستذكر ما كتبه علماء العربية من بحوث وما أقاموه من دراسات حول فهم القرآن الكريم والحديث الشريف. وقد امتدت هذه البحوث قرونا عديدة بعد نزول القرآن كانت بدايتها منذ القرن الثاني الهجري مع أبي عمرو بن العلاء والأصمعي، وبعدهما أبو عبيدة الذي بحث في (مجاز القرآن) وابن قتيبة في (مشكل القرآن) وغيره. وتبع هؤلاء كثير من العلماء في كل عصر ومصر، من أبرزهم ابن جني في الخصائص، وابن فارس في معجمه (مقاييس اللغة) والزمخشري في معجمه (أساس البلاغة). وغيرهم.. ولكلّ طريقته في دراسة المعنى: فابن جني اشتهر بمبدأ تقاليب المادة الواحدة بحيث تنتج عدة مواد ذات معنى متقارب أو متحد: وابن فارس اشتهر بجمع المعاني المشتركة للمادة الواحدة تحت معنى واحد، وسمى المعاني أصولا. والزمخشري اشتهر بتمييز المعنى الحقيقي من المعنى المجازي للمادة الواحدة..وغيرهم كثير من العلماء الذين تناولوا المعـنى ولا سيما الفلاسفة وعلماء الأصول.

 وبحث الدلالة عند الفلاسفة المتقدمين كالفارابي وابن سينا والغزالي" ينحصر على الدلالة اللفظية..فالدلالة بنظرهم تتناول اللفظة والأثر النفسي، أي ما يسمى الذهنية والأمر الخارجي.أما الكتابة فهي لا شك تدخل بعين الاعتبار إذ إنها دالة على الألفاظ لكن دورها ليس ضروريا عند ابن سينا خلافا لأرسطو." ([10]) أمّا أنواع الدلالات عندهم فتتمثل في الدلالة العقلية وتقتصر على دلالة الأثر على المؤثر كدلالة الدخان على النار، وما شابه ذلك.. والدلالة الطبيعية التي يشوبها الالتباس : وهي دلالة يجد العقل [فيها] بين الدال والمدلول علاقة طبيعية ينتقل لأجلها منه إليه، كدلالة الحمرة على الخجل والصفرة على الوجل..([11])

والدلالة عند علماء الأصول ثلاثة أنواع : دلالة مطابقة، ودلالة تضمّن، و دلالة التزام. فدلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على كلّ مسمّاه، كدلالة لفظ البيت على جميعه؛ ودلالة التضمّن: هي دلالة اللفظ على جزء مسمّاه، كدلالة لفظ البيت على سقفه؛ ودلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على لازم مسمّاه، كدلالة السقف علىالجدار([12])

 ومن علماء الأصول ابن القيم الذي اهتم كثيرا بالمعنى ودلالة الألفاظ والتراكيب سواء أكان ذلك في أثناء تفسيره للقرآن الكريم أو شرحه للحديث الشريف أو لأقوال العلماء من الفقهاء والنحاة وغيرهم. وفيما يأتي سأورد أمثلة عن آرائه ضمن هذا المستوى مبيّنا قيمة هذه الآراء في ضوء الدراسات اللغوية الحديثة .

أنواع الدلالة : "المطابقة والتضمّن والالتزام"

لنبدأ الكلام على هذه الأنواع من الدلالة عنده ، من خلال تناوله لأسماء الله الحسنى إذ يقول: " إنّ الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة ، فإنه يدل دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم . فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن وكذلك على الذات المجردة عن الصفة، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم." ([13]) وعلى هذا يكون اسم "السميع" يدل على ذات الرب وسمعه دلالة مطابقة (أي: دلالة اللفظ على كامل مسمّاه) ويدل على ذات وحدها ، وعلى السمع وحده دلالة تضمن (أي: دلالة اللفظ على جزء مسمّاه.) ويدل على اسم الحي وصفة الحياة بالالتزام (أي: دلالة اللفظ على لازم مسمّاه) وكذلك سائر أسمائه وصفاته ، ولكن الناس يتفاوتون في معرفة اللزوم وعدمه ، ومن ههنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام فإنّ اسم " العظيم " له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها . وكذلك اسم"العلي" واسم"الحكيم" وسائر أسمائه ، فإن من لوازم اسم "العليّ" العلوّ المطلق..وكذلك اسمه " الظاهر" ألاّ يكون فوقه شيء ؛ واسم "الحكيم" من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ووضعه الأشياء في مواضعها ، وإيقاعها على أحسن الوجوه.واسم "الله" دالّ على جميع الأسماء الحسنى والصفات العليا بالدلالات الثلاث."([14]) ونجد هذه العلاقات عند جون ليونز في كلامه عن علاقة الاشتمال والتضمن (Hyponymie) ويعرّفها بأن تكون الكلمة متضمّنة للأخرى، كما يتكلم عن علاقة الجزء بالكل وهي أن تكون الكلمة جزءا من الأخرى. وقد تناول هذه العلاقات ضمن علاقات علم الدلالة التركيبي ([15]) وهو ما نجده عند ابن القيم بوضوح .

 الفرق بين الدلالة والاستدلال

تكلم ابن القيم كثيرا عن المعنى والدلالة ونظر إليهما من جهات عدّة. فهو هنا يفرّق بين الدلالة والاستدلال و يرى أنهما متغايران إذ إن " الاستدلال شيء والدلالة شيء آخر، فلا يلزم من الغلط في أحدهما الغلط في الآخر . فقد يغلط في الاستدلال والدلالة صحيحة، كما يستدل بنص منسوخ، أو مخصوص على حكم فهو دال عليه تناولا، والغلط في الاستدلال لا في الدلالة وعكسه، كما إذا استدللنا للحيضة الظاهرة على براءة اللحم فحكمنا بحلّها للزوج ، ثم بانت حاملا، فالغلط هنا وقع في الدلالة نفسها لا في الاستدلال." ([16])  فالاستدلال غير الدلالة عنده وقد يكون أحدهما صحيحا والآخر عكس ذلك. ويفهم من قوله أن الغلط في الاستدلال راجع إلى تطور الدلالة، أمّا الغلط في الدلالة فراجع إلى الخطأ في فهم الإنسان لها. وعلى هذا يكون الاستدلال مبنيا على الدلالة وليس العكس، وكأنّ الدلالة هي الأصل والاستدلال فرع عليها.

شروط الـمجـاز

يضع ابن القيم شروطا لاستعمال اللفظ استعمالا مجازيا.فإن لم تتحقق هذه الشروط أسيء الاستعمال المجازي للّفظ، إذْ يقول في ذلك: "من ادّعى صرف اللفظ عن ظاهره إلى مجازه لم يتمّ له ذلك إلاّ بعد أربع مقامات: أحدها  بيان امتناع إرادة الحقيقة. والثاني: بيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى الذي عيّنه، وإلاّ كان مفتريا على اللّغة. والثالث: بيان تعيين ذلك المجمل إن كان له عدة مجازات. والرابع: الجواز عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة . فما لم يقم بهذه الأمور الأربعة كانت دعواه صرف اللفظ عن ظاهرة دعوى باطلة." ([17])

  يضع ابن القيم شروطا لاستعمال اللّفظ مجازا . أوّلها: أن لا يكون اللفظ مستعملا في الحقيقة ؛ والثاني: أن يكون اللفظ مناسبا للدلالة على المعنى الذي وضع له في إطار العرف اللغويّ، والاستعمال المتداول؛ والثالث: تمييز المعنى المجازي المقصود باللّفظ وعدم تركه مجملا محتملا لعدة معان أخر؛ والشرط الرابع: هو تعليـل عدم دلالة هذا اللفظ على الحقيقة.

فهذه الشروط - في رأي ابن القيم تؤدّي إلى المعنى الصحيح المراد من النص. ولا سيما النص القرآني. فهي المعالم التي يهتدى بها إلى فهم المعنى بعيدا عن الخطأ في التأويل.

وفي موضع آخر يقول في المسألة نفسها : " ...لابدّ من ضابط للقيود التي تجعل اللفظ مجازا، والقيود التي لا تخرجه عن حقيقته ، ولن يجد مدّعو المجاز إلى ضابط مستقيم سبيلا البتّـة. فمن كان لديه شيء فليذكره." ([18])

يظهر من كلامه هذا أن تحوّل اللفظ من الحقيقة إلى المجاز له ضوابط، هي التي ذكرناها، غير أنّها ليست ثابتة ولا كافية في كلّ الحالات. فمن غير الممكن تحديد الاستعمال المجازي وضبطه لارتباطه بذهن المتكلم، وعدم ظهوره مثل الحقيقة، وعليه، فإنه لابد حسب رأيه من ربط المجاز بالحقيقة والاستعمال ليفهم من خلال ذلك لا على إطلاقه.

 ألفـاظ العمـوم

دلالة العموم والخصوص من المسائل المشهورة لدى الفقهاء ، وهي مما اختلفوا فيه عند استنباط الأحكام من النصوص. وقد تناول ابن القيم هذه المسألة في مواضع عديدة نذكره منها هنا ما ذكره عن دلالة العموم التي تؤديها بعض الألفاظ كلفظ النّكرة إذ يقول  بأنّ " النكرة في سياق النفي تعمّ ، كما في قــوله تعالى }ولا يظلم ربك أحدًا{  [الكهف/49] وقوله تعالى } فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين{ [السجدة/17]. وفي الاستفهام كقوله تعالى  }هل تعلم له سميا{  [مريم/ 26] وقوله تعالى } وإن أحد من المشركين استجارك { [التوبة /6] وفي النهي كقوله تعالى } ولا يلتفت منكم أحد{ [هود/81] وفي سياق الإثبات بعموم العامة والمقتضى، كقوله تعالى } علمت نفس ما أحضرت { [التكوير/14] وإذا أضيف إليها "كلّ" نحو قوله تعالى  }وجاءت كلّ نفس { [ق /21] وعن عمومها بعموم المقتضى قوله تعالى } ونفس وما سـواها{[الشمس/7]." ([19])

هذا عن الحالات والمواضع التي تدلّ فيها النكرة على العموم. أمّا دلالة المعرفة على العموم في رأي ابن القيم فلها مواضع أخرى نوجزها فيما يأتي:

يرى ابن القيم أنّ دلالة المفرد المحلّى باللاّم([20]) تظهر في قوله تعالى} إنّ الإنسان لفي خسر {[العصر/2] وقوله تعالى } سيعلم الكافر  {[الرّعد /42] .  وعموم المفرد المعرّف بالإضافة (المضاف) يظهر في قوله تعالى } وصدّقت بكلمات ربها وكتبه{ [التحريم/12] . وقوله تعالى} هذا كتابنا ينطلق عليكم بالحق  { [الجاثية /29] إذ المراد هنا جميع الكتب التي أحصيت فيها أعمالهم.([21])

في الآيات السابقة دلّت الألفاظ المفردة- المعرّفة بـ (أل) أو بالإضافة على العموم، فكل لفظ منها يعمّ بدلالته الإجمالية. ويتكلم ابن القيم عن عموم لفظ الجمع المحلىّ باللاّم (أي بالألف واللام )كما في قوله تعالى} وإذا الرّسل أقّتت{[المرسلات/11] وقوله }  وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم { [الأحزاب/7]  وقولـه تعـالى}إنّ المسلمين والمسلمات { [الأحزاب/35]  وأماّ المعرّف بالإضافة (أي: المضاف) فدلالته على العموم في مثل قوله تعالى } كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله { [البقرة/285].

ثم ينتقل إلى دلالة الأدوات على العموم ، مثل أسماء الشرط ،كما في قوله تعالى}فمن يعمل الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما { [طه /112]  وقوله تعالى}فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره { [الزلزلة /7] وقوله تعالى }  وما تفعلوا من خير يعلمه الله { [البقرة /197]  وغيرها من الآيات.([22])

فهذه الدلالات عامة مجملة ليست لمعيّن مقصود دون غيره . وهذه القضية (قضيه العموم والخصوص) يقابلها في الدراسات الدلالية الحديثة ما يسمى بالتّطور الدّلالي للكلمات، كتوسيع المعنى وتضييقه. وقد تناول علماء الأصول في هذه القضية دلالات الألفاظ والعبارات، وكان هذا مما اختلفوا فيه.

ويعمد ابن القيم كثيرا إلى القياس في البحث الدّلالي ، ويؤاخذ من ينفونه. ويرى أنّ من الفطرة الأخذ به في الدلالة، ففي قوله تعالى  }  فلا تقل لهما أفّ { [الإسراء/23] ليس المراد النهي عن قول كلمة (أفّ ) فقط وإنمّا المراد هو النهي عن جميع أنواع الأذى . وإذا كان النهي عن أقلّها فمن باب أولى النهي عمّا هو أكثر.([23]) وفي قوله تعالى}إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما { [النساء /10] يشمل جميع وجوه الانتفاع من اللّبس والركوب والمسكن وغيرها.([24])

والخطأ في -رأي ابن القيم- " هو حصر الدلالة في مجرّد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعرفه عند المخاطبين ...فلا يستريب أحد في أنّ من قال لغيره: لا تأكل من هذا الطعام فإنّه مسموم نهي له عن كل طعام كذلك." ([25])ففي قضيّة دلالة اللفظ على العموم أوالخصوص يكون القياس ضروريا عندما يقتضي المقام ذلك.

ومدار القضية على فهم المعنى المراد، وليس كل الناس مهيئين ليفهم بعضهم خطاب البعض حينما يتعلق الأمر بمسائل الفقه والعلم. ولذلك فإنه

لابد من توفر الأسباب لتحقيق هذا الفهم، ومنها كثرة الاطّلاع وسعة الثقافة .وقد كان لابن القيم من هذه الأسباب وغيرها النصيب الأوفر . وهو يؤكّد على هذا الأمر في تفريقه بين فقه مراد المتكلم وفهمه إذ يقول إنّ " الفقه أخص من الفهم، وهو (أي: الفقه) فهم مراد المتكلم من كلامه. وهذا قدر زائد على مجرّد فهم وضع اللفظ في اللّغة ، وبحسب مراتب الناس في هذا تتفاوت مراتبهم في الفقه والفهم." ([26])

وفي أهمية دلالة العموم يقول الدكتور مازن المبارك بأنّ "الألفاظ الدالة على معان عامة سواء في عالم المادة أو عالم المعنويات هي ممّا يحتاج إليه الإنسان في مراحل ارتقائه الفكري. ذلك أنه لابد من إطلاق الأحكام العامة الشاملة لأنواع كثيرة من الموجودات والحوادث والأفعال وتصوير آفاق الكون الواسعة .. وإنّ اللغة العربية سدّت هذه الحاجة إلى الألفاظ العامة وامتدت إلى هذه الآفاق الواسعة وأمدّت المتكلم بما يحتاج إليه من ألفاظ تعبرّ عن المعاني العامة .." ([27])

 تعـدّد الـدّلالات

دلالات الألفاظ عند علماء الأصول متنوعة ومتعددة . ومن ذلك ما أثبته ابن القيم في قوله تعالى }  إنّ رحمة الله قريب من المحسنين  {[الأعراف/56] من تعدّد الدلالات موضحا كل دلالة منها. وهذه الدلالات هي: دلالة المنطوق ودلالة الإيماء والتعليل ودلالة المفهوم. إذ يقول: " له دلالة بمنطوقه ودلالة بإيمائه وتعليله ودلالة بمفهومه . فدلالته بمنطوقه على قرب الرحمة من أهل الإحسان ؛ ودلالته بتعليله وإيمائه على أنّ هذا القرب مستحق بالإحسان، فهو السبب في قرب الرحمة منهم ؛ ودلالته بمفهومه على بعد الرحمة من غير المحسنين . فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة." ([28])

فهذه الآية تحمل ثلاث دلالات: إحداها: ظاهرة من النطق وهي قرب الرحمة من المحسنين؛ والثانية: تتعلق بالعلة والسبب إذ إنّ الإحسان سبب في هذه الرحمة، ويضيف ابن القيم هنا الإيماء، ويعني به ما تشير إليه الآية من تلازم بين الرحمة والإحسان؛ والثالثة:  دلالة المفهوم، وهي ما يدرك من الآية وما يفهم من خلالها إذ إنّ قرب الرحمة من المحسنين يفهم منه بعدها عن غير المحسنين.

 دلالـة الاقتـران

يتكلم ابن القيم عن دلالة الاقتران من خلال تفسيره لقوله تعالى }  واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة دون الجهر من القول { [الأعراف/205].

وقـــوله تعالى } ادعوا ربكم تضرعا وخفية {  [الأعراف/55] فقال : " إن الخيفة اقترنت بالذكر ، والخفية اقترنت بالدعاء ، وهذا من أسرار القرآن مع دلالته على اقتران الخيفة بالدعاء والخفية بالذكر أيضا،  فلم يحتج أن يقول : في الأولى: ادعوا ربكم تضرعا وخفية، فانتظمت كل واحدة من الآيتين للخيفة والخفية والتضرع أحسن انتظام، ودلت على ذلك أكمل دلالة.. وذكر الطمع الذي هو الرجاء في آية الدعاء لأن الدعاء مبني عليه.. وذكر الخوف في آية الذكر لشدة حاجة الخائف إليه فذكر كل آية هو اللائق بها والأولى بها : من الخوف والطمع".([29])

فهنا قرينتان لتحديد الدلالة : قرينة الخيفة (الخوف ) مع الذّكر ، وقرينة الخفية (من الخفاء) مع الدعاء، لأن الذّكر يقتضي الخوف وتجريده منه يوقع في المهالك.  والطمع يقتضي الخفية. هذا، مع دلالة كل قرينة على المعنى الآخر بالتّبادل ، فالذّكر مع الخوف والخفاء ؛ والطّمع مع الخفاء والخوف. وهذا من أسرار القرآن ولطائفه وبدائعه.

 دلالـة السيـاق

يرى أصحاب هذه النظرية (فيرث وأتباعه) أنّ معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة أو الطريقة التي تستعمل بها  أو  الدور الذي تؤديه. فقد صرّح فيرث بأنّ المعنى لا ينكشف إلاّ من خلال تسيـيق الوحدة اللغوية، أي وضعها في سياقات مختلفة. " .. وعلى هذا فدراسة معاني الكلمات تتطلب تحليلا للسياقات والمواقف التي ترد فيها حتى ما كان منها غير لغوي . وجعلوا السياق عدة شعب : كالسياق اللغوي والسياق العاطفي وسياق الموقف والسياق الثقافي.."([30])

وقد اهتم ابن القيم كثيرا بدلالة السياق في معالجته للمسائل اللغوية والنحوية. خاصة في القرآن الكريم، كما هو الشّأن في قوله تعالى } إياك نعبد وإياك نستعين { [الفاتحة /5] إذ يقول بأنّ تقديم المفعول به "إياك" على الفعل [والفاعل] " فيه أدبهم مع الله بتقديم اسمه على فعلهم ؛ وفيه الاهتمام وشدة العناية به؛ وفيه الإيذان بالاختصاص المسمى بالحصر ، فهو في قوة : لا نعبد إلاّ إياك، ولا نستعين إلاّ بك . والحاكم في ذلك ذوق العربية والفقه فيها ،واستقراء موارد استعمال ذلك مقدما. وسيبويه نصّ على الاهتمام به ولم ينف غيره ، ولأنّه يقبح من القائل أن يعتق عشرة أعبد مثلا، ثم يقول لأحدهم : إياك أعتقت. ومن سمعه أنكر ذلك عليه وقال: وغيره أعتقت .

ولولا فهم الاختصاص لما قبح الكلام ولا حسن إنكاره ، وتأمّل قوله تعــالى: }إياّي فارهبون  { [البقرة/40] و }  إيّاي فاتّقون { [البقرة /41].

كيف تجده في قوة :لا ترهبوا غيري،ولاتتّقوا سواي.وكذلك } إياك نعبد وإياك نستعين{ [الفاتحة/5].

هو في قوة : لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك . وكلّ ذي ذوق سليم يفهم هذا الاختصاص من علّة السياق، ولا عبرة بجدل من قلّ فهمه وفتح عليه باب الشّك والتّشكيك. فهؤلاء هم آفـة العلوم وبليّـة الأذهان والفهوم." ([31])

فهذا السياق الذي أشار إليه ابن القيم وبنى عليه فهم هذه الآية هو سياق الموقف أو الحال. فالمؤمنون - وهم يتوجّهون إلى خالقهم - يقتضي منهم هذا الموقف العظيم أن يكونوا في منتهى الأدب مع الله عز وجل . وتقديمهم لاسمه تعالى على أنفسهم فيه دليل على هذا الأدب ؛ كما أنّ هذا التقديم دليل على اهتمامهم وعنايتهم باسم الله وتقديسهم له. وهذا السياق يفرض عليهم تقديمه على أنفسهم. وأمّا السياق الآخر الذي يوجب تقديم اسمه تعالى وتأخير أنفسهم فهو قصدهم للاختصاص (أي اختصاص الخالق بالعبادة) فهم يخصّونه وحده بالعبادة ويحصرون عبادتهم فيه. فكأنهم قالوا : لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. وهذا الموقف أيضا يقتضي تقديم خالقهم على أنفسهم. فإذا كان السياق يتطلّب التقديم، فالتقديم واجب في سنن العرب وهو من بليغ كلامهم ومن دواعي التقديم في العربية الاهتمام بالمقدّم والعناية به واختصاصه بما أسند إليه دون غيره. وفي هذا التقديم رفع اللّبس وإثبات المعنى المراد .ومردّ  ذلك إلى ذوق العربية والفقه فيها.

وأمّا عن استعمال الضمير المنفصل (إياك) دون الضمير المتصل (الكاف) فيرى ابن القيم بأنّ في الضمير المنفصل من الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل: ففي : " إياك قصدت ، وأحببت " ، من الدلالة على معنى : " حقيقتك وذاتك قصدي ." ما ليس في قولك: " قصدتك وأحببتك".ومن هنا قال من قال من النحاة : إنّ "إيّا" اسم ظاهر مضاف إلى الضمير المتصل ، ولم يردّ عليه بردّ شاف. وفي إعادة " إياك" مرة أخرى دلالة على تعلّق هذه الأمور بكل واحد من الفعلين . ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه . فإذا قلت لملك مثلا: "إياّك أحبّ وإياّك أخاف" كان فيه من اختصاص الحبّ والخوف بذاته ، والاهتمام بذكره ، ما ليس في قولك : إيّاك أحب وأخاف.([32])

فالسياق يقتضي إعادة الضمير مرّتين للدلالة على قوة هذا الاهتمام والاختصاص. ونسبة العبادة والاستعانة إلى الخالق .وحصر كل ذلك فيه هو دون غيره . وهو من سياق الموقف الذي " لا غنى عنه لفهم الألفاظ." ([33])

الدّال والمدلـول والدّليل

يقول دي سوسور في محاضراته تحت عنوان : "طبيعة الدليل اللغوي" ، وهو يجمع بين الجوانب الثلاثة: الدال والمدلول والدليل : " نسميّ دليلا لغويا الاتحاد الحاصل بين الصوت والصورة الأكوستيكية ... ونقترح أن نحتفظ باسم (الدليل) ونستبدل الصوت والصورة الأكوستيكية بالدال والمدلول ... والعلاقة التي تجمع بين الدال والمدلول هي علاقة اعتباطية .. ونستطيع أن نقول ببساطة إن الدليل اللغوي اعتباطي. وبما أنّنا نعني بالدليل مجموع ما يترتب على اشتراك الدّالّ مع المدلول فإنّنا نستطيع أن نقول ببساطة إنّ الدّليل اللغوي هو اعتباطيّ. " ([34])

فالكلام عن التبليغ في اللغة لابد أن يمرّ عبر هذه العناصر الثلاثة التي تتكامل فيما بينها، إذ أنها تمثل الشكل والمعنى ومؤدّاهما. والوحدات اللغوية التي تحمل المعاني المراد تبليغها تسمىّ أدلّـة لغوية أو علامات أو رموزا أو إشارات لغوية " والدليل اللغـوي (Le signe Linguistique) هو وحدة مكونة من شكل يسمى(الدال) ومعنى يسمى (المدلول). فالدال هو الصورة الصوتية للدليل ويأخذ شكل سلسلة من الأصوات مثل: "بقرة" والخاصية الأساسية للدليل أنه اعتباط: وهذا يعني أن تكوين شكله لا يخضع لقواعد تركيبة تمكّن من تحديده انطلاقا من معناه"فالحيوان الأليف الذي يأكل العشب ويعطينا لبنه، لم يسمّه العرب بقرة إلاّ اصطلاحا؛ فالفرنسيون سمّوه: (فاش:Vache)مستعملين فاء مجهورة وفتحة وحرف الشين؛ والإنجليزيون سمّوه: (كاو: Cow) ولا علاقة البتة بين هذه الأشكال والمدلول الذي هو واحد في هذه اللغات." ([35])

فالانتقال من المستوى الصوتي إلى المستوى الصرفي أو الإفرادي (مستوى الكلمات) لا يتم وفق قواعد محددة، أي أننا لا نملك أيّ نحو يحدّد تركيب الكلمات . بينما تتكوّن الجمل انطلاقا من الكلمات وفق قواعد يحاول النحويون وضعها وتبسيطها.([36]) واللغة عند دي سوسور نظام من الأدلة. والدليل ليس شيئا يأخذ مكان شيء آخر، ولكنه علاقة وصلة بين شيئين. فالدليل اللغوي يجمع بين معنى وصورة صوتية، أي بين دالّ ومدلول ([37])لكن صفة الدليل لا تتوفر في كل الوحدات اللغوية إلاّ ما كان منها حاملا لمعنى. "فنسمي عبارة (عندي ألم في رأسي) دليلا لغويا، كما نطلق هذه التسمية على كل جزء من هذه العبارة إذا كان يؤدي معنى محددا، مثل (ألم) أو (رأس) وكل دليل لغوي له مدلوله Signifieأي: معناه أو قيمته، كما أنّ لكل دليل لغوي دالاّ Signifiant نستطيع بواسطته إظهار الدليل." ([38])

فالوحدات الصغرى التي لا تحمل أية دلالة ليست أدلة لغوية.  وكل وحدة تحمل معنى نطلق عليها دليلا لغويا.

وهذه المسألة كانت مما تناوله القدماء بالبحث ومنهم علماء الأصول على الخصوص. فلقد موضوع الدلالة كان من أهمّ المواضيع التي حظيت بعنايتهم ، ومن هؤلاء ابن القيم الذي تكلّم في هذه المسألة كلاما مستفيضا في ردّه على المتكلمين الذين قالوا بأنّ الاسم هو المسمّى. وعليه فاسم الله هو ذاته، وقد انطلق في ذلك من لفظ (زيد) وما يدل عليه قائلا: إنّ " اللفظ المؤلف من الزّاي والياء والدال مثلا له حقيقة متميزة متحصّلة فاستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه، لأنه شيء موجود في اللسان مسموع بالآذان ، فاللفظ المؤلف من (همزة الوصل، والسين ، والميم) عبارة عن اللفظ المؤلف من (الزّاي والياء والدال مثلا) واللفظ المؤلف من (الزّاي والياء والدال عبارة عن الشخص الموجود في الأعيان والأذهان ) وهو المسمّى والمعنى. واللفظ الدال عليه (الذي هو: الزّاي والياء والدال) هو الاسم. وهذا اللفظ أيضا قد صار مسمى من حيث كان لفظ الهمزة والسين والميم عبارة عنه. فقد بان لك أنّ الاسم في أصل الوضع ليس هو المسمى . ولهذا تقول: سميت هذا الشخص بهذا الاسم. كما تقول : حلّيته بهذه الحلية . والحلية غير المحلّى . فكذلك الاسم غير المسمّى." ([39])

لقد ذكر ابن القيم أنّ الاسم غير المسمى : أي أن الدال غير المدلول . وقال بأنّ لفظ (زيد) وهو الدال له لفظ يدل عليه وهو كلمة (اسم) ثم قال بأنّ الدال (زيد) له مدلوله وهو (الشخص الموجود في الأعيان والأذهان) وهو المسمى و المعنى .فلفظ (زيد) هو الصورة الصوتية للدليل ، والشخص المسمى والمقصود بهذا اللفظ هو مدلوله . وأمّا الدليل فهو ما أطلق عليه ابن القيم هنا : الاسم أو الحلية بقوله: (سميته بهذا الاسم ، أو حلّيته بهذه الحلية) ، فهذا الاسم أو الحلية هو الجامع بين الدال والمدلول. ونوضح هذا على النحو الآتي :

 - زيــــد                         çدالّ (صورة صوتية)

- الشخص المسمى         ç مدلول

- الاسم أو الحلية ç دليل

         ويزيد ابن القيم هذه القضية -الكلاميّة الجدليّة - توضيحا فيقول  بأنّ سيبويه صرّح بأنّ الاسم والمسمى ليسا شيئا واحدا، وأنّ من نسبوا إليه غير هذا قد غلطوا وغرّهم في ذلك قوله : " الأفعال أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء" ([40]) وأشار ابن القيم إلى أن في كتاب سيبويه أكثر من ألف موضع ذكر فيها أنّ الاسم هو اللفظ الدال على المسمى .وبعد ذلك يقول مثبتا أنّ الاسم غير المسمى بأنك تقول سميت زيدا  بهذا الاسم كما تقول علّمته بهذه العلامة.. وما قال نحويّ قطّ ولا عربي أنّ الاسم هو المسمى.. واستشهد بقول العرب: (مسمىّ هذا الاسم كذا) (وهذا الرجل مسمّى بزيد) ولا يقولون :(هذا الرجل اسم زيد) ويقولون : (بسم الله) ولا يقولون (بمسمىّ الله)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لي خمسة أسماء" ([41]) وقال :" تسمّوا باسمي" ([42]) ولا يصح أن يقال : "تسمّوا بمسمّياتي " و " لله تسعة وتسعون اسما". ولا يصحّ أن يقال : تسعة وتسعون مسمى. فقد ظهر الفرق بين الاسم والمسمى وبقي هاهنا "التّسمية" وهي عبارة عن فعل المسمّى ووضعه الاسم للمسمّى. كما أنّ التّحلية عبارة عن فعل المحلّي ووضعه الحلية على المحلّى. فهنا ثلاث حقائق كما قال ابن القيم: (اسم ومسمى وتسمية ، كحلية ومحلّى وتحلية ، وعلامة ومعلّم وتعليم ) ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد لتباين حقائقها.([43])

هكذا يوضح ابن القيم أنّ هناك عدة حقائق في هذه القضية . وقد استعمل مصطلحات تناسب الطريقة التي يريدها في الردّ على من أنكروا ذلك فنجده يستعمل ألفاظ ( الاسم والتّحلية والتعليم ) للتعبير عن (الدّال) ويستعمل ألفاظ ( المسمىّ والمحلّى والمعلّم ) للتعبير عن (المدلول).

ويستعمل ( التّسمية أو الحلية أو العلامة ) للتعبير عما يجمع بينهما وهو (الدّليل) وهي مصطلحات حديثة في لفظها ومفهومها.

 ولولا أنه كان منشغلا بالرّد على المتكلمين، الذين قالوا إنّ أسماء الله صفات. وقادهم هذا إلى أن يقولوا إنّ الاسم هو المسمى. ولو أفرغ جهده في معالجة هذه القضية من وجهة لغوية بحتة لوقفنا من ابن القيم على فوائد جـمّة في مجال الدّلالة ، لكن هذا شأنه في كثير من المسائل اللغوية والنحوية التي ينبغي علينا أن نستخرجها من ضمن مسائل أخرى في الفقه والتفسير وعلم الكلام وغير ذلك . وقد صرّح هو نفسه بهذا الانشغال  عدة مرّات.

ونجده في مواضع أخرى يتناول موضوع الدلالة والدال والمدلول والدليل كقوله في الكلام على حروف العطف بأنّ " الحروف أدلّة على معان في نفس المتكلّم" ([44])

فقوله (أدلّة ) جمع (دليل) ويعني به ما تؤديه حروف المعاني ومنها حروف العطف من معان فهو يشير إلى الدال والمدلول. وهناك مواضع أخرى كثيرة يستعمل فيها ابن القيم هذه المصطلحات الحديثة في زمنه القديم،

 دلالة المذكور على المحذوف بالضـّدية

 الكلام هنا عن الحذف الحاصل في قوله تعالى على لسان نبيه سليمان عليه السلام  } مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين  { [النمل/20] وهو من باب حذف الفعل مع فاعله . وهذا الحذف من بلاغة القرآن إذ أن المذكور يدل على المحذوف . ويوضح ابن القيم ذلك قائلا : " تأمّل كيف تجد المعنى : أحضر، أم كان من الغائبين. وهذا يظهر كلّ الظهور فيما إذا كان الذي دخلت عليه (أم) له ضدّ. وقد حصل التّردّد بينهما. فإذا ذكر أحدهما استغني به عن ذكر الآخر، لأنّ الضّد يخطر بالقلب وهو عند شعوره بضدّه. فإذا قلت: مالي لا أرى زيدا أم هو في الأموات؟ كان المعنى الذي لا معنى للكلام سواه: أحيّ هو أم في الأموات. وهذا من باب الاكتفاء عن غير الأهم بذكر الأهم لدلالته عليه. فأحدهما مذكور صريحا والآخر ضمنا ولذلك أمثلة في القرآن يحذف منها الشيء للعلم بموضعه .." ([45])

فالمحذوف هنا هو (أحضر) وهو حذف جملة فعلية من الجملة الأصلية التي تسمى في نظرية تشو مسكي بالجملة النواة التوليدية ، وهي الجملة الفعلية : (أحضر أم كان من الغائبين) . والملاحظ أن الحذف هنا جاء لغرض الإيجاز إذ بقيت الجملة النواة تحمل نفس الدلالة غير أن هذا الحذف جعلها جملة تحويلية. والغرض من التحويل فيها هو الإيجاز والبلاغة. وهو ما تتميز به العربية. وكلام ابن القيم عن الحذف كثير في مؤلفاته خاصة ما يتعلق بالقرآن الكريم وبلاغته المعجزة.

 المطلـق والمقـيّد

مما يدخل ضمن دلالة الألفاظ استعمال بعضها مقيدا وبعضها مطلقا. وهذا من أهم المواضيع التي تناولها علماء اللغة وعلماء الأصول على الخصوص. 

وقد تعرض ابن القيم لقضية المطلق والمقيد مبينا الفرق بينهما ، قائلا بأنّ هذا الباب مهمّ عظيم النفع في الفهم ومراتب اللغة. ففي قوله تعالى }  وأنبتنا عليه شجرة من يقطين { [الصافات/146] قال : شجرة من يقطين. والشجرة ماله ساق ، واليقطين كل شجر لا يقوم على ساق. ويوضح ابن القيم ذلك قائلا بأنّ الشجر إذا أطلق كان ماله ساق يقوم عليه، وإذا قيّـد بشيء تقيّد به.([46])

ويتكلم ابن القيم عن أسماء الله الحسنى التي هي أسماء له وصفات، ويرى أن اللفظ في أسماء تعالى- إذا كان ممّا يمدح به فإنه لا يجوز إطلاقه إلاّ مقيدا فهو الذي أطلقه على نفسه كما في قوله تعالى }  فعاّل لما يريد { [البروج /16]  وقوله تعالى } صنع الله الذي أتقن كل شيء {  [النمل/88] فالفعال والصانع هنا لفظ مقيّد.([47])

وممّا يوضح هذا التقيـيد قوله:" إنّ أسماء الرب تبارك وتعالـى دالة على صفات كماله  فهي مشتقة من الصفات، فهي أسماء وهي أوصاف ... ولو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسـغ أن يخبر عنه بأفعالـها." ([48])

 اللفظ بين الحقيـقة والمجـاز

لابن القيم وقفات كثيرة عند الآيات التي تصدّى فيها للفرق الكلامية في نسبة الأفعال إلى الله، ومن ذلك دلالة الفعل (كلّم ) في قوله تعالى  }  وكلّم الله موسى تكليما{ [النساء /163] إذ  انّ المعطّلة والجهمية والمعتزلة ومن ذهب مذهبهم كانوايرون أنّ التكليم هنا من الإلهام والإشارة أو الدلالة على معنى نفسي آخر غير التكليم الحقيقي.

فلفظ التكليم عندهم هو على سبيل المجاز لا الحقيقة. وهذا ما يردّه عليهم ابن القيم الذي يرى أنّ التكليم ههنا حقيقي وفي ذلك يقول : " تكليم الله عز وجل لعبده يقظة بلا واسطة، بل منه إليه، وهذه أعلى مراتبها، قال تعالى}  وكلّم الله موسى تكـليما { [النساء/163]  فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده ثم خصّ موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلّمه، وهذا يدل على أنّ التكليم الذي حصل له أخصّ من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية. ثم أكّده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر (كلّم) وهو (التّكليم) رفعا لما توهمّه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنّه إلهام أو إشارة أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التّكليم . فأكّده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز. قال الفراء: العرب تسمّي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأيّ طريق وصل ، ولكن لا تحقّقه بالمصدر، فإذا حقّقته بالمصدر لم يكن إلاّ حقيقة الكلام، كالإرادة  يقال: فلان أراد إرادة  يريدون حقيقة الإرادة. ويقال : أراد الجدار، ولا يقال : إرادة. لأنه مجاز غير حقيقة." ([49])

هكذا يثبت ابن القيم أن تكليم الله لموسى كان حقيقة لا مجازا ، والقرينة الدالة على ذلك من الآية سبقه كلامه عن الوحي إلى نوح والنبيين ، ثم خص موسى بالتكليم . أما من حيث اللغة فالفعل إذا تم تأكيده بمصدر كان دالا على الحقيقة لا على المجاز .

الأضـداد

قضية الأضداد من القضايا اللغوية التي اهتم بها علماء العربية اهتماما بالغا.  وقد اختلفوا فيها اختلافا بيّـنا أدّى إلى تعميق البحث وتوسيعه في هذه الظاهرة اللغوية . ولابدّ للباحث في تاريخ العربية أن يقف وقفة طويلة على مشكلة الأضداد ليتبيّن حقيقتها في التاريخ اللغوي العربي.

ولقد كتب في هذه القضية كثير من علماء اللغة الأقدمين:كقطرب (ت: 20هـ) والأصمعي (ت: 216هـ) وابن السكيت (ت: 244 هـ) والسجستاني (ت: 255هـ)وغيرهم. و هؤلاء هم السابقون . ثم جاء ت الطبقة التي خلفتهم من علماء القرون التي تعاقبت من بعدهم، ومن علماء القرن الرابع : أبو بكر بن الأنباري (ت328هـ) كتب في الأضداد وأشار إلى اعتماده على كتب هؤلاء المتقدمين. ومن كتب الأضداد في القرن الرابع : كتاب (الأضداد في كلام العرب) لأبي الطيب بن علي الحلبي (ت : 351 هـ). وظل العلماء يؤلفون في هذا الموضوع ففي القرن السادس ألّف فيه ابن الدهان (ت: 569هـ) ، وفي القرن السابع ألّف فيه الصغاني (ت : 650هـ).([50])

ووقع اختلاف بين العلماء قديما بين مثبت للأضداد ومنكر لوجودها في العربية. ولكل منهم حججه وأدلته على مذهبه . ولا يتسع المقام هنا للتّعرض إلى هذا الاختلاف لأنّ الكلام عنه يطول. غير أنّنا نقف هنا عند قول الدكتور أحمد مختار عمر بأنّ الأضداد عند القدماء ليست هي ما يعنـيه علماء اللغة المحدثون من وجود لفظين يختلفان نطقًا ويتضادان معنًى : كالقصير في مقابل الطويل؛ والجميل في مقابل القبيح وإنما نعني بها مفهومها القديم وهو اللفظ المستعمل في معنيين متضادين.([51])

لكننا نجد السيوطي يذكر أنّ أكثر كلامهم يأتي على ضربين : أحدهما : أن يقع اللفظان المختلفان على المعنيين المختلفين ، كقولك : الرجل والمرأة ، والناقة والجمل ، واليوم والليلة، وقام وقعد ، وتكلم وسكت . وهذا هو الكثير الذي لا يحاط به . والضرب الآخر : أن يقع اللفظان المختلفان على المعنى الواحد ، كقولك : البرّ والحنطة ، وجلس وقعد...([52])

وعلى هذا يكون ما اعتبره الدكتور أحمد مختار عمر من قبيل الدراسة الحديثة ونفى وجوده عند القدماء، هو الأكثر عندهم بحيث أنه لا يحاط به كما قال السيوطي .

 ومشكلة الأضداد تحتاج إلى إمعان النظر وتعميق البحث والدراسة فيها واستقصائها من خلال ما تفرّق في التراث العربي عبر قرونه المتعددة.

أما علماء الأصول - ومنهم ابن القيم- فقد اهتموا بهذه القضية اللغوية إذ يرون أنّ مفهومي اللفظ المشترك " إمّا أن يتباينا بأن لا يمكن اجتماعهما في الصدق على شيء واحد : كالحيض والطّهر ، فإنهما مدلولا القرء، ولا يجوز اجتماعهما لواحد في زمن واحد. أو يتواصلا : فإمّا أن يكون أحدهما جزءا من الآخر كالممكن العام للخاص ، أو صفة كالأسود لذي السواد فيمن سمّي به." ([53])

فالأضداد عند علماء الأصول قسمان : قسم يكون فيه معنيان متضادّان للفظ واحد ؛ وقسم يكون فيه أحد معنيي اللفظ جزءا من الآخر أو صفة له.

ومن القسم الأول نذكر ما تناوله ابن القيم وهو يتكلم عن المعنى المراد من بعض الأضداد، إذ أورد لفظ (القرء)، وبيّن أنّ معناه من جانب الشرع هو (الحيض) وليس (الطّهر). فهو ينظر في المعنى المراد من النص . ويأتي لذلك بعدة تعليلات.([54])

ومن القسم الثاني : نذكر مثالا عما أورده ابن القيم، حيث يدل المعنى المذكور على ضدّه. ويكشف ذلك من خلال بعض الآيات التي يفهم منها معنيان: معنى ظاهر من اللفظ، ومعنى آخر هو ضدّه، وهو غير ظاهر لكنه متضمّن فيه. فلا تنفصل دلالة الظاهر على الخفيّ بالضّدية. وقد ذكر ابن القيم ذلك في الآيات التي تتضمّن حمد الله ؛ فحيث ذكر السّلب في حقّه تعالى فهو سلب عيوب ونقائص تتضمّن إثبات أضدادها من الكمالات الثّـبوتية، وإلاّ فالسّلب المحض لا حمد فيه ، ولا مدح ولا كمال.. ففي قوله تعالى }قالوا اتخّذ اللّـه ولدا سبحانه هو الغنـيّ له مـا في السموات وما في الأرض {[يونس / 68 ] حمد نفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمّن لكمال صمديّـته وغناه وملكه وتعبد كلّ شيء له، فاتخاذ الولد ينافي ذلك. وحمد نفسه على عدم الشريك المتضمّن تفرّده بالربوبية والإلهية، وتوحّده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره .. ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم إلاّ إذا كان متضمّنا ثبوت كمال. كما حمد نفسه بكونه لا يموت لتضمّنه كمال حياته . وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة ولا نوم لتضمّن ذلك قيّوميته، إذ قال تعالى } الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. { [البقرة/ 255] فكلّ سلب في القرآن حمد به نفسه فلمضادّته لثبوت ضدّه ، ولتضمّنه كمال ثيوت ضدّه . فعلمت أنّ حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاف الكمال ، وأنّ نفيها نفي لحمده . ونفي الحمد مستلزم لثبوت ضدّه.([55])

فما هو مذكور من صفات السّلب في القرآن في حقّ الله تعالى إنما هو إثبات لضدّه من صفات الإيجاب بل إنّه يستلزمه أي: أنّ المعنى الظاهر في (آيات السّلب) لا يدل إلاّ على ضدّه من المعنى المفهوم غير الظاهر،الذي يتضمّن صفات الكمال. ولا معنى لها سواه.

دلالة الحروف على المعانـي

المناسبة بين الألفاظ ومعانيها باب واسع في العربية وقد تكلم فيه ابن جني (ت:392 هـ) كثيرا. وتكلم فيه ابن القيم كذلك، وأولاه أهمية بالغة. إذ تناوله في غير ما موضع من مؤلفاته على الرغم من أنه أدرجه ضمن قضايا أخرى، في التفسير أحيانا وفي مسائل اللغة أحيانا أخرى. وقد عبر عن سعة هذا الباب وعن عنايته به قائلا : "وهذا أكثر من أن يحاط به ، وإنّ مـدّ الله في العمر وضعت فيه كتابا مستقلا إن شاء الله تعالى." ([56])

ويتكلّم في هذا الباب عن الميم من قولنا: اللّهمّ ([57]) ودلالاتها، فيقول بأنها زيدت للتعظيم والتفخيم،كزيادتها في (زرقم ) لشديد الزرقة ؛ و (ابنم) في الابن ..ويذكر أنّ الميم تدلّ على الجمع وتقتضيه ، ومخرجها يقتضي ذلك. وهذا مطّرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى كما هو مذهب أساطين العربية. ويذكر منهم سيبويه وابن جني ثم يحكي ذلك لابن تيمية فيجده عنده أيضا. ويتلقى عنه فصلا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ. ويذكرأنّ العرب في الغالب يجعلون الضمة (وهي أقوى الحركات) للمعنى الأقوى، والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف ، والمتوسطة للمتوسط وذكر أمثلة كثيرة منها قولهم : الحمل (بكسر الحاء) لما كان قويا مثقلا لحامله على ظهره أورأسه أوغيرهما من أعضائه . و:حَمل  (بفتح الحاء) لما كان خفيفا غير مثقل لحامله كحمل الحيوان وحمل الشجرة به أشبه ففتحوه ([58]) .. ثم قال : "ومثل هذه المعاني يستدعي لطافة ذهن ورقة طبع ولا تتأتّى مع غلظ القلوب والرضى بأوائل مسائل النحو والتصريف دون تأملها وتدربها ، والنظر إلى حكمة الواضع ومتابعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق على أكثر العقول " ([59])

 ثم يذكر أمثلة أخرى على هذا المنوال فيقول : " وانظر إلى تسميتهم الغليظ الجافي (بالعتل) و(الجعظرى) و(جواظ) كيف تجد هذه الألفاظ تنادي ما تحتها من المعاني؛ وانظر إلى تسميتهم الطويل(بالعشنق)،وتأمل اقتضاء هذه الحروف ومناسبتها لمعنى الطويل؛ وتسميتهم القصير(بالبحتر) وموالاتهم من بين ثلاث فتحات في اسم الطويل وهو (العشنق) وإتيانهمبضمتين بينهما سكونفي (البحتر) كيف يقتضي اللفظ الأول انفتاح الفم وانفراج آلات النطق وامتدادها وعدم ركوب بعضها بعضا وفي اسم (البحتر ) الأمر بالضد...ولو أطلقنا عنان القلم في ذلك لطال مداه واستعصى على الضبط.." ([60])

فحرف الميم يدل حسب رأي ابن القيم - على الجمع . واللفظ الذي ينتهي بحرف الميم يحمل أيضا هذه الدلالة كقولنا : (لـمّ الشيء يلمّه) إذا جمعه ؛ ومنه (لـمّ الله شعثـه) أي: جمع ما تفرق من أموره ... إلى غير ذلك من الأمثلة التي أوردها ابن القيم. وهو هنا يتكلم عن الميم المشددة في آخر اللفظ. ولعلّه قد أصاب في هذا الرأي إذ لا يكاد لفظ ينتهي بميم مشددة إلاّ ودلّ على الجمع أو ما في معناه . واللفظ إنما اكتسب هذا المعنى من حرف الميم الذي يدل على الجمع حيثما ورد بهذه الصفة.

لقد تكلم ابن القيم عن دلالة حرف الميم ، وهذا يدخل ضمن علم الفونولوجيا أي : علم وظائف الأصوات؛  كما تكلم عن دلالة اللفظ الذي يشتمل على الميم والمعنى الذي يحمله مهما تعددت صوره. وهذا يدخل ضمن الدراسة المعجمية التي تتناول مختلف المعاني للكلمة ، فكأننا ونحن نتتبع هذه المعاني عند ابن القيم نطالع قاموسا يكشف لنا عن دلالات الكلمات ومعانيها وأسرارها الكامنة فيها.

وفي نهاية الكلام على المستوى الدلالي لابدّ من الإشارة إلى بعض الأمور فيما يتعلّق بالبحث الدلالي عند ابن القيم. وسنحاول إيجازها فيما يأتـي:

- بحكم عناية ابن القيم بالمعنى فإن آراءه لا تكاد تخلو من الإشارة إليه.

- اهتم ابن القيم بدلالة الحرف، ودلالة اللفظ (الكلمة)، ودلالة التركيب (الجملة). وراعى في دلالة الحرف والكلمة مناسبتهما للمعنى ، بينما راعى في دلالة الجملة سياقها الذي ترد فيه.

- تتردّد  كثيرا لدى ابن القيم مصطلحات: " المعنى ، الدلالة ، الدال المدلول ، العلامة، السياق ".. وما في هذا المعنى مما يدل على تركيز بحوثه على الدلالة بأنواعها الصوتية والمعجمية والصرفية والتركيبية.

- اهتم ابن القيم كثيرا بالسياق ولا سيما سياق الموقف أو الحال.

- وهو يراعي حال المتكلم والسامع أثناء التخاطب إذ نراه يشير إلى ذلك كثيرا.

- وإنّ اهتمامه بالمعنى والدلالة والسيـاق جعله يخالف كثيرا من اللغويين والنحاة في نظرتهم إلى اللغـة .

 هذه الأمثلة التي سقتها في هذا المستوى ما هي إلا نماذج تبيـّن مدى اهتمام ابن القيم بالبحث الدلالي- شأن كثير من علماء الأصول- سواء أكان ذلك من خلال تفسيره لآي القرآن الكريم، أو في أثناء معالجته لمختلف المسائل والقضايا اللغوية والنحوية بصفة مستقلة. ويمكن القول إنّ البحث الدلالي من أبرز ما تميّـز الدرس اللغوي عند علماء الأصول.فعلى الباحث في هذا العلْم أن لا يغفل جهود هؤلاء العلماء فيـه، بل نكاد نقول إنّ أيّ بحث دلالي ينبغي أن لا يستغنـى فيه عمّا قدّمه علماء الأصول لأنّ لهم فيـه ما ليس لغيرهم حتى من علماء اللغة أنفسهم.


الإحالات

[1]) - علم اللغة بين القديم والحديث : 204

[2]) - الألسنية (علم اللغة الحديث ) : مبادؤها وأعلامها : 211

[3]) - علم الدلالة : 11-14

[4]Dictionnaire de Linguistique .p. 431  - )[4].

GIULIO.C.Lepchy- La Linguistique Structurale- Petite Bibliotheque Payot- PARIS )1976 ).p.165  -)[5]

[6]) - علم اللغة بين القديم والحديث : 205

[7]) - موجز تاريخ علم اللغة (في الغرب)  342-343.

[8]) - د/ إبراهيم السامرائي : التطور اللغوي (التاريخي) : دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان /ط2 (1401 هـ/1981 م) . 47-48

[9]) - د/ محمد رتيمة : محاضرات مطبوعة في علم الدلالة وفقه اللغة : ألقيت على طلبة الماجستير  بجامعة الجزائر ( 1998-1999 ). ص 2

[10]) - عادل فاخوري : علم الدلالة عند العرب (دراسة مقارنة مع السيمياء الحديثة ): دار الطليعة - بيروت - لبنان ط 1 (1985 م ) ص 7

[11]) - المرجع  نفسـه : ص 15 وما بعدها .

[12]) ابن جزيّ: تقريب الوصول إلى علم الأصول - دار التراث الإسلامي - الجزائر - /ط1 - (1410هـ/1990م) ص 53

[13]) - التفسير القيم : 30

[14]) - المصدر نفسـه: 30-31 وما بعدهما

[15]) - جون ليونز : (الدلالات sémantiques) 1/291 (عن علم الدلالة : 99 وما بعدها )

[16]) - التفسير القيم : 30

[17]) - بدائع الفوائد : 4/372-373

[18]) - المصدر نفسـه: 4/ 372 

[19]-المصدر السابق:   4/ 217  

[20]) - يعني : الألف واللام التي للتعريف .

[21]) - بدائـع الفوائد: 4/217-218

[22]) المصدر السـابق: 4/217-218

[23]) - ينظر  أعلام الموقعين : 1/376 وما بعدها .

[24]) - المصدر نفسـه: 1/240

[25]) - نفسه : 1/377

[26]) السـابق: 1/219

[27]) - فقه اللغة وخصائص العربية : 322

[28]) - بدائع الفوائد : 3/15

[29]) - التفسير القيم : 252-253

[30]) - علم الدلالة : 68-69

[31]) - التفسير القيم : 68 ؛ ومدارج السالكين : 1/88-89

[32]) - ينظر مدارج السالكين: 1/89-90 ؛ والتفسير القيم : 68-69

[33]) - علم اللغة بين القديم والحديث ، 214

[34]) - Cours de Linguistique générale p . 109-110

[35]) - اللسانيات العامة وقضايا العربية : 6-7

[36]) المرجـع السابـق : 7

[37]) - La Linguistique Structurale.p.50.

-[38] Eléments de linguistique générale- p : 15

[39]) - بدائع الفوائد : 1/ 14-15

[40]) - الكتاب : 1/12

[41]) - البخاري في كتاب المناقب: رقم : 3268

[42]) البخـاري في كتاب المناقب: رقـم : 3274 ؛  ومسلم: في الآداب، رقم: 3974 ؛ وأبو داود في الأدب: رقـم: 4313 ؛  وابن ماجة في السنن: رقم: 3725.

[43]) - بدائع الفوائد : 1/15

[44]) - المصدر نفسـه : 1-/172

[45]) - المصدر السـابق : 1/170-171

[46]) - زاد المعاد : 3/195

[47]) - ينظر : طريق الهجرتين : 329

[48]) - التفسير القيم ، 28-29

[49]) - التفسيـر القيـم : 37 ؛ وبدائع الفوائد : 2/248-249

[50]) - التطور اللغوي (التاريخي) : 95-96

[51]) - علم الدلالة : 198-199

[52]) - المزهر في علوم اللغة وأنواعها . 1 / 399

[53]) - المصدر السـابق:  1 /387

[54]) - ينظر زاد المعاد : 4/183 وما بعدها .

[55]) - التفسير القيم : 27

[56]) - جلاء الأفهـام : 71

[57]) - يرجع إلى هذا الموضوع في الفصل الثالث من هذا البحث (آراء تتعلق بالحرف .)

[58]) جلاء الأفهـام: 69

[59]) المصدر نفسـه: 69- 70

[60]) المصدر نفسـه: 69-71