قراءة وصفية في خزانة المخطوطات بالمطارفة،ولاية أدرارpdf

                                                                                         

      أسماء بوبكري

                                                                                              جامعة أدرار

 

مــــقدمــــة

           البحث عن خزانة مخطوطات في بلدية من بلديات الولاية (أدرار)، هو فرصة للمعاينة المباشرة للمخطوطات و تاريخها و علمائها، كما أنها مشاهدة أخرى لما كان يلاقيه طلبة العلم منذ القديم من عناء و مكابدة جميلين في سبيل تحصيل المعارف  و تحقيقها و الاستفسار عن شاردها وواردها..

     إن الوقوف على القصر القديم بالمطارفة جعلني أتساءل عن تاريخه و قاطنته و عن الحركة العلمية فيه خلال عقود مضت.. و بعدها اتجهت إلى غرفة المخطوطات التي شرعت أمامي أبوابها، فما كنت  إلا كما كان علي بابا في قصص الأطفال  وهو يقف أمام كنوز كثيرة منبهرا    و مندهشا.

     فهذا ما أحدثته في المخطوطات و أنا أراها لأول مرة مصففة فوق بعضها مصفرة الأوراق مصطحبة بالشحوب و الغبار، عظم حجم بعضها و صغر الآخر، مؤكدة بصمتها الرهيب الازدهار المعرفي بالمطارفة في أزمنة ولت فلم أعرف أيها أصور أو أتصفح .

                   ما أروع ذاك الشعور الذي غمرني لما وضع أحد المخطوطات بين يدي ، فرحت

 أتلمس صفحاته الرقيقة الهشة، و أتأمل خطها وبعض ما كتب في المتن و الحواشي، حريصة على أن أحافظ  على الأوراق من التفتت والضياع ـ و أنا أتصفح ـ   محاولة قراءة بعض  الكلمات ، متأملة تلف بعض الأسطر و تآكل أطراف بعض الصفحات في مخطوطات قديمة جداً، معجبة بخط الكثير منها لوضوحه و جمال رسمه.

  وبين السؤال و التأمل ومضي الزمن سريعاً جمعت مادة هذا العرض المتواضع، فكامل الشكر لأبناء عائلة ابن عبد الكبير على ضيافتهم و مرافقتهم لي في تلك الوقفة السعيدة، و على رأسهم الأستاذ حسان بن عبد الكبير الذي أجاب عن أسئلتي؛ لأن أغلب ما ورد في عرضي  حول الخزانة جاء بلسانه.

     كما أشكر الأستاذ أحمد جعفري الذي ألزمنا بضرورة الزيارة لتحضير عرض يُلقى أمامه     و أمام الزملاء في قسم اللغة و الأدب، كما أن هذا المجهود يدخل في مادة التحقيق و الفهرسة    و من متطلباتها القاعدية.

     كما لا أنسى أن أشكر والدي الذي وافق على زيارة المنطقة لإنجاز العرض، و مرافقته لي خطوة بخطوة، فحفظه الله ورعاه..

    من الأسباب التي جعلتني أختار خزانة المطارفة دون غيرها هو كالتالي:

1 - العلاقة الطيبة التي تجمعنا بعائلة ابن عبد الكبير-  فهم لنا جيران - مما سهل علي الزيارة منذ الاستشارة الأولى و قبولها من السيد عبد الله بن عبد الكبير  الذي سارع إلى تحديد الموعد مع أبناء عمه في المطارفة لاستقبالنا وتلبية مبتغانا، فجزاه الله عنا خير الجزاء..

2 - تردد القول بأنها أكبر خزانة بالولاية، الأمر الذي أثار فضولي المعرفي .

وأما الأهداف التي وددت تحقيقها فتتلخص في التالي :

1 - إنجاز عرض مادة التحقيق و الفهرسة.

2 - ضرورة السفر شخصياً للاِطلاع المباشر على الخزانة و ما تحتويه من مخطوطات.

             3- معاينة المخطوطات وتصفح بعضها و الاِطلاع على بعض ما ورد فيها من معارف.

وردت المضامين في العرض بالمنهج الوصفي، وقد عُززت بصور فوتوغرافية عن القصر         و الخزائن بالغرفة و محتوياتها  كملحق بالعرض.

1/موقع بلدية المطارفة وتسميتها :

     تقع بلدية المطارفة شمال مقر ولاية أدرار ، تبعد عنها بـ 90 كلم يحدها شمالا بلدية شروين ، وجنوبا بلدية أسبع ، وشرقا بلدية تسابيت ، وغربا بلدية أوقروت وبلدية دلدول .

    يبلغ عدد السكان بها 8056 نسمة ، على مساحة   1419  كلم2

    ينسب اسم المطارفة إلى قبيلة بني مطرف[1] القادمة من تلمسان التي عمرتها فنسبت إليها .   والمطارفة تنتمي إلى إقليم قورارة .

2/ موقع الخزانة :

     تقع الخزانة في المنزل الكبير في جناح خاص بالضيوف، تبلغ مساحة غرفة المخطوطات حوالي 40م2 .وُضعت المخطوطات في خزانتين خشبيتين تحتوي كل خزانة على أربعة رفوف خشبية صففت بطريقة أفقية .

3/ تأسيس الخزانة :

    يوجد بالمطارفة خزانة كبيرة وعريقة يعود تأسيسها إلى القرن (9هـ أو 10هـ ) الموافق (1600م-1700م)[2] .

    تمتلك الخزانة عائلة ابن عبد الكبير ، ومؤسسها الأول هو السيد عبد القادر[3] بن الحاج العزيز بن سالم بن محمد بن أحمد اليوسفي المطارفي، وبعده محمد بالعالم بن عبد الكبير المطارفي ، ويليه سيدي عبد الكبير ثم سيدي أحمد بن عبد الكبير ، ويليه سيدي عبد الله بن عبد الكبير ،   ثم سيدي الحاج عبد الكبير بن عبد الكريم [4]بن عبد الكبير ، وأخوه الحاج عبد الرحمن[5] بن عبد الكبير، ويُشرف عليها حاليا الحاج الطيب بن عبد الكبير[6] .

و يتكلف بمهمة الاستقبال في هذه الفترات ومساعدة الباحثين في ميدان المخطوطات وتحقيقها  السيدان حسان [7] ابن المرحوم الحاج عبد الرحمن بن عبد الكبير والسيد بن عبد الكبير الحاج عبد الحميد بن الحاج الطيب.

 4 المخطوطات في الفترة الاستعمارية :

 نظرا للقيمة المعرفية والتاريخية التي تحتويها مخطوطات الخزانة جمعت في صناديق خشبية وخزنت في دهاليز وحفر متفرقة أثناء الفترة الاستعمارية كي لا تطالها أيادي المستعمر الذي راح ساعيا في طلبها ، وخلال الفترة الطويلة التي مضت على هذه المخطوطات في تلك الأجواء ، ضاع الكثير منها بفعل الرطوبة وفُقد الآخر أيضا لكثرة الأماكن التي وجدت بها ، وما هو في الخزانة حاليا نجا من التلف ، كما أن بعض المخطوطات أخذها بعض الباحثين ولم يعيدوها .

    فالكثير منها في حال حسنة ، وبعضها آيل للتلف ؛ لأن التآكل أتى على حواشيها وأسطرها الأولى . كما أن أوراقها يبست وصارت أضعف من قشرة البيض في الهشاشة وتلاصقت الأوراق بعضها ببعض .

5/ مكانة خزانة المطارفة :

     تُعتبر خزانة المطارفة من أكبر الخزائن على المستوى الولائي يبلغ عدد المخطوطات بحسب التمكن من جرد عنوانها ومؤلفيها أو شارحيها إلى 163 مخطوطا [8]. أما المخطوطات التي لم يسعفهم الوقت لجردها وفهرستها فيفوق مائتي مخطوط .

     فالكثير من المخطوطات المختلفة يجمعها مجلد واحد والفصل بينها يحتاج إلى دراية وصبر وزمن .

وقد وضع الأستاذ الدكتور أحمد حساني فهرساً لها، وتوجد نسخة منه في مكتبة الحامة بالجزائر العاصمة .

     زارها العديد من الأساتذة الجامعيين والباحثين من الوطن وأوروبا والخليج العربي وغيرهم .

6/ كيفية جمع المخطوطات في الخزانة

    جمعت عن طريق النسخ أثناء الرحلات العلمية وغيرها،التي قام بها الأبناء الأوائل للعائلة ( الواردة أسماؤهم سابقا) وخاصة إلى بلاد المغرب . كما أنهم اقتنوا بعضها عن طريق المقايضة [9]

7/أقدم مخطوط :

منسوخ بها يعود إلى القرن (09هـ) وهو منظومة في الطب لابن سينا قام بنسخه سيدي الحاج عبد القادر اليوسفي المطارفي كما أنها تحتوي على نسخة من كتاب الإنجيل .

8/المجموعة الأولى في الخزانة

 المخطوطات التي بُدئ بها تشكيل الخزانة هي:

$11-       شرح لامية الزقاق .

$12-       أوضح المسالك على ألفية أبن مالك لابن هشام الأنصاري.

$13-       تكميل المنهج للعلامة سيدي محمد بن أحمد الشهير بميارة.

9/الحقول المعرفية في الخزانة :

     إنها متنوعة، وأغلبها في الفقه المالكي وتفسير القرآن وفي الحديث والسيرة وعلم الفلك والرياضيات والطب والجغرافيا.

ونماذج ذلك في الجدول التالي :

عنوان المخطوط

المجال

كتاب العراقي على تحفة بن عاصم

القضــاء

نوازل القباب للسيد عبد القادر الفاسي

الفقــه

شرح الفلاني علي الصغرى للسنوي

التوحيــد

شرح الهمزية لابن أب المزميري

الصلاة على النبــي

منظومة في البحور الخمسة عشر المسماة بالخزرجية

علم النحو والعروض

الشنشوري على الرحبية

علـم الميراث

نظم الحلبي في مدح النبي

المدح والرثاء

شرح السيد سعيد بن ابراهيم على الأرجوزة في علم المنطق

الفلسفــة

منظومة لأبي زكرياء الهوزاني في مخارج الحروف

علم القـرآن

شرح الحكم للشيخ زروق

التصـوف

شرح مبارة على تكميل المنهج

الأصـول

مطابقة العلماء لابن علوان التونسي

التاريـخ

منظومة ابن سعيد السوسي

الفـلك

شرح الباجوري على الشمائل المحمدية

السيـرة

كتاب شجرة الاشراف للعشماوي

شجرات الأنساب 

10 خط المخطوطات ومادة الكتابة :

    جل المخطوطات التي تم الاطلاع عليها كتبت بالخط الرقعي المغربي ، قام بنسخها السيد الحاج عبد القادر بن الحاج عبد العزيز اليوسفي المطارفي و السيد الحاج عبد الكبير بن عبد الكريم بن عبد الكبير؛ فمعظم المخطوطات بالخزانتين هي شروح لكتب مختلفة.

    كانت مادة الكتابة تصنع من السمخ و الصوف أو شعر الماعز ، أما المادة الحمراء التي كانت تكتب بها عبارة الصلاة على النبي وأسماء الأعلام وأسماء السور وبعض الأحكام وغيرها ، فكتبت بمادة الزعفران.

11/ الكتب المحققة :

1/ شرح كتاب المقنع لأبي مقرع لشارحه محمد المحفوظ بن سيدي عبد الحميد القسطني الدلدولي الذي حققه الأستاذ مولاي إسماعيلي واسماه : روض الزهر اليانع على شرح المقنع لأبي مقرع ، في علم الفلك .

 12/ سُبل المحافظة عليها :

    تمت المحافظة عليها إلى يومنا هذا عن طريق حرص أهلها وإحساسهم بمسؤولية الإرث العظيم والفخر الذي يحظون به وهم يمتلكون تاريخا عريقاً ومنهلا للباحثين عبر الزمن.

     ومن ناحية المحافظة المادية بعد الروحية (التاريخ العريق) ، فهي موضوعة في غرفة مهوأة من منافذ متعددة ، كما أن جدرانها طوبية وسقفها و خزائنها خشبية ، مما يحافظ عليها من الرطوبة .

     وأما الأرضية فقد زودهم المركز الوطني للمخطوطات بمادة كيميائية صلبة وضعت كل قطعة منها في خزانة للقضاء على الأرضة وغيرها من الحشرات ومنع تكونها بين الأوراق ، كما أن مالكي الخزانة ليس لديهم خوف من ضياعها إذا استمرت المخطوطات في هذه الحال ، ما دام السابقون قد اجتهدوا في جمعها ونسخها فهي محفوظة ببركتهم ، علما أن حفظهم لها حاليا مستمر بالطريقة الأولى ؛ والحصير الذي يغطي قسما من أرضها دليل قاطع على التمسك بالتراث والأصالة ويعتبر تحفة أثرية تربع عليها العديد من العلماء الذين مروا بالقصر.

13/ طبيعة المخطوطات من ناحية التأليف :

    يعود الفضل الكبير في نماء الخزانة كماً إلى السيد الحاج عبد الكبير بن عبد الكريم بن عبد الكبير (14هـ) صاحب كتاب" علماء توات وقورارة عبر التاريخ " لأنه قام بنسخ العديد من المخطوطات وإخراجها من الصناديق (الخشبية) ووضعها في خزانتين خشبيتين ، وأما الكتب الحديثة الطبع والمجلدة عصريا التي ابتاعها من المكتبات والمهداة له فخصص لها خزانتين من الحديد.

14/ مخاوف القائمين عليها حاليا :

     بقدر الفخر بالخزانة والوفاء إليها و الحرص على سلامتها وحمايتها من كل الأخطار، هناك هاجس واحد وكبير يعود إلى قول الحفيد الأستاذ حسان بن المرحوم السيد عبد الرحمن : وجوب تعدد الأفراد الذين يبحثون في تاريخ الخزانة من أبناء العائلة الذين ستوكل إليهم مهمة إرشاد الباحثين والقيام بمهمة الشرح وغيرها مستقبلا ؛ لان فردا واحدا أو فردين غير كاف للظروف التي تقتضيها الأيام من سفر أو مرض وغيرها من الأسباب وعليه  من المستحسن وجود ابن متفرغ للقيام بمهام المرشد العلمي ليوفي حاجيات الباحثين ويكون في الخدمة على مدار الساعة.

15 / رؤية مستقبلية عن الخزانة :

      يرتئي المشرف عليها حاليا وضعية جديدة للحفاظ عليها وذاك بوضعها في خزائن زجاجية تتوافر فيها كل ظروف الحماية العصرية بعد تصنيفيها وفهرستها ليستفيد منها كل مهتم بالتحقيق والبحث .

                                                        الخاتمـــــة                     

     تزخر " الخزانة المطارفية " بالعديد من المخطوطات الكثيرة و النفيسة، وحفاظا عليها من الضياع و التلف، هناك اِقتراح :

    لو توفرت للخزانة آلة تصوير "سكانير" فتصور كل المخطوطات وتُحفظ على شكل طبعة حجرية (01) محفوظة في أقراص مضغوطة  يسهُل تخريجها تخريجاً جديداً بإعادة طبعها و نشرها في كُتب مما يُسهِّل تصنيفها و تحقيقها و دراستها.

    بهذا يتجنب مُلّاك الخزائن الإحراج الذي يسببه بعض الباحثين أثناء اِستعارتهم لمخطوط ما، فيكفي أن يُقدّم المالك قرصاً مضغوطاً للباحث أو يُسلمه نسخة من المخطوط الأصلي ورقية؛ فتحافظ المخطوطات الأولى على طابعها  التراثي المتحفي، و يستفيد الباحثون من مضامينها لتعم الفائدة و الأجر بين الطرفين (المالك و الباحث).

كما يمكن أن تُسلم نسخ من الطبعة الحجرية لمراكز المخطوطات تسهيلاً للعمل و اِقتصاداً للوقت و الجهد. 

$11-    هي نسخة طبق الأصل للمخطوط مصورة بجهاز حديث

                              

 
   


ملحق : شواهد من نسخ المخطوط بخزانة المطارفة

الهوامش



[1] -  ينظر تاريخ ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان ط04 ،ج 06 ، ص61- 62.

[2]- تقع الخزانة في الدار الكبيرة ، في جناح مخصص للضيوف الباحثين.

[3] - له شرح على متن الرسالة كان قاضيا وناسخاً.

[4] - له مخطوط حول )علماء توات وقورارة عبر التاريخ( ، قام بنسخ العديد من مخطوطات  الخزانة.

[5] - كتب مخطوط بعنوان ( حضارة تميمون وقورارة ).

[6] - كتب مقالات ومحاضرات عن تاريخ الثورة بإقليم توات وقورارة .

[7]- طالب بقسم القانون ( ماجستير ) ، جامعة اسطمبولي  بولاية معسكر  .

[8]- هذه الإحصائيات وضعها الجيل الجديد في العائلة وبعض الباحثين وتعود إلى قرابة عشر سنوات من عامنا هذا تقريبا .ينظر الفهرس المرفق للاطلاع على عناوين المخطوطات التي توصلوا إلى جردها .

[9]- كانوا يحملون معهم التمر في رحلاتهم من اجل اقتناء الكتب ، ومقايضتها به .