النحو العربي بين التقليد والمناهج اللسانية الحديثةpdf

 

 د. بلقاســم دفـــه            

 جامعةمحمد خيضر بسكرة - الجزائر

 مقدمة :

 إن تعلم قواعد اللغة العربية – وإن كان فيه بعض الصعوبة – ليس بالأمر غير الممكن ؛ فتعلم قوانين وأحكام اللغة يكون ملكة لسانية صحيحة لدى المتكلم. والحقيقة أن اللغة ينبغي أن تصبح ملكة. فالطريق الطبيعي لاكتساب اللغة، هي اللغة نفسها، وليس النحو كقواعد تحفظ عن ظهر قلب، بل اللغة تكتسب بالممارسة، لأن معرفة الأحكام والقوانين النحوية، ليست هي الشيء المهم، وإنما المهم استعمالها بناء على كلام العرب. يقول ابن خلدون : "وهذه الملكة ... إنما تحصل بممارسة كلام العرب، وتقرره على السمع، والتفطن لخواص تركيبه، وليست تحصل بمعرفة القوانين العلمية في ذلك التي استنبطها أهل صناعة البيان. فإن هذه القوانين إنما تفيد علما بذلك اللسان، ولا تفيد حصول الملكة بالفعل في محلها".(1)

 إن المنهجية السائدة في تدريس النحو قديما وحديثا لا تركز على طرائقه ومحتوياته، ولا تنظر إليه على أنه علم غايته تكوين الملكة اللسانية، وإنما هو علم صناعة القواعد النحوية وتلقينها والتركيز على الإعراب باعتباره هو النحو. وقد تسبب هذا في نفور المتعلمين وتذمرهم من درس النحوي. ولعل مبعث التذمر الأساس يتجلى في سببين:

 أولا: يكمن في القائمين بتدريس النحو والبحث فيه، وطبيعة منهجهم في البحث.

 أما السبب الثاني فيكمن في كثرة تفصيلات مسائل النحو و أحكامه وحواشيه التي ملئت بها كتب النحو قديمها وحديثها، مما دفع بعض الباحثين إلى الرد على النحاة وأحكامهم محاولين في ذلك تبسيط ما أنشأوا فيه من صعوبات عسرت أمر تعلمه وتعليمه، ومالت به عن الفائدة المرجوة.

  مجال الدراسات النحوية :

          يتناول النحو نظام بناء الجملة، ودور كل عنصر في هذا البناء، وعلاقة عناصر الجملة بعضها ببعض، وأثر كل عنصر في الآخر، مع الاهتمام بالعلامة الإعرابية. يضاف إلى هذا اهتمام البحث اللساني الحديث على مستوى التركيب (Syntaxe) بدراسة التراكيب الصغرى، نحو: المضاف والمضاف إليه، والصفة والموصوف، والتعبيرات الاصطلاحية، والتعبيرات السياقية.

 وأهم ما يميز بحث الجملة بين القدماء والمحدثين من العرب هو تخلص المحدثين من التأثر بنظرية العامل، واتجاههم إلى الدراسة الوصفية لعناصر الجملة، التي تعتمد على المشافهة (النطق)، ومعرفة دور هذه العناصر في المعنى. ومن ثم أصبح تفسير الظواهر النحوية يقوم على أساس وصفي بدلاً من الاعتماد على الفلسفة والمنطق والتخريجات والتأويلات التي تبعد اللغة عن طابعها إلى علوم وميادين أخرى. والكثير من الباحثين اليوم في علوم اللسان يظنون أن النحو هو الإعراب. والصواب أن النحو أشمل وأعم من الإعراب ؛ فالنحو دراسة للعلاقات التي تربط بين العناصر اللسانية في الجملة الواحدة مع بيان وظائفها. (2)  

 وبعد أن تأخذ الكلمة موقعها من الجملة محققة سلامة البنية الشكلية في الجملة قياساً على ما جاء عن العرب، فإنها ترتبط من حيث المعنى بمركز الجملة. ومركز الجملة أو بؤرتها في الجملة الأصلية أو التوليدية أو التحويلية الفعلية هو الفعل، ولا نقول الفعل والفاعل، وذلك لأنهما كالكلمة الواحدة تحققان ما يسمى التلازم. فالفعل يرتبط بالفعل ويصبح جزءاً منه، وما يضاف منه إلى الجملة من متممات ترتبط بهما ارتباط الدوائر المحيطة بالنواة(3). وذلك كما يظهر من الشكل التوضيحي الآتي:

  

 وتلتقي داخل هذا التركيب كل أنظمة المستويات اللسانية الأخرى من صوتية، وصرفية، ودلالية. وتختلف اللغات في بناء الجمل؛ فلكل لغة نظامها في تركيب العناصر داخل الجملة. ففي العربية مثلاً نجد نوعين من الجمل: فعلية واسمية، في حين أننا نجد في

   الأنكليزية نوعاً واحداً هو الجملة الاسمية. وتتألف الجملة العربية من المسند والمسند إليه. فالمسند في الجملة الفعلية هو الفعل، والمسند إليه هو الفاعل، أو ما يقوم مقامه (نائب الفاعل). أما الاسمية فالمسند إليه هو المبتدأ، والمسند هو الخبر. وقد خصصت الفعلية للتعبير عن الدلالة الزمنية. أما الاسمية فخصصت لبيان العلاقة بين طرفي الإسناد.

 جهود القدماء في تعليم النحو وتيسيره:

 ولا نعتقد أن النحو وحده كفيل بوضع قواعد تنطوي على احتياطات أمان لسلامة القول، بل النحو يساعد على استنباط القواعد والأحكام وصوغها، لتكون معوانا على الأداء اللغوي السليم، لا على أن تكون الأداة لتكوين المبـدع.وهنا يتجلى

 الفـرق بين رأي القدامى والمحدثين. ونتج عن ذلك اجتهادات وجـدال بين النحاة، مما أفضى إلى المزيد من التشدد، ومن القواعد حتى صار النحو معقدا، أو صعب الإحاطة به. ومن هنا نشأت فكرة تيسير النحو وتسهيل مسائله. وهي فكرة أقلقت المعتدلين من علماء العربية. وتعـالت الأصـوات بالدعــوة إلى تخليص النحو من مظاهر الشذوذ والتأويلات، وإلى التخفيف مـن تعـدد احتمالات الإعراب، ومن كثـرة التقديـرات البعيدة، والتفريـع في الأحكام، والشواهد التي حفلت أحيانـا بكثرة الشاذ، والغريب ،والنادر، والمجهول القائل، والمصنوع.

 إن تلك التمحلات التي أشكل بعضها على النحاة أسهمت في نفور بعض الدارسين من النحو بخاصة، ومن المعرفة اللغوية بعامة، مما أقام حاجزا من الجفوة بينهم وبين العربية. وهذا ما دعا فئة من القدامى إلى تيسير النحو وتبسيطه. فصنفوا فيه مختصرات لإدراك أسراره وخصائصه وصولا إلى إتقان العربية واستخدامها في الخطاب العام. ومن هؤلاء أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي، المتوفى سنة 225هـ، في كتابه "مختصر نحو المتعلمين"، وأبو عباس محمد بن يزيد المبرد، المتوفى سنة 285هـ، في كتابه "المدخل في النحو"، ومحمد بن كيسان، المتوفى سنة 299هـ، في كتابه "مختصر في النحو"، وأبو جعفر النحاس، المتوفى سنة 338هـ، في كتابه "التفاحة في النحو"،وأبو بكر الزبيدي، المتوفى سنة 379هـ، في كتابه "الواضح في علم العربية"، وابن مضاء القرطبي، المتوفى سنة 592هـ، في كتابه "الرد على النحاة".

 وللإشارة فإن محتويات هذه المؤلفات لم تكن على درجة واحدة من البساطة أو التعقيد، فهي مختصرات متعددة المستويات، مختلفة المناهج، تدل بجلاء على أن المراحل

  الأولى من مراحل التأليف اللغوي والنحوي لم تخل من نحاة ولغويين ومربين على اختلاف في مستوياتهم العلمية.

 وقد كانوا يسعون لتقريب النحو من المتعلمين علماً منهم أن النحو فيه بعض التعقيد، ولذلك كانوا ينتقون من مواضع النحو المبثوثة في الكتب المفصلة ما يناسب المستويات التعليمية، ويتجنبون التعمق والإطالة، ويستعينون على توضيح القواعد والأحكام بالشواهد البسيطة الواضحة، مع الوقوف على حدود العلة التعليمية والقياسية، وإبعاد العلة الجدلية. وعلى الرغم مما تميزت به بعض المختصرات النحوية من أسس تعليمية مفيدة في عصرها كاختيار الموضوعات والتدرج في ترتيبها وتنسيقها وعرضها وتحليلها، غير أنه يمكن أن تؤخذ عليها طائفة من النقائص، نذكر منها:

 1. اعتماد الدراسة على حفظ المتون والمختصرات .

 2. اهتمامها بالنحو الإفرادي على حساب النحو التركيبي، حيث يبدو النحو منها نحو مفردات، لا نحو تراكيب وأساليب.

 3. العناية بالتحليل الإعرابي، دون التعرض للمعنى.

 4. أنها مختصرات صغيرة الحجم، كثيفة المادة، بعضها مختصر، مفرط في الاختصار، يمكن أن يعتبر ضمن الألغاز كألفية ابن مالك، وبعضها لم يكن منظماً

 بشكل يصلح مباشرة للتدريس، وبخاصة عند النحاة المتأخرين. ولذا فإن المادة التعليمية الموجودة في بعض المختصرات هي مفيدة ومجدية،

 غير أنها  -في نظرنا - بحاجة إلى إعادة ترتيب وفق ما تقتضيه المناهج التربوية واللسانية الحديثة. وبناءً على ذلك يمكن القول أن التفصيل مع التسهيل أفيد وأنجع علمياً من الاختصار مع التعقيد والغموض. فالتسهيل أو التيسير ليس اختصاراً لمعلومات، ولا هو حذف للشروح، ولكنه عرض وتحليل جديد لموضوعات النحو، يمكن بواسطة تحويل المادة اللغوية التي تتضمنها مختصرات النحو إلى مادة لغوية تفيد المتعلم في حياته العملية.

   منهج القدماء في الدراسات النحوية :

          أسس اللغويون العرب القدماء منهجهم على مبدأ التقصي في الواقع اللغوي انطلاقا من معاينة الحدث الكلامي، وتتبع الأداء الكلامي المنجز فعلاً. وميزوا بين الوصف القائم على الملاحظة المباشرة في البيئة اللغوية من ناحية، واستنباط الأحكام

   والعلل من الحدث الكلامي أو المدونة(Corpus) التي تم وصفها من ناحية ثانية. وقد أشار السيوطي في مزهره إلى هذه المنهجية، حيث يقول:"اعلم أن اللغوي شأنه أن ينقل ما نطقت به العرب ولا يتعداه، وأما النحوي فشأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه".(4)              

          وقد نسبت كتب الطبقات إلى الكسائي أنه كان يقول:"إنما النحو قياس يتبع" . ولأبي عثمان المازني، - وهو من أصحاب سيبويه- أنه يقول :"ما قيس على  كلام العرب فهو من كلام العرب، ألا ترى أنك لم تسمع أنت ولا غيرك اسم كل فاعل ولا مفعول، وإنما سمعت بعضها فقست عليه غيره".(5)

          وكان النحاة على تفاوت في اصطناعهم القياس، فمنهم من كان يتوسع فيه، ويقيس على كل ما وصل إليه، ومنهم من كان يتشدد ويتحرج، فلا يقيس إلا على ما كان يرى أنه كثير. وهذا من أهم ما يميز بين مدرستي البصرة والكوفة؛ فالبصرة تسلك نهج المتحرج، والكوفة تسلك مسلك المترخص في القياس. ومن ثمة انقسم اللغويون إلى قسمين: قسم تمسك بالنص، كالأصمعي، ومن اقتفى أثره، وقسم آخر انصرف إلى القياس ووضع الضوابط والحدود كالخليل وتلاميذه.

          وقد اعتمدوا على مبدأ استنباط القوانين والأحكام من النصوص اللغوية الأكثر استخداماً وشيوعاً، وترك القليل التداول، إذ لا يعتمد عليه في وضع القاعدة. فقد ورد في طبقات النحويين لأبي بكر الزبيدي، أن ابن نوفل روى عن أبيه أنه سأل أبا عمرو بن العلاء: "اخبرني عما وضعت مما سميته عربية، أيدخل فيه كلام العرب كله؟ فقال: لا، فقلت: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب، وهم حجة؟ فقال: أحمل على الأكثر، وأسمي ما خالفني لغات".(6)           

          وتبدو حقيقة وضع النحو لبعض العلماء كالسيوطي الذي يقول: "النحو بعضه مسموع مأخوذ من كلام العرب، وبعضه مستنبط بالفكر والروية، وهو التعليلات، وبعضه يؤخذ من صناعات أخرى".(7)ويراد بالصناعات الأخرى العلوم التي كانت تؤطر البحث اللساني وتعطيه المصطلحات والأدوات نحو علم الكلام وأصول الفقه والمنطق.

          فكان أن درس القدماء النحو وفق المنهج الكلامي، وساعد على ذلك أن كان من النحاة الأوائل من له اتصال بهذا المنهج، فأغراهم فغلبوه في دراستهم للظواهر اللسانية.

 وتسللت إلى دراستهم مصطلحات الكلام وأصوله ومبادئه، وظن النحاة المتأخرون أن ليس في الإمكان أبدع مما كان، فبالغوا مبالغة شديدة ، وأخذوا يعالجون قضايا اللغة والنحو معالجة خرجت بهما عن ضوابطهما، فعادا وكأنهما من مباحث الفلسفة والمنطق، وهو الأمر الذي جعل النحو في أغلب الأحيان غريباً عن طبيعة اللغة وجوهرها. ولذا أصبحت الحاجة ماسة إلى إنشاء نحو جديد خال مما علق به من شوائب الماضي، بعيد عن التمحلات والتقديرات الفلسفية التي اصطنعها النحاة، فأتت على حيوية ودينامية الدرس النحوي.

 الخطاب النحوي التعليمي عند القدامى :

          بمقدورنا أن نقول : إن النحو وجد في مرحلته الأولى لهدف تعليمي، حيث كان أداة لاستقامة اللسان عربيا كان أم أعجميا. وقد تظهر هذه النزعة التعليمية في تعريف ابن جني، إذ هو "انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره، كالتثنية والجمع، والتحقير والتكسير، والإضافة والنسب والتركيب، وغير ذلك، ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، وإن شذ بعضهم عنها رد إليها".(8)

          يتضح من هذا التعريف أن النحو هو اكتساب قدرات وعادات لغوية شائعة بين عناصر المجتمع العربي المتجانس. ولا يمكن تحقيق هذا الاكتساب إلا بواسطة التعلم، سواء أكان المتعلم عربيا ضعفت سليقته بسبب التأثر بالعناصر غير العربية، أم ابتعد عن البيئة اللسانية العربية الصافية، أم كان أعجميا. وهذه إشارة من ابن جني إلى أهمية تعليم اللغة لغير أهلها، كأن النحو العربي أنشئ أساسا لمن ليسوا من العرب.

          فالهدف من نشأة النحو كانت تعليمية. ومن هنا كان النحو أداة لتكوين عادة لغوية، وتعود إليها في علاقتها بالأداء الكلامي المنجز، من حيث هو ممارسة تداولية.

 وظل النحو ردحا من الزمن ملازما الخطاب المنطوق والمكتوب، فيستمد منهما حياته واستمراريته، حتى أتى عليه حين من الدهر في ظل نضج العقل العربي وتشابك العلوم وتداخلها، فابتعد عن الواقع اللغوي، وأصبح علما كغيره من العلوم العقلية التي نشأت وترعرعت في البيئة العربية (علم الكلام، الفلسفة، أصول الفقه...).

 ونجد القدامى – في ظل الخطاب النحوي – يميزون بين علل ثلاث :

 1. العلة التعليمية : وذلك كقولنا للمتعلم :  هذه الكلمة مرفوعة، لأنها فاعل (مسند إليه)، وهذه منصوبة، لأنها مفعول به. وينطلقون في هذا من نظرية العامل. وهذه العلل أطلق عليها النحاة العلل الأول، وهي تحقق غاية النحو. وقد قبلها كل النحاة، حتى الذين رفضوا نظرية العامل كابن مضاء القرطبي الذي أقر بأن العلل الأول تحصل بمعرفتها لنا المعرفة بالنطق بكلام العرب المدرك منها بالنظر.

 2. العلة القياسية : وهي التي تقوم على اشتراك المقيس والمقيس عليه في الحكم، فيما تصور النحاة أنه علة موجبة، كقياسهم بناء اسم "لا" النافية للجنس على بناء الأعداد المركبة. والقياس هو حمل الشيء على الشيء، وإجراء حكمه عليه لنسبة بينهما. وهو عند علماء الأصول حمل الفرع على الأصل لعلة الحكم. وتسمى هذه العلل عند ابن مضاء بالعلل الثواني. وقد اتخذ منهج ابن جني في إنكارها، داعيا إلى إلغائها. وكانت حجته في ذلك بأن هذه العلل يمكن الاستغناء عنها.

 3. العلة الجدلية : وهي تلك العلة الخارجة عن بنية التركيب، فهي كل ما يمكن الرجوع إليه بعد العلة التعليمية والقياسية، وذلك نحو : من يسأل في باب "إن" الناسخة من أي ناحية شابهت الحروف والأفعال ؟ وبأي الأفعال شبهوها ؟ أبالماضية أم الحالية أم المستقبلية ؟ وحين شبهوها بالأفعال، لأي شيء عادوا بها ؟ هل إلى ما قدم مفعوله على فاعله ؟ وهلم جرا من هذه الأسئلة. فكل شيء جعلت له علة جوابا عن هذه القضايا.

 وقد أطلق ابن مضاء على هذا النوع من العلل اسم العلل الثوالث، ودعا إلى إسقاطها من الدراسات النحوية، لأنه ليس في تلك التعليلات - حسب تصوره – فائدة في ضبط الألسن.

 وتبعا لما ذكرته آنفا، فإن القياس الذي استند فيه إلى العلة التعليمية أو القياسية، إنما يتلاءم وطبيعة اللغة، دون القياس الذي اعتمد على العلة الجدلية النظرية، فنحا نحو المنطق، وغدا صناعة إعرابية، وجعل التعليل أصلا، لا أداة ووسيلة لفهم التركيب. 

 وقد جعل الزجاجي العلل تعليمية وقياسية وجدلية نظرية، ولم ينظر على أن منها ما هو ضروري لتحقيق غاية النحو التعليمية، إذ بالعلل القياسية يمكن أن نجاري العرب، فنقيس على كلامهم، فنكفل للغة العربية استمرار تطورها ونمائها. ومن تلك العلل بعد ذلك علل ليس للنحو فيها فائدة، وهي العلل التي تدخل في باب الجدل والنظر.(9)

 فهذا الضرب الأخير من العلل ينبغي الاستغناء عنه في ميدان الدراسات النحوية، لأنه يدخل النحو في تقديرات وتأويلات تبعده عن حقيقته وجوهره. ولهذا يمكن القول: إن نظرية العوامل النحوية لا تعقد النحو كما يدعي بعض الباحثين المحدثين، بل هي نظرية تعليمية مفيدة، إن تخلصت مما يشوبها من بعض الغلو كالحذف والتقدير. وهذا ما ذهب إليه عباس محمود العقاد من أن العامل النحوي حقيقة لغوية لا مراء فيها، "لأن النحو كله قائم على اختلاف الحركات على أواخر الكلمات، بحسب اختلاف عواملها الظاهرة أو المقدرة ... فالمنكرون للعوامل –ظاهراً أو مقدراً- مخطئون، لأن الشواهد لا تحصى من الشعر المحفوظ في عصر الدعوة الإسلامية، على اتفاق حركات الإعراب مع اتفاق الموقع".(10)    

 ومن هنا فإن ما يوجه إلى نظرية العامل النحوي من انتقادات مختلفة، فهي انتقادات عجلى؛ تحتاج إلى تأن، لأنها ليست بعامة. فالأولى أن ينظر إلى بناء الجملة العربية، وما بين عناصرها من صلات لفظية ومعنوية، لها أثر في تغيير حركات الإعراب والبناء.

 النحو والمناهج اللسانية الحديثة

 أطلق اللسانيون المحدثون على النحو القديم النحو التقليدي. ويوجهون إليه نقداً يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:(11)

 1. تأثير النحو التقليدي بالفلسفة والمنطق. ويظهر هذا التأثر انشغال جمهور النحاة بنظرية العامل، التي من خلالها يمكن استنباط العلة الكامنة وراء الظواهر النحوية، فجعل اللغة عقلاً يفسر القواعد النحوية من خلاله، في حين أن النحو الوصفي في إطار على اللسانيات الحديث يهتم بقرير الحقائق اللسانية، ويفسرها في إطار الظواهر اللسانية ذاتها من دون فرض القواعد أو اللجوء إلى ظواهر غير لسانية لتعليل القاعدة.

 فالمنهج الوصفي (Méthode descriptive) – إذن - ينطلق من واقع المادة اللسانية التي بين يديه، فلا يسجل أحكاماً مسبقة، ولا يتأثر بأحكام غريبة عن الظاهرة اللسانية، ويستخدم في ذلك نظريات البحث الحديثة بغاية الكشف عن حقائق النظام اللساني بكل مستوياته.

 2. افتقار النحو التقليدي للمنهج العلمي الموضوعي الذي يعتمد دراسة الأشكال اللسانية باعتبارها أنماطاً يسهل وصفها ورصدها من خلال قوانين العلاقات، كما هو الحال في اللسانيات الحديثة، نحو: استخدام التقويس في إطار المنهج التوزيعي، أو المشجرات في المنهج التوليدي التحويلي، غير أن النحو التقليدي يعتمد على المنهج الذاتي الذي يرصد القواعد ويحددها بناءً على فهمه الخاص للنص،وبذلك يرتبط بالباحث ذاته، وليس بالظاهرة اللسانية.

 3. تداخل مستويات التحليل اللساني في النحو التقليدي بين صوتية وصرفية ونحوية ودلالية، في حين يميز النحو الوصفي بين مستويات التحليل اللساني، فجعل لكل مستوى اسماً يميزه عن غيره، مع عدم إهمال الصلة التي ترتبط بين هذه المستويات. فمثلا: إذا أراد الباحث دراسة ظاهرة لسانية محددة في العربية المعاصرة كظاهرة الغموض في العربية المعاصرة، فينبغي عليه أن يحدد مستوى، الدراسة بين مستويات التحليل المذكورة آنفاً، ويدخل –كذلك- ضمن إطار تحديد المستوى تحديد المستوى اللساني للبحث (الفصحى أم اللهجة). والخطوة التالية هي تحديد زمن الدراسة (أربع سنوات، سبع سنوات،...إلخ) بحسب المدة الزمنية التي يراها الباحث كافية لإنجاز الدراسة، ثم عليه –أيضاً- أن يحدد مكان الدراسة (الجزائر أم في غيرها من الأقطار العربية)، ثم عليه أن يحدد مصادر الدراسة من اختيار المدونات التي تمثل العربية المعاصرة تمثيلاً صحيحاً (روايات، دواوين، مجلات، جرائد...)، ثم يجرى التحليل تبعاً للمنهج الذي اختاره.

 4. قيام النحو التقليدي على أساس معياري، إذ لم يميز بين اللغة المنطوقة واللغة المكتوبة، وأقام القواعد على نصوص منتقاة من اللغة المكتوبة، ولما لم يعبر عن الاستعمال اللساني، فإنه يلجأ إلى التأويل البعيد، ويقدم تفسيرات فيها تعسف وتمحل، لتناسب الظاهرة اللسانية مع قواعده المعيارية، وذلك نحو تفسيرهم للأداة "حتى"، فقد قالوا: إن العامل يجب أن يكون مختصاً، غير أن الاستخدام يظهر دخول "حتى" على الأسماء والأفعال، فتدخل على الأسماء كقوله تعالى: "سلام هي حتى مطلع الفجر". سورة القدر،5، وعلى الأفعال نحو قوله تعالى:"

 ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن، ولا أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم، ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا" البقرة، 221.

 ويصطدم الواقع اللساني بالقاعدة التي تقول أن العامل يجب أن يكون مختصاً و"حتى" من العوامل التي تختص بحسب القاعدة التي وضعوها بالأسماء، ولكي يدافعوا عن النظرية التي وضعوها في  هذا الأمر اعتمدوا التأويل فقالوا: "حتى" لا تعمل في الأفعال، وجعلوا نصب الفعل المضارع بأن مضمرة وجوباً. ويبدو في هذا التأويل تمحل بعيد، إذ لا يوجد لـ "أن" في الاستخدام اللساني ؛ فهي لا تظهر في بعض التراكيب وتظهر في بعضها. ولا شك أن هذا النقد اللساني قد وجهه أولاً علماء اللسانيات المحدثين في الغرب للنحو التقليدي الأوروبي، ثم وجد قبولاً لدى أغلب اللسانين العرب، غير أن بعض اللسانيين المحدثين يرون أن بعض الملاحظات أصابت في بعضها، وفي البعض الآخر رؤى مختلفة، وذلك ما يظهر في الملاحظات الآتية:

 1. إن الباحث المطلع على قواعد النحو العربي يتضح له أن قواعد النحو وأحكامه لم تكن جميعها تقديراً أو تأويلاً أو تعليلاً، وإنما كانت تتماشى وفق استخدام العرب المطرد في أغلب القضايا النحوية، وقد وردت أساليب كثيرة في كتاب سيبويه تدل على ذلك، نحو قوله: "فأجره كما أجرته العرب واستحسنته"(12) وهذا نص في صميم المنهج الوصفي ليوم. وما خالف هذا لا يعدم في المنهج؛ فلكل قاعدة شواذ.

 2- خروج أئمة النحو الأوائل إلى البادية لجمع اللغة، و حرصهم على تسجيل الحدث الكلامي كما ينطق البدو الخلص، و من ذلك ما اشتهر عن الكسائي أنه خرج إلى البوادي لهذا الغرض، و أنفذ خمس عشرة قنينة حبرا في الكتابة عن العرب، عدا ما حفظه(13).

          و ظل هذا المنهج سائدا حتى القرن الرابع الهجري على نحو ما نجده عند ابن جني الذي كان حريصا على جمع مادته من أفواه العرب(14).

 3- إن فكرة القياس لدى سيبويه في تتبع كلام العرب، هي صلب المنهج الوصفي، من ذلك قوله:"...لأن هذا كثر في كلامهم، و هو القياس(15)".

 4- إن المظهر المنطقي للنحو العربي القديم أضحى مهما في إطار المنهج التوليدي التحويلي الذي تبلور على يد العالم الأمريكي نعوم تشومسكي (N.Chomsky ) في الستينيات من القرن الماضي.

 و قد تميز هذا المنهج بصورتين، هما:

 أولا: الصورة المسموعة (المنطوقة) ، و المكتوبة (المقروءة)، و يطلق عليها: البنية السطحية (Structure de surface )

 ثانيا: البنية العميقة (Structure profonde )  ويراد بها عناصر القدرة اللسانية لذهن المتكلم في تشكيل الجمل والتراكيب طبقا للقواعد التوليدية التحويلية

 (Générative transformation de grammaire) التي تتم في الجملة بواسطة الترتيب والزيادة والحذف والتنغيم ...

 وأقول: إن ما تقدمه النظرية التوليدية التحويلية ليس تعديلا لنظرية النحو العربي، أي : ليس إعادة قراءة في مكونات نظرية النحو، كقضية العامل والإعراب المحلي والتقديري، وباب الاشتغال والتنازع وطريقة الانتقال من باب إلى باب، لأن ذلك لا يعدو أن يكون اقتراحا في إطار المقاربة بين المنهج التقليدي العربي والمنهج التوليدي التحويلي.

 إن النظرية التوليدية التحويلية تنظر إلى الظاهرة اللسانية من ناحية مغايرة تماما لنظرية النحو التقليدي العربي، فالنحو في إطار النظرية التوليدية التحويلية ليس إعرابا وتعليلا للحركة الإعرابية، بل هو الكشف عن القوانين والقواعد التي تحكم اكتساب البشر للغة.

 هذه القوانين والقواعد التي تفرد بها الإنسان عن غيره من مخلوقات. أي : الكشف عن النحو الكلي (Grammaire universelle)، وتحديد خصائصه ومميزاته، وكذا تحديد مضمون الأنحاء الخاصة، وطرق تأليفها وبنائها. وعن طريق الكشف عن قوانين وأحكام النحو الكلي والأنحاء الخاصة، يستطيع اللسانيون الباحثون في اللسانيات التطبيقية من وضع برامج وقواعد لتعليم النحو والتحكم فيه.

 الحلـول والاقتـراحات: 

 ولحل مشكلة استعصاء القواعد النحوية على المتعلمين – في رأيي- أعرض جملة من الاقتراحات:

 -           إعداد برامج ومقررات مركزة ومختصرة.

 -           تقريب النحو من عقل المتعلم، ليتمثله و يستوعبه.

 -           إعادة تنسيق وترتيب أبواب النحو ومباحثه.

 -           انتقاء المادة النحوية وعرضها وفق الغايات والأهداف.

 -           إيجاد عرض جديد لأبواب النحو ومسائله وفق منهجية فيها إبداع.

 -           تحديد الأهداف التعليمية ومحتوى الدرس التي يعرض بها ذلك المحتوى.

 -           الابتعاد عن اختلافات النحاة غير المجدية.

 -           إهمال الإعراب المحلي والتقديري، وحذف المسائل التي لها علاقة بهذا الباب.

 -           التركيز في تدريس النحو على اكتساب الملكة اللغوية التي تمكن المتعلم من الاستعمال الصحيح للغة، لأن تعليم النحو ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو وسيلة لاكتساب التعلم مهارات لغوية تجعله قادرا على التخاطب، وتنمي رصيده اللغوي.

 -           الانطلاق من النصوص باعتبارها وحدة لغوية، يمكن استثمارها في تعلي النحو، على أن يتم اختيار هذه النصوص من لدن خبراء في علوم اللسان العربي، وعلم التربية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، ليتم اختيارها بناء على معايير علمية.

 -                  تغليب الجانب التطبيقي على الجانب النظري، واختيار النصوص الجيدة في التطبيقات وإخضاعها للتقنيات اللسانية الحديثة، كاستخدام المشجرات في ظل المنهج التوليدي التحويلي والتقويس في إطار المنهج التوزيعي.

 وأخيراً فهذه جملة من الآراء أجد تطبيقها في فائدة النحو العربي، فليس النحو قواعد جامدة، أو قوالب ساكنة لا تقبل التغيير، وإنما هو مرن كمرونة هذه اللغة القابلة للتطور ومواكبة العصر.

   المراجع

   1. الأنباري، نزهة الألباء في طبقات الأدباء، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار نهضة مصر.

 2. ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار صادر، بيروت.

 3. ابن خلدون، المقدمة، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984.

 4. خليل أحمد عمايرة، في نحو اللغة وتراكيبها (منهج وتطبيق)، عالم المعرفة، جدة، ط1، 1984.

 5. الزجاجي، الإيضاح في علل النحو، تحقيق مازن مبارك، بيروت، 1982.

 6. سيبويه، الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1982.

 7. السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء التراث.

 8. السيوطي، الاقتراح في علم أصول النحو، القاهرة، 1976.

 9. محمد محمد داود، العربية وعلم اللغة الحديث، دار غريب للطباعة، القاهرة، 2001.

 10. محمود عباس العقاد، أشتات المجتمعات في اللغة والأدب، دار المعارف بمصر.

 11. ابن مضاء القرطبي، الرد على النحاة، تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، ط2، 1982.

 12. مهدي المخزومي، في النحو العربي نقد وتوجيه، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت.

 13. أبو هلال العسكري، الفروق في اللغة، تحقيق لجنة إحياء التراث، بيروت، ط4، 1963.


الإحالات

(1) . ابن خلدون، المقدمة، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 2/731.

(2).ينظر:محمد محمد داود،العربية وعلم اللغة الحديث، دار غريب للطباعة، القاهرة،2001،ص 167.

(3) ينظر:  خليل أحمد عمايـرة، في نحو اللغة وتراكيبها ( منهج وتطبيق)، عالم المعرفة، جدة، ط1، 1984، ص 98.

(4). المزهر ، 1/37.

(5)نقلا عن مهدي المخزومي، في النحو العربي نقدا وتوجيه، ص21.

(6). المصدر نفسه، 1/111.

(7) . الاقتراح في علم أصول النحو، القاهرة، 1976، ص40.

(8) . الخصائص، 1/34.

(9) . الزجاجي، الإيضاح في علل النحو، ص66.

(10) . أشتات المجتمعات في اللغة والأدب، دار المعارف بمصر، ص 149.

(11) . محمد محمد داود، العربية وعلم اللغة الحديث، ص169-170.

(12). الكتاب، 1/275.

(13). ينظر الأنباري، نزهة الأباء في طبقات الأدباءـتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دارنهضة مصر، ص25.

(14). الخصائص، 1/242.

(15). الكتاب، 1/258.