مقومات الشخصية و تشكل الهوية الوطنية الجزائرية من خلال مكتسبات التلاميذpdf

دراسة ميدانية على عينة من تلاميذ ولاية ورقلة 

     أ/ بودبزة ناصر

 جامعة قاصدي مرباح-ورقلة(الجزائر)

    أ/ شوقي الشاذلي

   جامعة08 ماي 1945 قالمة(الجزائر)

تمهيد:

يعد التاريخ مرآة  الشعوب الواعية المدركة لمراحل تشكل الذات ،لأنه يبرز العوامل التي ساهمت في نشوء البناء والحتميات الزمكانية التي أبدعت صرحا لا تنجزه هامات الأفراد وحدها، بل أسسته حاجات وتفاعلات وتغيرات، منها المناخية والجغرافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الموروثة والمحيطة بالأفراد.

الهوية الوطنية والتاريخ:

ذكر ابن خلدون في قدماء الجزائر فقال:وأما قطوبال فهم أهل الصين من المشرق،واللمان من المغرب ويقال أن أهل افريقية قبل البربر منهم، وأن ألإفرنج أيضا منهم, ويقال أيضا أن أهل الأندلس قديما منهم ...1

وتعددت أراء المؤرخون في أصل سكان شمال افريقية-البربر- فورنال الإغريقي يرى أن موطنهم شمال إفريقيا أما هيرودوت اليوناني يرى أنهم جاؤو من شمال بحر ايجة، وأما بروكوس البيزنطي يرى أنهم عبرانيين وأما سالوستس الروماني فينسبهم الى الفرس.2

ويقول العلامة عبد الحميد ابن باديس: مامن منكر أن الامة الجزائرية كانت أمازيغية-بربرية-من قديم عهدها،وأن أمة من الامم التي اتصلت بها استطاعت أن تقلبها عن كيانها...

لقد كان للفتح الإسلامي أثر كبير على انتشار المساواة وإقامة العدل في المجتمع الجزائري، لقد تعلم الامازيغ لغة الإسلام وامتزجوا بالعرب بالمصاهرة ونافسوهم في مجالس العلم وشطروهم سياسة الملك، وقيادة الجيوش، فقام صرح الحضارة الإسلامية.3

مقومات الشخصية وتحدي الاستعمار:

كما أكد ابن باديس :أن اللغة العربية هي الرابطة التي تربط بين ماضي الجزائر المجيد، وحاضرها الأغر،ومستقبلها السعيد،وهي لغة الدية،والجنسية والقومية،ولغة الوطنية المغروسة. 4

لقد رفض الجزائريون الالتحاق بالمدارس الفرنسية، وكانت سياسة التجهيل المخطط لها قد أنتجت مجتمع ساذج في غالبيته معجب بما يزخر به المجتمع الفرنسي ويكره ذلك الأجنبي الذي يستغله بأبشع الوسائل وتجلت أكاذيب فرنسا المتحضرة،وافتخر الجزائريون بانتسابهم إلى العروبة والإسلام. 5

إن فكرة أن اللغة هي لغة القرآن الكريم  يعني أنها لغة ديننا بينما اعتبارها جنسية فهذا يؤذي إلى تلك التناقضات التي تعيشها الدول العربية، لوجود الدين المسيحي والعناصر غير العربية.

إن العمق التاريخي للمجتمع الجزائري الذي يمتد من العهد النوميدي إلى الفتح الإسلامي وظهور الدولة الوطنية الأولى ألا وهي الدولة الرستمية ومن بعدها الحمادية، والزيانية ودخول الجزائر في عهود جديدة تحت قيادة العثمانيين، وبدايات ظهور الوعي الوطني في الحقبة الاستعمارية الفرنسية وتأسيس الدولة الجزائرية الحديثة في عهد الأمير عبد القادر وتحرر الجزائريين من خلال الحفاظ على مقومات الهوية-الإسلام-اللغة العربية-والبعد الامازيغي-وخوض حرب تحريرية من أعتا الحروب أرخت لهوية جديدة كتبت بدماء الشهداء الأبرار.

إن الحضور الفرنسي في الجزائر لم يكن أبدأ مقبول إلا أن القضاء على المقاومة المسلحة والجمود الغالب على السكان جعل المجتمع الجزائري يعاني من الانوميا ،ولولا دور الكتاتيب والمشاركة في الحياة الثقافية الفرنسية والسياسية التي ساهمت في بروز الوعي الوطني الذي أسس لفعل ثوري بخصوصية جزائرية مغاربية عربية إسلامية.6

عملت السلطة الاستعمارية الفرنسية منذ الوهلة الأولى على إدماج الشعب الجزائري أرضا وشعبا ،من خلال قانون 14جولية1865م واعتبار الأهلي المسلم الجزائري فرنسي لكنه يخضع لأحكام القانون الإسلامي، ويمكن استدعاؤه للخدمة العسكرية،ويمكنه إذا طلب ذلك أن يتمتع بحقوق المواطن الفرنسي وفي هذه الحالة تجري عليه الأحكام المدنية والسياسية الفرنسية، وتجنيسهم بالجنسية الفرنسية بعدما يتنازلوا عن قانون الأحوال الشخصية الإسلامي ، وقد خاضت جمعية العلماء المسلمين بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس بشن حرب لاهوادة فيها عن طريق الصحافة ووسائل الإعلام والدروس في المساجد والمدارس والنوادي والمظاهرات في الشوارع وإصدار الفتاوى الدينية بقصد محاربة سياسة التجنيس والاندماج، حيث تم تكفير المتجنسين وقد نشر بعضها في جريدة البصائر العدد رقم 95 السنة الثالثة الصادر في 14جانفي1938ص1 . 7

إن الحالة الاستعمارية أغرقت المجتمع الإسلامي في العدم والنوم، حيث نسى فيه تراثه وفكره، فيما كان الغرب المسيحي ينهض بروح جديدة وبدأت العلاقات الاقتصادية بعيدا عن القيم الإنسانية،  وقد ساهم هذا في التأثير على الواقع الاجتماعي والاقتصادي الإنساني. 8

إذا كان التاريخ هو أساس المستقبل، والمدرسة هي المكلفة بتنشئة المواطن، وزرع القيم ومقومات الشخصية الوطنية لدى الأطفال، ويمكن أخذ المؤشرات التي ذكرها غي روشي في الحالة الكندية: - أن هناك عدة مؤشرات سمحت بظهور الشخصية الوطنية من بينها الاستقلال لا كواقع من التبعية إلى البلدان المستعمرة ،ومؤشر أخر هو التكتلات الإقليمية والقارية9   ويمكن حصر مشكلتنا في السؤال التالي:  هل معرفة مقومات الشخصية كاف لتشكل الهوية الوطنية؟

وتندرج تحته مجموعة من الأسئلة الفرعية وهي كالتالي:

1-هل  مكتسبات التلاميذ التاريخية كافية لتشكل الهوية الوطنية ؟

2- هل الثقافة العربية و الامازيغية حاضرتان لدى التلميذ وتساهمان في تشكل الهوية الوطنية؟

3- هل البعد الديني لدى التلاميذ يساهم في تشكل الهوية الوطنية؟  

الفروض:

1-نعم مكتسبات التلاميذ التاريخية تساهم في تشكل الهوية الوطنية.

2-نعم الاطلاع على الثقافة العربية والامازيغية يساهم في تشكل الهوية الوطنية؟

3-نعم البعد الديني يساهم في تشكل الهوية الوطنية.

الإجراءات الميدانية:

تم توزيع الاستمارة على عينة عشوائية في متوسطة من متوسطات ولاية ورقلة-متوسطة محمد بلمكوشم-ويبلغ عدد تلاميذها 800 تلميذ ، تم اختيار 10% من مجتمع البحث أي 80 تلميذ ،وبعد توزيع الاستمارات على التلاميذ وإعادة جمعها لم ترد  إلا 74 استمارة .

تم اعتماد المنهج الوصفي، لأنه الأنسب في مثل هته الدراسات ،واستعمال أسلوب إحصائي بسيط ولكنه فعال من خلال تكميم المعطيات والنسب المئوية.

تحليل النتائج:

جدول رقم-1-يبين مكتسبات التلاميذ التاريخية

نلاحظ من خلال الجدول رقم- 1 – أن نسبة 58% من التلاميذ المبحوثين يعرفون بعض من أسماء قيادات الثورة ،ونسبة 42% من التلاميذ لم يتعرف عليهم، ونسبة62% من التلاميذ المبحوثين لم يتعرفوا على عاصمة الدولة الرستمية والتي تعد أول دولة وطنية، وهذا كله أخذ من خلال البرنامج الرسمي، ويمكن تفسير ذلك بنقص اهتمام، أطفالنا بتاريخ بلادهم، غير أن 38% من التلاميذ المبحوثين أكدوا على حب مادة التاريخ ،في المقابل 66% منهم لايرغبون في مادة التاريخ ويرجع ذلك إلى ضعف طرق التدريس التي تؤدى بها مادة التاريخ  –الطريقة الإلقائية السردية-وهذا مايتطلب إعادة النظر في محتوى برنامج التاريخ وكذلك حث الأسر على الاهتمام بالتاريخ الوطني.

جدول رقم -2-  يبين مكتسبات التلاميذ الدينية

نلاحظ من خلال الجدول -2- أن التلاميذ المبحوثين يؤكدون تأذيت الواجبات الدينية بنسبة 76%، في المقابل 24% منهم لا يؤدون الواجبات الدينية والتي تم حصرها ما بين الصلاة ومساعدة الآخرين،أما معرفة التلاميذ المبحوثين للمذاهب الدينية في الجزائر تمثلت في نسبة 72% منهم لا يعرفونها ،في المقابل نسبة 28% من التلاميذ المبحوثين تعرفوا عليها وتم ذكرها المذهب المالكي والمذهب الاباضي،أما معرفة التلاميذ لثلاث دول إسلامية غير عربية تمثلت في نسبة 64% من التلاميذ المبحوثين ذكروا كل من إيران، وأفغانستان، وتركيا...وغيرها ،في المقابل نسبة 36% منهم لم يتعرفوا على أي دولة إسلامية غير عربية وذكروا دولا عربية وأخرى مدن غربية،ويمكن تفسير هذه النتائج بنقص مكتسبات التلاميذ في الميدان الديني وهذا مايعاب على المناهج التربوية البعيدة عن الواقع الجزائري والإقليمي.

جدول رقم-2-يبين مكتسبات التلاميذ من الثقافة العربية والامازيغية

                             

نلاحظ من خلال الجدول الثالث أن رغبة التلاميذ المبحوثين تقاربت حيث أن 55%منهم يرغبون في تعلم  الامازيغية،في المقابل 45% منهم لا يرغبون في تعلمها،أما معرفة التلاميذ لاسم قائد أمازيغي 59%منهم لا يعرفون، بينما41% منهم ذكروا شخصيات أمازيغية من أبرزها فاطمة نسومر.

ويتضح من خلال النسب المجدولة أن هناك رغبة للتلاميذ لتعلم الامازيغية والخوض بذلك في الثقافة الامازيغية لأنها همزة وصل بين الماضي البعيد والحاضر والمستقبل القريب، حتى لا تتشكل معيقات التواصل بين الأجيال.

بينما اللغة العربية نلاحظ أن 36تلميذ من التلاميذ المبحوثين أكدوا أنهم يجدون القراءة بملاحظة جيد جداأماالكتابة27 تلميذ أكدوا أنهم يتقنون الكتابة بالعربية بملاحظة جيد جدا، أما التكلم23تلميذ أكدوا أنهم يتكلمون العربية بطلاقة بملاحظة جيد.

وهذا يفسر تراجع اللغة العربية في مدارسنا،فما بالك في بيوتنا ،وتفشي العامية وانحصار الامازيغية في بعض مناطق الوطن.

تحليل نتائج الفرضيات:

تحليل نتائج الفرضية الأولى:

من خلال النسب المئوية نجد أن الفرضية الأولى لم تتحقق وذلك راجع الإهمال الكبير الذي تعانيه ماة التاريخ من كل فئات المجتمع سواء ماتعلق بالساهرين على المنظومة التربوية ، والأولياء والأطفال.

ضرورة العودة إلى التاريخ الذي تبنى على أنقاده الصروح،والذوات والهوية الجماعية للجماعة الإنسانية.

تحليل نتائج الفرضية الثانية:

لم تتحقق الفرضية الثانية لان القيام بالواجبات الدينية، أصبحت عادة أفرغت من محتواها الديني، لان الجغرافية الإسلامية ضرورية لكل مسلم لان المسلم يفرح بفرح إخوانه ويحزن لمأسهم، ويسرع لنجدتهم، إلى جانب معرفة المذاهب يزيل العجب ويفرض احترام الأخر، لان تأزم وحدتنا العقائدية تهدد وحدة هويتنا الوطنية.

تحليل نتائج الفرضية الثالثة:

إن نقص معرفتنا بذاتنا وثقافتنا الامازيغية، وجذورها البربرية الزاهية، البربرية كانت حريتهم واندماجهم مع الطبيعة ورفض الغزاة ،إن الثقافة الجزائرية بتعددها وانتشارها لاتكفي لخلق هوية، بل يجب التطلع إلى الماضي وغربلته من الشوائب وتجديدها لمواكبة التحديات المعاصرة، لان الهوية لا تبنى على ثقافة صماء لا تنتج إلا الكسل بالعودة إلى الوراء من أجل التشتت والتشرذم. 

الخلاصة

     إن الشعوب تزهى بتاريخها وثقافتها،وتحيى بعلومها وسواعد أبنائها وبناتها، وفي الأخير إن الهوية وعاء إذا ملئ حب وجد وتضامن وعمل أنجزت المعجزات، وبنى الأمن والأمان ، وسدت ثغر الشقاق وحافظنا على وحدتنا ومصيرنا المشترك.

المراجع:

1-عبد الرحمان بن خلدون:ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر،دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان،2004،ص64

2-المرجع السابق،ص82

3- المرجع السابق،ص51

4- المرجع السابق، ص53

5-العربي الزبيري:تاريخ الجزائر المعاصر،اتحاد الكتاب العرب،سوريا،ج1،1999ص ص26-27

6- محمد حربي:الثورة الجزائرية،المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية،الجزائر،1994ص9

7-  تركي رابح:جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية،المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية،الجزائر،2004،ص ص70-71

8-عمر كامل مقاوي:حول فكر مالك بن نبي،دار الفكر،ط1،دمشق،1985ص ص49-50        

9-  Guy  Rocher : Du nationalisme canadien français au projet souverainiste ;Quelle Continuité ?Edition numérique ,Québec,2007,p07