المنحنى العاطفي للذات الحربية الأسيرةpdf

قصيدة " يا سايلني" للشاعر الشعبي محمد بلخير مداح الشيخ بوعمامة نموذجا

عبد اللطيف حني

جامعة الطارف

بسط منهجي :

استطاع الدرس اللساني المعاصر اقتحام عالم المعرفة العلمية في التعامل مع النصوص الأدبية مبتعدا عن الطريقة التقليدية، فظهرت التداولية والسيميائية والبلاغة الجديدة بوصفها مظهرا من مظاهر التحول الذي مكن النقاد من توظيف علوم ومعارف أخرى، أسهمت بشكل واضح في إنشاء تحليل الخطاب الذي سخر المعارف العلمية لقراءة النصوص الأدبية، والتوسل بالمباحث العرفنية لتجديد الصلة بتحليل الخطاب وتفعيل علوم مختلفة، مثل الفلسفة والعلوم التجريبية وعلم النفس والتاريخ والأعصاب لقراءة أحدث وأعمق، وتحليل ذهني معقد للخطابات.

ولعل الخطاب الأدبي الشعبي تضمن كما هائلا من المعرفة الإنسانية والاجتماعية، فكان جديرا بالدارسين التوجه إليه بالجمع والتدوين والبحث والدراسة، لأنه يعكس التفكير الاجتماعي في زمان ومكان ما، ومدى التفاعل بين الإنسان وواقعه بالتصوير والتشكيل والتعليق والاستخلاص، ومن أشكال الأدب الشعبي التي غطت جل الموضوعات الإنسانية الشعر الشعبي، الذي صور التاريخ ولخص الأحداث وشخص العواطف والمشاعر، لذلك تسعى هذه المداخلة إلى الوقوف على المقاربة السيميائية بِعَدِّها أحد النشاطات العلمية العرفنية وبالتركيز على سيمياء العواطف من خلال نظريتها التحويلية التي توسلت بالوسائل الإجرائية للتحليل العاطفة وتشكيلاتها في الخطاب الأدبي والتبصر في تحولات المخطط الانفعالي، إذ يعد بناء إيديولوجيا وشبكة لقراءة ثقافية مسلم بها في المستوى السيميوسردي بواسطة أسلوب استعادي، وبفضل الاستعمال الجماعي، تتم ولادة نموذج ثقافي يمثل مخزونا ليستدعى من جديد في الخطاب.

وعليه تسعى الدراسة إلى تتبع المراحل التي تمثلتها الذات العاطفية من خلال المراحل التالية : اليقظة العاطفية – الاستعداد العاطفي  - المحور العاطفي – الانفعال – التهذيب – وهذا باتخاذ أحد قصائد الشعر الشعبي الجزائري مجالا للتطبيق والممارسة ألا وهي " يا سايلني في أحكام رب العالمين " للشاعر محمد بلخير (1835 – 1906) شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة الشعبية الجزائرية، إذ تدثرت القصيدة بجماليات أسلوبية وتضخم للذات والأنا بشكل لافت للانتباه، حيث نظمها الشاعر في سجن المنفى بمدينة كالفي الفرنسية بجزيرة كورسيكا، حيث يبث فيها بلخير شكواه لله ويتذكر أحبته، ويعود بذاكرته للجزائر بلده المبعد عنه يسلي همومه، كما يتحدث عن معاناته في الأسر والغربة، لذلك ستعتمد الدراسة على تقصي المخطط العاطفي للقصيدة المرتكز على الذات المبدعة وتحولاتها العاطفية ومراجعها السيميائية، بالاعتماد على الشروح والرسومات البيانية المتعمقة في مقاربة القصيدة الشعبية. 

1-سيمياء العواطف :

أهملت الدراسات السابقة التي اعتمدت على الجانب المعرفي والتداولي للخطابات البعد العاطفي والحسي في مقاربتها، والتي لها وضعها وكيانها المؤثر في الخطاب الأدبي([1])، لذلك وجدت سيمياء العواطف بِعدِّها امتدادا شرعيا للسيمياء السردية، وقد خاض في هذا المجال النقاد محاولين مقاربة النصوص وفق النظرة العاطفية، والسعي على ملامسة شغاف الخطاب من خلال الجانب الخفي والمتوهج فيه، إذ لا يمكننا إغفال مجموع العواطف والأحاسيس التي تنبع من الذات المبدعة في تحليلنا للنص الأدبي، فهذه المقاربة طريقة من الطرائق التي تسعى إلى فتح مغاليق النص وفهمه.

 ولقد اقترح الدارسون في مجال سيمياء العواطف نوعين من المقاربة في توجهين وهما :

أ-التوجه الأول : وهو ما تبناه كل غريماس وفونتاني (1991)، حيث يعُدان  سيمياء العواطف تمتد من سيمياء الحدث، فتأخذ مقولاتها وأدواتها وآلياتها كمنطلق لها.

ب-التوجه الثاني : ويعتمد هذا التوجه على اعتبار البعد العاطفي امتدادا للوضع المميز لذات العاطفة والتي تقابلها الذات المحاكمة، وذلك بالتركيز على مختلف مظاهر الذات المميزة ودراستها ووصفها في الخطاب وقد بين ركائز هذه المقاربة ج ك كوكي في مؤلفه (السعي وراء المعنى 1997) .

ولعل هذه الجهود وأخرى سعت على اعتماد البعد العاطفي في تحليل الخطاب، والولوج به إلى مجال الدراسات السيميائية، وذلك انطلاقا من أن العواطف والأحاسيس تنبع من الذات المبدعة ولها أثر واضح وملموس في النص، وهذا ما ركز عليه علم النفس بوصفه منهجا يعتمد على تقلبات النفس وأثرها في النص، غير أن المنطلق الذي تعتمد عليه سيمياء العواطف هو تلمس البعد العاطفي في الخطاب ودلالاته فيه، ولا يعتد بتأثير العاطفة من الناحية النفسية في المتلقي، بل  باعتبارها منتجة للمعاني والدلالات والإيحاءات الدالة على الذات المبدعة، والتركيز على العواطف المؤثرة التي لها تأثير على المسار السردي للخطاب([2]).

تعتمد سيمياء العواطف في مقاربتها على أثر العاطفة في الذات، فقد رأي جاك فونتاني أن العاطفة تتوافر في الخطاب باعتبار حدين، يتمثل الأول في تحديدات صيغية مجسدة في العوامل والكفاءات، والثاني تحديدات توترية تمثل التوترات المختلفة التي تخضع لها الذات في مواجهتها للحدث([3]).

كثيرا ما نود الوقوف على العاطفة في الخطاب لكننا لا نقوى على المسك باللحظة الشعورية العاطفية، إلا بالنظر إلى حضورها عبر مجموعة من الملفوظات، إذ تمثل شدة الوتر في الجسد، تظهر بوضوح أثناء الانفعال، لذلك كانت الأيقونة التلفظية مرجعا ملموسا للبعد العاطفي، وهذا التمثيل يمكننا من الانفلات من الإحساس الخالص المبهم إلى الوضوح البين الجلي، وتمكنها الظهور بِعدِّها وحدة نظامية تدل على ثقافة ما «ولابد من الإشارة إلى أن هذا المخطط مرتبط بالمخططات التوترية السابقة الذكر وأما هدفه فيكمن في شرح مسار الذات العاطفية وتمثيلها من خلال المراحل التالية : ([4])

dakira0501

أ-اليقظة العاطفية :

في هذه المرحلة تتصف الذات العاطفية في الخطاب بعاطفة معينة، حيث العامل (Action) مزعزع بالنظر إلى حساسيته المنتبهة واليقظة والمهيأة([5])، كما يجب علينا رصد التغيير في الشدة وفي الكم «فالإيقاع المتباطئ نتيجة حالة يأس أو إحباط، يدل على التحول في هذه الحالة العاطفية، ونوع التوتر الذي يميزها هو شدة ضعيفة وانتشار كبير في الزمن»([6]).

ب-الاستعداد :

يتجلى في استعداد العاطفة التي توقظ الشعور، كما تجتهد الذات إلى الخلاص من الشعور المتخفي في داخلها، لتظهر في الكثير من الصور الافتراضية التمثيلية، وذلك برفع الذات إلى شعور تود تحقيقه كالشعور بالفرح في حالة الحزن ويرى فونتاني أن «الاستعداد هو لحظة تتشكل فيها الصورة العاطفية فتنبه النشوة والألم»([7]).

ج-المحور العاطفي :

ينظر فونتاني إلى هذه المرحلة على أنها اللحظة التي تم فيها التحول العاطفي «فنحس أننا أمام تحول للحضور وليس أمام تحول سردي فقط، ففي هذه المرحلة يعرف العامل معنى اليقظة وصورة الاستعداد السابقة الذكر، إذ يمنح له دورا عاطفيا قابلا للتعرف»([8])، ويمكننا أن نراها في الخائف الذي يحس بحضور يهدده، ولكن هذا الخوف يزوده ببعض الاستعدادات التي يمكنا أن تواجهه ويتغلب بذلك على مخاوفه، فتتشكل الشجاعة في ذاته فيصبح شجاعا .

د-التحسيس :

 يُعدُّ التحسيس في نظر فونتاني «النتيجة التي يمكن ملاحظتها من المحور العاطفي، إذ يتجاوب جسم العامل مع التوتر الذي يتلقاه، هو يقفز ويهتز ويرتعد ويحمر يبكي ويصرخ، ولا يصبح الأمر حينها متعلقا بإعطاء معنى لحالة عاطفية، لكن بالتعبير عن الحدث العاطفي والتعريف به لنفسه ولغيره»([9]).

إن مرحلة التحسيس تدفع العاطفة إلى الاجتماعية وتسمح لنا بمعرفة الحالة الداخلية للذات الواقعة تحت سلطة العاطفة، بواسطة علامات يمكن ملاحظتها، قابلة للتبصر خارجيا «فالجسد يمتد إلى العالم وعيا عبر لغة الحواس الخاصة، فالبصر لغة صورية والسمع لغة صوتية، والشم لغة عضوية بالمعنى الكيميائي للمفردة واللمس لغة شيئية والتذوق لغة جمالية ولعل القاسم المشترك في هذه اللغات الخمس هو تفعيلها لآلية التواصل المستمر بين الجسد ومفردات عالمة المتباينة»([10]).

هـ-التهذيب :

تعد هذه المرحلة خاتمة المسار العاطفي، وذات أهمية في تشكيل الذات العاطفية، إذ «في نهاية مسارها تكون قد تجلت لنفسها ولغيرها وبواسطة الحكم الأخلاقي تبرز العاطفة كل القيم التي تحسست وانفعلت من أجلها، لذا تتقابل مع قيم الجماعة لتقيم في النهاية بالإيجاب أو السلب توافقها أو عدم توافقها لتلك القيم الاجتماعية، ذلك أن البعد الأخلاقي في الخطاب يتطور انطلاقا من المسارات العاطفية للذات وحيث تركز على ممارسة مراقبة قصدية على سلوكات الغير، وتطالب يحق تحقيق عواطفها وتحمل نتائج ذلك، إن الإحساس يخلف حدثا عاطفيا يمكن ملاحظته ثم تقييمه بقياس شدة توتر الذات»([11]).

بعدما حاولنا بسط مفهومي موجز، وملمح تعريفي لمراحل المنحنى النظامي العاطفي، سنسعى إلى رصدها في قصيدة " يا سايلني " للشاعر محمد بلخير([12]) :

2-اليقظة العاطفية :

تظهر اليقظة العاطفية في قصيدة "يا سايلني"، من خلال تغني الشاعر بلخير بنفسه في سجنه ووحدته، إذ يتعالى بفخره بنفسه، ويمجدها، فيعتبرها ذاتا لها حضورها المؤثر في قومها، ولها قدرها العظيم، فيشعر بالتضخم والامتلاء، وتتنامى لديه القوة وحب الظهور، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال خطابه الشعري الذي يعكس نمط هذه الشخصية، ويحدد خطيتها المثالية والنموذجية، فهذه النفس الهائمة في وحدتها المنحصرة في مكان محدد معلوم ومعروف، بات يشكل خناقا عليها، يطرأ عليها عامل يخرجها من ضيقها وينتقل بها إلى عالم لا طالما ألفه وأحبه، عالم ولد وشب فيه، ألا وهو الفروسية والحرب والنزال، فيتذكر ذلك الرجل المحارب القوي، وتلك الشخصية التي لها سمعتها وهيبتها.

تتشكل هذه المرحلة وتتنامى لدى الشاعر، حيث يخاطب قومه الذين نسوه وتركوه يعاني آلام الأسر ومرارة البعاد، متذكرا أيامه السابقة ومجده الموقوف، فيقول : ([13])

أَنَاْ عْزَيْزْ فَيْ أَهْليْ عَرَبْ  الْسَيّفْ        قَاْصَدُهُمْ طْلَيْبْ الْـوَدْ وَالإحْـسَانْ

للّيْ مَتْهُوْمْ بَالْحَرَمْ لَوْ كَاْنْ وْصَيْفْ      عَسَىْ أَنَاْ بَيْنْ غُـوْلْ أَسَـدْ وَثَعْـبَاْنْ

أَنَاْ شَرْقَيْ جَيْتْ لَلْبُلْدَانْ هْــدَيْفْ       ديْرُوْ لَيْ بَاْشْ نَتْعَرَفْ فَيْ ذَاْ الْعُرْبَاْنْ

دَيْرُوْ لَيْ يَاْ نَاْسْ كَيْ دَرْتُوْا لَخْلَيْفْ      بَعْدْ مَاْ كَاْنْ غَيْرْ حَـدْ مَنْ  الْعَرْبَـانْ

أَنَاْ قُنْطَاسَيْ شْرَيْفْ وَفَاْرَسْ خْفَيْفْ      فَيْ الْمْشَاْلَيْةْ سَيْفَيْ مَعْـرُوْفْ  يْـبَاْنْ 

حَتّىْ أَنَاْ فَيْ حْزاْمُكُمْ تَرّاْسْ ظْرَيْفْ     نَحْسَبْ عَنْديْ خْلَيْفَ عَشْرَةْ  بَاْلمَيْزَانْ

 يبدو أن شاعرنا يعاني آلام الوحدة والنأي عن الوطن والأحبة في معتقله، فهو مبعد عن ساحات النزال والوغى، لذلك نلمس الانفعال الحاصل في ذاته جراء تذكرهم وتوارد الصور من ذكرياته، وعليه هذه المرحلة تمثل اليقظة العاطفية لديه، ويتجلى لنا بوضوح تصاعد شدة الاعتزاز بالنفس والفخر بأعمالها السابقة، والتباهي بمكانتها بين الناس من منطلق الحب والتقدير، فالشاعر كان يدافع عن أولاد سيدي الشيخ ضد المستعمر الفرنسي.

إن ما يؤكد التغير الانفعالي الشديد الحاصل للذات هو الدوال اللغوية للأبيات، إذا نلاحظ تكرار الضمير أنا مع الصفة الإيجابية اللاحقة له (أنا عزيز، أنا شرقي، أنا قنطاسي، شريف، فارس خفيف، سيفي معروف، أنا في حزامكم، أنا ظريف) فهي الأوصاف الحميدة والتي قصد بها الشاعر تأجيج التواتر السردي للنص، وتوصيف الذات بما هو أهل للقيادة والسيادة والدفاع عن الضعفاء والذود عن الحمى، ولقد جسد هذا التنامي التكرار على مستوى الضمير، ويمكننا تمثيل تنامي شدة الاعتزاز بالذات في هذا المخطط التالي :


                                                                             dakira0502

وتواصل الذات استثمار الموضوع، إذ الشاعر يسدي النصح والإرشاد لقومه ويوجههم إلى طريق الصلاح، انطلاقا من خبرته في الحياة التي خبرها وخاض تجاربها وبجمالها وقبحها، ويظهر التغير من خلال إيقاع القصيدة الذي تسامى في العلو والرفعة، حيث يقول : ([14])

نْوَرَيْ سَاْسْ الْكْلامْ  اللّيْ يَفْـهَمْ مَعْنَاْيَـاْ      وَالْدّنْيَاْ مَاْ تْدُوْمَشْ عَنْدْ الْلّيْ  تَزْهَىِْ  لُـوِْ

وَتْصَنَتْ لَيْ يَاْ الْعَاْقَلْ نَعْطَيْـكْ حْكَاْيَـةْ      مَاْ دَاْمَتْ دَنْيَةْ الْغْرُوْرْ عَنْدْ اللّيْ تَزهَىْ لُوْ

رَاْنَيْ تَرَاْسْ مَاْ نْطَيْقْ نْـرُوْحْ بْشْقَـاْيْ      مَاْنِيْ بَأْهْلَيْ وَلاْ بْسَـيْدَيْ دَاْرَقْ بَاْجْبَاْلُـوْاْ

رَبّيْ مَنْ صَاْبْ لَيْ مْرَيْزَيْقْ أُمُوْ جْرَاْيَةْ       أَبْيَضْ الْخَنْشُوْشْ وَالْسْبُوْلَةْ نَرْبَحْ مَنْ فَاْلُوْاْ

وَأَزْرَقْ نَيْلَيْ حْمَاْمْ كَفْنُـوْ لَكَاْنْ مْـرَاْيَاْ      جَلْدْ نَمْرْ فَيْ صْفَاْوْتَـهْ وَنْفَاْنَـيْهْ كْحَاْلُـوْا

نْهَاْمْ يَطْرَحْ الْعَقْـلْ ثَاْنَـيْسَةْ وَعْنَـاْيَةْ      وَيَشْبَـهْ الْلّيْ بْحَـاْلْ الأَزْرَقْ وَأَمْـثَاْلُـوْا

هَذَاْ نَغْدَاْ عْلَيْهْ شْوَارْ الْلّيْ خُوْضْ مَايْ      وَالْقَرْمَاْمِيْ اْلَلّيْ مْهَـوْلْ قَلْـبَيْ بَاْهْـبَالُـوْ

لعل الشاعر في الأبيات السابقة يعلو بذاته إلى الرفعة العلو، فينبري لكي يوجه النصائح التي يراها تنفع حال أمته، مؤكدا على خبرته في الحياة، ومتحدثا عن فروسيته وشجاعة بواسطة حديثه عن فرسه الذي خبره في المعارك والحروب ضد المستعمر الغاشم([15])، فالحديث عن الفرس يساهم بشكل مباشر في تضخيم الذات وشحنها بالاستعداد العاطفي، ويضفي على القصيد نوعا من التصعيد الشعوري الذي يتأثر به القارئ، كما يجعل "بلخير" في حالة استعداد وتهيؤ دائم مشحون بالكبرياء والتعالي عن مساعدة الناس، الذين تركوه وحيدا في سجنه، إذ الطمع في الله تعالى، فيقول : ([16])

ضَاْقَتْ رُوْحَيْ بَاْغَيْ نَرْحَــلْ   مَنْ وَطَـنْ الْرُوْمْ نَرْتَفَـعْ لَلْمُسْلَمَيْـنْ

أَنَـاْ وَأْوْلاْدَةْ  الْـقْـبَـاْيَــلْ   رَاْنَيْ شَكّاْيْ عْلَىْ الْمْحَاْبَيْسْ مْسَاْكَيْـنْ 

وَطْلَـبْتَـكْ يَاْ إلَـهْ  تَقْبَــلْ     مَنْ بَعْدْ الْضَيْقْ تْفَرَجْ عْلَيْنَاْ فَيْ الْحَيْنْ

مَاْ طَاْمَعْ فَيْ بْخَيْلْ  يَبْـخَـلْ     طَاْمَعْ فَيْ اَللّيْ يْسَلَكْ الْدّيْنْ مَنْ الْدَيْـنْ

اَعْزَمْ لَيْ  بَاْلسْرَاْحْ عَـجّـلْ     أَمْرُوْ وَاَقْضَاهْ خَفْ مَنْ رَمْشَاتْ  الْعَيْنْ

سَلَكَنيْ كَيْ نْعـُوْدْ حَاْصَـلْ     كَمَاْ سَلَكَـتْ مَنْ إبْرَاهَـيْمْ اسْمَاعَـيْنْ

إن "بلخير" يستغني عن الناس كلهم ويرتبط بالله تعالى في طلبه، حيث يدعوه تعالى أن يفرج عنه وعن إخوانه الجزائريين المسجونين ظلما وقهرا، لا لشيء إلا لأنهم دافعوا عن حماهم وذاذوا عن أهاليهم ووقفوا ضد همجية فرنسا وشنوا عليها مقاومة، رافضين وجودهم على أرض الجزائر.

تبدو عاطفة الشاعر متأججة ثائرة متطورة وفق التراتب الزمني، إذ كانت في الماضي تتذكر بطولاتها وشجاعتها وسلطتها على القبيلة، التي كانت تهابه وتحبه وله قدر عظيم بينها، لينتقل في الحاضر إلى الاعتداد بنفسه ولا يطلب منهم العون، ملتجئا إلى الله تعالى، وهذا من عقيدة الشاعر؛ فنفسه لا تذل إلا لله تعالى، ويمكننا تمثيل هذا التوتر الزمني والموضوعي بالمخطط التالي :

dakira0503

يظهر هذا المخطط التغير الحاصل على مستوى العاطفة، المتطور وفق التغير الزمني، إذ يعكس العواطف المنتجة من الذات كالشجاعة والقوة وعدم الذل، في الزمن الماضي والحاضر، ليتأجج الجهاز الشعوري للذات ويبلغ قمته، ونلمس التوتر الشديد والمتصاعد في القصيدة وتسليمه أمره لله تعالى .

3-الاستعداد :

ترتكز هذه المرحلة العاطفية على إيقاظ شعور الذات الذي يسعى إلى الانفكاك من الشعور الداخلي الأليم المتخفي عنا، فهو مصدر الألم والمعاناة ولا يظهر الشاعر إلا لنفسه، فيعرضه في صور افتراضية تخيلية، وذلك بإنتاج شعور يسعى من خلاله إلى الخروج من حالته المحزنة، وذلك باللجوء إلى الله تعالى باعتباره المفرج الواحد الأحد عنه، فيرمي "بلخير" حمله عليه ويتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته، وهذا ما قصده "فونتاني" أن «الاستعداد هو لحظة تتشكل فيها الصورة العاطفية فتنبه النشوة أو الألم»([17]).

ويظهر الاستعداد في نص الشاعر من خلال رمي حمله وثقله على الله تعالى في قالب صوفي، فهو توسل ودعاء، وبث للحب والعشق الإلهي، وهذا يعكس جانبين لذات بلخير: القوة والشجاعة والإقدام والتفوق على الأعداء والخصوم، والقيمة والحضوة بين الناس، والذل لله تعالى، والحب لوليه وشيخه بوعمامة، إذ الذات في قمة القوة وقمة الضعف، حيث يقول : ([18])

يَـاْ الْسَاْيَـلْ لاْ تَسَـاْلْ فَـيّ  خَلَيْــنَــيْ كَـيْـفْ رَاْدْ رَبّـيْ

أَنْ يْفَـرَجْ خَـاْلَقَـيْ عْـلَيّ   يْوَفَــيْ لَيْ طَلـَبــْتْ طَـلْبَـيْ

سُبْـحَاْنُـوْ عَالْ  الْخْـفَـيّةْ   عَـاْلَمْ بَــعْــوَالَمْ كُـلْ غَـيْـبْ

يَــرَدْ الْلَيْ تْمُـوْتْ حَيّـةْ        وَيْـــرَدْ الْـحَــيْ لَلْـتْــرَاْبْ

يَنْظَرْ نْـظَرْ الْعْـزَاْزْ لَـيْ        يَاْ نُــوْرْ الْنُــوْرْ وَ الْحْـجُـوْبْ

يَاْ سَيْديْ قَـصَتَيْ قْـصَيّةْ         وَيْدَوْبْ الْصُــمْ مَــنْ عْـدَاْيَـيْ

وَابْجَاْهْ الْصَدْقْ وَ الْنْوايَـاْ         وَالْمُرْضَــعــَيـْنْ كُـلْ صَبَـيْ

مَرَتْ دَنْيَاْ وْجَـاْتْ دَنْـيَاْ         وَاَجْعَــلْ فَيْ الْطَيّبَــةْ  نْصَيْبـَيْ

يا رب العز لا تـبـدل         واجعل قسمي صحيح في الدنيا والدين

إن الشاعر يلجأ إلى الله تعالى في أسره المغلق عليه فلا محدث ولا مستمع ولا مجيب، إنه يجري حوارا داخليا، يعرض أطوار حياته الماضية ويتفحصها جزءا جزءا، متذكرا بطولاته، وحروبه التي خاضها مع شيخه بوعمامة، ويستلذ قيمته بين الناس وعظيم قدره، لكنه أمام هذا الشحن العاطفي والتأجج النفسي للذات لا يمكن بلخير إلا أن يسلم أمره لله تعالى، فهو مقتنع بذلك؛ فقد مرت عليه الأهوال والمصائب والمصاعب والليالي السوداء الحالكة، وعاشر مختلف الظروف الصعبة والمواقف العصيبة، لكنه كان دوما يتصف بالشجاعة والإقدام والحكمة، لأنه خبر الدنيا، وعرف حيلها مكايدها، وهذا كان وجه خطاب للمتلقي بأن لا يسأل عن هذا الحال (يا سايلني لا تسال) أي لا تحزن علي ولا تسألني عن حالي فأنا أدرى بها منك وأعلم بمداخلها ومخارجها، فعاطفة الشاعر لا ترضخ ولا تستكين إلا لله تعالى؛ فهي متمسكة بحبله المتين ومطيعة لتعاليم دينه، أما من تجبر وظلم من المستدمر الفرنسي فهو له بالمرصاد.

وتبدو لنا الصورة العاطفية متجلية من خلال ما سبق ذكره من الأبيات الشعرية، والتي تمثل مرحلة الاستعداد الذي عقب مرحلة اليقظة العاطفية، وتتواصل عاطفة الكبرياء والشموخ لدى الشاعر من خلال التباهي بذاته وسرد بطولاتها السابقة، حيث يقول : ([19])

يَاْ سَيْدَيْ قَصَتَـيْ قْصَـيّةْ         وَيْدُوْبْ الْصُمْ مَنْ عْدَاْيَيْ

بَعْدْ أَنْ كَاْنْ الْعْـلاْمْ لَـيّ         رَاْنَيْ بَيْنْ الْبْحُوْرْ  مْخَبّيْ

يَاْ رَبّيْ لاْ تْهَــوَنْ بَـْي        وَشَقَكْ غُرْبَتَيْ وَشَـيْـبَيْ

لاَ تَهْدَانَيْ مَـعَ عَـدَوَيْ         سَرّحْ حَالَيْ نْرُوْحْ  عَرْبَيْ

الَنّاْسْ الْحَاضََرَةْ مْـعَايَّ         لاْ تَهْدَأْ حَدْ مَنْ  حْبَـاْبَـيْ

لعل هذه الأبيات تظهر لنا حقيقة أقر بها الشاعر، تتمثل في كبرياء النفس وشموخها بالرغم من سجنه وأسره وما يمارس عليه الزمان من بعد عن الأهل والأحباب ونأي عن الوطن وبلاده، فهو ذليل لله تعالى متمسك به واثق من فضله وخيره عليه، أن الله تعالى يريد به خيرا، وفي الآن نفسه يظهر بلخير شجاعة وقوة وصلابة تمثل الاستعداد العاطفي، فإن كان الجسد مأسورا مسجونا فالذات حرة طليقة تسافر إلى الجزائر وتسبح في فيافيها وتتنعم بأرضها، وتعبق من ذلك الزمن الجميل زمن البطولات والفخر والاعتزاز.

إن الشاعر في هذه المرحلة العاطفية  يظهر قوته (بعد أن كان العلام لي، لا تهداني مع عدوي) ويبدي أملا لا ينقطع طوال رحلتنا مع القصيدة في الخروج والرجوع إلى الجزائر أرض المحبة واللقاء مع الأهل والخلان وأولهم شيخه ووليه الصالح الشيخ بوعمامة، ويتحقق ذلك من خلال المقولات التالية : (وشقك غربتي وشيبي وشقك غربتي وشيبي، سرح حالي نروح، لا تهدأ حد من حبابي)، فالشاعر يبدي عاطفتين متناقضتين هما القوة والغلبة والشجاعة وعاطفة التذلل والتوسل وإبداء الضعف والشكوى، من فعل الزمان، لله تعالى طالبا الفرج والتسريح من أسره، فهاتان العاطفتان متلازماتان ومتواصلتان في كامل القصيدة الأسرية، ويمكننا تمثيل هذا التناقض في المخطط التالي :

dakira0504    

4-المحور العاطفي :

يتحقق المحور العاطفي من خلل تشكل الذات العاطفية للشاعر المجسدة في ذلك الرجل الشجاع والفارس المغوار الذي لا يخاف العدو، ويسعى لقهره وتطهير الجزائر من وطأته وتدنيسه لها، ولا يبدي بلخير قنطا وسخطا على أسره، فهذا حال المحاربين والمجاهدين إما النصر أو الشهادة أو الأسر، مما يجعلنا ننظر لذات الشاعر السوية والقوية والمؤمنة بالله تعالى وقضائه، وتتجلى بوضوح في قوله : ([20])

الْخَصْلَةْ وْالْدَيْــنْ هَذَيْ هَـيَ         وَأَصْحَابْ الْكُفَاْرْ بَاْشْ ثْمَيْعَــدْ

نَتَسَنوْا فَيْ الآخَـرَةْ وَ الْدّنْـيَاْ          وَاَرْبَحْنَا عْلَى الْغَافْلَينْ  فْوَايَــدْ

أَنَا قَتَلْتْ كْبَــارْ الَخَـزَيَـةْ          مَنْ سَيّدْ أَحْمَدْ خَايْفَة  تَتْرَاعَــدْ

هَجَلَتْ عَلْجَـاتْ فَي  مْـرَيَا          مَنْ هَمْ قْبَاطيْـنَهَا تَـتْـمَـاجَـدْ

فهذه الأبيات تظهر لنا إيمان الشاعر بالله تعالى وبقضيته العادلة، فطريقه محفوف بالنجاح والتوفيق من مولاه، فجهاده ضد العدو الفرنسي خلق منه نفسا عزيزة قوية متسامية، ذات كبرياء وشموخ معتد بنفسها نتيجة لصنيعها في قومها وأرضها، لكنها تعتد على خلفية دينية خلقية إسلامية وهي التسليم لله والرضى بما يأتي به المستقبل، فكله خير ونجاح حتي أسره وسجنه.

5-التحسيس :

يبدو جليا من خلال سياق القصيدة الأسرية وما تضفيه من دلالات الذات القوية الشجاعة المشحونة بعاطفة الكبرياء والشموخ، وتتجلى من خلال الصفات المتعددة التي نعت بها نفسه، حيث يستعرضها في سجنه ويسلي بها عن همومه وأحزانه وهي : أنا عزيز، أنا شرقي، أنا قنطاسي، شريف، فارس خفيف، سيفي معروف، أنا في حزامكم، أنا ظريف، راني تراس ما نطيق نروح بشقاي، نتسنوا في الاخرة والدنيا     واربحنا، قتلت كبار الخزية، هجلت علجات في مريا، تجسد هذه الصفات حقيقة ذات الشاعر وما مرت به في حياتها من نزال وحروب، ويظهر مدى بغضه للعدو الفرنسي الذي احتل بلاده، ويقدم على الشهادة في سبيل وطنه وتحريره، وذلك أقصى ما تصل إليه النفس البشرية في شجاعتها، وذلك أسمى شعور وأعظم عاطفة تتفاعل في نفس الإنسان الأبي الفارس الشجاع، فالنصر والسرور والرضى دوما حليفه في حياته الدنيوية الفروسية، أو في حياته الأخروية الشهادة، وبلخير عبر عن هذه الأحاسيس والمشاعر وجسد هذه العواطف وتفاعل معها وهذا ما يمثل مرحلة التحسيس (Sensibilisation).

6-مرحلة التهذيب :

يمكننا في هذه المرحلة تقييم عاطفة الشاعر استنادا إلى القيم المتعامل بها في مجتمعه والتي تدفع إلى الفخر بفروسته ورجولته وكونه محاربا ومجاهدا في جيش شيخه بوعمامة، فالمجتمع يتدثر بمجموعة من القيم الخلقية التي نص وأمر بها الدين الإسلامي، فأصبحت متجذرة في المجمع، يورثها إلى أولاده جيلا بعد جيل، وأهمها الدفاع عن العرض والأرض، والشجاعة والإقدام بالتضحية للدفاع عن الأهل والبلاد، وعدم الخوف من الموت أبدا، فإما نصر ودحر للعدو، و إما الشهادة ونيل الجنة، وذلك نصر فلابد من الفوز بإحدى الحسنيين، لذلك نجده يباهي بقومه مفتخرا بشجاعتهم وقوتهم وإقدامهم مما يجعل ضمن دائرتهم ومن نتاجهم ويمثلون بالنسبة إليه الحلقة الكبرى والمصدر، فيقول : ([21])

أَحْنَاْ مُجَاهْدَيْنْ مَـانَا قَوْلْ  ضْعَيْـفْ        تَبَعْنَـاْ مَاْ قَـالْ رَبّيْ فَيْ  الْقُـرَآنْ

أَحْنَاْ فُزْنَا عْلَىْ الْعَرَبْ جَدْ وَشْرَيْـفْ        وافْرَحْ بَنا الَهَاشْميْ شَارَحْ الأَدْيَـانْ

أَحْنَا بَيْنَا الْنَاسْ تَهْتَرَفْ تَهَتْريـْـفْ         وَاشْوَايْعْنَا مَنْ الجَـزَائْر  للْسُـوْدَانْ

أَحْنَا نَفْرْحُوْا مْنَيْنْ يَخْشَىْ الْضَيْـفْ         فَوَتْنَا دَنْيَةْ الْغْرُورْ بَـاشْ امَّا  كَـانْ

أَحْنَا مَيْعَادْنَا عْلَى الَمَيعَادْ ضْرَيـفْ         بَالجَوْدةْ وَجَد وَنَقمَــةْ  للْعَدْيـَـانْ

أَحْنَا بَارُوْدْنَا عْلَى الْبَارُوْدْ خْفَـيْفْ          بَتْوانَسْ نَضْربْ وَعْلَى شَوْفَةْ  الْعَيَانْ

بَازْوَيْجَةْ كَبْسُـونْ وَأكْــوَابَـسْ          كَيْ يَخليْ يَضْربْ الْمُجَاهَدْ بَالتَيْـقَانْ

من خلال الأبيات تبدو ذات الشاعر تذوب في روح الجماعة التي تتصف بصفاته فهو منها، وقد سرد الشاعر هذه الصفات التي اعتبرها مصدر فخر وعز وسؤدد، فقومه ينحدرون من جد شرف وعز وجاه، ونسب يرجع إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد بلغوا من الشجاعة والقوة ما يجعل كل القبائل من الجزائر إلى السودان (كناية عن معرفتهم بكل الناس) تهذي بهم وباسمهم، ويصابون بالهلع والخوف والرعب إذا ذكر اسمهم، كما أنهم يكرمون الضيف ولا تفرغ ديارهم منه، ويوفون بالعهود، وينصرون المظلوم والمستجير بهم، ويحاربون الأعداء بالبارود والنار والدم ([22]).

ويتجلى لنا التقييم في هذه الأبيات من خلال عودة الشاعر السريعة لله تعالى واستمساكه به وبحكمته في الدنيا والآخرة، بالرغم من المبالغة في الفخر والاعتزاز بالقوم وبما يحملونه من قيم إيجابية تعلو على جميع الأقوام المعاصرة لهم، وهو اعتزاز فخر بالذات وبالنفس بطريقة غير مباشرة، لأن قيمه تتطابق مع قيم مجتمعه الذي أنتجه، إلا أنه يعزز فخره بحكم تعكس رجاحة عقله وتحكمه في ذاته، رغم تأجج فخره ومباهاته بنفسه، حيث يقول : ([23])

سُـبْـحَانُـوْ عَـاْلِ الِْخَفْيَـةْ     عَالَـمْ بْعْـوَالَمْ كُـلْ  غَـيْبْ

يَــرُدْ اللّيْ تْمُـوتْ  حَيّـةْ     وَيَـرَدْ الْحَـيّ  للْــتْـرَابْ

يَنْـظَرْ نَـظَرْ الْـعْزَازْ لَيْ      يَاْ نُـوْرْ الْنُـورْ وَ الْحْجُـوْبْ

وما يمكننا ملاحظته من خلال الأبيات السابقة أن هناك تطابقا بين قيم الشاعر المتعالية وبين قيم مجتمعه، وأن الشاعر رغم كبريائه وشموخه إلا أنه يستكين إلى حكم الله تعالى في الكون وينقاد وراء تلك الجدلية، الحقيقة التي لا يمكن تغييرها أو التخالف عليها فالذات مقنعة قانعة بتلك التواترية الزمنية لحال الدنيا ومسيرتها نحو الفناء والانقضاء على الشجاع والجبان، لكن في نظره أن تعيش شجاعا قويا مقداما وتموت كذلك خير من أن تعيش ضعيفا وتموت ذليلا، ويمكننا تمثيل هذه المرحلة في المخطط التالي :

                                                              dakira0505

وبناء على ما تقدم تحليله من مقاطع القصيدة، نستخلص أن هناك مخططا عاطفيا في القصيدة، وقد اخترنا منها المقاطع التي تمثلها، وأن هذا المخطط يتكون من عدة مخططات توترية تعكس بنية ذات الشاعر وتظهر من خلال الانطلاق من الشدة التي تمثل اليقظة العاطفية، إلى التوزيع التدريجي للمشاهد والصور في الامتداد، واعتمادا على المحور العاطفي الذي يتوطن في الإحساس الذي يكثف ويرسل كل الطاقات للتعبير عن مختلف العواطف، وأخيرا تقوم مرحلة التقييم بقياسها ومقاربتها مع القيم التي تميز المجتمع، لتأتي مرحلة التهذيب التي باستطاعتها التقليل وخفض شدة العاطفة وترويضها وكبحها، وهذه العاطفة النشطة يمكننا تثمينها والترويج لها، ويكون المخطط التوتري الذي يعكسها هو مخطط تضاعف (Amplification). 

خاتمة :

من خلال تلمسنا لمختلف التحولات السردية الحاصلة في الخطاب الشعري الشعبي، ممثلا في قصيدة "يا سايلني" للشاعر محمد بلخير، نكشف عن ذات موجعة من جراء ظروف الأسر والبعد عن الأحبة، فتمثلت داخلها هذه العاطفة المتحولة والمعبرة عما يحتدم فيها من مقولات وتعابير ورؤى متعددة، عكسها التحليل السيميائي لهذه العواطف، فقد تحررت المعاني من الأسر والأفكار من السجن فراحت تحاكي الذات وتبوح عن أسرار النفس، فكانت القصيدة غنية بالتضخم العاطفي الذي تكلل عبر مراحل التحليل بدءا من اليقظة العاطفية إلى الاستعداد إلى المحور العاطفي إلى التحسيس إلى التهذيب الذي كان آخرها استنادا إلى قيم وأعراف المجتمع، التي التزم بها الشاعر.

الهوامش :



[1]- ينظر : علي جعفر العلاق، الدلالة المرئية -قراءات في شعرية القصيدة الحديثة-، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط1، 2002، ص 42.

[2]- نفسه، ص 42.

[3]- ينظر :ليندة عمي، قراءة في قصيدة "أراك عص الدمع " لأبي فراس الحمداني من منظور سيمياء العواطف، مجلة الخطاب، منشورات مخبر تحليل الخطاب، جامعة تيزي وزو، العدد الرابع، جانفي 2009، ص 387.

[4]- Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, presse universitaire de limoge, Paris, 1989, p122-124.

[5]- voir : Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, , p122.

[6]- ينظر :ليندة عمي، قراءة في قصيدة "أراك عص الدمع " لأبي فراس الحمداني من منظور سيمياء العواطف، ص 389.

[7]- voir : Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, ,p122.

[8]- voir : Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, , p123.

[9]- ينظر :ليندة عمي، قراءة في قصيدة "أراك عص الدمع " لأبي فراس الحمداني من منظور سيمياء العواطف، ص 390.

[10]-سيميوطيقا الجسد في شعر محمد عفيفي مطر، www.tahawolat.com.

[11]- voir : Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, , p124.

[12]- محمد بن بالخير بن قدور المعروف بـ(محمد بلخير) من فحول الشعر الشعبي الجزائري ولد سنة 1835م بـ"تاغست" بالواد المالح دائرة بوعلام ولاية معسكر، توفي سنة 1906م، عرف بالذكاء والفروسية والجهاد ضد المستعمر الفرنسي أسر في مدينة كالفي بكورسيكا ثم أطلق سراحه، أغلب شعره في مدح بطل المقاومة الشعبية الشيخ بوعمامة إضافة إلى غرض المديح النبوي والغزل العفيف. (ينظر: العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، دار الشروق للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2008، ص 8-9-11-12).

[13]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، دار الشروق للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2008، ص 196..

[14]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، ص 196.

[15]- التلي بن الشيخ، دور الشعر الشعبي الجزائري في الثورة (1830م – 1945م )، الشركة  الوطنية للنشر و التوزيع، الجزائر، د ط، 1983، ص 97 .

[16]- نفسه، ص 175-176.

[17]-: Jacques Fontanille, Sémiotique du discours, ,p122

[18]- العربي بن عاشور، أشعار محمد بلخير –شاعر الشيخ بوعمامة وبطل المقاومة-، ص 175-176.

[19]- نفسه، ص 177.

[20]- نفسه، ص 205.

[21]- نفسه، ص 197.

[22]- التلي بن الشيخ، منطلقات التفكير في الأدب الشعبي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، د ط، 1983، ص 81.

[23]- نفسه، ص 177.