pdfعقـد البيع بالإيجار

 الأستاذة حمليل نوارة - بجامعة تيزي وزو

إنّ حق المواطن في السكن حق اجتماعي ودستوري، على الدولة التكفل به. في وقت كان قطاع السكن منظما في ظل نظام سياسي واقتصادي واجتماعي، حيث كان يسيطر خلالها القطاع العمومي على مشاريع السكن، وكان التمويل يقتصر على قناة واحدة هي خزينة الدولة أو الصندوق الوطني للتوفير والاحتياط على الأكثر.

 زاد في تدهور وضعية قطاع السكن المشاكل التي عرفتها سوق العقار، أضف إليها احتكار الدولة لإنتاج واستيراد مواد البناء، فكان عرضها محدودا في حين لا يعرف الطلب إلا تزايدا مستمرا. إزاء عجز الدولة عن سد حاجيات المواطن وتلبية طلباته المستمرة، ما كان عليها إلا إعادة تنظيم القطاع العقاري بدءًا من القانون رقم 90-25 (1)ثمّ القانون رقم 90-29 (2)، المتعلق بالتّهيئة والعمران وصولا إلى المرسوم التشريعي رقم 93-03 (3)المتعلّق بالنّشاط العقاري الذي أعطى بعثا جديدا للنّشاط العقاري في الجزائر مشجّعا الاستثمار في هذا القطاع والذي ألغى القانون رقم 86-07 (4)، بموجب المادة 30 منه.

الجدير بالذّكر أنّ هذا المرسوم وضع تنظيما خاصا ومستقلا لنشاط عقاري كان يمارس قبل صدور هذا المرسوم ألا وهو البيع على التّصاميم أو بيع شقق قيد الإنجاز. وهي آلية من شأنها توسيع صيغ الحصول على السكن دون الاضطرار إلى دفع كامل الثمن عند الشّراء، لكن تظل هذه الصيغة ضيّقة الممارسة من قبل المرقيين العقاريين.

أمّا الصيغة الحديثة التي نرغب أن نخصص لها هذا البحث هي صيغة البيع بالإيجار المستحدثة بموجب المرسوم التنفيذي رقم 01-105 (5).

نحاول من خلال هذه الدّراسة البحث عن الطبيعة القانونية لهذا العقد الجديد ومكانته في ظل الصّيغ الأخرى القائمة وبالتّأكيد البحث عن الضمانات التي يقرّها لطرفي العقد. 

المبحث الأول :  الصيغة القانونية لعقد البيع بالإيجار

إذا كانت العقود المسماة هي تلك العقود التي خصص لها المشرع اسما وولّى لها تنظيما خاصا(6)، فإنّ عقد البيع بالإيجار عقد مسمى في التشريع الجزائري، وذلك بموجب المرسوم التنفيذي رقم 01/105 الذي خصص له تنظيما مستقلا، لكن هذه الاستقلالية لا تجعله في معزل عن بعض النظم القانونية المقاربة له تارة والتي يماثلها في الأثار تارة أخرى، ذلك لهو الدّاعي لدراسة طبيعة هذا العقد التي لا تتأتى لنا إلا بعد تعريفه واستنتاج خصائصه لمحاولة تحليله ومقاربته من باقي المفاهيم.

المطلب الأول : ما هية هذا العقد

سندرس ماهية هذا العقد من خلال إيراد

 تعريف مختلفة لفقهاء ينظرون لعقد البيع بالإيجار من زاويا متعددة  ومن خلال تعدد هذه التعاريف سنستنبط أهم الخصائص التي تميز عقد البيع بالإيجار عن غيره من العقود.                            

 

الفرع الأول : تعريف عقد البيع بالإيجار

إن بدأنا من التعريف التشريعي له فسنورد المادة الأولى من الأمر 01-105 المعدّل والمتمم التي تنص على ما يلي « البيع بالإيجار صيغة تسمح بالحصول على مسكن بعد إقرار شرائه بملكية ثابتة بعد انقضاء مدّة الإيجار المحدّدة في إطار عقد مكتوب ».

أول تعقيب على هذا النّص أنّه لا يعرف البيع بالإيجار كعقد يتضمّن تصرف قانوني ينتج آثار قانونية إنّما هو عرض للبيع بالإيجار كصيغة عقدية لواقعة مادية، فما يدفعنا للبحث عن التعريفات الفقهية لهذا العقد.

التعريف الأوّل:

البيع الإيجاري يتمّ في صورة اتّفاق يلجأ فيه الطّرفان إلى عقد الإيجار، ليخفيان فيه عقد البيع ويظهر من خلاله العقد على أنّه عقد إيجار عادي ،يلعب فيه البائع دور المؤجر بالمقابل يظهر المشتري في صورة المستأجر وعن انتهاء المشتري (المستأجر) من سداد الأقساط يتملك المال تلقائيا وبأثر رجعي يعود إلى يوم إبرام العقد(7).

التعريف الثاني:

يعرف البيع الإيجاري بأنّه عقد يتّفق بمقتضاه البائع والمشتري على تأجير الشيء محل العقد لمدّة معينة مقابل التزام الأخير بدفع أجرة دورية فإذا أوفى المستأجر بجميع الدفعات الإيجارية المستحقّة عليه طوال مدّة العقد وفي مواعيدها المحددة تنتقل إليه الملكية دون أن يكلف بدفع مبالغ أخرى عند نهاية العقد، أما إذا تخلف عند دفع الأقساط يفسخ عقد الإيجارفيكونعلى المستأجر إعادة محل العقد إلى المؤجّر (8).

التعريف الثالث:

لقد وصف البيع الإيجاري أنّه تشكيلة مميّزة تجمع بين عمليات قانونية متعدّدة دون أن تنتمي إلى نمط واحد من العقود (9).

من البديهي أن لا يبتعد الفقهاء عن عمليتا البيع والإيجار كونهما المحور الأساسي الذي تدور حوله عملية البيع بالإيجار ويبقى اختلافهم في تغليب إحداهما عن الأخرى...

يرى الأستاذ "توليه" THWILLIER أن البيع الإيجاري في مفهومه الواسع قد يتمّ في صورتين، إمّا إيجار بسيط مرفق بوعد بالبيع الملزم لجانب واحد أو أنه بيع تام لكن نقل الملكية تسبقه مدّة إيجار محدّد في العقد (10).

لكن هاتين الصيغتين قد تشملان كل العمليات المماثلة التي تقوم على البيع من جهة أو الإيجار من جهة أخرى وإذا كان الأستاذ "توليه" يرى أنّ هذه العملية شبيهة ما تكون بنوع خاص من عقود البيع، إذ هي بيع موقوف الأثر والأثر الموقوف هنا هو نقل الملكية، وذلك لغاية تسديد كامل المبلغ مع التزام البائع بتحقيق الآثار الأخرى من تسليم، فالمشتري يتسلّم المبيع لكن بوصفه مستأجر ويضمن له البائع عدم تعرضه وعدم تعرّض الغير له. فيقول أنّ هذه النظرة أكثر دقة «Cette conception est la plus exacte ».

أما وصفها إيجار مقترن بوعد بالبيع بعد نهاية المدّة هي صورة مستقلة وقد جرى الفقه على تسميتها بإيجار مع وعد بالبيع « Location promisse de vente ».

 

الفرع الثاني : خصائص عقد البيع بالإيجار

وإن لم تكن التعاريف السابقة دقيقة لكنّنا سنحاول استخلاص خصائص هذا العقد من خلالها وهي:

1 – عقد ملزم لجانبين: يلتزم فيه المؤجر بوضع العين المؤجرة تحت تصرّف المستأجر ويمكنه من الانتفاع بها انتفاعاً هادئا دون أن يتعرّض له أو يتعرّض له غيره وتمكينه من سكناها.

كما يلتزم المستأجر من دفع بدل الإيجار المحدّد في العقد وفق الأقساط الدورية المتّفق عليها.

2 - عقد يرد على عقار: محل هذا العقد هو بيع بالإيجار لشقة ذات استعمال سكني، وذلك بصريح المادة 4 من المرسوم التنفيذي رقم 01/105 التي تنص على ما يلي: « تطبق هذه الأحكام على المساكن المنجزة من ميزانية الدولة أو الجماعات المحلية وفقا لمعايير المساحة والرّفاهية المحدّدة سلفا.»(11). كون محل هذا العقد دائما عقار، فهذا الأمر يجعله يتميّز عن الاعتماد الإيجار الذي تدبر على أصول منقولة.

3 – عقد شكلي: من البديهي أن يكون هذا العقد شكلي كونه يرد على عقار، وذلك بنص المادة 12 من الأمر 70-91 (12) التي تنص على ما يلي:   « زيادة على العقود التي يأمر القانون بإخضاعها لشكل رسمي فإنّ العقود التي تتضمّن نقل العقار أو حقوق عقارية... يجب تحت طائلة البطلان أن تحرّر في شكل رسمي مع دفع الثمن إلى الموثق ».

وهو ما نصّت عليه كذلك المادة 23 مكرّر 1 من القانون المدني (13).

كما جاء التأكيد على ذلك بنحو خاص بموجب المادة 17 من المرسوم التنفيذي رقم 01/105 التي تنص على ما يلي « يحرر عقد البيع بالإيجار المذكور في المادة 11 أعلاه لدى مكتب موثق... ».

وسوف نعود للإجراءات الشكلية لتحرير هذا العقد ولنقل الملكية لاحقا في المبحث الثاني.

4 – هو عقد من عقود التّصرف: يظهر جليا من المرسوم التنفيذي رقم 01-105 أن هذه العقد بعيد عن عقود الإدارة البسيطة إنما يدخل في إطار عقود التّصرف وذلك نظرا للأمد الطويل الذي يسري خلاله هذا الإيجار قبل أن ينقلب بيعا ألا وهي مدّة 20 سنة (14).

يترتّب على كون هذا العقد من عقود التصرف نتائج أساسية أهمها أحكام الأهلية في هذا العقد، فالأهلية الواجب توافرها هي أهلية التّصرف، ولو أنّ أهلية التّصرف في هذا العقد غير كافية كونه ليس بإيجار بسيط إنما هو إيجار مقترن بعقد البيع الذي تشترط فيه أهلية كاملة.

 أما النتيجة الثانية فهي خاصة بنفاذ هذا الإيجار في مواجهة الغير، فكونه طويل المدة فلا يكون نافذا في مواجهة الغير إلا بعد إشهاره في المحافظة العقارية طبقا لنص المادة 17 من الأمر 75-74 (15)، التي تنص على ما يلي: « إنّ الإيجارات لمدة 12 سنة لا يكون لها أي أثر بين الأطراف ولا يحتج بها تجاه الغير في حالة عدم إشهارها ».

5 – هو عقد من العقود المركبة: تعرف العقود المركبة على أنّها مزيج من عقود متعددة اختلطت جميعا فأصبحت عقدا واحدا وهو الأمر بالنّسبة لعقد البيع الإيجاري الذي هو مزيج بين عمليتي الإيجار والبيع، فهو يبدأ بإيجار ينتهي ببيع عند تسديد المستأجر لكل الأقساط وتنتقل إليه الملكية خالصة، ليس هناك من أهمية كبيرة من امتزاج عدّة عقود في عقد واحد فهذا العقد تطبق عليه أحكام العقود المختلفة التي يشتمل عليها فتطبق أحكام عقد الإيجار في جانب الإيجار والبيع في جانب البيع، لكن في بعض الأحيان من الضروري أن يؤخذ العقد المركب كوحدة قائمة بذاتها، وذلك إذا تنافرت الأحكام التي تطبق على كل عقد من العقود المكوّنة له. ففي هذه الحالة يجب تغليب أحد هذه العقود باعتبارها العنصر الأساسي، وقد ذهبت بعض التشريعات الى النص على تغليب أحكام عقد البيع في حالة النّزاع الثائر بشأن البيع الإيجاري (16).

المطلب الثاني : تمييز البيع الإيجاري عن غيره من المفاهيم

من خلال التعاريف التي سردناها والخصائص التي أعددناها يمكننا أن نرفع اللبس بين هذا العقد وبعض العقود الأخرى أن يتكون منها البيع الإيجاري أصلا لكي ندرك فيما شابهها وفيما هو معها مختلف.

الفرع الأول : البيع الإيجاري وعقد البيع

لن نكتفي في هذا الفرع بدراسة التمييز بين البيع الإيجاري وعقد البيع البسيط إنما سنتطرق كذلك لأنواع أخرى من البيوع منها الوعد بالبيع، البيع بالتقسيط والبيع بالعربون.

1 – عقد البيع التام: وإن لم تكن تسمية البيع التام تسمية قانونية معتمدة إنما الغرض من استعمالها هو تمييزه عن البيوع الأخرى التي لا تكون تامة لسبب فيها.

تعرف المادة351 من القانون المدني عقد البيع على أنّه عقد يلتزم بمقتضاه البائع أن ينقل للمشتري ملكية شيء أو حق مالي آخر في مقابل ثمن نقدي، من هذا التعريف نستخلص أن عقد البيع ينشأ في ذمة المتعاقدين التزامات متقابلة، بحيث يلتزم فيه المشتري بدفع ثمن نقدي ويلتزم البائع بنقل الملكية (17).

وفي هذا الصدد يدق التمييز بين البيع الإيجاري وعقد البيع في مدى اعتبار ما يدفعه المستفيد ثمن للشقة، لكن مقسّم على أقساط حسب ما تنص عليه المادة 8 من الأمر 01/105 يجب أن يسدد المستفيد مبلغ ثمن المسكن في كل الحالات بعد خصم مبلغ الدفعة الأولى على مدى مدّة لا تتجاوز 20 سنة (18).

وبين اعتبار هذه الأقساط بدل الأجرة لعقد إيجار مدته 20 سنة، أو 25 سنة ويفسخ العقد مباشرة بمجرد تخلف المستأجر عن دفعها، هذا من جهة، من جهة أخرى انتقال الملكية للمشتري في البيع التام ينقل الملكية للمشتري مباشرة عن البيع، وهذا إذا كان المبيع منقولا معينا بالذّات أي من القيميات. وينشأ التزام في ذمة البائع بنقل الملكية إذا كان المبيع معينا بالنوع، بالتالي فإنّ الملكية في هذه الحالة تترتّب على عمل مادي هو الإفراز، وكذلك الأمر إذا كان محل العقد عقار، فانتقال الملكية يكون معلقا على إجراءات الإشهار في المحافظة العقارية. أما البيع الإيجاري فهو لا ينقل الملكية مباشرة وليس بسبب إجراءات الإشهار، إنّما خلال هذه المدّة 20 سنة أو 25 يمنح للمستفيد حق شخصي فقط دون حق عيني هو الانتفاع .

دون التعمق في الخصائص الأخرى يتجلّى لنا الاختلاف بين البيع التام والبيع الإيجاري.

2 – الوعد بالبيع: هو اتّفاق يعدّله الأطراف بغرض إبرام عقد بيع نهائي عند إبداء المتعاقد رغبته في الشراء، شرط تعيين جميع العناصر الجوهرية للعقد أي احترام نص المادة 71 بفقرتيها الأولى والثانية.

ويشتبه البيع الإيجاري مع الوعد بالبيع في عدّة نقاط في كون الحق العيني يبقى لدى الواعد في الوعد، وكذلك يبقى لدى البائع المؤجر في البيع الإيجاري ولا يحتفظ المستأجر إلا بحق شخص شأنه شأن الموعود به.

إلاّ أنّهما يختلفان في كون الوعد بالبيع يكون البيع فيه موقوفًا على رغبة الموعود له إذا أبداها في الآجال المحدّدة انعقد البيع وإذا لم يفصح عنها خلال هذه المدّة أو عبّر عن رفضه سقط الوعد ولا مجال بعده لإتمام البيع، دون أن يحقّ للواعد متابعة الموعود له لأنّه قد مارس حقّه.

أمّا في البيع الإيجاري فإنّ المستأجر ملزم بدفع الأقساط خلال المدّة المحدّدة لإتمام البيع عند سداد تلك الأقساط، وإن تخلّف المستأجر عن دفعها فُسخ العقد مع احتفاظ المؤجّر ببعض الأقساط كتعويض له عن الفسخ (أي عدم إتمام البيع النهائي). ناهيك عن نقاط أخرى يختلف فيها الوعد بالبيع عن البيع بالإيجار لم نتعرّض لها هنا، وإن كان البعض يرى أنّه لا مناص لإبعاد فكرة الوعد، لكن مع اقترانها بإيجار مسبق، كما سنراه لاحقًا.

3 – البيع بالعربون: إذا نظرنا إلى الجزء الأوّل الواجب دفعه والمحدّد بـ 10 % من ثمن المسكن كوسيلة للإقرار بالشراء من طرف المستأجر المستفيد، يمكننا القول إنّه أشبه ما يكون بالبيع بالعربون، وأنّ هذه النسبة الواجب دفعها هي عربون.

بالنسبة إلى المشرّع الجزائري – وإلى وقت قريب – لم ينصّ على البيع بالعربون، فرغم تداوله بين النّاس فقد كان عقدًا غير مسمّى ينظّم بالعرف فقط، ولم يكن لدينا تكييف دقيق لهذا العربون، أهو جزء من الثمن؟ أم هو حقّ للعدول؟

لكن المشرّع تدارك ذلك بموجب المادّة 72 مكرّر من القانون الجديد 05 - 10 (19) التي تنصّ على ما يلي: « يمنح دفع العربون وقت إبرام العقد لكلّ من المتعاقدين الحقّ في العدول عنه خلال المدّة المتفق عليها إلا إذا قضى الاتفاق بخلاف ذلك، فإذا عدل من دفع العربون فقده، وإذا عدل من قبضه ردّه ومثله، ولو لم يترتّب على العدول أيّ ضرر ». من خلال هذا النصّ يتضح أنّ المشرّع جعل العدول أولاً حقًا للعدول، مع منح حرية الاتفاق للأطراف على جعله جزءًا من الثمن.

بالنسبة للبيع بالإيجار فإذا كانت نسبة الـ 10 % من الثمن جزءًا من ثمن المسكن، وهي كذلك، فإنّنا قد وجدنا مبرّرًا لهذا القصد، لكن ماذا عن الأقساط الأخرى، فالعربون لا يبرّرها. وإذا نظرنا لهذه النسبة على أنّها حقّ للعدول فإذا عدل المستفيد عن إتمام البيع يفقد هذه النسبة، وهو كذلك، بحيث إذا تقاعس عن دفع بعض الأقساط يفسخ العقد ويحتفظ المتعهّد بالنسبة الأولية كتعويض عن الفسخ. لكن المشكل يكمن في عدم أحقيّة المتعهّد بالتراجع عن إتمام العقد أو بيعه لشخص آخر، لذا يكون البيع بالإيجار بعيدًا عن البيع بالعربون.

4 – البيع بالتقسيط: إذا باع شخص عينًا بثمن مؤجّل وجب الدفع في ميعاد معيّن، أو بثمن مقسّط أقساطًا متساوية، اشترط البائع على المشتري أن يكون البيع معلّقًا على شرط واقف هو وفاء المشتري بالثمن المؤجّل في الميعاد المحدّد، أو وفائه بالأقساط في المواعيد المتفق عليها، فإنّ البيع بهذا الشرط يكون صحيحًا، ويجب إعمال الشرط حتّى لو سلم البائع المبيع للمشتري قبل استيفاء الثمن.

ولقد نصّت على هذا النموذج المادّة 363 ق.م.ج: « إذا كان ثمن البيع مؤجلاً فإنّ للبائع أن يشترط أن يكون نقل الملكية إلى المشتري موقوفًا على دفع الثمن كلّه ولو تمّ تسليم الشيء المبيع. فإذا كان الثمن يدفع أقساطًا جاز للمتعاقدين أن يتفقا على أن يستبقي البائع جزءًا منه على سبيل التعويض في حالة ما إذا وقع فسخ البيع بسبب عدم استيفاء جمع أقساط، ومع ذلك يجوز للقاضي أن يفرض التعويض المتفق عليه وفقًا للفقرة الثانية من المادّة 184.

وإذا وفى المشتري بجميع الأقساط يعتبر أنّه تملّك المبيع من يوم البيع.

تسري أحكام الفقرات الثلاث السابقة حتّى ولو أعطى المتعاقدان للبيع حصّة الإيجار ».

في هذه الحالة تنتقل ملكية المبيع معلّقة على شرط واقف إلى المشتري، ويستبقي البائع ملكية المبيع على شرط فاسخ، وكلّ من الشرط الواقف والشرط الفاسخ هنا حادث واحد. هو أنّ يوفي المشتري بالثمن أو بأقساطه في الميعاد المحدّد، فإذا فعل تحقّق الشرط الواقف، وانتقلت الملكية بأثر رجعي إلى المشتري وتحقّق في الوقت ذاته الشرط الفاسخ وزالت الملكية عن البائع بأثر رجعي (20).

وإذا كان غالبية الفقه يرجح كون البيع الإيجاري بيعًا بالتقسيط، وخاصّة أنّ نصّ المادّة 363  له ما يقابله في أغلب التشريعات، إلا أنّ المادّة 19 من المرسوم رقم 01-105 تجعل حدًا فاصلاً بين العقدين بنصّها على ما يلي: « تنتقل ملكية السكن المعيّن وفقًا للقواعد المعمول بها بعد تسديد  الثمن بكامله».

فتكون الملكية مقترنة بتاريخ آخر تسديد لآخر الأقساط دون أن يكون له أثر رجعي كما سبق أن شرحه الأستاذ السنهوري في البيع بالتقسيط، حيث إنّ انتقال الملكية بمجرّد العقد في البيع بالتقسيط يعرض البائع للتزاحم مع دائني المشتري إذا أفلس قبل سداد المبلغ.

الفرع الثاني : البيع الإيجاري وعقد الإيجار

كما قدّمنا في الفرع الأوّل، نستعرض هذا التميّز بأنواع مختلفة من الإيجارات:

1 – البيع الإيجاري والإيجار البسيط: يعرف عقد الإيجار بأنّه عقد يلتزم بمقتضاه المؤجّر بتمكين المستأجر من الانتفاع بشيء معيّن خلال مدّة معيّنة لقاء أجر معلوم (21).

فالعناصر الجوهرية لهذا العقد هي العين المؤجّرة وبدل الإيجار ومدّة الإيجار، ومن ميزاته أنّه لا ينشئ للمستأجر إلاحق شخصي، أمّا الحقّ العيني فيحتفظ به المؤجّر، وبهذا يكون عقد الإيجار من عقود الإدارة، وليس من عقود التصرّف.في هذا يختلف مع البيع الإيجاري الذي يعتبر من أعمال التصرّف كون مدّة الإيجار فيه تتراوح بين 20 و 25 سنة، وكون الحقّ العيني ينتقل إلى المستأجر بعد نهاية هذه المدّة.

2 – الإيجار المقترن بوعد بالبيع: قد لا يتحدّث المتعاقدان عن البيع أصلا في عقد الإيجار، فيصدر العقد على أنّه إيجار محض، لكنّه مقترن بوعد بالبيع من المؤجّر إذا أبدى المستأجر رغبته في الشراء خلال مدّة الإيجار، ونرى في هذه الحالة التمييز بين فرضيتين:

الفرضيّة الأولى: أن يكون المتعاقدان يريدان في الحقيقة بيعًا بالتقسيط منذ البداية، وآية ذلك أن يجعل الوعد بالبيع الصادر منه معلّقًا على شرط وفاء المستأجر أقساط الإيجار في مواعيدها، وجعل الثمن هو أقساط الإيجار، ففي هذه الحالة يكون العقد بيعًا بالتقسيط لا إيجارًا، ويعتبر المشتري مالكًا تحت شرط واقف، فلا يكون مبددا  إذ هو تصرّف في المبيع قبل الوفاء بالثمن، ولا يستطيع البائع استرداد المبيع من تفليسة المشتري.

الفرضية الثانية: أن يعقد المتعاقدان إيجارا جديًا يقترن به وعد بالبيع فيؤجر المالك العين المستأجر بأجرة شهرية ويعده ببيعها إياه بثمن آخر مستقل عن الأقساط، فيكون بدل الإيجار لا علاقة له بالثمن، هنا يكون العقد إيجارًا دون انتقال الملكية للمستأجر ينتهي الإيجار بمجرّد إظهار المستأجر رغبته بالشراء ودفعه الثمن كاملاً دون أن يكون لها أثررجعي إلى وقت الإيجار ويكون الثمن مضمونًا بحقّ الامتياز على المبيع لمصلحة البائع (22).

3 – الإيجار السائر للبيع: يعمد المتعاقدان في كثير من الأحيان إلى إخفاء البيع بالتقسيط وراء ستار الإيجار، فيسمّى البيع إيجارًا وغرضه من ذلك ألا تنتقل ملكية المبيع للمشتري بمجرّد العقد، حتّى هذه الملكية المعلّقة على شرط واقف والتي كانت هي المانعة في اعتبار المشتري مبدّدًا، ومن استرداد البائع للمبيع من التفليسة، فيصف المتعاقدان العقد بأنّه إيجار ويصفاان أقساط الثمن، بأنّها هي الأجرة المقتطعة، ثمّ يتفقان على أنّه إذا وفى المشتري بهذه الأقساط انقلب الإيجار بيعًا، وانتقلت ملكية المبيع باتة الى المشتري وحتّى يحكمان سترّ البيع يتفقان في بعض الحالات على أن يزيد الثمن عن الأقساط بقليل، فإذا وفاها جميعًا ووفى فوق ذلك مبلغًا إضافيًا يمثل الثمن انقلب الإيجار بيعًا باتًا، ويحسب البائع بذلك أنّه قد حصّن نفسه، فهو أولاً وصف البيع بأنّه إيجار وسلم العين للمشتري باعتباره مستأجرًا. فإذا تصرّف فيها المشتري بوصفه مستأجرًا فإنّه قد ارتكب جريمة التبديد التي يدخل ضمنها عقود الإيجار.ثانيًا، يكون قد أمّن نفسه من خطر إفلاس المشتري، إذ لو أفلس وهو لا يزال مستأجرا، فإنّ البائع لا يزال مالكًا للمبيع ملكية باتّة فيستطيع أن يستردّه من تفليسة المشتري(23).

لكن بالرغم من تذرّع المتعاقدين بعقد الإيجار فإنّ الغرض الذي يرميان إليه واضح. فقد قصدا أن يكون الإيجار عقدًا صوريًا يستر العقد الحقيقي، وهو البيع بالتقسيط. إلا أنّه بالرغم من  ذلك فإنّهما يقعان في ما نصّ عليه المشرّع في المادة 363 بجعله هذا العقد عقد بيع: « حتّى لو أعطى للمتعاقدين للبيعصفة الإيجار" يعتبر بيعًا محضًا وتسري عليه أحكام البيع بالتقسيط، فتنتقل الملكية للمشتري منذ إبرام العقد، وبشرط واقف، وهذا لا يمنعه من التصرّف في العين ولا يجعله مبدّدًا لأنّ العقد بيع. كما يستحيل على البائع استرجاع العين من تفليسة المشتري إذا أفلس.

الفرع الثالث : البيعالإيجاري والإيجار التمويلي أو الاعتماد الإيجاري

يقرّب جانب من الفقه عقد البيع الإيجاري من الاعتماد الإيجاري، وذلك عقب الانتقادات الموجّهة لنظريّة البيع بالتقسيط، مع شرط الاحتفاظ بالملكية، ونتيجة للمخاطر المحيطة بهذا العقد والمتمثّلة فيما يتعرّض له البائع من مخاطر تخلّف المشتري عن سداد أقساط الثمن وإفلاسه أو إعساره، وعدم قدرته على استرداد حقّه بالثمن ومخاطر تصرف المشتري بالمبيع للغير حسن النيّة.

إذا حاولنا تقريب العقدين من بعضهما نجد تشابهًا بينهما في الهدف من كليهما وطريقة إتمامهما، خاصّة اشتراكهما في انتفاع المتعاقد بمحل العقد بصفته مستأجر، مع تملّك المستأجر للعين بعد نهاية مدّة محدّدة (24).

رغم التشابه الكبير بين العقدين، إلا أنّه ظهرت اختلافات مهمّة، ويعود الفضل في ذلك إلى حكم محكمة La ... يوم 26 جويلية 1964 في التخفيف من حدّة الخلاف بين العقدين، حيث استبعد قضاة  هذه المحكمة هذا التشابه، واعتبروا ذلك من الأوائل الذين نطقوا بهذا التمييز ويستندون إلى ما يلي:

-     أهميّة مبالغ الاعتماد الإيجاري والتي يبررها القرض(25).

-     انتقال الملكية في الإعتماد الإيجاري  مقترنة  برغبة المستأجر إذا أراد ذلك وفقًا للرغبة التي يعلنها عقب الوعد بالبيع. فمضمون الاعتماد الإيجاري هو إيجار مقترن بوعد ملزم لجانب واحد بالبيع من المؤجّر.

-     أمّا بالنسبة للبيع بالإيجار فهو يقترن بوعد بالبيع والشراء، ملزم لجانبين، لهذا فهو ينقلب بيعًا إثر نهاية عقد الإيجار بصورة آلية.

كذلك من حيث المفهوم الاقتصادي بحيث يتمثّل الاعتماد الإيجاري في تقنية حالية تستعير قالبًا قانونيًا لا يعبّر عنها بدقّة، يطغى عليها الجانب الائتماني.

المطلب الثالث : تكييف عقد البيع بالإيجار

بعدما عرضناه من مقاربات بين عقد البيع الإيجاري وبعض العقود، وما استنتجناه من تشابه مع بعضها واختلاف مع بعضها الآخر، نتناول عرض التكييف الذي توصلنا إليه، وهو كون عقد البيع بالإيجار عقدًا من العقود المسماة بموجب المرسوم رقم 01-105 الذي اكتفى بعرض بعض التزامات الأطراف دون تكييف العقد.

وما يمكن قوله أيضًا أنّ البيع الإيجاري عقد من العقود المركبة، وهو يجمع بين البيع والإيجار والوعد بالبيع والشراء. ومن البديهي أنّه لا حاجة للبحث عن تكييف العقد، إذ لا يثير أيّ إشكال بصدد تنفيذه، أمّا إذا كان غير ذلك فنكون بحاجة لإيجاد العنصر الغالب فيه

لأنّ العبرة في العقود المركّبة بالعقد الغالب فيه، فتسري أحكامه على المتعاقدين فيما لا يتمّ الاتفاق عليه.

لكن و إن كان البيع هو العنصر الغالب في البيع الإيجاري، وإن كانت المادّة 363 السابق ذكرها تجعل البيع بالتقسيط المقترن بأقساط بيعًا ولو سمّاه المتعاقدان إيجارًا، إلا أنّنا نصطدم بالفقرة الثالثة من نصّ المادّة التي تجعل انتقال الملكية ذا أثر رجعي إلى وقت البيع. وهذا لا يتوافق مع ما نصّت عليه المادّة 19 من المرسوم رقم 01- 105 التي تنصّ على ما يلي:  « تنتقل ملكية المسكن المعني وفقًا للقواعد المعمول بها بعد تسديد ثمن المسكن بكامله ».فيظهر جليًا من خلالها عدم رجعية انتقال الملكية.

 كما لا يمكن تغليب فكرة الوعد بالبيع ما دام البيع فيه لا يتمّ إلا إذا أظهر الموعود له الذي هو المستأجر رغبة في الشراء، وهو ما لا يتمّ في البيع بالإيجار، فلا توجد مرحلة أخرى للتعبير فيها عن هذه الرغبة إنّما تعلن الرغبة في الشراء عند إبرام العقد وذلك بالطلب أمام الهيئات المكلفة.

إنّما أقرب ما يكون هذا التصرّف شبيه بإيجار مقترن بالوعد بالبيع والشراء الملزم لجانبين أين يتراضى الطرفان على البيع والشراء لكن بعد مدّة معيّنة هي نفسها مدّة الإيجار  ألا وهي 20 أو 25 سنة. خلالها يتمّ دفع الأجرة التي حدّدت على أساس قيمة المبلغ الإجمالي للثمن على عدد الأشهر. عند نهاية هذه المدّة ينقلب الإيجار والوعد الملزم لجانبين إلى بيع بات وبصورة آلية، أمّا الملكية فلا تثير إشكالية لأنّ الملكية بعد الوعد ليس لها أثر رجعي إنّما أثرها فوري ، وهذا  ما يتطابق مع المادّة 19 من المرسوم السابق.

المبحث الثاني : أحكام البيع الإيجاري

نتطرق في هذا المبحث باختصار لشروط وإجراءات إبرام هذا العقد، لكننا نتوقّف بشيء من التفصيل عند إجراءات نقل الملكية.

المطلب الأوّل : شروط البيع بالإيجار والتزامات أطرافه

سنتعرض لهذه الشروط والالتزامات وفقًا للنصوص القانونية المنظّمة لها.

الفرع الأوّل : شروط البيع بالإيجار

يتاح البيع بالإيجار لكلّ شخص لا يملك أولم يسبق له أن تملّك عقارًا ذا استعمال سكني ملكية كاملة، ولم يستفد من مساعدة مالية من الدولة لبناء مسكن أو شرائه، ولا يتجاوز مستوى مداخيله خمس مرّات الأجر الوطني الأدنى المضمون، ولا تتاح الاستفادة من البيع بالإيجار إلا مرّة واحدة لشخص واحد (26).

 

 

الفرع الثاني : التزامات الأطراف

1 – التزامات المستفيد:

يجب على كلّ من يطلب شراء مسكن في إطار البيع بالإيجار أن يسدّد دفعة أولى لا تقلّ عن 25 % من ثمن المسكن، غير أنّ تسديدها يمكن أن يتمّ بالكيفية الآتية:

10 % من ثمن المسكن عند الإقرار الثابت بالشراء.

5 % من ثمن المسكن عند استلام المستفيد المسكن.

5 % من ثمن المسكن أثناء السنة الأولى من شغل المسكن.

5 % من ثمن المسكن أثناء السنة الثانية من شغل المسكن (27).

يجب على المستفيد  أن يسدّد مبلغ ثمن السكن في كلّ الحالات  بعد أن يخصم منه مبلغ الدفعة الأولى على مدى مدّة لا تتجاوز 25 سنة، يتمّ تسديد المؤجّل وفق أقساط تبين المبلغ الواجب دفعه شهريًا، موزّعة على المدّة المتفق عليها (28)، على أن يتمّ هذا التسديد قبل أن يتجاوز عمره (70) سنة، كما له أن يسدّد هذه الأقساط قبل حلول موعد استحقاقها.

يترتّب على عدم تسديد المستفيد 3 أقساط متتالية تطبيق زيادة 2 % في مبلغ القسط الشهري، وفي حالة التأخر عن دفع 3 أقساط شهرية يفسخ عقد البيع بالإيجار على حساب المستفيد، ويحتفظ المتعهد بالترقية العقارية. في هذه الحالة يحقّ رفع دعوى لدى الجهات القضائية المختصّة لطرد المقيم من المسكن.

2 – التزامات المتعهّد بالترقية:

يلتزم المتعهد بالترقية في إنجاز المساكن وفقًا لمعايير المساحة والرفاهية المحدّدة مسبقًا في دفتر الشروط(29).

بعد إنجاز المساكن، وعند إبرام عقد البيع بالإيجار على المتعهّد أن يصرّح بوضع المسكن تحت تصرّف المستأجر المستفيد حسب صيغة البيع بالإيجار، مع التزامه بكلّ الضمانات العادية والقانونية في هذا المجال من ضمان التعرّض والاستحقاق، ضمان العيوب الخفيّة، التزام بالتسليم في الآجال والالتزام بنقل الملكية فور النهاية من دفع الأقساط. وإذا رغب المستأجر المستفيد في تسديد الأقساط قبل حلول ميعاد استحقاقها، يتعيّن على المتعهّد مراجعة رزنامة الاستحقاقات.

المطلب الثاني : إجراءات البيع بالإيجار

نتناول في هذا المطلب الإجراءات السابقة لإبرام عقد البيع بالإيجار بداية من طلب الاستفادة، ثمّ إجراءات تحرير العقد والإجراءات التالية له.

الفرع الأوّل : الإجراءات السابقة للعقد

بعد طلب الشراء لدى الهياكل التي تعيّنها الوكالة الوطنيّة لتحسين السكن وتطويره يسلّم الطلب لدى الشبابيك التي تفتحها الوكالة لهذا الغرض مرفقًا بالوثائق المذكورة في المطبوع النموذجي.

تسجّل الطلبات وفق ترتيبها الزمني فور استلامها في سجلّ يرقمه ويوقّعه المدير العام للوكالة أو ممثّله. تعالج هذه الطلبات من طرف لجنة خاصّة حدّدت تشكيلتها من طرف الوزير المعني (30). تتوّج أعمال اللجنة بمحضر يوقّعه جميع أعضائها يبيّن الأشخاص الذين عولجت ملفاتهم وقُبلت.

وأخيرًا تسجّل قائمة المستفيدين في بطاقة وطنيّة خاصّة بهذه العمليّة، تفتح على مستوى المديرية العامّة للوكالة.

تتمّ دعوة المستفيدين لدفع 10 % من ثمن المسكن كالتزام نهائي بالشراء، ثمّ تدفع البقيّة على النحو الذي فصّلناه سابقً.

عند دفع القسط الأوّل 10 % للمستأجر المستفيد أن يُطالب بتحرير عقد البيع بالإيجار أمام الموثّق، وذلك قبل تسليم مفاتيح المسكن.

الفرع الثاني : الإجراءات اللاحقة لإبرام عقد البيع بالإيجار

1 – التوثيق: كون العقد يرد على عقار فنـزولا عند نصّ المادّة 12 من الأمر 70 – 91 والمادّة 324 من القانون رقم 88 – 14 فإنّ العقد يجب تحريره في شكل رسمي، وذلك تحت طائلة البطلان، وهذا ما أكّدت عليه المادّة 17 من المرسم 01 – 105 بنصّها على ما يلي: « يحرّر عقد البيع بالإيجار لدى مكتب التوثيق ويجب أن يحدد العقد  الطابع الموقف للبيع بالإيجار في حالة عدم احترام المستفيد  أحد الشروط ».

يلتزم الموثق بتحرير عقد البيع بالإيجار وفقًا للنموذج الذي أعدّته الوزارة مبيّنًا بذلك شروط العقد والتزامات كلّ أطرافه (31)، وتتجلّى أهميّة التوثيق بالنسبة لهذا الحقّ في:

-     إتمام ركن من أركان العقد وهو الشكلية وإلا كان باطلاً.

-     تمكين المتعاقدين من سند تنفيذي يضمن تنفيذ الالتزامات المتقابلة لكلّ الأطراف.

-     يتمّ فيه التصريح بالأقساط المدفوعة وإثبات ذلك بالوثائق وتحديد باقي الأقساط كي لا يلجأ المتعهّد بالترقية إلى المراوغة وزيادة الأقساط متى شاء.

2 – التسجيل: التسجيل هي عمليّة جبائية يقوم بها الموثق لحساب الخزينة العمومية ونيابة عن زبائنه فيحصل رسوم التسجيل والطابع منهم ليودعها بصندوق قابض الضرائب المختصّ إقليميًا في آجال يحدّدها الأمر رقم 76-105 المؤرخ في 09/12/1976 المتضمّن قانون التسجيل.

تسجّل العقود الموثقة التي تمّ تلخيصها مسبقًا في كشوف معدّة من طرف المحرّرين على النسخ الأصلية، ويجب إيداعها لدى مصلحة التسجيل في نفس الوقت الذي تقدّم فيه هذه الدفاتر والنسخ الأصلية(32).

إجراء التسجيل على خلاف ما يعتقده البعض ليس له أيّ أثر ناقل للملكية، ولا يرتّب أيّ أثر على موضوع الحقّ إنّما وظيفته جبائية بحتة، وهذا ما نصّت عليه المادة 28 من القانون رقم 88-27 المتضمّن مهنة التوثيق: « يحصل الموثّق الحقوق والرسوم بمختلف أنواعها لحساب الدولة من الأطراف الملزمين بتسديدها، ويدفع مباشرة بقباضات الضرائب المبالغ الواجبة على الأطراف... ».

فيسجّل عقد البيع بالإيجار على غرار كلّ العقود الموثّقة.

3     - إجراء الشهر: يلعب الشهر وظيفة هامّة في إعلان الغير بالمعاملات الواردة على العقارات والحقوق المرتبة عليها، لذا يسميه البعض الإعلان العقاري بدلاً من الإشهار العقاري.

هل يُشهر البيع بالإيجار ولماذا؟:  إذا نظرنا إلى الأثر الموقف للملكية الذي يتضمّنه البيع بالإيجار الذي تنصّ عليه المادّة 17 من المرسوم رقم 01-105 التي تجعل نقل الملكية لا يتمّ إلا عند التسديد النهائي لكلّ الأقساط فسوف نجيب بالنفي، أي لا ضرورة إشهار عقد البيع بالإيجار، لأنّ الأثر العيني، أو انتقال الحقّ العيني الأصلي من المتعهّد للمستفيد لا يتمّ بموجب عقد البيع بالإيجار فلا ضرورة لإشهاره.

لكن إذا نظرنا إلى العقد من جانبه الإيجاري ستشدّ انتباهنا مدّة هذا الإيجار التي ستدوم إلى غاية 20 سنة  أو 25 سنة على الأكثر. وتطبيقًا لنصّ المادّة 17 من الأمر رقم 75 – 74 المؤرخ في 12 نوفمبر 1975 المتضمّن إعداد مسح الأراضي العام، تأسيس السجل العقاري التي تنصّ على ما يلي: « إنّ الإيجارات لمدّة 12سنة لا يكون لها أيّ أثر بين الأطراف ولا يحتجّ بها تجاه الغير في حالة عدم إشهارها »

من خلال هذه المادّة نستخلص أنّ الإيجارات الطويلة الأمد يجب إشهارها، وإن لم تكن تتضمّن نقلاً لحقّّ عيني، لكن العبرة من وراء إشهارها هي الاحتجاج بهذا الإيجار بين الأطراف وفي مواجهة الغير.

ما دامت مدّة الإيجار في البيع الإيجاري تفوق 12 سنة فنرى ضرورة إشهاره وفقًا للأوضاع المقرّرة قانونًا.

4 – نقل ملكية المسكن: لم يكن المرسوم رقم 01-105 ولا المراسيم المعدّلة له واضحة في شأن نقل ملكية المسكن، فقد اكتفى بجعل نقل الملكية موقوفًا على دفع كلّ الأقساط دون تحديد الإجراء الناقل للملكية، هل العقد الأولي المتضمّن البيع بالإيجار هو الناقل للملكية بمجرّد دفع الأقساط؟ إذا كان الأمر كذلك فهو غير معقول، لأنّ الشهر الذي شرحناه سابقًا لم يكن يتعلّق بالملكية، إنّما بالإيجار فلا يُعقل شهر الملكية وهي لم تنتقل بعد ولا يمكن شهر الملكية بموجب نفس العقد بعد 20 سنة من يوم انتقال الملكية.

لا نوافق تمامًا هذه الفرضية، إنّما نتوجّه لفرضية أخرى وهي تحرير عقد جديد بعد الانتهاء من دفع الأقساط يكون موضوع العقد هنا هو تكريس البيع النهائي مع عرض البيع الإيجاري الأول،عدى هذا العرض سيحرّر الموثق البيع وفق الإجراءات والأوضاع القانونية المعروفة في هذا المجال، ويسجل ، ثمّ يُشهر في المحافظة العقارية، وتنتقل بذلك الملكية خالصة للمشتري وبصورة  نهائية.

وما يدعم رأينا هذا هو أحد البنود التي يتضمّنها البيع الإيجاري في حدّ ذاته، إذ ينصّ في المادّة 11 منه على ما يلي: « تنتقل ملكية المسكن موضوع هذا العقد الخاص بالبيع بالإيجار بعدما يستوفي المستفيد ثمن بيع المسكن بكامله، تنتقل ملكية المسكن بعقد رسمي محرّر أمام الموثق ويخضع لإجراءات التسجيل والإشهار لدى الإدارة المعينة وفقًا للتشريع المعمول به ».

الخلاصة :

تعدّ صيغة البيع بالإيجار صيغة حديثة لجأت إليها الدولة للتقليل من حدّة أزمة السكن التي يعانيها المواطنون، وبالفعل كان الإقبال عليها كثيرًا، وقد استجابت له شريحة كبيرة من المجتمع.كان تنظيم المرسوم رقم 01 – 105 والمراسيم المعدّلة له يركّز على شروط العقد والتزامات أطرافه، وحاول الإلمام بكلّ الالتزامات، وحدّد القرار المؤرخ في 23 جويليه 2001 شروط الترشح للاستفادة من هذا السكن، ثمّ كيفيات معالجة الطلبات وتحديد قائمة المستفيدين، كما حدّد القرار المؤرّخ في 23 جويليه 2001 نموذجًا لعقد البيع بالإيجار الذي حاول فيه جمع أحكام هذا العقد وتنظيمه تنظيمًا محكمًا، إلا أنّ هذه النصوص لم تكن كافية، وذلك نظرًا للنقائص التي لاحظناها فيها خلال دراستنا لها.

فمجموع هذه النصوص لم تساعدنا على الوصول إلى تكييف دقيق لهذا العقد ونقاط كثيرة بقيت غامضة تسند مهمّة إيضاحها للقضاء إذا ما عرضت عليه نزاعات بهذا الصدد، وأكيد أنّ هذه الاجتهادات تكون ذخيرة لا يستهان بها لسدّ هذه الثغرات.

ولعلّ أهمّ نقطة أغفلها المشرّع وكان يجب النصّ عليها صراحة هي وجود عقد لاحق لعقد البيع الإيجاري يتولّى تكريس البيع النهائي وكونه السبيل الوحيد لشهر هذه الملكية وانتقالها خالصة للمشتري.

المراجع :

1.    القانون رقم 90-25 المؤرخ في 18 نوفمبر 1990 الخاص بالتّوجيه العقاري المعدل والمتمم.

2.    القانون رقم 90-29 المؤرخ في 01 ديسمبر 1990 المتعلّق بالتهيئة والعمران.

3.    المرسوم التشريعي 93-03 المؤرخ في 01 مارس 1993 المتعلق بالنّشاط العقاري.

4.    القانون رقم 86-07 المؤرخ في 04 مارس 1986 المتضمّن الترقية العقارية.

5.    المرسوم التنفيذي 01-105 المؤرخ في 23 أفريل 2001 المحدّد لشروط شراء المساكن المنجزة بأموال عمومية في إطار البيع بالإيجار وكيفيات ذلك، ج ر عدد 25 الصادرة في 29/04/2001 والذي عدل بموجب المرسوم التنفيذي 03-35 المؤرخ في 13 جانفي 2003. ج ر عدد 04 الصادرة في 22/01/2003 والذي غيّر إسم المرسوم ليصبح كما يلي المرسوم التنفيذي...« المحدد شروط وكيفيات شراء المساكن المنجزة بأموال عمومية أو مصادر بنكية أو أي تمويلات أخرى في إطار البيع بالإيجار ».

6.     انظر: عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، المجلد الأول، مصادر الالتزام منشورات حلبي بيروت، 1986، ص 154.

7.    د. إبراهيم أبو اليل، البيع بالتّقسيط والبيوع الائتمانية الأخرى، مطبوعات جامعة الكويت، الكويت سنة 1984، ص.ص 26، 27.

8.     حمزي إبراهيم، النّظام القانوني لعقد الاعتماد الإيجاري للأصول المنقولة، مذكرة لنيل شهادة الماجستير فرع قانون الأعمال، جامعة تيزي وزو سنة 2001، ص.ص 86، 87.

9.     « La location – Vente désigne davantage une variété d’opérations Juridiques qu’elle ne correspond a un type de contact ».

Voir : THUILLIER Hugues, Location vente, encyclopédie civile, Dalloz, V, N° 1 et 2.

10.« Au sens large, constituent des locations de vente aussi bien le bail pour simplement assorti d’une promesse unilatérale de vente, que la ventes ferme, dans laquelle le transfert de propriété d’une période de location ».

Voir : THUILLIER Hugues, op, cit. p. 1.

11.     عدّلت هذه المادة بموجب المادة 5 من المرسوم التنفيذي رقم 03-35 المؤرخ في 13 جانفي 2003، ج ر عدد 04 الصادرة في 22/01/2003 وصار نصّها كما يلي: «تطبق هذه الأحكام على المساكن المنجزة بواسطة ميزانية الدولة أو الجماعات المحلّية أو بواسطة مصادر بنكية أو تمويلات أخرى...».

12.     الأمر 70-91 المؤرخ في 15 ديسمبر 1970 المتضمّن تنظيم مهنة التوثيق.

13.     انظر القانون رقم 88-14 المؤرخ في 3 ماي 1988 المتضمّن تعديل وتتميم القانون المدني.

14.     صارت هذه المدة 25 سنة بموجب 2 من المرسوم التنفيذي رقم 04-340 المؤرخ في نوفمبر 2004 المتضمّن تعديل المرسوم التنفيذي رقم 01-105، ج ر عدد 69 الصادرة في 03 نوفمبر 2004.

15.     الأمر 74-75 المؤرخ في 12 نوفمبر 1975 يتضمّن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري.

16.     انظر عبد الرزاق أحمد السنهوري، الجزء الأوّل، مصادر الالتزام، ص 157.

17.     خليل أحمد حسن قدارة، الوجيز في شرح القانون المدني الجزائري، الجزء الرابع، عقد البيع، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1996، ص 11.

18.     المعدّلة بموجب المادة 2 من المرسوم 04/340 المذكور سابق. وجعلت المدة 25 سنة بدل من 20 سنة.

19.     القانون رقم 05 – 10 المؤرخ في 20 جوان 2005 المعدّل والمتمّم للأمر رقم 75 – 58 المتضمّن القانون المدني، ج. ر عدد 44 لسنة 2005.

20.     انظر: السنهوري، الجزء الرابع، عقد البيع والمقايضة، ص 175 – 177.

21.     انظر:الأستاذ العروم مصطفى، عقد الإيجار، خصائصه، شروطه، آثاره وتنفيذه، مجلّة الموثّق، العدد 2، سنة 2001، ص 15.

22.     عبد الرزاق أحمد السنهوري، الجزء الرابع، عقد البيع والمقايضة، مرجع سابق، ص 181 – 182.

23.     انظر: السنهوري، الجزء الرابع، عقد البيع والمقايضة، مرجع سابق، ص 178.

24.     انظر:علاء الدين عبد اللهفواز الخصاونة التكييف القانوني لعقد الإيجار التمويلي ،دار الثقافة ،الأردن 2002 ص83-85.

25.     انظر:أيت ساحد كاهنة ، الاعتماد الإيجاري للأصول غير المنقولة ، مذكرة لنيل شهادة الماجستير فرع قانون الأعمال ، جامعة تيزي وزو 2004 ص73.

26.     انظر المادّة 6 من المرسوم التنفيذي رقم 01- 105.

27.     انظر المادّة 2 من المرسوم التنفيذي رقم 04 – 137 المعدّلة للمادّة 07 من المرسوم رقم 01 – 105.

28.     انظر المادّة 8 من المرسوم التنفيذي رقم 01 – 105 المعدّلة بموجب المرسوم رقم 04 – 340.

29.     انظر المادّة 4 من المرسوم التنفيذي رقم 01 – 105 المعدّلة بموجب المادّة 03 من المرسوم رقم 03 – 35، ج.ر، عدد 04 لسنة 2003.

30.     القرار المؤرخ في 23 يوليو سنة 2001 الذي يحدّد شروط معالجة طلبات شراء المساكن في إطار البيع بالإيجار وكيفيات ذلك.ج. ر، عدد 52، لسنة 2001.

31.     القرار المؤرخ في 23 جويلية 2001 المتضمّن نموذج عقد البيع بالإيجار، الجريدة الرسمية، عدد 52، لسنة 2001.

32.     انظر المادّة 15 من قانون التسجيل المعدّلة بالمادّة 41 من قانون المالية لسنة 1996.