pdfمن قضاة توات (سيدي الحاج البلبالي(1155هـ ـ 1244هـ)

 

 

عبد القادر بقادر

     جامعة ورقلة

الملخص:

تتناول هذه الورقة صفحة من صفحات القضاء في توات حيث تترجم لأحد كاتبي هذه الصفحات التي تبقى شاهدة على طول كعب رجال الجزائر في هذا المجال، وفي فض النزاعات بين الناس فيما يستحدث بينهم من نوازل، والصلح بينهم، ومن هؤلاء رجل تحدى الاستهزاء وتعلم وتحدى وسافر بحثا عن العلم حتى نال ثقة العلماء وسكان توات فتولى بها خطة القضاء، إنه الشيخ سيدي الحاج البلبالي.

المقدمة:

لم يعرف إقليم توات عبر تاريخه القديم حكما سياسيا بمعنى أن هناك حاكما أميرا كان أم سلطانا أو غيره، وذلك لأن سكانه كانوا عبارة عن قبائل متناثرة في الصحراء يتحاكمون إلى قاضِ يفصل في النزاعات التي كانت تظهر بينهم بين الفينة والأخرى، ومن هنا ظهر بالإقليم عدد كبير من القضاة الذين كانوا يحكمون بين الناس بمقتضى الشريعة الإسلامية، وظل هذا الوضع حتى مع الوجود الاستعماري.

نسبه ومولده

هو أبو عبد الله محمد بن محمد عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحاج أمحمد بن أحمد بن أبي زيد البلبالي([i]) الأنصاري نسبا الملوكي([ii]) دارا والتواتي موطنا([iii]) ولد ليلة عرفة من عام 1155هـ([iv]) الموافق لـ 03 فبراير 1743م. ومَنْ ولد يوم عرفة يسمى بإقليم توات "الحاج" إلى يوم الناس هذا. ولهذا يلقب بسيدي الحاج. 

نشأته:

نشأ يتيما بعد وفاة والده حيث قامت والدته على تربيته وتنشئته التي أحسنت رعايته، ولما رأت فيه علامات النبوغ دفعت به إلى المحضرة ليتعلم القرآن الكريم رغم صغر سنه فحفظه وأتقنه قبل بلوغه السنة السابعة من عمره.

طلبه للعلم وتنقلاته

بدأ قراءة القرآن قبل سن السابعة من عمره على يد الشيخ عبد الله بن إبراهيم([v]) حتى حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب في سنة 1162هـ، ولمّا اشتد عوده قليلا ورأى في نفسه ميلا إلى الاستزادة من العلم رحل إلى تينيلان عند الشيخ عبد الرحمن بن عمر التينيلاني([vi]) فأخذ عنه تجويد القرآن بروايتي ورش وقالون، ومختصر خليل في الفقه، وألفية ابن مالك في النحو والصرف وهو في حداثة السن، وهو على هذه الحال كان الناس ينظرون إليه نظرة استهزاء وسخرية لصغر سنه لكنه لم يأبه لذلك فقد مضى نحو طموحه وآماله بخطى ثابتة وبصيرة ثاقبة، يقول عن ذلك: "والناس إذ رأوني أطلب العلم في تلك الحالة يسخرون ويستهزئون بي لشدة طفولتي ولم أبال بهم"([vii]).

ومع ذلك كله كان كثير التردد على قصر أولاد أونقال حيث يوجد الشيخ أمحمد بن سيدي عبد الله الونقالي([viii]) قبل أن ينتقل إليه كلية، فقرأ عليه الآجرومية، ومختصر خليل، وهناك بلغ صاحبنا الحُلُم فصام صيامه الأول، وبعد وفاة سيدي أمحمد الونقالي أخذ موضعه؛ فتصدّر للدرس والإمامة حيث صلى بالناس التروايح في شهر رمضان المبارك على الرغم من حداثة سنه (صومه الأول).

وما لبث أن انتقل إلى قصر زاجلو فهناك الشيخ سيدي محمد بن العالم الزجلوي([ix]) فقرأ عليه ألفية ابن مالك، والخزرجية في العَروض، وأقرأه القلصادي([x])، ويكون بذلك قد تبادل معه الأخذ فكلاهما يعد شيخا للآخر وتلميذا له([xi])، وظل عنده قرابة شهر واحد فقط.

ثم انتقل إلى تمنطيط حيث مكث ردحا من الزمن يشتغل بالتدريس والإمامة إلى أن تزوج هناك وأنجب ابنه عبد العزيز الذي سوف يكون له شأن عظيم مستقبلا خاصة في النحو حيث لُقِّب بسيبويه.

بعد هذه الجولة والتنقلات والارتشاف من المنابع العلمية والفقهية واللغوية بالإقليم عاد سيدي الحاج إلى مسقط رأسه ملوكة فصار عالما فقيها إماما، وأديبا شاعرا، وقاضيا، وطبيبا حيث كانت له دراية بالطب.

بعد هذه الرحلة العلمية التي قام بها سيدي الحاج والتي بدأت منذ نعومة أظافره بحثا عن العلم يتضح لنا مدى نضج الرجل وعلو همته وشغفه بالتحصيل العلمي والمعرفي الشيء الذي بوأه أن يكون نبراسا وشعاعا علميا بالمنطقة، أضف إلى ذلك المناصب التي تقلدها خلال حياته من مدرس إلى إمام إلى فقيه ثم طبيب ليكون قاضيا في آخر حياته.

حياة كلها تحصيل وعطاء تمثلت في ملازمته شيوخا أجلاء شُهد لهم بالعلم والنبوغ كما شهد لهم القريب والبعيد بالتفوق العلمي فكان سيد الحاج أحد الذين نهلوا من تلك المنابع العلمية والمعرفية في وقتها، فلم يكن في حاجة إلى التطلع إلى الذهاب خارج الديار التواتية، إنما ظل الرجل بهذا الإقليم وعرف كيف يستغل كل الطاقات والإمكانيات التي وجدت ووُفرت له بالإقليم.

هذا ما مكنه من تقلّد مناصب عديدة حيث تصدّر للتدريس بقصر أولاد أونقال وصلى بالناس التروايح وهو في صيامه الأول.

وتولى الإمامة والخطابة بتمنطيط مدة غير قصيرة من الزمن.

وكان إماما خطيبا ومدرسا بمدرسة ملوكة تقلد منصب قضاء الديار التواتية سنة 1210هـ، ليتنحى عنه بعد عجزه وتقدم سنه

أخلاقه

كان سيد الحاج عالما عاملا فقيها صبورا متطلعا إلى العلم شغوفا به وبأهله منذ نعومة أظافره، قال عنه صاحب الدرة الفاخرة: "العبقري الذي لاحت عليه أعلام التوفيق، المحب للعلم وأربابه، المنفق على تحصيله، ربق شبابه المستفيد المفيد"([xii]) كان مجتهدا حييا.

شيوخه:

أخذ سيدي الحاج عن شيوخ أجلاء ملئوا الدنيا بأخبارهم وقصدهم للأخذ عنهم القاصي والداني، فكان هو أحد أولئك القاصدين، وقد ذكرتهم عند حديثي عن طلبه للعلم وتنقلاته([xiii]).

تلاميذه

استفاد من سيدي الحاج عدد  كبير من التلاميذ أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

ابن العالم محمد الزجلوي وكما ذكرنا آنفا فهذا الأخير يعد شيخا وتلميذا في آن واحد.

عبد العزيز بن محمد بن أمحمد المدعو عزيز([xiv])

ابنه عبد العزيز البلبالي([xv])

عبد الله بن محمد عبد الله بن عبد الكريم الحاجب([xvi])

محمد بن محمد عبد الرحمن([xvii])

أحمد بن عبد الرحمن بن المبروك([xviii])

البكري بن عبد العزيز بن محمد البلبالي([xix])

محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد التواتي

آثاره

لم يترك سيدي الحاج كتبا وإنما ترك رجالا ورثوا عنه العلم والمعرفة ونشروه عبر الأصقاع وقد سبق لنا ذكر تلاميذه، وقام رحمه الله تعالى بجمع فتاوى القاضي عبد الحق وأعضاء مجلسه وهم: عبد الرحمن بن عمر التينيلاني، محمد بن العالم الزجلوي، عبد الكريم الحاجب([xx])، محمد بن عبد الله التمنطيطي([xxi]) الذين قيل أنهم: " أربعة أشياخ لم تسمح الوقت بأفضل منهم في صناعة القضاء."([xxii])

ولم يكن لصاحبنا في هذا العمل حظ الجمع فحسب إنما أقر البعض وأضاف بعض الفتاوى، كما أنه صنفه وبوبه، ومن ثم سماه "غنية المقتصد..." وعرفت فيما بعد بالغنية البلبالية.

وكانت له إجازات علمية كثيرة، رغم أنه كان يخاف ذلك كثيرا فقد كان يقول عن نفسه: "هذا العبد الحقير المقر بالجهل والتقصير مع علمه أنه ليس من ناس هذا الميدان ولا من رجال نحو هذا الإيوان وأنه ليس أهلا أن يجازى فضلا على أن يجيز"([xxiii])، وله بعض المحاولات الشعرية القليلة منها قصيدة جمع فيها آداب الضيافة جاء في مطلعها:

ألا فاستمع مني مسائلا يا فتى

 

تقر بها الأصحاب والضيف مسجلا([xxiv])



[i]  ــ نسبة إلى تبلبالة المكان الأول الذي نزل به جدهم الأول، وتبلبالة هي دائرة من دوائر ولاية بشار التي تبعد عنها بـ 400 كلم جنوب غرب الولاية.

[ii]  ــ نسبة إلى قصر ملوكة التي تبعد عن مدينة ادرار بحوالي 05 كلومترات غربا.

[iii]  ــ ينظر: وثيقة من وثائق خزانة كوسان، مخطوطة.

[iv]  ــ ينظر: الدرة الفاخرة ، عمر بن عبد القادر، مخطوط بخزانة باعبد الله، ص: 10، وجوهرة المعاني، محمد بن عبد الكريم التمنطيطي، مخطوط بخزانة المطارفة، ص: 07.

[v]  ــ هو عبد الله بن إبراهيم بن سيدي الحاج علي بن سيدي أحمد بن أبي زيد البلبالي، كان مشهورا بالصلاح وكان له ورد في الليل مداوم عليه إلى أن مات، وقد أخذ عن عدد من الشيوخ أذكر منهم محمد الصالح الميموني، وسيدي عمر بن عبد القادر الأكبر، وعبد السلام البلبالي...

[vi]  ــ عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن معروف بن يوسف بن أحمد بن يوسف التينيلاني، أخذ عن شيوخ من توات وآخرين من أقطار أخرى كالمغرب وغيرها؛ فمن التواتيين عمر بن عبد القادر التينيلاني(1152هـ)، والشيخ محمد بن اب المزمري تـ (1160هـ)، ومن المغاربة أحمد بن عبد العزيز بن إبراهيم الهلالي، كان أحد أعلام المنطقة وإليه تشد الرحال في طلب العلم. (الدرة الفاخرة، ص: )

[vii]  ــ إجازة سيدي الحاج محمد بن عبد الرحمن البلبالي لعزيز، مخطوطة بخزانة مولاي حكيمي بكالي، تيميمون.

[viii]  ــ هو أمحمد بن عبد الله ولد سنة 1140هـ كلن عالما بجميع فنون العلم صوفيا ورعا أخذ عن الشيخ عمر بن عبد القادر، وفته المنية سنة 1175هـ وعن عمر يناهز 35 سنة فقط. (جوهرة المعاني، ص: 12.)

[ix]ــ هو أبو عبد الله مُحمد بن أمحمد بن أحمد بن مُحمد بن أبي بكر الأنصاري نسبا، التواتي وطنا وبلدا، الزجلوي منشأ، ولقبه ابن العالم، يرتفع نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، ولد قبيل منتصف القرن الثاني عشر الهجري (12هـ)، في أسرة اشتهرت بالعلم والمعرفة؛ فهذا والده أمحمد الذي كان أحد أعلام المنطقة تعلّم بسجلماسة في المغرب الأقصى، وتلمسان النحو وأصول الفقه، وكان مفتي الديار التواتية، أخذ عن عبد الرحمن بن عمر التينيلاني، وعن أبيه أمحمد، توفي سنة 1212هـ ، ترك آثاره ألفية غريب القرآن، ألفية في التفسير، شرح على ابن عاشر وآخر على مختصر خليل وثالث على التلمسانية في علم الفرائض...(ينظر ترجمته كاملة في ألفية القرآن، محمد الزجلوي، دراسة وتحقيق، بقادر عبد القادر، رسالة ماجستير، جامعة ادرار، 2009م، ص: )

[x]  ــ هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي القرشي البسطي المعروف بالقلصادي. عالم رياضي اشتهرفي القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي. ولد في بسطة من الأندلس عام 825 هـ. عاش القلصادي في مسقط رأسه ودرس كغيره من طلبة العلم، وأخذعن كبار علماء بسطة، ثم انتقل إلىغرناطةفاستوطنها وطلب العلم فيها. نبغ القلصادي في علم الحساب، كما درس الفقه على علماءغرناطة فأصبح فقيها من فقهاء المالكية، ثم غادر غرناطة إلىشمال إفريقية حيث توفي في باجةبتونسقبل ست سنوات من سقوط غرناطة 891هـ .ترك القلصادي العديد من الكتب في علم الرياضيات والفقه والفرائض.

[xi]  ــ وثيقة من وثائق خزانة كوسان، مخطوطة.

[xii]  ــ الدرة الفاخرة، ص: 10.

[xiii]  ــ وهم: عبد الله بن إبراهيم البلبالي، عبد الرحمن بن عمرالتينيلاني، أمحمد بن عبد الله الونقالي، محمد بن العالم الزجلوي....

[xiv]  ــ لم أقف له على ترجمة وهو من أولاد سعيد قصر كالي بتميمون.

[xv]  ــ هو عبد العزيز بن سيدي الحاج ولد سنة 1190هـ برع في النحو حتى لقبه والده بسيبويه، تولى القضاء بعد والده توفي سنة 1261هـ .(ينظر: الدرة الفاخرة، ص: 11.)

[xvi]  ــ قصد ملوكة وظل بها مدة أربع سنوات حتى أجازه شيخه توفي سنة 1261هـ ، له شرح على ابنجماعة وحاشية على مختصر خليل.(ينظر: جوهرة المعاني، ص: 07.)

[xvii]  ــ كان عالما بالفقه والنحو، غالب عليه التخلي والانقطاع عن الناس. (ينظر: الدرة الفاخرة، ص: 14.)

[xviii]ــ كان عالما فقيها، أخذ عن عدد من علماء توات وفاس.(ينظر:الدرة الفاخرة، ص: 14.)

[xix]ــ كان عالما بكثير من العلوم أخذ عن جده وعن أبيه. (ينظر: الدرة الفاخرة، ص: 15.)

[xx]  ــ هو عبد الكريم بن محمد الصالح بن البكري بن عبد الكريم، وُلد في تنمطيط  عام 1118هـ كان عالما وعاملا وفقيها وزاهدا أخذ عن جده، وعن والده علم النحو والفقه والتفسير واللغة العربية (جوهرة المعاني، ص: 21.)

[xxi]  ــ لم أقف له على ترجمة.

[xxii]  ــ جوهرة المعاني، ص:22.

[xxiii]  ــ وثيقة هي أجازته لأحد تلاميذه في خزانة حكيمي بكالي بلدية أولاد سعيد بتيميمون.

[xxiv]  ــ ينظر: الشجرة المرجانية في التعريف بالأسرة البلبالية الركانية، أحمد بن محمد بن حسان عريان الراس، دار هومة، الجزائر، د ط، 2010م، ص: 126.

 

[1]  ــ ينظر: القصيدة في جوهرة المعاني ص:

 

[1]  ــ القصيدة مخطوطة بخزانة قريشي مولاي علي بأولاد إبراهيم، وعندي نسخة منها.

 

[1]  ــ وهو محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن يوسف التواتي.

 

[1]  ــ وثيقة في خزانة حكيمي بكالي بلدية أولاد سعيد تيميمون، وعندي نسخة منها.

[1]  ــ الشجرة المرجانية في التعريف بالأسرة البلبالية الركانية، ص: 125.