الشيخ: أمحمّد بن يحي الخلوفيpdf

" منارة العلم وقداسة السّر"

 حكيـم بوغازي

جامعة غليزان

ملخص البحث:

عاشت منطقة مستغانم عامّة و الظَّهْرَة[1] خاصّة حركة علميّة كبيرة على مرّ العصور، أدّت إلى ظهور علماء أجلاّء، قاموا بتربية المجتمع، وتأليف القلوب قبل العقول، كما أودعوا الخزائن كتبا ضخمة مسّت جميع النّواحي العلميّة، طُبع منها القليل، وما ينتظر البحث كثير، وعليه فإنّنا سنتناول في هذا البحث شخصيّة علميّة فذّة  أنارت المنطقة بعلمها وأثارت جدلا واسعا حول كتبها وخزانتها المعرفية .

summary

       Mostaganem's region has seen in general and Dahra in special,  a great scientific movement throughout the ages, which lead to the emergence of a great scientist who raised the community . So as they left a great number of books,  this latter touched allmost the scientific fields.

     accordingly , we will tackle in this research,  a nonsuch personality who enlightened  all the area with his knowledge

مهاد البحث:

لقد مرّت مدينة مستغانم ([2] )عبر تاريخها السيّاسي والثّقافي بالكثير من التحولات التي صنعت مجدها التليد يوما، تلك القامات العلميّة التي ما فتئت تجلجل القراطيس وتصنع العقول وتؤلّف ما بين القلوب، فمن سيدي سعادة الشهير في القرن الخامس الهجري إلى سيدي لخضر بن خلوف في القرن التاسع الهجري، مرورا بمحمد بن عبد الحق البطيوي([3])               

(-525ه) و الشيخ سيدي أبو عبد الله المغوفل([4] )ويحي بن عمر العجيسي من علماء القرن الثامن الهجري،  ومحمد بن منصور المستغانمي من علماء القرن الحادي عشر الهجري، صاحب شرح مخطوط لمتن الأجروميّة بعنوان (الدرر الصبّاغية في شرح الأجرومية )- وقيل هو لشيخه- ، والشيخ الرمّاصي([5]) صاحب التصانيف الوفيرة والمخطوطات النادرة،  إلى الشيخ محمد بن علي السنوسي المتوفى 1276ه، مؤسس الطريقة السّنوسية صاحب كتب كثيرة نحوصل منها: بغية المقاصد وخلاصة المراصد، وكتاب السلسبيل المعين في طرائق الأربعين، و كتاب الدرر الفردية في ذكر أوائل الكتب الأزهرية ، وغيرها .

أما في القرن الثالث عشر فنلفي العالم القدوة الفذّ الشيخ عبد  القادر بن عمّور المستغانمي  شارح ألفية بن مالك والملقّب بسبويه زمانه، و بجواره الشّيخ سيدي عثمان المالفي المستغانمي المتوفى في القرن الثالث عشر الهجري ، صاحب المطوّل والمختصر في تفسير القرآن الكريم وكتاب تحفة الألباب، الذي أغطش القراء عن معرفة حقيقة المتناول فيه، إلى جانب الشيخ قدور بن محمد بن سليمان  المستغانمي الفقيه المالكي الشهير التّيجاني بامتياز، دفين زاويته ومكان تعبده، ترك لنا أكثر من عشرين مؤلفا منها : ياقوتة الصفا في حقائق المصطفى، وكتاب في المواريث بعنوان :

جلاء الرّان وتنوير الجنان، وغيرها من الكتب التي لا تزال مخطوطة.

أما الشّيخ أحمد بن مصطفى العلاوي المستغانمي(1870-1934) الغني عن التعريف والكبير عن التمثيل صاحب ابن باديس رحمة الله عليهم جميعا، فقد ترك لنا رصيدا ضخما يعظم جِرمه ويكثر علمه، من أبرزه: منهل العارفين في تفسير البسملة وسور من القرآن ، وكتاب مفتاح الشهود في مظاهر الوجود، إلى جانب كتاب: لباب العلم في سورة النّجم، وغيرها من المؤلفات الضخمة التي لم ير النور أكثرها .

وإذا كان الحال هكذا مع هؤلاء الأفذاذ، فإن علماء آخرين تركوا بصماتهم وخلّدوا مآثرهم لعلّنا  نذكر منهم على سبيل التّمثيل : الشّيخ عدة بن تونس(1898-1952) تلميذ الزيتونة يومئذ، صاحب التصانيف الجمّة والإفادات الحسنة، قد غشيّ السّاحة العلمية بمنح جليلة و إفادات علمية كبيرة([6] )، و مفتي الديّار المستغانمية في زمانه الشيخ عبد القادر بن قارة مصطفى([7]) (1862-1956م) والشيخ مولاي بن شريف([8]) (1883-1959م) دفين سيدي علي والشيخ بلكتروسي (1962م) دفين بلدية حجاج الذي لا تزال كل كتبه بكرا مخطوطة بيد أبنائه وأحفاده تنتظر نفض الغبار عنيها ،  والشيخ سي أمحمد بن يحي محور الموضوع هذا ، سليل العلماء والأولياء الذين قال الحق تعالى في شأنهم: [ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون] .

وعلى ذكر هذا التدرج الكرونولوجي المختصر لأهم المحطاّت الثقافية والعلميّة لقامات المدينة وأحوازها، فإننا لا محالة قد تغافلنا عن ذكر الأهم والأهم من الكثير من طبقات العلماء المستغانميين على مرّ التاريخ، حيث كانوا ولا بد على قدر من العلم والاعتبار والشأن، وبعيدين عن المعنى المتميّز الذي قاله الجاحظ العملاق يوما في كتابه الحيوان : من قلّ اعتباره قلّ علمه، ومن قلّ علمه قلّ فضله، ومن قلّ فضله كثر نقصه، ومن قلّ علمه وفضله وكثر نقصه، لم يحمد على خير أتاه، ولم يذم على شر جناه، ولم يجد طعم الجِّد و لا سرور الظّفر ولا روْح الرّجاء ولا برْد اليقين ولا راحة الأمن. 

الشيخ أمحمد بن يحي([9] )المولد والنشأة:

هو العلاّمة الحبر الفهّامة الشيخ سي أمحمد بن يحي دفين سيدي لخضر بن خلوف، صاحب الملكة الفقهية الكبيرة، والتوجيهات النحوية الوفيرة، يفهق حوضه بسِر المتصوف، ويندى روضه بحجة المؤلف.

هو الفليتي مولدا ([10] )الخلوفي  دارا،  ارتحل في حداثة سنه من تلك الديار(غليزان)  راجيا عفو ربه سالكا شعب العلم، إلى أن نزل به المقام بزاوية العلم [واد الخير][11] راقيا لا مسترقا، فوضع على أثافيَّ هقعتها مرجله، فكان له بذلك  شأن العالم بمنزلة المجاهد رحمة الله عليه.

منذ ما يربو عن قرن من الزمن تخرّج على يديه أهم طلبة وعلماء المنطقة( الظّهرة) من أمثال الشيخ: سي محمد بلقرد رحمه الله والشيخ سي حمّادي رحمه الله والشيخ سي الديلمي أطال الله في عمره و الشيخ سي محمد العشعاشي عالم وقته، والشيخ البارودي الكبير زادنا الله من علمه، وغيرهم كثير لا يحصى عدّهم ولا يُعلى على شأنهم.

ولأجل ذلك فإننا سنتناول بالتحليل والتدقيق السيرة الذاتية للشيخ وطلابه، من خلال الروايات الشفوية الميدانية التي سنسعى إلى بلوغ مواطنها، وتتبع أغوارها مرحلة مرحلة. والله نسأل السداد والتوفيق .

1**  نسبه ومولده رحمه الله :

لقد أورد الكتّاب والمؤلفون عبارة مشهورة ردّدت على ألسنتهم زمنا معتبرا وهيّ أنّ أخبار الأوائل ومعرفة الأجناس والقبائل من أهم ما يعتنى به ويدّخر، ولأجل ذلك قال الإمام الغزالي في معراجه: " العالم من الرجال إنما هو كالشّمس أو كالسّراج، يعطي الضوء ثم انظر ببصرك فإن كنت أعمى فما يغني عنك السّراج والشمس "([12]).

و على هذا التأسيس المبني على معرفة الرجال وسبر غورهم، نرتحل إلى مبتغانا الباحث في شجرة الشيخ سي أمحمد بن يحي رحمه الله، حيث جاء ت الروايات المنقولة عن أولاده وأحفاده بخط يده فقالوا: هو الشيخ مهدي أمحمد بن يحي بن أمحمد بن محمد بن يحي بن قدور بن محمد بن بلقاسم بن سيدي بخدة بن بلقاسم بن أمحمد بن سعيد بن محمد بن بلقاسم بن سيدي علي بن يحي بن سيدي راشد بن فرقان بن حسين بن سليمان بن أبو بكر بن مؤمن بن محمد بن عبد القوي بن عبد الرحمن بن إدريس بن موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

إنّـه نسب شريف يمتد بصهوته إلى النبّي صلّى الله عليه وسلّم، شأنه في ذلك شأن أجداده الفطاحل الذين سجّلوا أنفسهم على بوابات التاريخ دونما دراية بأن التاريخ والأجيال ستأتي على ذكر أيامهم يوما، وتستدعي الذاكرة الحية من أجل سبر غور ما أتت عليه أيديهم من كتب ومخطوطات، تسترعي التوقف عند مكنوناتها والتفتيش عن مخزونها الثري  والتأسّي بما جادت به قرائحهم قبل أقلامهم.

ولد الشيخ أمحمد بن يحي رحمة الله عليه سنة 1908 بعرش تعسالت واد سلام، حيث نشأ في أسرة محافظة على التقاليد الإسلامية السّمحة نظير الامتداد التاريخي لعراقة العائلة، فأبوه كان عالما جليلا معروفا بمنطقة سيدي بخدة([13] )وسيد بخدة هذا هو الجد السادس للشيخ(انظر الهامش)، تلقى علوم الدين بزاوية أبيه آنذاك، من حفظ للقرآن الكريم ونحو وفقه ومنطق وغيرها من علوم الأوائل والأواخر .

انتقل الشيخ كعادة طلاب العلم إلى منارة العلم زاوية الشيخ بلحول([14]) (بلدية واد الخير مستغانم ) أين واصل دراسته للفقه والعلوم الشرعية والنحو والصرف والتفسير، على يد أحد كبار مشايخها وهو سيدي قدور بلعروسي رحمة الله عليه، شيخ مشايخ زمانه ومردّ عقال الفقه عند خلانه، صاحب الملكة النحوية الوفيرة والشجاعة الأدبية الجريئة.

بعدما تزود الشيخ أمحمد بن يحي مما أفاض الله على شيخه من علم روحاني ونظامي، ارتحل حاجا إلى   مدينة سيق (معسكر) لا لعرض الدنيا و إنما لزيادة طلب العلم والمعرفة، بمسجد العربي التبسّي على يد شيخين جليلين هما: الشّيخ " سي الحاج البشير"والشيخ "سي الحاج البدوي"، اللّذان كانا منارتين متجاورتين تشعّان علما وتصوّفا ومنهجا قديرا، بل وتربية للطلبة وصنعاً للرجال ، حيث تخرّج  الشّيخ من ذلك المكان الربّاني  بإجازة التدريس وهو لا يزال يافعا طريا ، تحذوه في ذلك بلوغ غاية مشايخه وإيصال الأمانة إلى أهلها.

2** مسيرته العلمية التعليمية :

تشير الروايات التي تواترت لدينا أن الشيخ سي أمحمد بن يحي عندما تخرج من مدينة سيق، التقى بالسيد

 " الميسوم" الذي كان من سكان سيدي لخضر بن خلوف([15]) وجاء معه إلى سيدي  لخضر نزولا عند رغبة مضيفه، " ليكون كتابا وأمة جاء ليقيم منهجا ويشق طريقا ويفتح أفقا " ([16]) كما يقول الأستاذ أرحيلة - في غير ما موضع من كتبه الشيقة- ،  فالتقيا بالشيخ "سي بدرعي " مفتي الديار الخلوفية وقتها و الذي كان يدرس بالزاوية  الدرعيّة بسيدي لخضر من سنة 1937 إلى 1941 .

بعد أن التحق الشيخ سي أمحمد بن يحي بالشيخ" سي بدرعي" الذي كان متوقفا عن التدريس حينها،

( نجهل الأسباب ) توسّم خيرا في هذا الوافد الجديد، وتفرّس فيه فوجد أن لهذا الرجل شأنا عظيما سيجعل منه قطبا للمنطقة، فسارع  إلى الاتفاق بمعية السادة أعيان منطقة الظَّهرة وقتها وهم السّادة : عبدو سي الجيلالي والحاج النايب بومهدي والحاج بوزيان قاضي رحمة الله عليهم جميعا ، على إعادة إحياء الزاوية([17]) الواقعة غرب الضريح حاليا، فكان أن اشترى الشيخ  سي أمحمد بن يحي الأرض من عائلة سي بومهدي وأعاد تهيئة الزاوية بمشاركة الجميع وبدأ التدريس بها في نفس السنة إلى سنة 1956 بسب الضغوطات الفرنسية على العلم والعلماء، وبسبب التحاق الكثير من تلاميذ الزاوية بثورة التحرير نتيجة ما زودتهم  به  من تربية وطنية ودينية من الشّيخ الذي كان سندا للثورة التحريرية بكل المواصفات .

لقد كانت زاوية الشيخ سي أمحمد بن يحي منارة للعلم من شرشال شرقا إلى حدود وهران غربا، وإلى هذا الحد الذي وصلت إليه فإننا وجدنا عددا لا بأس به من العلماء والمشايخ الذين تخرجوا على يد الشيخ سي أمحمد بن يحي، قد أولوا عناية فائقة للتدريس والتربية والتكوين وبلوغ المقاصد والمراصد.

ومن أجل توسعة المجال العلمي وتهيئة الأذهان قبل الأبدان، بادر الشيخ أمحمد بن يحي في سنة 1963 إلى فتح  المسجد العتيق (مسجد الهدى حاليا ) بعاصمة البلدية ، حيث يذكر في هذا الصدد الشيخ الديلمي([18]) تلميذ الشيخ " أنه كان يدرس يوم الخميس متن الأجرومية لابن أجرّوم الصنهاجي المتوفى(726ه) ورسالة ابن أبي زيد القيرواني([19])، إلى جانب حرصه الشديد على الإلمام بالمذهب المالكي ومعرفة النّحو قبل الفقه، كما أنّه كان يحرص على معرفة تفسير القرآن الكريم والوقوف عند دلالاته النحوية والفقهية وفي ذلك إشارة إلى غزارة علم الرجل وتبحره في فنون شتى ، كما أنّنا قد بلغنا أنه وضع بعض التخريجات الفقهية والنحوية والرسائل العلمية التي اختفت بعد موته، بحسب المقربين منه، كما أنّه كان يكتب بخط مغربي قديم واضح وجلي اطّلعنا عليه في بعض الحواشي الخاصة بمتون التدريس التي كانت له .

وتأسيسا على ما فصّلناه سابقا فإننا لا بد وأن نورد قصة حدثت لطلبة الشيخ يوما، تبين  مدى حرصه على معرفة خصائص البيان القرآني لا مجرد حفظه وتكراره؛ فبينما هم يرتلون القرآن جماعة ، إذ بالشيخ يوقفهم كعادته بأدب وتأدب مع كلام الله، ثم يبادرهم بالسؤال عن إعراب لآية من القرآن الكريم كانوا يتلونها، فتردد الجميع خشية الوقوع في الزلل، لأن الشيخ كان مهابا لا يشق له غبار، هنا تدخل الشيخ قائلا: كيف لا تحصلّون ما أعلمكم إياه؟ كيف لكم تلاوة القرآن من دون معرفة حقائقه وكنوزه؟ فقاطعهم فترة من الزمن حتى تداركوا ذلك وتمت إجابته إجابة صحيحة بحسب ما كان يشرح لهم.([20])

إلى جانب تدريسه المتواصل كان الشيخ سي أمحمد بن يحي يرعى المستضعفين ويقوم بشؤون القضاء والصلح بين المتخاصمين،  وحفظ الأمانات والودائع ، كما كان موثقا للأراضي وغيرها من البيوع والأملاك ، حيث أنّنا وقفنا عن بعض التوثيقات التي وجدنا فيها حرصا شديدا من لّدنه على بيان العين الموثقة وما يتصل بها بخط مغربي جميل وواضح .

وإذا كان التصوف هو "  استرسال النفس مع الله على ما يريد  " ([21])فإن الشيخ كان متصوفا ورعا تقيا نقيا، يعرف صاحب الحاجة قبل النطق بها، وكان يتفرس في وجوه الطلبة فيعرف من كان لأجل العلم ومن كان لأجل عرض الدنيا ولأجل ذلك وجدنا من التلاميذ من لحقته كرامة الشيخ فكان سلسلا للعلم ومن لحقته دعوة الشيخ فكان عالما جاهلا مغرورا ،كما تذكر روايات التلاميذ الذين بقوا على قيد الحياة .

و من تلاميذ الشيخ الذين استوت لهم منابر المساجد، وخلّفوا بدورهم جيلا من العلماء نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر: ( الشيخ سي محمد بلقرد رحمه الله الذي أجازه بدوار البواشرية وأصبغ عليه حلّته هناك وأوفده إلى عشعاشة معلما قرابة 32 سنة ، والشيخ سي حمادي رحمه الله  الذي كان شيخا بالمسجد العتيق بعده والشيخ سي بلقاضي والشيخ سي أحمد الدرقني والشيخ سي محمد العشعاشسي والشيخ سي بخدة الذي أوفده إلى واد الجمعة حاليا ، والشيخ سي الديلمي والشيخ سي محمد البارودي الكبير الذي أوفده إلى سيدي علي .

لقد اعتنى الشيخ بتأليف الرجال قبل تأليف الكتب على حد تعبير الشيخ ابن باديس والإبراهيمي، حيث العلم منارة يهتدى بها في الأكم والوهاد، ولم يكن في ذلك لعرض من الدنيا يكسبونه أو جاها يتلمسونه، وإنما في ذلك تنفيذا لما أمروا به من توسيع دائرة العلم وتلقين الناس .

3** وفاته رحمه الله : 

بقي الشيخ سي أمحمد بن يحي يدرس بالمسجد العتيق وبزاويته مهد الأوائل، شارحا للناس أمور دينهم ودنياهم، وقاضيا صارخا بالحق لا يهاب لومة لائم، ومعرضا عن الدنيا وزخرفها بعيدا عن سدة الحكم والرئاسة، إلى أن وافته المنية في 13 أفريل 1967 لتمر بذلك الذكرى 48 عن رحيل الشيخ عن المنطقة، بجسده لتظل ذكراه حية بين الناس وكراماته يذكرها الناس إلى اليوم وتردد كابرا عن كابر.

لقد دأب الشيخ في حياته على القيام بمأدبة غذائية يقيمها للتلاميذ والمريدين والضعفاء والمساكين وعابري السبيل من كل سنة ومن كل شهر أبريل ، فلم تزل هذه السنة قائمة إلى اليوم من طرف ابنه الوحيد ، ونذكر هاهنا أن زوجته الثانية توفيت منذ شهرين تقريبا عن سن فاق التسعين، فرحم الله الشيخ ورحم الله من تتلمذ على يديه ولا زال البحث جاريا حول حياة الشيخ سينجز في كتاب إنشاء الله تعالى.

ترك لنا الرجل رصيدا ضخما من الوثائق العلمية والقضائية، وبعض ما كتبه الرجل رحل معه بعد وفاته لا يدري أحد أين ذهبت به الأيدي، لأن ابنه البكر (حسب روايته الأخيرة لنا ) حينها كان عمره 13 سنة، فلم يكد يبلغ مخزون والده حتى تخطفته الأيدي نحو وجهة يجري البحث عنها يوما بعد يوم، ومع ذلك فإن علمه ووجاهته وتربيته لا تزال تشاهد عند تلاميذه، خاصة عند الحديث عنه.   

هوامش البحث:



[1]- منطقة الظَهْرة هي المنطقة الممتدة على الشرق من مستغانم إلى حدود شرشال وتحوي قبائل شتى منها : أولاد رياح الذين يعود أصلهم إلى المصريين الصعايدة، وبني زروال بزعامة أميرهم (حسان بن زروال)الذين آووا ونصروا صقر قريش حين هروبه من بطش العباسيين إلى الأندلس سنة 139ه/756م .ينظر: منار الولي في تاريخ سيدي علي، تحقيق: كياس الحاج ، مخطوط، ص: 10 وما بعدها.

[2]- أشارت الكتب القديمة إلى أن مستغانم سميت كذلك قديما استنادا إلى مجموعات سكنية متألفة من ( مشاتي غانم ) أو تسمى ( مشتاة غانم ) أو ( مسك الغنائم ) حسب ما أورده البستاني في دائرة المعارف استنادا إلى ما كتبه الرومان عنها باسم

(  moristaga( ، حيث استوطنها الفنيقيون والرومان وكانت محور الرحلات التجارية قبل الألف الثانية ق م.

كما يذكرها ابن بطوطة والإدريسي وابن خلدون والبكري واليعقوبي في كتبهم عن الرحلات عبر التاريخ ، وما يشد الانتباه أنها تعرضت لأهم الحملات الصليبية والامتداد الاستطاني الإسباني عام28 ماي  1511م كما تعرضت للإستلاء من طرف سلطان المغرب محمد المهدي بتاريخ 1550 ثم الهجوم الإسباني الثاني بتاريخ 26 أوت 1957 م وانهزامه وهي معركة شهيرة عرفت بمعركة مزغران خلدها الصوفي الشهير لخضر بن خلوف في قصائده الطوال .

كما نشير إلى أنها احتلت من طرف الاستعمار الفرنسي بتاريخ 28جويلية 1833 م وتدخل الأمير عبد القادر الجزائري من أجل الذود عنها بتاريخ 1839 م والشيخ بومعزة بتاريخ 19 سبتمبر 1845م ، كما كانت بها انطلاق أول رصاصة بتاريخ 01/11/1954م لتفجير ثورة نوفمبر 1954م كما أنجبت عدة رجال في التاريخ والأدب والتصوف واللغة العربية والفقه منذ القرن الخامس الهجري إلى اليوم ، بحكم مساحتها الجغرافية الكبير القديمة التي كانت تصل إلى حدود سعيدة مع معسكر وغليزان مع شلف وتنس حاليا . ينظر:   عبد القادر بن عيسى المستغانمي، مستغانم وأحوازها عبر العصور، ط1، 1996، ص20 وما بعدها .

[3]- توفي بتلمسان التي كان بها قاضيا ، بعد أن تردد بين فاس ومراكش من كتبه : المختار في الجمع بين الاستذكار.

[4]- هو ابن محمد بن واضح من علماء القرن السابع الهجري لم منظمومة  مخطوطة تحتوي على 250 بيت  عنوانها : ملك الكواكب وسلم الرقيا إلى المراتب )ص: 36.

[5]- مصطفى بن عبد الله بن موسى بن محمد مؤمن الرماصي ( -1136هـ) عالم فقيه على مذهب المالكية من كتبه : كفاية المريد على شرح عقيدة التوحيد، وكتاب : حاشية على شرح شمس الدين عامر العدواني على متن خليل .

[6]- من مؤلفاته : فك العقال في تصريف الأفعال، وقاية الذاكرين ونهاية الواصلين، استدراك الهفوات في ترقيع الصلوات وغيرها من الكتب المهمة ، ص: 71.

[7]- ينظر ترجمته الوافية في كتاب : موسوعة أعلام الجزائر(1830-1954) منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية ، طبعة خاصة بوزارة المجاهدين، مشروع: الأستاذ: بن نعمية، ص: 302. وما بعدها .

[8]- ينظر ترجمته الوافية الشافية في كتاب مخطوط للأستاذ: كياس الحاج، منار الولي في تاريخ سيدي علي، أوت 2008، ص:20 وما بعدها .

[9]- نشير إلى أننا عثرنا من خلال البحث أن هناك عالم متصوف وهو سيدي محمد بن يحي آخر وهو دفين بلدة غريس من أولاد سيدي يعقوب بن محمد أمغار . ينظر عبد القادر بن عيسى المستغانمي، مستغانم وأحوازها عبر العصور، ط1، 1996، ص: 98

[10]- معنى الخلوفي أن كل من سكن وحلّ بسيدي لخضر قاطنا زمنا يسمى الخلوفي تيمنا وتبركا بالولي الصالح سيدي لخضر بن خلوف رحمة الله عليه .

[11]- هي زاوية كبيرة كانت ولا تزال منارة العلم ، وباب التصوف، ومنزل المجاهدين والمرابطين، حل بها كل من طلب العلم وترقى في مراقي الصعود ، لا تزال تعج بالطلبة والعلماء إلى اليوم ، بها مخزون كبير من مخطوطات المنطقة من فقه ونحو و تصوف وخطاب سيرذاتي وغيره .

[12]- ينظر: أبو حامد الغزالي،  معراج السالكين، مطبعة السعادة، 1924، ص: 98.

[13]- سيدي بخدة هذا دفين النوايل هو سيدي بخدة بن القاسم بن أمحمد بن سعيد بن محمد بن بلقاسم بن سيدي علي بن يحي بن سيدي راشد بن فرقان بن حسين بن سليمان بن أبو بكر بن مؤمن بن محمد بن عبد القوي بن عبد الرحمن بن إدريس بن موسى بن إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم . ولد بجبل سيدي يحي (المتوفى 981ه) الذي قال فيه عبد القادر بن عيسى هو سيدي يحي الراشدي معاصر سيدي بوزيد دفين مستغانم، أخذ العلم عن أبي السادات مفتي تلمسان .(ينظر: مستغانم وأحوازها عبر العصور ، ص: 39)

نعود إلى سيدي بن خدة الذي ولد في القرن الحادي عشر الموافق للقرن السابع الميلادي، حفظ القرآن بمساجد معسكر بعدها توجه إلى مدرسة سيدي أمحمد بن يحي بمجاجة الشلف حاليا لطلب العلم، ثم لبث راجعا إلى قبيلة الحشم التي لبث بها مدة من الزمن وزار وقتها سيدي امحمد بن عودة الذي حصلت معه كرامات كثيرة لهذا الرجل، ثم تحول إلى سيدي مفلح يعلم ويوجه إلى أن توفي في أواخر القرن الحادي عشر ودفن بمكان يسمى النوايل بمقبرة سيدي عيسى القرقبي الذي هو من تلاميذ سيدي علي بن يحي ومن أولاده : سيدي بوبكر، سيدي بلقاسم، سيدي بن يمينة ومنهم تفرع عرش سيدي بن خدة على 24 لقبا . ( هذا ما جمعته من كلام ولد الشيخ سي أمحمد بن يحي  السيد الحاج محمد وابنه المهندس بتاريخ 30 مارس 2015 بمنزله بسيدي لخضر نقلا عن ما كتبه والدهم ودونته أقلام أجدادهم تباعا).

[14] -يقول عبد القادر بن عيسى أن الشيخ سيدي بلحول هو من نسل سيدي عبد القادر الجيلاني  والتي لا زالت معالمها وسر بقائها إلى اليوم ، لما توفي  صاحب الزاوية رثاه العطافي بقوله :

حل المنون بواد الخير فانسكبت **   له الدموع وسالت في ولد كاب

أيا محمد يا مولى الكرام ويا    **    نجل الذي جمع الخصال في النسب

إن كنت غبت عن الإخوان في لحد **   فالسر سار اذن في الشرق والغرب

   والحمد لله إذا تـركت ذارشد       **   يسير سيرك حثيثا بلا عجب

ينظر : بن عيسى، المصدر السابق ص: 99.

[15]- هو لكحل بن عبد الله بن خلوف ، وأمه كلة بنت سيدي يعقوب الشريف، يقول سيدي لخضر:

لخضر ولد الخلوف المكنى لكحل ** والكنية ماهي حرام سماني جدي

ولد في أواخر القرن الثامن الهجري في حدود سنة 899هـ الموافق ل 1479م  وتوفي سنة 1024هـ الموافق ل 1585م  ويكون قد استوفى القرن التاسع كله عمر 125 سنة حيث يقول :

جوزت مائة وخمسة وعشرين سنة حساب** وزدت من ورا سني ست شهور .  تزوج من امرأة تدعى"" غنو"" وهي ابنة الولي الصالح سيدبي "عفيف" شقيق سيدي يعقوب الشريف ورزق منها ب: "" حفصة" و أحمد محمد أبا القاسم  الحبيب ) شارك في معركة مزغران سنة 1557 ينظر مقال الأستاذ : حمو فرعون ، أبو مدين شعيب و الاخضر بن خلوف، مجلة الموروث، العدد الأول ، أكتوبر 2012ص، 91 – 113.

[16]- ينظر: الدكتور: عباس أرحيلة ، أبو حامد الغزالي ومنهجه في التأليف، ص: 8.-

[17]- هي مكان للعلم ومنارة للتعبد والتصوف، مر عليها مئات السنوات ولا تزال شامخة إلى اليوم ، تتلمذ فيها المئات من طلاب العلم ومر عليها العباد والزهاد على مدار قرنين من الزمن، يقوم عليها اليوم ابنه الوحيد الشيخ محمد بن أمحمد بن يحي،  الذي يحي ذكرى وفاة والده كل سنة أين يلتقي العلماء من حدب وصوب فيها .

[18]- سي الديلمي عالم جليل وفقيه نحوي  من مواليد 1925 بسيدي لخضر تتلمذ على يد الشيخ زمنا إلى أن سرحه لأجل أن يعلم ويدرس بدوار القراينية بأمر من الشيخ حتى سنة 1974 ومن تلاميذه : الشيخ عبد العزيز دالمي والشيخ سي بلقاسم قرين والشيخ عليك  وغيرهم كثير . مقابلة أجريناها مع الشيخ بمنزله رغم تقدم سنه بتاريخ 30/03/2015.

[19]- على عادة أهل العلم فإنهم يستهلون التدريس بالتدرج حيث يدرسون  : متن ابن عاشر مع الأجرومية ثم يبادرون قراءة  متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني مع قطر  الندى  وبعدها يتوجهون إلى دراسة مختصر الشيخ خليل مع ألفية بن مالك (672ه).

[20]- هذه القصة وغيرها أورده لنا طلبته الذين على قيد الحياة والذين بكوا من تفريطهم في متابعة الشيخ وقتها على الرغم من تبحرهم في العلم ووصولهم إلى درجة كبية من الفتوى والعلم .

[21]- ينظر: السراج الطوسي، اللمع في التصوف، ، مطبعة برايل1914، ص: 26،27

مراجع البحث:

1* حياة الشيخ سي أمحمد بن يحي ، مخطوط، بيد نجله السيد : محمد بن أمحمد بن يحي ، المؤرخ ب21 ذو الحجة 1434ه.

2* النسب الطاهر الشريف لسيدي بخدة دفين النوايل، مخطوط بيد نجله السيد: محمد بن أمحمد بن يحي بتاريخ: 26 أكتوبر 2013.

3* الروايات الشفوية واللقاءات مع تلاميذه وتلاميذتهم بتاريخ: 30/02/2015 ومنهم الشيخ: سي الديلمي ، سي محمد البارودي ، سي الهاشمي بوغازي .

4*عبد القادر بن عيسى المستغانمي، مستغانم وأحوازها عبر العصور، ط1، 1996.

5* أبو القاسم سعد الله، تاريخ الجزائر الثقافي، ج2، 1981.

6* موسوعة أعلام الجزائر1830/1954 منشورات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية   وثورة أول نوفمبر 2007.

7 * مجلة الموروث، العدد الأول ، أكتوبر 2012 ، ص، 91 – 113.

8* كياس الحاج، منار الولي في تاريخ سيدي علي، أوت 2008 (مخطوط).

9* السراج الطوسي، اللمع في التصوف، ، تصحيح: رونالد ألان نيكلسون، مطبعة برايل1914.

10* أبو حامد الغزالي،  معراج السالكين، مطبعة السعادة، 1924.