التراث الكُنتي المخطوطpdf

قراءة في الدور الحضاري لزاوية كنتة، وأهم أعلام التراث الكنتي المخطوط

خديجة عنيشل

جامعة ورقلة

تسلِّطُ هذه المداخلةُ الضوءَ على الدور الحضاري الذي لعبته المدرسة الكنتية في عموم إفريقية، وإسهامها في مدّ جذور العربية وتنوير الساحة الإفريقية بنور الحرف العربي ممثلا في الدرسين اللغوي والشرعي اللذين تمظهرا في الكمّ النوعي المتميز للتراث المخطوط بزاوية كنتة وأهمّ أعلام ذلك التراث .

مهاد تاريخي :

         تنحدرُ قبيلةُ كنتة من عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقيا ومؤسس القيروان، وقد قسّم بول مارتي تاريخ كنتة في كتابه (كنتة الشرقيون) إلى ثلاث مراحل وهي:

الفترة الأسطورية: تمتدُّ من نهاية القرن السادس الميلادي حتى مطلع القرن الخامس عشر الميلادي.

فترة الرواية التاريخية: وهي تمتد من بداية القرن الخامس عشر ميلادي حتى مولد الشيخ سيد المختار الكنتي الكبير.

الفترة التاريخية الحاسمة: وهي تضمّ القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، وهي الفترة التي تمثل حياة الشيخ سيد المختار الكنتي المتوفى عام 1811م

ومن المصادر الموثوقة والتي لا يتبادر الشك والريب إليها نظراً لعدالة صاحبها هي (نوازل الشيخ باي بن عمر الكنتي) حيث ورد في هذا المخطوط النفيس على لسان الشيخ باي بن عمر ما نصُّهُ: وأما نسبُ كناتة فقد اتفقت كلمةُ الصحراء قاطبةً على أنهم من نسل عقبة مفتتح إفريقيا وباني القيروان والذي وقفتُ عليه من كتب الأنساب والتواريخ كجمهرة ابن حزم والإصابة للحافظ بن حجر ودر السحابة للسيوطي اتفقوا على أنه فهري

         وتتوزعُ تضاريس هذه القبيلة بموريتانيا وجنوب المغرب ومالي والنيجر وتوات والسنغال . ويستطرد بول مارتي في حديثه عن هذه القبيلة فيقول: كنتة هي تلك القبيلة القوية والتي تندرج فروعُها المختلفة ابتداءً من توات حتى منطقة زيندر بواسطة الطوق الغربي من الصحراء الكبرى المتمثل في توات وأدرار الموريتاني[1] وتفانت والعصابة والحوض والأزواد ونهر النيجر وأدرار إفوغاس

         وتنقسم العشيرة الكنتية إلى ثلاث قبائل وهي:

$1·         ذرية سيدي محمد الكنتي الصغير بن سيد أحمد البكاي بودمعة بن سيدي محمد الكنتي الكبير، وأغلبيتهم بموريطانيا ويُطلق عليهم كنتة الغربيون

$1·         ذرية الطالب بوبكر بن سيد أحمد البكاي بودمعة بن سيدي محمد الكنتي الكبير، ويلقبون بالهُمّال

$1·         ذرية سيد أعمر الشيخ بن سيدي أحمد البكاي بودمعة بن سيدي محمد الكنتي الكبير[2]

كنتة .. المدّ التنويري :

درجَ الناسُ على أن اسم " الزاوية" من " الانزواء" غير أن "كنتة" كسرت هذا الاصطلاح بفضل ذلك المدّ العلمي الهائل الذي احتوى عموم صحراء الغرب الإفريقي، إذ كانت بحق منارةً فكريةً وحضاريةً اهتدى بنورها كلُّ من وصله شعاعُ نورٍ سطع منها . ويجمعُ المؤرخون على الدور المميز الذي لعبته قبائلُ كنتة في صحراء مالي والنيجر وما جاورها  بإرسائها دعائمَ الثقافة العربية الإسلامية، وتأسيسها لسلطان الحرف العربي في بيئة لم تكن تعرف سوى لهجاتٍ إفريقيةٍ متباينة يقول الدكتور أبوضيف " .. على أنه كانت هناك قبيلة عربية واحدة كان لها أثر عظيم في إسلام الزنوج في منطقة جنوب الصحراء ومنطقة النيجر الوسطى، وتلك هي قبيلة كنتة التي هاجرت في القرن التاسع الهجري من مواطنها في توات الى أطراف تمبكتو ومع مرور الزمن انصهرت هذه القبيلة العربية الأصل وأصبحت قبيلة مغربية تدين لها الطريقة القادرية بانتشارها في غرب افريقيا "[3].

         وتعتبر الزاوية الكنتية واحدةً من أشهر المراكز الفكرية في إقليم توات وترجع هذه الشهرة إلى الرقاديين الكنتاويين الذين كانوا أعلام هذا المركز في نهاية القرن السادس عشر 16م وبداية القرن ال17م [4]

وتذكر الروايات أن أول عَلم من أعلام كنتة حلّ بها هو سيدي أحمد الرقاد الذي حلّ بها عام 999هـ بعدما وقفت بغلته بأرض السباع[5]

         لقد أسست قبيلة كنتة لواحدة من أهم العلاقات الثقافية في المنطقة؛ وذلك بتكريسها للفكر الصوفي المستنير الذي مدّ جذور التنوير والعلم في آفاق إفريقية، ونقصد هنا دور الطريقة القادرية في ربط الجزائر بإفريقيا ربطا ثقافيا وسياسيا وأمنيا ..  فمن أشهر الطرق الصوفية وأسبقها دخولا الى بلاد السودان الغربي، الطريقة القادرية التي أدخلها الى بلاد السودان الغربي، المصلح الجزائري الشيخ الإمام محمد بن عبد الكريم المغيلي التلمساني وعنه أخذها سيد عمر الشيخ الكنتي وبعد وفاة سيد عمر الشيخ ( 1552م ) أسس أحد أحفاده وهو الشيخ سيدي أحمد الرقادي المتوفى 1562م زاوية كنتة بتوات التي ما زالت إحدى بلديات الجزائر تحمل اسمها الى اليوم. ومن هذه الزاوية انطلق في اتجاه الصحراء، عدد من المتصوفة والعلماء " الجزائريين، وعملت جماعة كنتة على تأسيس مدارس تابعة للزوايا الكنتية الرئيسية بتوات: زاوية كنتة وزاوية بونعامة ( زاوية الهمال ) وزاوية سيدي المختار الشيخ في جديد[6].

وفي نهاية القرن الثامن عشر الميلادي سطعت في  غرب إفريقيا شمسُ الكنتيين الذين حولوا تلك الربوع القاحلة إلى مناطق جذب علمي متميز وكان ذلك بفضل الشيخ سيدي المختار الكنتي الذي انسلّت منه ذريةٌ كانت بحق منارة هداية لكل إفريقيا "ومع الشيخ سيد المختار الكنتي الفهري الذي اشتقت من اسمه " الطريقة  القادرية المختارية " توسعت المدارس الكنتية الجزائرية في الأفق الافريقي وانتشر أتباعها في عموم بلاد السودان الغربي والأوسط مما زاد في تعميق التواصل الجزائري الإفريقي، وقام الإمام المغيلي بزيارة لـكانو بنيجيريا في عهد ملكها محمد رمفا ( 1499-1463 ) فاستقبله الملك استقبالا عظيما وأكرمه غاية الإكرام وكان لهذه الزيارة أثر بالغ في نشر الثقافة الإسلامية في هذه المملكة. 

وتشير بعض المراجع التي بحوزتنا الى أن محمد رمفا اتخذ له من الإمام المغيلي صديقا أمينا وشيخا هاديا حتى أصبح مستشارَه الخاص في أمور دينه ودنياه، وساعد الإمام المغيلي الملك رمفا في تأسيس دولة إسلامية مبنية على أسس إسلامية سليمة. وأمره بتكوين مجلس استشاري يضم الوزير والقاضي والإمام وبعض رجال الدولة. وكان الإمام المغيلي ذاته يجلس فيه ويشترك في تنفيذ أموره. "[7]

وهذه بعض المقاربات التاريخية لدور قبيلة كنتة الحضاري متمثلةً في مجموعة تعليقات لباحثين متميزين[8] :

يقول الباحث المصري د/ عبد الله عبد الرازق إبراهيم :

" ..  كنته إحدى القبائل العربية التي كان لها نفوذ كبير ولا يزال في جنوب الصحراء الكبرى والساحل، وقد هاجرت هذه الجماعات من منطقة توات في جنوب الجزائر في القرن الخامس عشر الميلادي ووصلوا إلى حدود تمبكتو ... " ويضيف في التفاصيل ويقول : " .. ثم تطورت من نواة عربية إلى قبيلة مغربية دينية كانت الأساس في نشر الطريقة القادرية في غرب إفريقيا ... ولأنها كسبت شهرةً دينيةً جعلت الكثيرين ينتمون إليها، وصارت الوسيط بين القوى المتصارعة في منطقة تمبكتو من طوارق وفلان وصنغاي  .. وغيرهم .. ".

وتضيف باحثة أمريكية من ( جامعة ميريلاند ) هي : ماري بيرنبام ، إلى ما تقدم فتقول :

" .. لم يحظ الحضرُ من عرب الكنته بالقوة السياسية فحسب بل كانت لهم مكانة دينية رفيعة بتزعمهم للطريقة القادرية ذات النفوذ الديني القوي.. " ثم تضيف أيضا : " ... وذلك بخلاف الخبرة التجارية التي يتمتع بها أفراد المجموعة الكنتية ... ".

يقول العلامة المغربي المرحوم : محمد المنوني - طيب الله ثراه - في كتابه (العلاقات بين المغرب وإفريقيا الغربية) عن دورهم الإيجابي في ربط ضفتيْ الصحراء ثقافيا..ودينيا.. واقتصاديا: " كانوا أبرز قناة حضارية ساهمت في نمو واستمرار العلاقات الثقافية والروحية بل والاقتصادية بين بلاد المغرب وإفريقيا جنوبي الصحراء طيلة خمسة قرون الماضية ... "

قصدنا من تلك الاستشهادات بنصوص باحثين ومهتمين بشأن المنطقة إلقاء إضاءات سريعة وخاطفة على الدور الحضاري والثقافي والإقتصادي الذي ساهمت به قبيلة كنتة وذكر ما تركته من آثار حميدة تستحق الثناء والإشادة.

الشيخ سيدي محمد الكنتي .. انتصار الحرف العربي في الصحراء

         يسألونك عن سيدي محمد الكنتي قل هو منارة الهداية في إفريقيا؛ فقد كان له ولأبنائه وأحفاده من بعده دورٌ مكين في نشر الإسلام والعربية في موريتانيا ومنطقة الساحل الإفريقي، بل إن سنا نوره امتدّ طويلاً في غرب إفريقيا ودول المغرب العربي وكانت له اليد الطولى في نشر اللسان العربي وتمكينه في موريتانيا كلغة تعليم ومحادثة .

يرقد جثمانُ سيدي محمد الكنتي في حضن جبل (فصك) 420 كم شمال العاصمة الموريتانية نواكشوط، " فقبل 600 عام استشهد الشيخ سيدي محمد الكنتي وناصر على يد مجموعة من الوثنيين وقيل المرتدين، حيث كانا يجاهدان في هذه المنطقة التي انطلق منها مفهوم " مجتمع البيضان" (عربُ الصحراء) القائم على قبائل بني حسان وقبائل الزوايا .. إنها المنطقة التي شهدت ميلاد المدرسة الكنتية التي كان لها تأثيرٌ عميق وحيوي في خدمة الدين واللغة العربية، وهي مدرسةٌ محفورةٌ في عمق الذاكرة الجمعية لعرب صحراء الساحل الإفريقي .. لقد انتشرت اللغةُ العربيةُ كتابةً ونطقاً في كل أجزاء موريتانيا، وبخاصة المناطق التي كان فيها التدريس والنطق باللغة البربرية، وكان دور الشيخ سيدي محمد الكنتي في نشر اللغة العربية في هذه الربوع دوراً أساسياً ورائداً، فهو أول من نشر مع (بني حسان) العربية في هذه البلاد حيث كانت قبائل لمتونة تترجمُ المعارفَ والعلومَ إلى لغاتها، وتدرّسها بلهجاتها الصنهاجية والبربرية، كما فرضَ الرجوع إلى الأصول من كتاب وسنة وتدريس لمدونات الأصول .. ويرى المؤرخ والكاتب الحسين ولد محنض أن الشيخ سيدي محمد الكنتي هو الأب المؤسس لمجتمع البيضان (عرب الصحراء) ويرى أنه بلا شك شخصية علمية ودينية ذات أثر كبير في تاريخ وحضارة هذه البلاد ففضلا عن كونه أقدم مؤسس لمدرسة علمية وروحية تعددت فروعُها وتسلسلت في أحفاده على مدى قرونٍ متطاولة، فإنه يرجع إليه الفضل في تشكّل مجتمع البيضان بنسقه الحالي.

         ويضيف: كان دورُهُ محورياً في حرب شرببة الكبرى (1446م/1480م) بين قبائل صنهاجة والقبائل العربية الوافدة من بني حسان والتي أدت إلى انهيار دولة أبدوكل التي كانت تتحكمُ في كامل الصحراء لعدة قرون ، وقيام دولة جديدة محلها هي دولة بني حسان العربية كما قام إلى بلورة تراتبيةٍ اجتماعيةٍ جديدة تحتل فيها القبائل العربية الحسانية الوافدة صدارة الهرم الطبقي وتتمتع فيها قبائلُ الزوايا الدينية بالريادة الفكرية والثقافية[9]

ومعلومٌ أن الطريقة القادرية الكنتية ولدت بالصحراء و ترعرعت بها لتشق طريقها نحو الآفاق، مما يناقض فكرة أن الصحراء المترامية الآفاق كانت مجالا جامدا ، يرهبه التجار والمسافرون ، وتستوطنه قبائل شرسة لا مجال بينهم لولي صالح أو فقيه مبجل . و قد دأب الباحثون في المجال السوداني على وصف الصحراء مجازا و كأنها بحر عظيم لا قرار له ، ضفته الشمالية تلامس جبال الأطلس ، و الجنوبية يحدها نهر النيجر، فبتنا نسمع في هذا الصدد لفظة (ضفتي الصحراء ) . و ما جعل الصحراء تلعب هذا الدور الروحي العظيم في نظرنا وصول قبائل حسان العربية ، فرغم أن هؤلاء لم يكن همهم نشر الإسلام أو بث الفقه و العلم بين الناس، إلا أن وصولهم للبلاد كان دعما للإسلام الذي يبقى ببقاء العرب ويقوى بانتشار لغتهم[10]

قبيلة كنتة .. مستودع التراث المخطوط :

تميزت قبيلة كنتة بكثرة التأليف إذ كانت تجارةُ أبنائها هي العلمُ وطلبُ المعرفة، وكانوا معروفين بالتنافس في سبيل العلم ومحبتهم له، وشغفهم باقتناء المخطوطات " ولعل من أبرز الأسباب التي جعلت هذه القبيلة تمتلك هذا الكمّ الهائل من المخطوطات حركةُ التأليف التي امتازت به هذه القبيلة، وما توارثوه كابر عن كابر وخلف عن سلف من ولوع وشغف بالعلم، فقد ألّف الكنتيون في التاريخ و الفقه والحديث والتفسير والنحو والبلاغة والصرف. كما أن حبهم للعلم وأهله جعلهم يسرفون على أنفسهم في التنافس في نسخ المخطوطات، وشرائها بأغلى الأثمان، بل كان فيهم من يطلب الناسخ ويمكث عنده لنسخ المخطوطات لفترة تزيد عن العام، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على ولوع هذه القبيلة بالعلم والمخطوط "[11] 

وعُرف الكنتيون بتنميقهم للمخطوطات حفاظاً عليها من التآكل إذ استعملوا التسفير والتجليد  بحيث يكون من جلد الضأن أو الماعز المدبوغ دبغاً جيداً ثم يصبغ بالأحمر، ويُبطّن بالورق المقوى والثياب القطنية[12]

الدار الكبيرة بزاوية كنتة ووضع المخطوطات فيها:

يسمونها " الدار الكبيرة" وتقع في " درب كنتة " بزاوية كنتة وهي الدار التي سكن فيها سيدي أحمد الرقاد مؤسس الزاوية 1060 أول ما نزل بهذه المنطقة المباركة في القرن التاسع الهجري وهذه الدار عبارة عن زنقتين صغيرتين تدلف بهما إلى وسط الدار  وهو صحن قائمٌ على أعمدة كبيرة ومتينة في شكل معماري هرمي مميز . وفي وسط الدار بإحدى الزوايا تقع الخزانة الأولى للدار التي حُوّلت فيما بعد إلى مكان " خلوة سيدي أحمد الرقاد" والخلوة عبارة عن غرفة صغيرة بها خزانةٌ تحوي مجموعة مخطوطات نادرة وصندوق خشبي مرصع بالحديد يحوي كتب البخاري والشفاء للقاضي عياض ، وعلى أحد جدران الخلوة عُلّقَ عكازان أحدهما للشيخ عبدالكريم المغيلي والآخر للشيخ الكنتي رضي الله عنهما، وبمحاذاة الخلوة ميضأة هي عبارة عن حوض صغير يسمى باللغة المحلية "الماجن" تخرج من إحدى زواياه قناة مائية كانت تجلب الماء للحوض ولا يُعلمُ منبعُها يُقالُ أنه نضبت حين توفي الشيخ الرقاد.

تقبع في خزانة حديدية متوسطة الحجم مجموعةُ مخطوطات نادرة كل مخطوط ملفوفٌ بورق مقوى يلتف حوله خيط حتى لا ينفتح .  بهذه الطريقة البدائية تُحفظُ تلك النفائس في هذا القصر القديم المعرّض في أي وقت للسرقة بحكم أنه مفتوح في أعلاه وبحكم الطابع الاجتماعي للمنطقة وخصوصا "درب كنتة " الذي يتعايش فيه الناس آمنين على أنفسهم مطمئنين إلى بيوتهم غير متوقعين للخوف إطلاقاً مما يجعلهم لا يتوقعون السرقة ولا يتحرزون منها فأحيانا تجد الناس هناك ينامون قريري العين وأبواب بيوتهم مفتوحة.

خزانة المخطوطات بمقر الزاوية الكنتية الرقادية:

تضم الخزانة الكنتية عدداً مهما من المخطوطات سنأتي على ذكرها حين الحديث عن أعلام المدرسة الكنتية وأبرز هذه المخطوطات " نوازل الشيخ باي " و" الطرائف والتلائد" .. كما تضم أيضاً مجموعة مخطوطات تتضمنُ محاضرات الشيخ امحمد الكنتي رضي الله عنه من بينها :

$1-        التعريف بحياة الشيخ سيدي محمد بن عبد الكريم المغيلي

$1-        التعريف بالشيخ سيدي أحمد الرقادي مؤسس زاوية كنتة

$1-        التعريف بالشيخ سيدي أحمد بن موسى كرزاز

$1-        المداخلة الكُنتية في المحبة النبوية

$1-        مناقب الشيخ سيدي المختار بن محمد بن عمر بقصر الجديد

$1-        التعريف بالشيخ مولاي عبدالله الرقاني

$1-        دروس متنوعة : فضائل القرآن – في بيوتٍ أذن الله أن ترفع – إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا

$1-        بعض القصائد الشعرية التي نظمها الشيخ الكنتي ونسخها عنه بخط يده تلميذه المتميز عمر بن عثمان أنسباغور

 
   


صندوق خشبي يضم مخطوطات صحيح البخاري والشفاء للقاضي عياض

     

مخطوط بماء الذهب

     

جزء من مخطوط مهترئ

أعلام المدرسة الكنتية :

$1·         الشيخ سيدي أحمد الرقاد:

         يقول الشيخ الحاج أمحمد الكنتاوي في إحدى محاضراته[13] مترجماً لسيدي الشيخ أحمد بن الرقاد: ولد الشيخ سيدي أحمد بن الرقاد في سنة تسعمائة وثمانية وستون (968هــ) وهذا المحقق كما وُجدَ بخط القاضي العلامة الشيخ سيد المختار بن المصطفى الرقادي .. وذكره أيضا الشيخ سيد المختار بن أحمد بن أبي بكر الوافي الكنتي ومولده ومسقط رأسه بواد نون بمقر أجداده وأسلافه، وبها نشأ بين أبويه وقد قرأ القرآن كله بروايتي ورش وقالون عن أبيه الشيخ محمد الرقاد، وأخذ عنه بعض مبادئ العلم كما ذكره الشيخ سيد المختار في كتابه (الإرشاد)، وأخذ الطريقة القادرية عن أبيه ثم جدّدها عن عمّ أبيه سيد المختار الشيخ بن عمر الشيخ .

قال الشيخ الكبير في (الإرشاد) : وأخذ عن أبيه رسالة ابن أبي زيد القيرواني، ومختصر البرادعي، وكتب ابن رشد، ومختصر الشيخ خليل، وتحفة الحكام لابن عاصم، وتبصرة الحكام لابن فرحون المالكي، ومقدمة في النحو، وقرأ عنه الألفية والشافية كلاهما لابن مالكن وقرأ عنه تلخيص المفتاح في علوم البلاغة وقد أجازه أبوه في الفقه والنحو والصرف وقرأ جمعَ الجوامع وموافقات الإمام الشاطبي في علم الأصول عن عمه سيدي المختار الشيخ الذي أكمل تربيته بعد أبيه، وأجازه في موطأ الإمام مالك وصحيحي البخاري ومسلم، كما أجازه ابن عمه سيد الأمين الأزرق من آل أبي بكر الحاج بن أحمد البكاي بن أحمد الكنتي، وقد تركه عنده سيد المختار الشيخ في غيبةٍ غابها، ولما عاد من غيبته رجع إليه الشيخ سيد أحمد الرقاد وأخذ عنه قواعد التصوف علما أن والده قد أذن له أبوه الشيخ سيدي محمد الرقاد في الأوراد القادرية [14].         

ونضيف ما قاله فيه الشيخ سيدي المختار بن أحمد بن أبي بكر الوافي الكنتي" كان شيخ مشائخنا سيدي أحمد بن محمد الرقاد من أكابر أولياء الله علماً وديناً" له وصية مشهورة لابنه الشيخ سيدي علي بن أحمد يوصيه فيها بالتعليم والتدريس وملازمة التقوى. وفي ما يلي عرضٌ لأبرز رجالات المدرسة الكنتية نبرزُ فيه بصماتهم المخطوطة التي تحفظها للتاريخ خزانة المدرسة بزاوية كنتة :

الشيخ سيدي علي بن أحمد الرقاد: الذي ولد بالزاوية الكنتية عام 1008هـ، وتوفي بها عام 1120هـ

الشيخ سيدي محمد بن سيدي علي: ولد بالزاوية عام 1050هـ ومات بها عام 1125هـ

الشيخ سيدي أحمد الصوفي بن سيدي محمد: وُلد بالزاوية عام 1090هـ وتوفي بها عام 1222هـ

الشيخ سيدي علي بن أحمد الصوفي: الذي وُلد بالزاوية عام 1140هـ وتوفي بهاعام 1240هـ

الشيخ سيدي الحاج أعمر بن سيدي علي: المولود بالزاوية عام 1180هـ وتوفي بالمدينة المنورة عام 1278هـ

الشيخ سيدي المختار الكنتي الكبير: توفي عام 1226هـ له عدة تآليف علمية في الفنون الشرعية واللغوية، حتى قيل إنه ألف من الكتب عدداً يساوي سني حياته أربع وثمانون سنة في حين ينسب له آخرون 312 مؤلفاً[15]

وتذكر المصادر التاريخية الرصينة أن بلاد التكرور والأزواد استمرت في سبات عميق ولم تنهض من كبوتها بعد نكوصها عن دورها الطلائعي[16] في القرن السادس عشر الميلادي إثر حملة المنصور الذهبي عليها وإبادتها وأسر علمائها[17] واستمرت بلاد التكرور والأزواد في سباتها ولم تنهض من كبوتها إلا في القرن ال18م وذلك بفضل مجيء الشيخ سيد المختار الكنتي الكبير الذي أحياها بعد ممات؛ فانتعشت الحركةُ العلميةُ في عصره من جديد، وعمّ السمُ الأرجاء، فتقلد الزعامةَ السياسيةَ والعلمية، ودانت له كل قبائل الأزواد لما حققه من ذيوع صيت، كما أعاد للطريقة الصوفية القادرية مجدَها، وهو الأمر الذي حمل بول مارتي على القول بأنه كان شيخاً شديد الورع، ومثقفاً من الطراز الأول، ورجل سياسة، وقد لعب في الحياة الصحراوية بين 1700-1811م دورا من أكثر الأدوار أهميةً وكان مصلحا إسلامياً حقيقياً[18]

من مؤلفاته:

$1-        نزهة الراوي وبغية الحاوي

$1-        الجرعة الصافية

$1-        فقه الأعيان في حقائق الأعيان

$1-        زوال الإلباس في طرد الوسواس الخناس

$1-        نصاب الذهب في كل فن منتخب

الشيخ سيدي محمد بن المختار الكنتي: له تآليف منها

- الروض الخصيب شرح نفح الطيب

- الطرائف والتلائد

- تأليف في مصطلح الحديث

 الشيخ سيدي محمد باي بن عمر الكنتي: توفي عام 1348هـ له:

- فتاوى في الفقه

- شرح علم المواريث.

الشيخ سيدي محمد بن بادي: توفي عام 1388هـ، وله تآليف منها:

- مقدم العي المضروم على نظم ابن آجروم

- مريح البال

- الروضة الأنيقة

- الشموس الطوالع

ومن أعلام كنتة سيدي الشيخ أحمد البكاي حفيد الشيخ سيد المختار الكنتي الكبير، الابن الوحيد للشيخ سيدي محمد الكنتي وأنجب ثلاثة أبناء تفرعت عنهم شجرة قبيلة كنتة وهم: الشيخ سيدي محمد الكنتي الصغير والطالب بوبكر الحاج، وسيد اعمر الشيخ. وقد كان سيدي الشيخ أحمد البكاي  فريد هؤلاء جميعاً وكانت في شخصيته المتصوفة كاريزما خاصة أضفت على المدرسة الكنتية صفةً أخرى من صفاتها المتميزة .

         ومثّل وصول الشيخ سيدي أحمد البكاي إلى ولاتة حدثاً فريداً في تاريخ قبائل المنطقة التي تروي كيف حوّل ولاتة إلى قرية آمنة من السباع بنفس الطريقة التي قام بها جده عقبة بن نافع في القيروان. وظل الكنتيون سادة للأ رض بعد مقدم بني حسان ، وامتلكوا أهم مصادر الثروة فيها من مناجم وواحات، ونشروا العلم والتصوف، وإليهم تعود أعلى السلاسل القادرية التي هي أقدم الطرق الصوفية في البلاد، وقد بلغوا من الصيت والرفعة والانتشار في الأرض وكثرة العلماء مبلغاً كبيراً لم يبلغه أحدٌ سواهم. وانتشر تأثيرهم الديني جنوباً في عموم إفريقيا حتى ناهز الكامرون، مما جعل إشعاعُهم في إفريقيا يغطي مساحات أكبر من مساحة الأندلس ولا يزالُ إشعاعهم ممتدا فيها حتى الآن.

         كما انتشر وهجُ الكنتيين شمالا وشرقاً في وقت ما زالت فيه النهضةُ العلمية في بلاد شنقيط في بواكيرها؛ فسيدي اعمر الشيخ بن سيدي أحمد البكاي هو الذي جاب المنطقة مرافقاً لشيخه المغيلي أولا، ثم بعد ذلك لما تولى مشيخة الطريقة القادرية بعد وفاة شيخه المغيلي طولا وعرضا في رحلات دعوية لا تنقطع من المشرق إلى المغرب ، وفي حوض نهر النيجر وبلاد السودان داعياً الناس إلى مبادئ الدين الصحيح ومربيا الأجيال على طريقته القادرية البكائية الكنتية .

ليقوم الشيخ سيد المختار الكنتي بتجديد المسار الروحي والعلمي الكنتي الذي وصل معه إلى ذروته.. حيث أثمرت جهوده انتشار الزوايا الكنتية في افريقيا والقطر العربي[19] كما سنتكلم لاحقاً .

كما برزت بمركز زاوية كنتة شخصية كبيرة وهي سيدي عمر بن المصطفى الرقادي الذي يُعدّ أحد شيوخ عبد الرحمن بن عمر التنلاني وبن أبّ الزموري[20].

تلك هي قبيلة كنتة .. تلك هي بعضُ الملامح الفكرية والحضارية للمدرسة الكنتية وجهود رجالاتها الأفذاذ في سبيل نشر العلم والدين والعربية في إفريقيا ..ومآثرهم وآثارهم العلمية الممثلة فيما تركوه من مخطوطات نفيسة قاومت كل عوامل الفناء لتبقى حيةً صامدةً وذلك ما كان ليكون لولا إخلاصُ أولئك الرجال .. هو مسارٌ علمي وفكري وتاريخي جدير بالإشادة والتنويه والإعجاب وحقيقٌ بنا نحن الدارسين والباحثين أن نخرجه من دهاليز المخطوط والمروي إلى ساحة البحث والتحقيق لنمكّن لهذا التراث المميز ونربط أجيالنا به من أجل صناعة جيلٍ يعي حجمَ أمته التاريخي، ورباطة جأش أولئك الرجال في سبيل تعريب إفريقيا ونشر قيم الإسلام فيها والذين كانوا بحق منارةً علمية وأخلاقيةً مدّت جذورها في كل البقاع المجاورة .



[1]  ولاية أدراربشمالموريتانيا تقع بالشمال الموريتاني، وبها 4 مقاطعات إدارية- وعاصمتهاأطارالتي تبعد عن نواكشوط 480 كم

[2] الصديق حاج أحمد آل المغيلي، من أعلام التراث الكنتي المخطوط الشيخ محمد بن بادي الكنتي حياته وآثارُه، دار الغرب للنشر والتوزيع، دط، دت، 16/18

[3] د. مصطفى أبو ضيف أحمد: أثر القبائل العربية في الحياة المغربية، مطبعة دار النشر المغربية، ط:2، 1982، ص: 269

[4] الصديق حاج أحمد، التاريخ الثقافي لإقليم توات من القرن 11هـ إلى القرن 14 هـ/ 17م إلى 20م ، مديرية الثقافة لولاية أدرار، ط:1، 2003، ص:119

[5] هي رواية شهيرة فصّلها الشيخ محمد الكنتاوي رحمة الله عليه في محاضرته المخطوطة عن تاريخ الزاوية الرقادية الكنتية زوّدنا بها أحد تلامذة الشيخ الحاج أمحمد الكنتاوي عليه رحمة الله ورضوانه، ض:1-4

[6] حبيب عمر الفهري، عربي بين حضارتين، دون ذكر لدار النشر، ط:1، 2004، ص: 106

[7] المرجع السابق، ص: 106-107

[8] السيد بن بيلا بن عابدين الفردي- باحث في التاريخ ، والحضارة من عرب شمال (جمهورية مالي)- ، من آثار العرب والحضارة العربية الإسلامية في منطقة حوض نهر النيجر، المقال منشور في مدونة " هموم مهمش من بلاد الشمس" ، الأربعاء 09 يناير2008م

[9]  المختار السالم، سيدي محمد الكنتي .. قصة تعريب الساحل، الموقع الالكتروني ليومية الخليج الإماراتية، تاريخ النشر: 05/08/2013م

[10] الخليل النحوي،بلاد شنقيط المنارة والرباط، عرض للحياة العلمية والإشعاع الثقافي والجهاد الديني من خلال الجامعات البدوية المتنقلة (المحاضر) ، منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1987، ص:32

[11] الصديق حاج أحمد آل المغيلي، من أعلام التراث الكنتي المخطوط..، ص:24

[12] المرجع نفسه، ص: 25

[13] هي محاضرة مخطوطة عن تاريخ الزاوية الرقادية الكنتية زوّدنا بها أحد تلامذة الشيخ الحاج أمحمد الكنتاوي عليه رحمة الله ورضوانه.

[14] الشيخ الحاج أمحمد الكنتاوي، محاضرة مخطوطة بعنوان " الزاوية الرقادية الكنتية"، ص:4

[15] بول مارتي، كنتة الشرقيون.. تعريب: محمد محمود ولد دادا، دمشق، دط، دت، ص:53

[16] شهدت منطقة السودان الغربي حركةً علمية وثقافية رائدة بفضل ملوك وسلاطين دولة سنغاي  التي حكمت من 1492م إلى 1591م خصوصا الحاج محمد أسقيا الذي اتخذ من الشيخ المغيلي مستشاراً لا تردُّ له كلمة .. وعُرفت مدينة تمبكتو كحاضرة ثقافية وعلمية مشهورة ببلاد التكرور

[17] مملكة سنغاي في عهد السقيين، عبد القادر زبايدية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ض:94

[18] الصديق حاج أحمد آل المغيلي، من أعلام التراث الكنتي المخطوط، ص:32-33

[19] الحسين بن محنض، مدرسة الشيخ سيدي محمد الكنتي ودورها في التاريخ المويتاني ( مقال الكتروني)، موقع مركز الصحراء للدراسات والاستشارات، دون تاريخ

[20] الصديق حاج أحمد، التاريخ الثقافي لإقليم توات.. ص:119/121 (بتصرف)