هروب الأبناء من البيت العائلي والبحث عن الهويةpdf

د: فتيحة كركوش

جامعة سعد دحلب-البليدة (الجزائر)

 

 

ملخص المداخلة:

من خلال نتائج الدراسة الميدانية التي تناولنا فيها "المحددات النفسية والاجتماعية لظاهرة هروب الأبناء من البيت العائلي" ، بدا لنا جليا أن التغيرات الاجتماعية التي تخضع لها المجتمعات تؤثر بطريقة وثيقة على قيم الشباب وتصوراتهم نحو العلاقات وتحديدا نحو الأسرة، والتي تُشّكل في النهاية هويتهم.

هذه الهوية إذا لم يتم احتوائها من طرف الأولياء وبلورتها بالشكل الايجابي قد تتكوّن خارج الأطر المقبولة، ولعل هروب هؤلاء الأبناء من بيوتهم يُعبّر عن فشل في عملية التنشئة الأسريةوعملية جديدة للبحث عن المفقود.

ومن هذه الزاوية، تسعى الباحثة إلى تحليل الميكانيزمات القاعدية التي ساهمت في تطوير سلوك الهروب لدى الأبناء من أوساطهم الأسرية في ظل عملية البحث عن الذات والهوية. 

كلمات مفتاح: الهروب من البيت العائلي، التنشئة الاجتماعية، الهوية.

1. إشكالية الدراسة:

لا ينسلخ الهروب عن إطار التّغير الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع والذي تتأثر به الأسرة باعتبارها نسق فرعي لهذا الكل، بل يجب النّظر إلى سلوك الهروب من البيت العائلي من زاوية شاملة تمس كل ما توصل إليه المجتمع من تطّور وتحوّل في بنياته وفي قيّمه وطريقة معيشته حتى يتسنى فهم هذه المشكلة من الناحية النفسية والأسرية، بحيث أن الأسرة تخضع لا محالة لديناميكية تّغير المجتمع على مستواه المادي والمعنوي على حد السّواء على أساس أن الأسرة مثلها مثل أي ظاهرة اجتماعية داخل المجتمع تكون مُتغيرة لا تثبت على حال واحد.

ومن جهته، يشعر المراهق -بحكم مجموع التغيرات النمائية المختلفة التي يعيشها- بحاجة ماسة إلى البحث عن مكانة له خاصة في ظل هذه التحولات المزدوجة الأبعاد: على المستوى الاجتماعي وعلى المستوى الشخصي، وقد يكون سلوك الهروب من البيت وسيلة من بين الوسائل المختلفة التي يبحث من خلالها المراهق عن ذاته وهويته خاصة في غياب أدوار مقنعة يقوم بها، وقد اعتبر لورد (1984Lord,) أن الهروب غالبا ما ارتبط بهشاشة الأسرة وبعجز المجتمع على إشباع حاجات المراهقين باختلاف جنسهم.

ويُدعم ماركت (Market, 1979) هذه الفكرة وذلك بالرجوع إلى السيرورة التاريخية التي دُرسّت في سياقها مشكلة الهروب من البيت، حيث نجد بأن العديد من الحركات الشبابية في الولايات المتحدة الأمريكية برزت في أواخر الستينات مُتمردة على القيم التقليدية السائدة آنذاك، ومتبنية ثقافات فرعية ونمطا حياتيا جديدا قائما على ممارسة الحريات الشخصية ومناديا باعتراف المجتمع بهوياتهم وقيمهم الجديدة.

ويمتد تأثير هذه الاختلافات بين الأجيال إلى إفراز أشكال كثيرة من عدم الالتزام إزاء القيم الاجتماعية المتفق عليها لدرجة يمكن أن تولد حالة من القطيعة بين الأسرة والمجتمع، والهروب على حد تعبير برينان(  Brennan, 1978) يجسّد هذه القطيعة.

 وكان محمود حسن (1981) أشار إلى أن المراهق في هذه الحالة يجد نفسه حائرا في متاهات المعايير المتناقضة مما يعرضه لأن يسلك سلوكات شاذة لأنه لا يعرف أين الطريق.وإذا نظرنا إلى الأسرة، فإننا نعتبرها بلا شك نسقا إنسانيا اجتماعيا فهي أقرب إلى أن تكون نسقا منفتحا، وأكد علاء الدين كفافي(1999، ص115) ذلك بقوله:" أن الأسرة لا تستطيع أن تكون منغلقة انغلاقا كاملا لأنها تكون منتمية إلى نسق أكبر آخر يتضمنها ويستوعبها، ولابد أن تتفاعل مع هذا النسق الأكبر بطريقة ما".

وقد ربط دوفيل (,1994Douville) هذه التغيرات بعملية التّنشئة الاجتماعية للمراهقين الذين لا تُعطى لهم فضاءات لممارسة حريتهم وتحقيق مكانتهم، وهذا ما يفتح المجال بشكل أوسع لممارسات غير مرغوب فيها (مثل الهروب من البيت وغيره من السلوكات المنحرفة).

ومن ثمة، أوضح موسى أبو حوسة (2001) أنه يحدث أحيانا أن تبرز صعوبات تعوق عملية التفاهم أو القيام بالأدوار سواء من داخل جماعة الأسرة أو من خارجها.وفي مثل هذه المواقف قد ينشأ صراع مؤقت بين توقعات أعضاء الأسرة المختلفين، أما إذا اتخذ هذا الصراع صفة الاستمرارية فقد يُؤثر في وحدة الأسرة ككل.وكذلك يمكن أن تؤدي التغيرات الاجتماعية التي تطرأ على المجتمع الذي تعتبر الأسرة جزءا منه إلىتغيّر بناء الأسرة، وهذا من شأنه أن يؤثر على الأبناء بصفة مباشرة خاصة في مرحلة المراهقة.

ونجد كل من جوستيس ودانكن (& Dancan, 1976Justice) قد ربطا الهروب بمفهومي "عدم الالتزام وعدم التعلق"، حيث أكدا أن الأبناء الهاربين يفتقدون إلى التعلق العاطفي بأوليائهم (بسبب وجود أزمات عائلية ومعاملات أسرية قاسية) ويشعرون بالقطيعة التي تدفعهم إلى عدم احترام القيم الاجتماعية المتفق عليها.

وهي نفس الفكرة التي توصل إليها كوسلن (Coslin, 2003) معتبرا الهروب من البيت نوعا من القطيعة يسلكه المراهق ضد محيطه؛ فليس بالضرورة أن يكون سيرة مَرضية، إنما هو عملية بحث عن هوية اجتماعية يسعى من خلالها للاعتراف به.ويضيف لورد (84Lord, 19) أن الهروب هو تعبير صريح عن رغبة المراهقين الشديدة في اختيار نشاطات مختلفة عن ممارساتهم الروتينية المألوفة وعن عملية بحث عن هُوية خاصة بهم. 

وعلى هذا الأساس، تطرح مسألة التّوافق والتّكيف كإشكالية محورية بحيث يكون الأبناء الهاربون غالبا مراهقين بصدد بناء خبرات حياتية للوصول إلى النّضج النّفسي والاجتماعي وإلى تنمية علاقات بين أقرانهم وبين المجتمع ككل، لأن فترة المراهقة تعد أكثر مراحل العمر تأثرا بالتّغيرات الاجتماعية السّريعة، حيث تعمل سلسلة التّغيرات التي يعيشها المراهق باختلاف جنسه على وضعه في موقع يشعره بأن المجتمع الذي ينتمي إليه والعائلة التي نشأ فيها لا تمنحه التّوجيه الملائم للاختيار السليم، إذ يمكن اعتبار ذلك نتيجة لتّغير نمط البناء الخاص بالمعايير وغموض الأدوار بخصوص مكانة المراهق وسط مجتمع في حالة تغير وفي فترة انتقالية أيضا (وهو الوضع التي تعيشه الجزائر).وبالتالي، يظهر سلوك الهروب كمحاولة طبيعية يقوم بها المراهق لحل هذه الأزمة ونوع من العجز على تحقيق إشباع حاجاته الجديدة (كتحقيق الذات والبحث عن الانتماء والحاجة إلى الاستقلالية والرغبة في توسيع فضاءهم الاجتماعي)؛ فهو يشعر بالحاجة إلى أن يعيد بناء صورة ذاته وجسمه، والى إعادة النظر في علاقاته مع والديه وعالم الراشدين والذي يُترجم أيضا رغبته الشديدة في الاستقلالية والتّحرر.

وأكدت سامية جابر (2001) فكرة جوهرية يمكن توظيفها لفهم هذه الإشكالية تكمن في مفهومالتّصور الذاتي (الذييمثل محورا أساسيا من محاور نظريات الثقافة الفرعية بالإضافة إلى مفهوم التفاعل الرمزي)، فعندما يفشل المراهق في تكوين تصور ملائم عن ذاته في إطار الثقافة العامة السائدة في المجتمع، فانه ينتمي إلى ثقافة أخرى تعطيه المبادئ اللازمة لبناء فكرة ذاتية ترضيه.

ويُفهم من ذلك أن المراهق الهارب يشعر رفقة أقرانه أنه إنسان مقبول تمكّن من تحقيق أهداف هامة كالانتماء والمشاركة الفعالة، وأنه عضو لديه القدرة على الخضوع لمعايير الجماعة وهذا ما يحقق لديه الإحساس بالأمن والثقة في الذات.

لذلك، اعتبر كفلدت (, 1991Kufeldt) أن الدافع الأساسي الذي يحث الكثير من الأبناء على الهروب من البيت يكمن في شعورهم بالوحدة والبحث عن فعالية الذات وعن إيجاد معنى لوجودهم.وكانت دراسة سابقة أجراها أدامس وآخرون (, 1985Adams & al) توصلت إلى أن الهاربين غالبا ما يدركون ذواتهم بأنها فاشلة ويشعرون بأنهم عدمي المنفعة ولا يحسنون تسيير مختلف الضغوطات التي يختبرونها بسبب استراتيجياتهم في المواجهة الضعيفة.

وبناء على هذا التصور، نطرح السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن أن تؤثر العوامل النفسية (من تقدير الذات واستراتيجيات المواجهة) والعوامل الأسرية (من تفكك أسري ومعاملات والدية) في تشكيل هُوية الهاربات؟.

2. صياغة الفرضيات:

1.2. تتحدد هوية الهاربات من خلال وجود حالات من التفكك الأسري المادي.

2.2. تتحدد هوية الهاربات من خلال وجود حالات من التفكك الأسري المعنوي.

3.2. تتحدد هوية الهاربات من خلال ما يمارسه الوالدان من معاملات تربوية غير ملائمة.

4.2. تتميز الهاربات بدرجات منخفضة من تقدير الذات.

5.2. تميل الهاربات إلى تبني استراتيجيات مواجهة مبنية على الانفعال.

3. تحديد المفاهيم:

من المهم أن نوضّح المفاهيم الواردة في هذه الدراسة سعيا للوضوح والتبسيط، ولعل أهمها مفهوم الهروب من البيت ومفهوم الهُوية.

1.3. الهروب من البيت العائلي: اهتم علماء الاجتماع بالهروب من البيت العائلي واعتبروه سلوكا يتخذه الهارب للفرار من مشكلة معينة أو أنه يعبّر عن وضعيات صراعية؛ ومعنى ذلك أن الهارب يغادر المكان الذي من المفروض أن يكون فيه ليذهب للتّسكع في الشوارع لمدة ساعات أو إلى الأماكن المُفضلة لديه كوسيلة منه لحل تلك المشكلات والصراعات.

وأشار عاطف غيث (1984) إلى أن الهروب غالبا ما اعتُبر نوعا من النّشاط المنحرف بسبب انعكاساته السلبية، حيث صُنّف ضمن مختلف الأنشطة الانحرافية المتعددة الأشكال التي يمارسها بعض الأطفال والمراهقون، وأضاف أن الهروب يعد ميكانيزما دفاعيا يحاول الهارب من خلاله أن يتوافق مع المواقف المحبطة عن طريق تحاشيها وعدم مشاركته الايجابية في أنشطة الجماعة أو بإبداء اتجاهات غير تعاونية، ويمكن أن تشمل صُور الهروب تفادي كل أنواع التفاعل الاجتماعي، على أن الهروب قد يكون أيضا نهائيا، وقد يكون مخططا له أو غير مخطط له.

ويُمثل الهروب في نظر ميكييلي (, 1988Muchielli) رد فعل سيكولوجي يهدف المراهق من وراءه إلى وضع مسافة بينه وبين حالة الضغط الذاتي أو العلائقي التي يعيشها.وهو نفس الاتجاه الذي كان قد قدمه روبي (Roubier, 1984)، حيث اعتبر الهروب انتقالا إلى السلوك الحركي الذي يُعبّر عن تجربة أساسية مُحرِرة تعمل على تقليص الضغط الذي يعاني منه المراهق في البيت.

وعليه، تبنت هذه الدراسة مفهوم الهروب على أساس أنه فرار من البيت العائلي دون ترخيص من الأولياء (أو النائبين عنهما) وقضاء الهاربة على الأقل ليلة واحدة خارج البيت العائلي بغض النظر عن عواقبه.

2.3.الهُوية: يُعرِّف المُعْجَمُ الوسيطُ الصادر عن مَجْمَعِ اللُّغة العربية "الهُوِيَّةَ"، فلسفياً، بأنها: حقيقة الشَّيء أو الشَّخص التي تميزه عن غيره. ويذهب المُعْجَمُ إلى تحديد معنى آخر للهويَّة حين تُضاف إلى الكلمة "بطاقة"، أو تُوصف بالنَّعت "الشَّخصية"، لتجعلنا نحصل على المصطلح "بطاقة الهُويَّة" أو "البطاقة الشَّخصية"، المُتَدَاوَلين حديثاً، فيذكرُ أنَّ "الهُوِيَّةَ بطاقة يثبتُ فيها اسمُ الشَّخص وجنسيتهُ ومولدهُ وعمله"(المعجم الوسيط).

ومن ثمة، يُفهم أنَّ قراءة الهوية ليست مجرَّد عملية تنتمي إلى ترفٍ فكريِّ زائد عن الحاجة، وإنما هي نشاطٌ إنسانيٌّ ضروري ينبغي له أن يكون دؤوباً كي يُسهم في تجديد الهوية والارتقاء بها والإعلاء من شأنها وطرح الأسئلة مثل: من أنا؟ وكيف صرتُ على ما أنا عليه؟ ما هي العناصر التي تُشكِّل هُويتي؟ ما ثابتها وما متحولها؟ وعلى أي محور ثابت تحدث تحولاتها؟ وكيف يُمكن لمنظومة القيم المطلقة التي تشكِّل عناصر ثابتة في هويتي أن تترجم إلى تصرفات وأفعال وأنماط سلوك؟ إلى برامج عمل تعالج مشكلاتي الوجودية (الوطنية والإنسانية والحياتية اليومية) ووقائع تستجيب لضرورات وإشكاليات وجودي، وشروط واقعي، وطموحي الإنساني الهادف إلى توسيع مدار حريتي؟.

وبهذا المعنى، فإنَّ الهوية ليست مطلقاً يسبح فيفضاءٍ بلا هُوية، وإنما هي ذاتٌ إنسانية، فردية أو جماعية، ومن ثمة أشار إبراهيم أبراشي(2003) في تعريفه للهوية حسب علم الاجتماع السياسي إلى ''أن ''الهوية هي مجموعة من الخصائص التي يمكن للفرد عن طريقها أن يعّرف نفسه في علاقته بالجماعة التي ينتمي لها والتي تميّزه عن الأفراد المنتمين للجماعات الأخرى، هذه الخصائص أو المميزات لا تكون صدفة أو بقرار في لحظة تاريخية؛ بل تتجمع عناصرها وتطبع الجماعة بطابعها''

وعلى هذا الأساس، تعاملنا مع مفهوم الهُوية باعتباره نابع من الجماعة الأولية (الأسرة) التي تُزود الهاربة بقيم المجتمع وتعمل على بناءه وكذلك من خلال الصراعالذي تعيشه داخلوضعيات التفاعلالاجتماعيالمختلفة، والذي يعمل على تشكيل الصورةالذاتيةالتيتُكوّنهاعننفسهاداخل مجموعةانتمائها.

4.الخطوات المنهجية:

 يشمل هذا العنصر كل من المنهج المتبع في الدراسة وأدوات البحث ومكان وعينة البحث، نوردها على النحو التالي:

1.4. المنهج المتبع:

تصب هذه الدراسة في سياق الدراسات النفسية الاجتماعية، وبـما أن المنهج يتحدد تبعا لطبيعة الموضوع، فإن المنهج الوصفي التحليلي يتناسب مع طبيعة الموضوع وأهداف هذه الدراسة.

ويعتبر هذا المنهج تشخيص علمي قائم في أساسه على وصف الظاهرة بمختلف جوانبها بحيث يعمل على تفسيرها وتقويمها، لذلك اعتبرته روبرت (Robert, 1982) منهجا قادرا على إعطاء صورة واضحة عن الظاهرة أو الوضعية المراد دراستها والكشف عن عناصرها وأحيانا وصف العلاقات الموجودة بين تلك العناصر.

2.4. أدوات الدراسة:

- الاستبيان: تّم بناؤه من طرف الباحثة وعملت على التأكد من صدقه الظاهري بعد عرضه على 10 أساتذة موزّعين ما بين كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة البليدة وكلية العلوم الإنسانية بجامعة الجزائر من تخصصات علم النفس وعلم الاجتماع، وهو يحتوي على 07 محاور اكتفينا بتقديم محورين فقط لغرض هذه المداخلة، وهما:

- محور خاص بالتفكك الأسري المادي: شمل ستة عشر سؤال، تهدف هذه الأسئلة إلى معرفة وضعية أولياء الهاربات من حيث كونهما متزوجان ويعيشان معا، أو أنهما في وضعية تفكك أسري مادي (طلاق ووفاة أحد الوالدين أو كليهما وأسرة معادة بزواج أحد الوالدين أو كليهما، إضافة إلى حالات الهجر).

- محور خاص بالتفكك الأسري النفسي: احتوى على أربعة عشر سؤال هدفت إلى التّعرف على الأجواء الأسرية من حيث وجود السلوكات التي تدل على الاختلال  في الأسرة مثل وجود السوابق الأسرية أو تعاطي المخدرات أو تناول المسكرات، وكذا وجود أفراد من الأسرة يعانون من الإصابة بمرض ما.

- محور خاص بالمعاملة الوالدية(أو النائب عن الوالدين): احتوى هذا المحور على مقياس متكون من ستة عشر سؤال، وقد شملت هذه الأساليب خمسة أنواع بحيث خُصص لكل أسلوب عدد من الأسئلة، إذ ضم أسلوب عدم الرعاية وأسلوب التذبذب وأسلوب المفاضلة ثلاثة أسئلة على التوالي، بينما ضم أسلوب ضعف الاتصال اللفظي على خمسة أسئلة وشمل أسلوب العقاب الجسدي سؤالين.

- سلم روزنبرغ لتقدير الذات: وضع سلم روزنبرغ من طرف موريس روزنبرغ عام 1965، ويستخدم هذا السّلم مع الأفراد الذين تبلغ أعمارهم من عشرة سنوات إلى ما فوق (المراهقين والراشدين ) ويتكون من 10 عبارات: خمسة منها ايجابية (1.3.4.7.10) والخمسة الأخرى عبارات سلبية (2.5.6.8.9).

ويمكن تطبيقه بصورة جماعية أو فردية ولا يستغرق وقت تطبيقه أكثر من عشرة دقائق.

ويتم تصحيحه وفقا إجابات المفحوص من موافق بشدة إلى غير موافق بشدة بحيث يكون تنقيط البنود الايجابية على النحو التالي:

- إذا كان الجواب "أوافق بشدة" = 04 نقاط.وإذا كان الجواب"أوافق"=03 نقاط.

- إذا كان الجواب "لا أوافق" = نقطتان.وإذا كان الجواب " لا أوافق بشدة" = 01 نقطة.

- قائمة استراتيجيات مواجهة الوضعيات الضاغطة: أعدت القائمة من طرف أندلر وباركر (Endler & Parker) سنة 1990، وهي تسمح بقياس المظاهر المتعددة الأبعاد لاستراتيجيات المواجهة وتعمل على تقييم طريقة الأفراد في تسييرهم للمواقف الضاغطة.

وتتكون القائمة من ثلاثة مقاييس أساسية هي: 

- إستراتيجية  الأداء (Task): يصف المفحوص المجهودات التي يُوجهها نحو الأداء قصد حل المشكل وهيكلته على مستواه المعرفي، أو أن يحاول تغيير الموقف الضاغط الذي يختبره.

- إستراتيجية الانفعال (Emotion): تصف الاستجابات الانفعالية التي يوجهها المفحوص قصد خفض حدة الضغط، وتحتوي هذه الاستجابات على الأفعال الانفعالية والاهتمامات الشخصية والميل نحو الخيال والأحلام.

- إستراتيجية التجنب (Adoivance): يصف النّشاطات والتّغيرات التي ترمي إلى تجنب الموقف الضاغط عن طريق الالتهاء بوضعيات أو نشاطات ما وكذا عن طريق التّنوع الاجتماعي.

3.4. مكان إجراء البحث:

تَم إجراء الدراسة في ثلاثة مراكز لإعادة التربية على مستوى ثلاثة ولايات، وذلك على أساس قدرتها الاستيعابية الكبيرة وهي على النحو الذي يظهر على الجدول (01):

جدول (01): يمثل توزيع عينة البحث على مستوى مراكز إعادة التربية.

4.4. عينة البحث:

تتكوّن عينة البحث من 126 هاربة موزعات على مستوى ثلاثة مراكز (البليدة والجزائر وقسنطينة)، يتراوح سنّهن من 11 إلى 19 سنة بمتوسط عمر يقدّر بـ16.31سنة، ويوضّح الجدول (02) توزيع سن الهاربات كمايلي:           

الجدول (02): يمثل توزيع تكراري خاص بسن الأحداث الهاربات.

 

5. نتائج الدراسة:

نعمل على تقديم نتائج الدراسة وفق ترتيب الفرضيات المصاغة وذلك على النحو التالي:

1.5. الهُوية من خلال المحددات الأسرية:

- التفكك الأسري المادي: سنعمل في البداية على عرض مؤشرات التفكك الأسري المادي، حيث تمت معالجة هذا المتغير بالاعتماد على كاف تربيع للمقارنة بين التكرارات الملاحظة والتكرارات المتوقعة، إذ يبيّن الجدول (03) ذلك:

جدول (03): يمثل دلالة الفروق بين الوضعيات الأسرية عند عائلات الهاربات.

يظهر في الجدول (03) بأن معظم الهاربات تنحدر من أسر مفككة (فيها إما الأولياء مطلقين أو أحدهما متوفي أو في حالة هجر)، وقد جاءت قيمة كا2 مُساوية لـ16.79 وهي دالة إحصائيا عند مستوى الدلالة0.01؛ مما يعني بأن أغلبية عائلات الهاربات تعاني فعلا من التفكك الأسري المادي.

- التفكك الأسري المعنوي: والذي يظهر من خلال السلوكات المختلة في الأسرة، حيث يقصد من وراءها مدى وجود السوابق العدلية وتعاطي المخدرات أو تناول المسكرات، إضافة إلى معاناة الوالدين أو أحد أعضاء الأسرة من الإصابات المَرضية.

وتعد مثل هذه المعطيات مفيدة في حصر محيط الهاربات ومعرفة مدى وجود التفكك النفسي الذي يسود هذا المحيط، ويبيّن الجدول (04) ذلك:

جدول (04): يمثل دلالة الفروق بين السلوكات المختلة عند عائلات الهاربات.

يوضح الجدول (04) بأن أغلبية عائلات الهاربات عرفوا حالات من الانحراف أو السلوكات المختلة بمختلف مظاهرها، حيث جاءت قيمة كا2=18.28وهي دالة إحصائيا عند مستوى الدلالة 0.01.

- المعاملة الوالدية: حددت المؤشرات الدالة على أساليب المعاملة الوالدية(أو النائب عن الوالدين ) في أسلوب عدم الرعاية، التذبذب، المفاضلة، ضعف الاتصال اللفظي والعقاب البدني.ولمعرفة أساليب المعاملة الوالدية(أو النائب عن الوالدين) تّم الاعتماد على حساب المتوسطات الحسابية والانحرافات المعيارية لكل أسلوب مُعتمد وذلك بناءا على المقياس الذي تُّم استخدامه لهذا الغرض مع استخراج الخصائص الإحصائية لهذه الأساليب، والجدول (05) يقدم نتائج هذه المتغيرات:

جدول (05): يمثل الخصائص الإحصائية لأساليب المعاملة الوالدية عند عائلات الهاربات.

وقد تّم استخدام اختبار فريدمان الذي يعمل على ترتيب تلك المعاملات، وكذلك تدعيمه باختبار كاف تربيع لمعرفة الدلالة الإحصائية للفرق بين الرتب، وهو ما يتم عرضه في الجدول (06):

جدول (06): يمثل اختبار فريدمان لمختلف أساليب المعاملة الوالدية.

يظهر من خلال الجدول (06) بأن معاملة أولياء الهاربات (النائب عن الوالدين) تميل إلى تبني الأسلوب التربوي القائم على المفاضلة والذي جاء متوسط رتبته بـ3.10 بحيث احتل الصدارة من بين أساليب المعاملة الوالدية الأخرى، ثم على أسلوب عدم الرعاية التي قدّر متوسط رتبته بـ3.06 (الرتبة الثانية)، وبلغ متوسط رتبة أسلوب ضعف الاتصال اللفظي بـ2.98، وأسلوب العقاب البدني الذي قُدر متوسط رتبته بـ2.94 وجاء في الأخير متوسط رتبة أسلوب التذبذب بقيمة 2.91.

وتثبت هذه النتائج بأن الوالدين (أو النائب عنهما) يستعملان بصفة متنوعة مختلف هذه الأساليب في معاملاتهما للهاربات، وأنه لا يوجد تفضيل لأسلوب تربوي على الآخر بالرغم من أن أسلوب المعاملة الوالدية المُعتمد على المفاضلة رُتب في المقدمة.

2.5. الهُوية من خلال المحددات النفسية:

- استراتيجيات المواجهة: نعالج مدى استعمال الهاربات لاستراتيجيات المواجهة (الأداء والانفعال والتجنب)، حيث تّم ذلك عن طريق الاعتماد على اختبار فريدمان الذي أظهر تميزا دالا بين مختلف الاستراتيجيات، وهذا ما يعرضه الجدول (07):

جدول (07): يمثل اختبار فريدمان لاستراتيجيات المواجهة عند الهاربات.

 

يبيّن الجدول (07) بأن متوسط رتبة إستراتيجية الانفعال قدّربـ 02.07 وهو ما يجعل هذه الإستراتيجية مُرتّبة في الرتبة الأولى، ثم إستراتيجية التّجنب الذي بلغ متوسط رتبتها 01.98، وجاءت إستراتيجية الأداء في مؤخرة الترتيب بمتوسط رتبته 01.05، وقد قُدرت قيمة كا2 للفرق بين الرتببـ1.36 وهي دالة عند مستوى الدلالة0.01؛ وهو الأمر الذي يُعبّر عن قلة لجوء الهاربات إلى استراتيجيات الأداء وميلها نحو تبني استراتيجيات التّجنب والانفعال في مواجهة المواقف الضاغطة وذلك بشكل ملحوظ.

- تقدير الذات: يعتبر تقدير الذات المحدد النفسي الثاني الذي نلمس من وراءه مؤشر هام من مؤشرات الهوية عند الهاربات، ونعرض الخصائص الإحصائية لتقدير الذات عند عينة البحث وفق ما يعرضه الجدول (08):

 

جدول (08): يمثل الخصائص الإحصائية لتقدير الذات عند عينة البحث.

يبيّن الجدول (08) أن متوسط الهاربات في درجات تقدير الذات قدّر بـ13.88 درجة، وتعبّر هذه القيمة على مستوى منخفض من تقدير الذات بحيث جاءت تحت المتوسط الحسابي لسلم روزنبرغ لتقدير الذات.

ويقدّم الجدول (09) قيمة "ت" الخاصة بدلالة الفروق بين المتوسطات بخصوص تقدير الذات على النحو التالي:

 

جدول (09): يمثل نتائج اختبار"ت" لدلالة الفروق بين المتوسطات عند الهاربات.

تدل النتائج المُسّجلة في الجدول (09) على وجود دلالة إحصائية عند مستوى الدلالة0.01، بحيث قدّرت قيمة ت بـ3.39-؛ ومعنى ذلك أن الهاربات تتميزن بمستوى منخفض من تقدير الذات.

6. مناقشة النتائج:

نستخلص مما جاء سابقا من نتائج أن عائلات الهاربات تعاني بشكل جلي من وضعيات التفكك الأسري المادي (من طلاق ووفاة الوالدين أو أحدهما أو الهجر) وهو ما يجعل الهاربات تعيش حالة من الحرمان العاطفي والوجداني، مع العلم ان توفر البيئة العائلية الدافئة تعد الفيتامين السيكولوجي الذي تتغذى منه الهُوية في لبنات بناءها.

كما دلت المعطيات المستخلصة من نتائج الدراسة على أن التفكك الأسري النفسي وما تتميز به عائلات الهاربات من تدهور على مستوى السلوكات والقيم المرغوب فيها اجتماعيا تؤثر بالسلب على تنمية مشاعر تقدير الذات المرتفع والصورة الايجابية للذات التي تعتبر النواة الأساسية للهُوية.

وبخصوص المحددات النفسية التي تناولناها على مستوى هذا التحليل هو أن استراتيجيات المواجهة التي تتبناها الأحداث الهاربات في مواجهة المواقف الضاغطة قائمة على الانفعال والتجنب بشكل أكبر مقارنة باستراتيجيات الأداء، وتدل هذه النتيجة على أن الهاربات تميل إلى نسيان مشكلاتها والضغوط التي تعيشها وذلك بالانشغال في مشاهدة التلفزة أو في النوم مثلا.

ويمكن أن يعود الاستعمال المكثف لمثل هذه الاستراتيجيات (ما عدا استراتيجيات المواجهة) إلى:

- مختلف أساليب المعاملة الوالدية التي تخضع لها الهاربات في بيوتهن العائلية والتي اتسمت بالعقاب البدني وبالفاضلة وضعف الاتصالات الأسرية؛ وهو الأمر الذي أثّر سلبا على كيفية تعّامل الأحداث الهاربات مع مشكلاتهن.

- تنتمي فئة الهاربات إلى مرحلة المراهقة وغالبا ما يميل المراهقون إلى تبني استراتيجيات الانفعال والتجنب وتفادي المواجهة المباشرة، والتأثر بالأقران الذين يسهمون في تشكيل هُوية هؤلاء الهاربات من خلال ما يزودونهم من قيم جديدة ومخالفة للمتفق عليه.

وبخصوص متغير تقدير الذات، فقد أظهرت نتائج هذه الدراسة انخفاضه لدى الهاربات، ويمكن تفسير ذلك على أساس أن تقدير الذات يتطور حسب الخبرات الحياتية التي تعيشها الهاربات سواء أكانت ايجابية أو سلبية، ويدعم باستمرار بمدى تعزيز المحيط له بدءا من الأسرة والناس المُهمين بالنسبة إليهن ووصولا إلى التجارب المختلفة خارج السياق الأسري، حيث تدعم كل هذه العوامل عملية تشكيل الهوية لدى الهاربات التي تشعر بالدونية وبالاختلاف.

وما يمكن تأكيده في هذا السياق، هوأن مشاعر تقدير الذات تُبنى انطلاقا من خبرات الرعاية الأولى التي يخضع لها الأبناء في أوساطهم الأسرية، ومما تمده مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى من تعزيزات ايجابية ومؤثرات مختلفة تعمل على توليد الأحاسيس الايجابية لدى الأبناء؛ ومعنى ذلك أن خبرات الرعاية الأولى تولد لدى الأبناء الإحساس بالتقبل وأن الفشل في تكوينها يُشعرهم بأنهم لا يستطيعون الثقة فيمن حولهم مما يؤدي إلى التقدير السلبي للذات والاضطراب البارز على مستوى بناء الهُوية خاصة وأن هذه الأخيرة لا تبنى إلا في إطار مفهوم تقدير الذات.

ما يمكننا استخلاصه من خلال هذه المناقشة لنتائج هذه الدراسة أن الهوية لدى الهاربات تشكلت في إطار أسري مضطرب (حالات من التفكك النفسي والمادي وسوء المعاملة الوالدية) ساهم في توليد مشاعر انخفاض تقدير الذات لديهن مما أثّر سلبا أيضا على أداءهن في مواجهة الضغوطات، ومن ثمة تشكلت لديهن هوية تميل إلى الاضطراب بسبب هذا الكل من التراكمات المزعجة.  

7.خاتمة الدراسة:

ليس من قَبيل المصادفة أن تحتل إشكالية الهُوية مكانة رئيسية ضمن العلوم الاجتماعية؛ فهي سيرورة مستمرة من التطورات التي تنسج خيوطها وتُبنى دعائمها في السياق الجماعي العلائقي الذي يتشرب منه الفرد والذي يؤثر لا محالة في تكوين ذاته وشخصيته. وهذا ما اكتشفنا جزءا منه من خلال المعطيات التي تناولت الهوية وسلوك الهروب من البيت؛ فالأجواء الأسرية المضطربة التي تتميز بالتفكك الأسري (المادي والنفسي) والتي تفتقر إلى المعاملات الأسرية المناسبة (العقاب وضعف الاتصال) تعمل على بلورة هوية تميل إلى أن تُطبع بالهشاشة والضعف؛ وهو الأمر الذي لامسنا عن قرب عند عينة هذه البحث.

وتنعكس التأثيرات السلبية لمثل هذه الظروف الأسرية على مستوى تشكيل الذات؛ فالهاربات لديهم تقدير ذاتي منخفض بسبب ما عايشوه من خبرات مؤلمة ساهمت بدورها في تشكيل هويتهم السلبية، حيث تشعر بعدم الفعالية وبأنها لا تملك ما تفتخر به أمام نفسها وأمام الآخرين، وهنا يتضح البعد الثنائي المزدوج (الشخصي والاجتماعي) لمفهوم الهُوية.  

كما يمكن أن نستخلص -بناءا على نتائج هذه الدراسة- فكرة أخرى من انتهاج الهاربات لمثل هذا السلوك الذي قد يعكس محاولة البحث عن الهوية المفقودة في إطار خارج عن الأسرة وفي ظل الجماعات الثانوية(الأقران).

المراجع باللغة العربية:

-المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية (الإدارة العامة للمعجمات وإحياء التُّراث).

-إبراهيم أبراشي(2003).''الهوية في مشروع الدستور الفلسطيني''، رؤية مجلة منهجية متخصصة، تشرين الثاني، العدد 25.

-سامية جابر محمد (2001). سوسيولوجيا الانحراف، دار المعرفة الجامعية.

- عاطف محمد غيث (1984). قاموس علم الاجتماع، دار النشر، بيروت.

-علاء الدين كفافي (1999). الإرشاد والعلاج النفسي الأسري، المنظور النسقي الاتصالي، ط1، دار الفكر العربي، القاهرة.

-محمود حسن (1981). الأسرة ومشكلاتها، دار النهضة العربية.

-موسى محمود أبو حوسة (2001). دراسات في علم الاجتماع الأسري، منشورات عمادة البحث العلمي، الجامعة الأردنية، الأردن.

المراجع باللغة الأجنبية:

-Adams, G., Gullotta, Th.,Clancy, M.(1985). Homeless adolescents: A descriptive study of similarities and differences between runaways and throwaways. Adolescence, Vol.XX, No.79, pp:715-724.

-Brennan, T. (1978).The social Psychology of Runaways. Toronto Lexington. Canada.

- Coslin, P.G. (2003). Les conduites à risque à l’adolescence. Armand Colin.

-Douville, O .(1994). Errer à l'adolescence ? Adolescence en crise et champ social.sauv Enf, No.2, pp: 149-157.

-Endler, N.S., Parker, M.A. (1998). Inventaire de coping pour situations stessantes-Manuel-Adaptation française par Rolland, J.P, Les éditions du centre de Psychologie appliquée.

-Justice, B., Duncan, D.F. (1976). Running Away: An epidemic problem of adolescence. Adolescence, Vol.XI, No.43, pp: 365-371.

-Kufeldt, K .(1991). Social policy and runaways .Journal of Health & Social Policy, Vol.2, No.4, pp: 37-48.

- Lord, G. (1984). La fugue du foyer familial à l'adolescence. Bibliothèque Nationale du Québec. Canada.

-Market, J .(1979). Bureaucratization of the alternative youth programs of the sixties: A decade of change. Group & Organisation Studies.Vol.4, No.4, pp: 485-495.

- Mucchielli, R. (1988). La personnalité de l’enfant. Les Editions ESF. Paris.

- Robert, M. (1982). Fondements et étapes de la recherche scientifique en psychologie. Maloine Editeur.

 - Roubier, C. (1984). Fugues. Ecole des Parents. Paris. France.