تقدير الحركات الإعرابيةpdf

رؤية في ضوء التفكير الصوتي الصرفي

د. أبو بكر حسيني                    

جامعة قاصدي مرباح  ورقلة - الحزائر

         التراث النحوي العربي مدونة ضخمة ،لا نتصور أحدا يلم بها إلماما كاملا لما فيها من السعة والتشعب والخلاف ،و لم يدع نحاة العربية مسالة تبادرت إلى أذهانهم إلا قالوا فيها رأيا ،صح الرأي  أم احتاج إلى إعادة نظر .ولم يبخل علماؤنا الأولون  بجهدهم و وقتهم لخدمة هذه اللغة و الارتقاء بها إلى دراجات الإحكام والإتقان .على أن تراثنا الضخم لم يخل من بعض الحشو والتناقضات ،لكن ذلك لا يعتد به،ولا يلتفت إليه إذا قيس بما أبدعه هؤلاء وما و صلوا إليه من سديد رأي وعمق تفكير.

         لقد كثر الحديث قديما وحديثا عن ضرورة تيسير النحو وتبسيط قواعده ليسهل استيعابها ، و لعل ثورة ابن مضاء القرطبي (ت : 592هـ) حول نظرية العامل شكل من أشكال الرغبة في التيسير قديما،وأيضا دعوات المحدثين أمثال إبراهيم مصطفى،ومهدي المخزومي ،و شوقي ضيف وأمثالهم تشكل أيضا دعوة جديدة لإعادة النظر في الكثير من أنظمة النحو التي عجت بها المكتبة النحوية،صياغتها وفق التصورات الحديثة بوساطة إعادة الصياغة أو الإيجاز أو توظيف الفكر اللساني الحديث في عرضها و تحليلها.

         نتكلم في هذه المداخلة عن جزئية دقيقة في النحو العربي هي "مسألة تقدير الحركات الإعرابية " من خلال التصورات الصوتية و الصرفية الحديثة ،معززين ذلك ببعض التحاليل طارحين وجهة نظرنا مما نراه صوبا أو أقرب إلى الصواب.

         إن عدم استجابة الصيغ المعتلة للأوزان النموذجية التي وضعت انطلاقا من قياسها على الصيغ الصحيحة ،دفع نحاة العربية إلى الافتراضات وربما إلى كثير من التمحل، وذلك لإلحاق المعتل بالصحيح فوقع بعضهم إزاء هذا الوضع في كثير من الحرج ،و ربما في شيء من الخطأ ،لأن ليّ التحليلات اللغوية (الصوتية أو الصرفية) كي تستجيب إلى القاعدة اللغوية بشكل تعسفي غير مقبول يعد من قبيل التمحل والتكلف، وفي تراثنا النحوي قدر غير يسير مما ذكرنا .وسنشير إلى بعض الحالات النحوية المتعلقة بتقدير الحركات في مظاهرها المتعددة مما له علاقة بالتوجهات الصوتية والصرفية.

         لقد ارتبط تقدير الحركات بقضايا الإعراب ،فلا نكاد نجد من يتكلم عن تقدير حركتي الفاء أو العين عند غيابهما ،لأسباب قد تكون موضوعية إلى حد كبير.أهمها الاستقرار النسبي لحركتي الفاء والعين في تشكلات الصيغ،واضطراب حركة اللام ،وهو ما يناسب ظاهرة الإعراب.

         إن تقدير الحركات على أواخر الصيغ اضطر النحاة افتراض صيغ لم تتكلم بها العرب،في حين أنها تناسب القواعد التي وضعت انطلاقا من الصيغ الصحيحة. وعلى هذا نرى أن مسالة التعامل مع حركة أخر الكلمة (حركة الإعراب) ينبغي أن تنطلق من أسس ثلاثة :

1-    ما يحدثه العامل المؤثر في الإعراب من جلب الأوضاع الصوتية المناسبة ،كالضمة عند الرفع أو الفتحة عند النصب أو الكسرة عند الجر أو السكون عند الجزم .

2-    المحافظة على الجانب المنطوق كما هو .

3-    التركيز على الحركة الأصلية للإعراب و موافقة الأداء المنطوق ،مع إيجاد الصلة بين ما ينطق و دلالته في السياق .

و لنوضح هذا التصور نمثل ببعض الحالات من الأوضاع الإعرابية التي تتجلى فيها ظاهرة التقدير الحركي .عندما نقول : سعى ،فإن الإعراب التقليدي لها هو:

         سعى: فعل ماض مبني على الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.

لا شك أن المقصود بآخر الفعل هنا هو الألف المقصورة ،فهي تعادل -من حيث رسم الفعل - لامه ،و لذلك قدرت حركة الإعراب عليه لتعذر ظهورها .

مما يعرف بداهة أن الحركة الإعرابية لا تقدر على فاء الكلمة و لا على عينها كما لا تقدر على الزوائد (السوابق و اللواحق) و إنما تقدر على اللام و على هذا الأساس ما وجدنا عبر تاريخ النحو العربي من يربط حركة الإعراب بحركة الفاء أو العين ،لكن عند غياب حركة اللام تبدأ التأويلات و الافتراضات،أما عندما تغيب العين أو حركتها أو كلاهما تسير الأمور في الإعراب كما لم يحدث شيء ،فيقال في مثل: سار: فعل ماض مبني على الفتحة الظاهرة على آخره .فهو يعادل الفعل الصحيح من جهة الإعراب لأن لامه (موضع حركة الإعراب) صحيحة .

إن الفعل (سعى) في حقيقته فعل ثنائي الأداء ،فهو مكون من مقطعين ،مقطع قصير مفتوح  [سـَ = ص + صا ق] ،و مقطع متوسط مفتوح [عىَ = عا =ص+ صا ط] ،ففاء الفعل هنا هي السين مع فتحتها القصيرة و عين الفعل هي العين مع فتحتها الطويلة ،ولكن أين اللام ؟

النحاة القدماء يتصورون أن الألف المقصورة في رسم الفعل (سعى) هي اللام و لذلك يقدرون عليها حركة الإعراب ،و لأن أصل اللام في هذا الفعل هي الياء رسمت الألف مقصورة للدلالة على يائية الفعل ،و ترسم طويلة للدلالة على واويته وهو أمر شكلي مرتبط بقضايا الرسم.

الحقيقة كما نتصورها أن اللام في هذا الفعل و أمثاله ،سواء كان واويا أو يائيا ،غائبة (محذوفة) في صيغة الماضي المجرد ،لأنها غالبا ما تعود رسما أو أداء في تصاريف أخرى للفعل ،فعند إسناد الفعل إلى ضمير الرفع المتحرك مثلا فإنها تعود ،نقول : سَعَيْتُ على وزن (فَعَلْتُ) فاللام قابلت الياء ،و هو ما غاب في صيغة الماضي المجرد.

هذا الغياب أو الحذف الذي لحق صيغة الماضي المجرد ،في رأينا هو اختيار صوتي سار عليه العرب في الكثير من أداءاتهم اللغوية،و قد عوض هذا الحذف بإشباع حركة الحرف الذي يسبق المحذوف،وبهذا الإجراء يبقى النظام الحركي مستقرا،أي مكونا من ثلاث حركات ،توازي في تعدادها حركات الفاء والعين واللام،كما يتصورها القدماء.وهذا الحذف،وهذا التعويض مألوف في الكثير من صيغ العربية،فها هو الفعل الأجوف نحو : صام،باع،قال،طال ... فكلها أفعال ثلاثية الأصل كما يشير النحاة لكنها ثنائية الأداء فهي مكونة من مقطعين ،مقطع متوسط مفتوح (ص+صا ط) ومقطع قصير مفتوح (ص+صا ق) ،و قد غابت فيها العين ،وعوض غيابها إشباع في حركة الفاء ،و لذلك وجدنا في الفعل الأجوف حركة الفاء طويلة ،و في الفعل الناقص حركة العين طويلة ، ليكون هذا الإشباع بمثابة التعويض في بنية الفعل عن الجزء المحذوف.

وقد عرفت العربية أشكالا من الحذف والتعويض في بعض النماذج مما يسمع لنا بهذا  التفسير وفي ذلك صور كثيرة منها إحلال الصوامت محل بعضها(1) ،ومنها إحلال الصوائت محل بعضها أيضا  و ذلك لدواع صوتية ،و منها - و هو الأهم- إحلال الصوائت محل الصوامت،من ذلك ما ورد في قوله تعالى] ثم ذهب إلى أهله يتمطى [  (القيامة : 33)،و اصلها في أحد الوجهين : يتمطط فحذفت الطاء الثانية،و أبدلت بإشباع حركة الطاء الأولى ،و كذلك قولة تعالى ] و قد خاب من دسّاها [  (الشمس: 10) أصلها دسّسها ،فحذفت السين الثانية و أبدلت في النهاية بإشباع حركة           السين الأولى (2).

و قد روى سيبويه في ما يبدل شذوذا قول الشاعر (3)

         لَهَا أَشَارِيِرُ مِنْ لَحْم تُتَمِّرُهُ   مٍنَ الثَعَالِي وَ وَخْز مِنْ أَرَانِيِهَا

أراد بـ" الثعالي "الثعالب ،و بـ "الأراني" الأرانب، فلما اضطر إلى حذف الباء من (الثعالب) خشية انكسار الوزن ،أشبع حركة ما قبلها و هي كسرة اللام،و كذلك أشبع كسرة النون من(الأرانب) حينما اضطر إلى حذف الباء منها خشية فساد القافية(4) وقد جعل بعضهم ذلك من باب الترخيم ،وهو عند ابن السراج من باب الإبدال.

هذه نماذج ،و أمثالها كثير في تراث العربية تعطي صورة واضحة عن مظاهر التبادلات الصوتية في أبنية العربية ، مما يبرر تصورنا حول تقدير الحركات المبنى على الأساس الصوتي الصرفي.

إن الإعراب التقديري التقليدي مبني في الغالب على أساس ما هو مرسوم،في حين يمثل الأداء (الجانب المنطوق) الأصل ،و هو المعول عليه،و جانب الكتابة فرع ،ويمكن تعديله بأي شكل يناسب الأداء المنطوق ،كأن نكتب مثلا : رَمـ ،فيتحقق إشباع حركة الميم بهذا الرمز أو يغيره مما يشير إلى إشباع الحركة ،و يبدو من خلال هذا الشكل غياب اللام. وعلى هذا نقترح إعرابا آخر يأخذ الأسس الثلاثة المذكورة سابقا بعين الاعتبار،فنقول:رَمَى:فعل ماض مبني على الفتحة الظاهرة على اللام المحذوفة، والمعوض عنها بإشباع حركة ما قبلها.

فتكون هذه الصياغة شملت الجانب المنطوق كاملا ،كما أعطت تصورا للتحولات الصوتية التي مست الصيغة.

صحيح أن هذا الإعراب لا يتماشى مع الطموحات التيسرية للنحو لكنه في رأينا يزيل بعض الأوهام التي طالما عششت في أذهان الناشئة و سنشير إليها لاحقا.

كل الصرفيين يقرون بغياب العين في مثل: قال، باع، صام،... عن طريق الإبدال (الإعلال بالقلب) ،حيث يظهر الأصل في تصاريف أخرى للصيغة، وقد أستيعض عن غياب المحذوف بإشباع حركة ما قبله ،فإذا كان الأمر كذلك فيما سوى لام الكلمة ،فالأمر نفسه إذا تعلق التقدير بحركة اللام في مثل : دَعَا ،رَمَى،سَمَا ،أَتَى ... فالأمر فيرأينا من الناحية الصوتية سيان، إذ لم نسمع و لم نقرأ عن العرب إنهم قالوا: دَعَوَ ،رَمَيَ ،قَوَلَ بَيَعَ ،... بل حذفوا بعض الأجزاء وعوضوها بما يناسب الأداء  سواء كان المعوض به فتحة طويلة أو كسرة طويلة أو ضمة طويلة.

التصور نفسه يكون في إعراب صيغة المضارع، نحو : يدعُو ،يَسْعَى ،يَرْمِي ،فنقول في مثل : يدعُو : فعل مضارع مرفوع و علامة رفعه الضمة الظاهرة على اللام المحذوفة ،و المعوضة بإشباع حركة ما قبلها. وبهذا نكون قد حافظنا على الحركة الأصلية للإعراب و الوضع الصوتي المنطوق.

والتصور نفسه أيضا يكون في الأسماء المضافة إلى ياء المتكلم ،فيقولون في إعراب : جاء صديقي: فاعل مرفوع و علامة رفعه الضمة المقدرة على ما قبل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.

في هذه الصياغة لفتة صوتية ينبغي أن تعدل وتعمم،فصحيح أن المحل الإعرابي للكلمة مشغول بحركة تناسب ياء الإضافة، والحقيقة ،كما نتصورها أن الكسرة التي على القاف هي الآن عوض عن الضمة الأصلية التي جلبها العامل والسبب في غيابها أن إفادة معنى الإضافة إلى المتكلم يقتضي وجود الكسرة الطويلة ،كما أن الفتحة الطويلة لإفادة معنى الإسناد إلى المثنى، والضمة الطويلة لإفادة معنى الإسناد إلى الجمع ،في مثل : كتبَا ،و كتبوُا على التوالي ،فهذه الحركات الطويلة هي في الحقيقة إشباع لحركة أواخر الأفعال للدلالة على الإسناد المذكور.

هذه ملاحظات مركزة حول مسالة التقدير ،ارتكز فيها النحاة القدامى على شيء من الرسم الذي يوهم بوجود بعض الوحدات ،فتبنى عليها تصورات تفضي إلى بعض المزالق في التحليلات الصوتية أو الصرفية ،كما أنها لا تعطي الوجه المطابق للجانب المنطوق ،قال الدكتور عبد الصبور شاهين: و من هنا كان من الضروري دائما الفصل بين التحليل الصوتي للكلمة ،و بين كتابتها ،فإن للكتابة من جانب آخر ميزة تنفرد بها عن النطق هي أنها لا ترسم التفاعلات الصوتية في الغالب الكثير ...(5) .

ثم أن الكثير من أشكال الكتابة تعد من قبيل خدع الكتابة ،حيث يتهيأ للقارئ مثلا أن هناك ألفا بعد القاف في (قَال)،أو واو بعد القاف في (يقُول)،أو ياء بعد القاف (قِيل)،والحقيقة خلاف ذلك ،إذ الألف و الواو و الياء المرسومات

في الصيغ الثلاث هي رموز خطية لأوضاع صوتية تتمثل في إشباع حركة القاف.

خلاصة القول إن مسألة تقدير الحركات في العربية ينبغي أن تنطلق مما هو منطوق لا مما يفترض أن يكون ،كما أن إدراك التحليل الصوتي للظواهر الصرفية أو النحوية يساعد على سلامة الوصف الدقيق و حسن الاستيعاب.

و في الأخير ،نؤكد أننا ،بهذه الأسطر ،لم نأت بالجديد ،لكننا ،حاولنا أن نصوغ بعض القضايا النحوية وفق التصورات الصوتية والصرفية لنقارن بين التحاليل الصوتية و الصرفية و قضايا التراكيب العربية .

الإحـــالات

(1) من ذلك إبدال الصاد زايا خالصة ،يقولون في التصدير : التزدير ،ينظر : الكتاب : 2/426، و الأصول في النحو : 3/429 ،430 ،و الممتع في التصريف : 1/412 ،و منها أيضا : إبدال السين صادا ،ينظر : الكتاب : 2/428 ،و الأصول في النحو : 3/431.

(2) ينظر : نظم الفرائد و حصر الشرائد للمهلي،ص 240 ،وقال ابن قتيبة: والأصل من "دسّست" فقلبت السين ياء ،كما قالوا: قصيت أظافري أي: قصصتها،ينظر: تأويل مشكل القرآن: ص 344 ،وتفسير غريب القرآن : ص 530 ، وأدب الكاتب : ص 487 ،488 .

(3) الكتاب : 1/344 ،على إبدال الياء من الثعالب و الأرانب شذوذا.

(4) الأصول في النحو : 3/467 ،468 .

(5) المنهج الصوتي للبنية العربية : ص 15.