الطلبة الجامعيون بين تصور المستقبل وتأسيس الهوية الاجتماعيةpdf

 أ.منى عتيق

-جامعة باجي مختار-عنابة(الجزائر)

ملخص المداخلة

تعتبر العلاقات بين الفرد والجماعة- في شكل من الأشكال- "علاقة الجزء بالكل" وعلى ذلك يجب أن يعكس الفرد طبيعةَ الجماعة والعكس أيضًا. وتبدأ هذه العلاقة العضوية ما بين الطرفين من البعد السيكولوجي(حب الانتماء والحاجة إليه،والحاجة إلى الآخر،والحاجة الى تقدير الآخر،...)، وصولاً إلى البعد الخاص بالسلوك الفعلي، الذي عادة ما يأخذ شكل الخطط والمشاريع المستقبلية.ومن هنا فإن هناك طبيعةً سيكولوجيةً للهوية الاجتماعية تنشأ في داخل فكر وعقل الأفراد أنفسهم وتشكل هوية الجماعة لما تعكسه القناعات والأفكار الذاتية للأفراد.من هذا المنطلق، ترتبط تصورات الطلبة للمستقبل  بهويتهم الاجتماعية،ويؤثر كلاهما على الآخر،بحسب منطق الطلبة في التفكير وإمكانية تحقيقهم لتصوراتهم في الواقع.وكلما ساءت تصورات الطلبة لمستقبلهم،كلما اهتزت هويتهم الفردية والاجتماعية،والعكس صحيح. 

مقدمة

انشغل الإنسان بالمستقبلمنذ نشأته علىالأرض،حيث كان يمثل له المجهول من حلقات الزمن الثلاث(الماضي،الحاضر،المستقبل).لذلك اقترن تفكيره بالخوف منه والرغبة في التنبؤ به ومعرفة ما يحمله له من خير أو شر.

ويتجلى الاهتمام بهذا المستقبل من خلال الإعداد له،بتهيئة السبل التي تكفل له حياة مستقرة وواعدة.والتخطيط له من أجل التأثير فيه،بغية الحصول على ما يفيد المرء ولا يضره. ولعل قدرة الفرد على التأثير على البيئة[1] (فاروق عبده فليه  و احمد عبد الفتاح الزكي: 2003 ص13)

من خلال التطورات العلمية والانفجار المعرفي،أنقصت من حدة هذه المفاجآت المستقبلية في جوانب ومجالات .لتبقى نواحي أخرى من الحياة(كالحياة المهنية والدراسية،...) قيد المجهول.لأنه وببساطة ،إذا تحكم المرء في بداية مشواره الدراسي بتحصله على الباكالوريا والاندماج في العالم الجامعي.

مثلا، فانه سيتعذر عليه التحكم فيه بعد  تخرجه.لتمتلكه هواجس عديدة كالتخوف من البطالة والتخوف من الفشل وبالتالي التخوف من الغد والمستقبل عموما.وتكون له بذلك تصورات خاصة بالمستقبل.منشأنها أن تؤثر على تفكير الطالب وحالته واستقراره وتبني له هوية اجتماعية خاصة،خصوصية الوضع الذي يعيشه ويحسه وحده أو مع جماعة الرفقاء الطلاب.

فمن هم الطلبة الجامعيون؟  ما هو تصورهم  للمستقبل؟ وما حقيقة الشعوربالهوية الاجتماعية؟هذا ما سنتطرق إليه في هذا الفصل،لنستوعب موضوع  تصور المستقبل في علاقته بالهوية الاجتماعية للطلاب الجامعيين.

إشكالية تصور المستقبل وتأسيس الهوية الاجتماعية:

أصبح التفكير في المستقبل والتخطيط له من الأمور التي تهم المجتمعات والشعوب المتحضرة التي تحاول أن تجد لنفسها موضعا على الخريطة العالمية.ذلك لأن الوعي بالمستقبل هو أهم وسائل مواجهة التحديات وحسن توجيه التغير في عالم اليوم. ولعل طريق هذه الشعوب للازدهار وضمان أفضل مستقبل هو التعليم العالي.فمن خلال قيمة وتنوع مسؤوليات الجامعة أمام المجتمع الذي تنتمي إليه، وبزيادة الطلب الاجتماعي على هذا التعليم،أدركت بعض الدراسات أهمية تطويره لمواكبة تغيرات العالم الخارجي في ظل العولمة ودخول الإنسانية الألفية الثالثة.بهدف نضج ذلك  الدور الخدمي للتعليم العالي،ليبدأ في الالتحام بالمشكلات والقضايا البيئية والقيمية والثقافية،ويقدم أفضل البدائل وأحسن الحلول الموضوعية التي من شأنها أن تقلل من تأثيراتها السلبية على الفرد والمجتمع. وبالتناسق بين انشغالات الأفراد  وعرض الجامعة،يكون التعليم العالي قادرا على تقديم خدمة للفرد والمجتمع معا.

وطلبة الجامعة باعتبارهم مورد هذا التعليم العالي وعماده،ومستواهم إجابة واضحة لمدى جودته وحسن استغلاله،ومعيار صادق لنجاعته،يصبحون هم المستقبل الذي لا يمكن التلاعب به. ليتحتم على أصحاب القرار الاعتناء بهم كمادة خام،تحسين تكوينهم،وضمان مكانة لهم في سوق العمل .

إلا انه في ظل غياب المبادرات الحقيقية لاحتواء أزمة الاختلال بين التكوين والتشغيل الوطنية،تفاقمت حدة البطالة.فبعدما مست الشرائح البسيطة ذات المؤهلات والمستويات التعليمية المتوسطة والضعيفة، امتدت بحدة لتضرب بعمق المستويات الجامعية، بما في ذلك المتخرجين من مختلف جامعات ومعاهد التعليم العالي.ولعل بطالة مثل هذه الشريحة من المجتمع يجرنا للحديث عن التعليم العالي ثانية.فإذا سلمنا أن كل القطاعات المنتجة تتفاعل وتعمل معا بشكل متكامل،بحيث ضعف أحدها سيؤثر لا محال على مسيرة وعمل القطاع الآخر،فانه لا يمكن  تصور سياسة للتعليم العالي  في ظل غياب سياسة واضحة وعادلة للتوظيف والعكس صحيح.ففي هذه الحالة يمكن تكييف القطاع الأول وحاجيات الثاني،مما يسمح بإغناء سوق الشغل وإنعاشه وبالتالي توفير أسباب الاستقرار الاجتماعي والمهني للأفراد.بمعنى أكثر دقة الطلبة قبل التحاقهم بمناصب عملهم،من حقهم الحصول على كافة أنماط ومستويات التعليم والتدريب التي تؤهلهم فيما بعد لتحمل المسؤولية المهنية وتأطير الإدارات والمؤسسات دون عوائق.مما سيجنب الجامعة فيما بعد الأحكام السلبية من طرف المؤسسات المشغلة والمجتمع ككل.كون أي نوع من أنواع القطيعة بين التكوين الجامعي وقطاع التشغيل من شأنه إرساء حالة لا استقرار الاجتماعي،وفقدان المكانة،وفرص الترقية الاجتماعية لدى البطالين،بسبب الشعور بالإقصاء والتهميش. مما يولد حالات التوتر والإحباط خلل في الهوية على المستوى الفردي ،وكذا تجميد وشل كل المشاريع المستقبلية الفردية التي تضمن تحقيق الذات.

والظاهر أن  الطلبة الجامعيين يفكرون في الغد بشكل دائم ويتخوفون مما يخفيه لهم المجهول ويتوترون لذلك .ليبقى هاجسهم الأكبر الذي يشغلهم هو قلق المستقبل،ومرده إلى الواقع الاجتماعي الذي لايناقش دوما بموضوعية حسب ظنهم.

إذ تشير الدراسات أن الاعتقاد السائد لدى الشباب أن مصيره كشباب يتحدد منذ ولادته.فهناك وراثة للمستقبل بشكل يتنافى و أبسط مبادئ العدالة الاجتماعية.

مما يجعل هذه الفئة الطلابية تشعر دوما بالتهميش،وبالتالي تعزف عن الحياة العامة،لتبني أفكارا خاصة بها وبمعتقداتها وتصوراتها.ليفكر بعضهم في الهجرة،وليفكر الآخر في الانسحاب من الجامعة حتى قبل أخد الشهادة.وليواصل البعض الأخر دراسته لكن بدون رغبة ولا دافعية.ليكون التمرد هو الفكرة المسيطرة على عقله(الذي يترجم  في  سلوكيات مختلفة كالغش في الامتحانات،اللامبالاة،التغيب..).

ولكن بين هذا النوع وذاك، هناك من الطلبة من لديه العزيمة و روح التحدي و يخطط جيدا لمستقبله ابتداء من اختياره لشعبة التخصص،مرورا بمنهجية عمله وأسلوب دراسته ومواظبته،وصولا  إلى نيل الشهادة الجامعية التي يأمل أن  تضمن له منصب شغل.

وهذه صورة من الوعي وحسن التوجه في المستقبل.حسب ما أشارت أليه دراسة:[2](محمد نور إبراهيم فراج: 2006: ، (http// :www.shatharat.net/vb/showthread.php ?t=

(Hwang,young suk ; Echols,Celina,Wood,Ralph;vrongistinos,konstantinos 2001)

التي مفادها أن هناك عوامل دافعية ممكنة مرتبطة بغرض اختيار الكلية بالنسبة للطلبة الجدد.وأن هناك أشياء مرتبطة باتخاذ قراراتهم المهنية.وأن لديهم أهدافا نحو المستقبل،وأن هؤلاء يوجهون أنفسهم بالنسبة لاختيار مهنة وأنه يجب أن تكون ذات عامل جذب بالنسبة لهم.وأن توفر لهم المكانة الاجتماعية التي يرغبون فيها.future orientation2001: 13)) وهذا ما ذهب اليهPasseronوBourdieuفي كتابهما الورثة.

وباعتبار امتلاك الفرد لمنظور زمن  المستقبل، هو دليل  على قدرة  هذا الأخير على التخطيط طويل المدى،وكذا دليل على اعتقاده أن العمل الجاد هو الوسيلة الوحيدة لانجاز أهدافه،وخلق توازنه وتأسيس هويته.

 إلا أنه بتعقد الحياة الاجتماعية،وتسارع قوى التغير واختلاف المواقف الطلابية وبيئة الدراسة،أصبح هذا العصر يطلق علية عصر القلق والضغوط.حيث الأهداف كثيرة والأماني كبيرة لكن تظل الهوة موجودة بين ما يريده الطالب وتحقق أمنيته.

فان كان أمثاله من غير الجامعين قد اختزلوا مراحل التكوين لكسب مبكر للمال والاستقلالية،يبقى مصير الجامعي متعلقا في غالب الأحيان بنوع التخصص المختار بالجامعة،مدته ومدى فعالية تكوينه الذي يؤهله أو يقصيه من فرص العمل.ناهيك عن معايير المحسوبية والوساطة المفاجئة التي لا تعمل حسابا للمهارة المهنية أو الكفاءة الأكاديمية.

وتجعل توظيف المتخرجين من الجامعة ضمن آجل الأمور و ليس أبدا عاجلها.وهذا ما تعكسه نسبة البطالة في العالم،والوطن العربي بما فيه الجزائر.حيث سجلت L’ONS في 2007، اثر تقريرها نسبة 38٪ من  الجامعيين العاطلين عن العمل،وهذا إحباط  في حد ذاته،ليظل الطالب متأثرا بأفكاره و تخوفاته من المستقبل (كالقلق منعدم التمكن من إنهاء الدراسة أو من عدم الحصول علىمهنة لائقة من حيث الدخل أو المستوى الاجتماعي أو القلق منعدم تأمين مستلزمات الحياة الضرورية لمستقبلسعيد،الخ) والتي لا شك أنها تصورات ترتبط بشكل ايجابي أو سلبي بعلاقته بالعالم الاجتماعي الذي هو منتمي اليه.هنا الطالب سيدخل في عالم المقارنة مع أترابه،خاصة أولئك الذين أسسوا حياتهم وضمنوا مستقبلهم واتزنت هويتهم الاجتماعية.الطالب سيدخل في عالم الاستفهام ،وستتزعزع ثقته بنفسه ،وسيعيد حساباته متهما بيئته بالفقر والآخر بعدم فهمه ومجتمعه بالتخلف ويدخل نفسه في عالم أزمة الهوية الاجتماعية. هو لن يحس بالأمان ،لن يحس بالانتماء الفعلي لوطنه ،لن يشعر بحب وطنه له،لأنه تعب ودرس،كذا واجتهد، ولكن لم تتحقق أمانيه،شلت مشاريعه،ابتعد عن أحلامه التي تضمن له مكانة اجتماعية واستقرارا.المشاريع المستقبلية التي سترسم له الطريق للاستقرار النفسي والاجتماعي وتتيح له فرصة إثبات الذات والقدرات.

فمن هم الطلبة الجامعيون؟  ما هو تصورهم  للمستقبل؟ وما حقيقة الشعور بالهوية الاجتماعية؟هذا ما سنتطرق إليه في هذه الورقة البحثية ،لنستوعب موضوع  تصور المستقبل في علاقته بالهوية الاجتماعية للطلاب الجامعيين. 

1-  تعريف الطالب :

عرف "le petit Robert" [3]([1] Le petit dictionnaire de la languefrançaise, , p368 1992. ) الطالب على أنه الفرد الذي يزاول دراسته و يتابع دروسا بجامعة أو مدرسة عليا، كقولنا:طالب طب ،طالب آداب ،طالب فلسفة،.....

كما عرف "محمد ابراهيم الطالب [4](محمد ابراهيم :د2003، دار مجدلاوي، ص222/223. 2003،ص222/223.)على أنه الفرد الذي اختار مواصلة الدراسة الأكاديمية والمهنية ،ويأتي إلى الجامعة محملا معه جملة قيم وتوجهات صقلتها المؤسسات التربوية الأخرى. والجامعة من المفروض تحضره للحياة العليا كما يرى   '' ALAIN COULON''. كما ورد في'larousse''مفهوم الطالب بأنه :من يزاول محاضرات بجامعة أو مؤسسة تعليم عالي. [5](La rousse de la langue française     p690,197  )

في حين رأى "Dubet"[6]( Dubet F , , p 144, 1994   ) أن الطلبة في العشريات الأخيرة ،  كانوا يمثلون فئة واسعة الحدود، تتجاوز فئة الحرفيين و التجار. فإن يصبح اليوم الفرد طلابا هو أمر أو شكل قانوني '' canonique ''  والنموذج الإجتماعي المميز لمكانة الراشد، بغض النظر إن كانوا في  المدن أوفي القرى ،إناثا أو ذكورا.

وبهذا يرى هذا الباحث أنه من الصعب إعطاء تعريف لطلبة التسعينات مثلا.

فحين نصادف تنوع عالم الطلبة وتنوع العرض الجامعي، يتشكل لدينا عالما أكثر تعقيدا، يحول دون إيجاد صورة واضحة  ومحددة ودالة للطالب .

لكن يرى هذا الأخير أنه في علاقة الطلبة بالدراسة،يمكن البحث في مبادئ محددة ومؤسسة لتجارب الطلبة وهذا ما يقود إلى تميز ثلاثة أبعاد لهذه التجارب هي[7]:(  Louis cruel olivier Galland et Guillaune, p147,2009 )

1-       المشروع ( أي مخططات الطالب وأمال المستقبل،والسعي لتحقيقها).

2-       الهوية بشقيها (أي الوجهة البراغماتية المختارة)

3-       الانتماء لعالم الجامعة (أي التكيف مع عالم الجامعة المتنوع علميا وعلائقيا).

 

 

2-تصورات المستقبل وعلاقتها بتأسيس الهوية الاجتماعية:

تمهيد:

يعتبر موضوع التصورات  في علاقتها بالهوية الاجتماعية أمرا مهما،ويشبه في الحديث عنه السهل الممتنع،.فقد عبر الكاتب "أمين معلوف" عن فكرة الهوية  بقوله:"كل من انتماءاتي تربطني بعدد كبير من الناس،لكن  في كل مرة أرى انتماءاتي التي أعطيها أهمية تكبر،أجد  أن هويتي تكتسب   إثرها بالضرورة خصوصية جديدة.[8]:Maalouf.A ,p 25,1998  )

ولو تفحص المرء سبب قدرته على التمييز بين الصالح والطالح ،المعتدل والمعوج ،الايجابي والسلبي ،المجدي والمهلك ،لتفطن لملكة هامة صقلت لديه على مر السنين،هذه الملكة هي الأثر الذي تركته وتتركه تنشئته وظروفه وتاريخه ،اتجاهاته واعتقاداته وخبرته في نفسيته ومنطق الأمور لديه. وهذا الكل يشكل تصورات المرء ليجعله يتصرف بطريقة بدل أخرى.أي  هناك أمور ومواضيع في الحياة تجعل الفرد يخالف  سلوكيات الجماعة التي ينتمي إليها ويتمرد عن الوضع الراهن،لأنه يحس بالفرق وحتى الظلم. أو يتناغم معها  ويؤيدها،ليحس بهوية اجتماعية مشتركة ولا يرى نفسه محروما دون الجماعة.فالتصورات من جهتها  لديها وظيفة تأسيس الهوية،والإحساس بالهوية المشتركة يبعث في نفس الفرد الطمأنينة والاستقرار،ويجعل من جهته تصورات المرء قابلة للتحقق وقريبة من الواقع.حيث في الأخير لا يكون تصادم. وتناقض.

1-الهوية:

يعتبر''ADLER'' أن الذات(ego)،هي تنظيم يحدد للفرد  شخصيته وفرديته التي تظهر معها شخصية جذابة،والتي تحدد له أسلوبه المتميز في الحياة.ولما كانت الذات هي مركز الشخصية التي تتجمع حولها كل النظم الأخرى،وهي التي تمد الشخصية بالتوازن والثبات،فان تحقيق الذات هو الغاية التي ينشدها الإنسان.لكن لا يحقق الإنسان ذاته ما لم يشعر بهويته ويعيشها.فكما قال ''ROGERS''، فكرة الفرد عن نفسه،هي النواة التي تقوم عليها شخصيته.

وتعددت المعاني للفظ الهوية،وذلك تبعا لعدة مجالات من التفكير، منها الفلسفة والميثافزقيا ثم المنطق، والعلوم النفسية والاجتماعية، كما أن لهذا اللفظ باللغات الأوروبية معاني تتماثل تماما مع ماهو مقصود منه باللغة العربية. فلفظ الهوية بالعربية يقابل اللفظ الفرنسيIdentitéفسيكون المعنى الأساسي الذي يتضمنه هو المطابقة. إذ نعلم أننا عندما نقول شيئين أنهما متماثلان أو متطابقان نستخدم الصفةIdentique”* فهذا النعت يعني تطابق هوتيهما(الرحمان خميس: ، 2010) .[9] 

عندما نستخدم عبارة هوية باللغة العربية نقصد هذا المعنى جزئيا لا كليا، فالهوية تعني المطابقة حقا، غير أن المطابقة فيها لاتكون مع شيء أخر بل تكون أساسا بين الشيء وذاته فهوية الشيء هي كينونته، هي ما يكون به مطابقا بذاته ويستمر به كذلك في وجوده. هوية الشيء هي ما يكون به الشيء هو ذاته متمايزا عن غيره، وأم ماثله في بعض الخصائص أو اشترك معه فيها. إن ما يشير إليه لفظ هوية هو وحدة الذات عبر التطورات والمظاهر المختلفة، أي أن الهوية هي ما يكون به الشيء أو الشخص مطابق لذاته رغم التغيرات و التطورات.

ولهذا أقرب لفظ فلسفي للهوية ،هو الماهية، فهوية الشيء هي ماهيته أي حقيقته الخاصة به. هي جواب عن السؤال ما هو ؟” وحسب الجرجاني : هوية الشيء أو الشخص هي ما يشكل جوهر كينونته في مقابل ما يمكن أن نعتبره خصائص عرضية قابلة للتغير. ومن هذه الرؤية، أننا نعتبر ما يتغير عرضيا بالنسبة للهوية، ويبدوا كذلك أننا عندما نستخدم لفظ الهوية ونسترشد به في تفكيرنا نقصد أن نبحث عن ما هو مستقر وثابث، وعن ما نرغب في الحفاظ عليه وعن ما نظن انه يبقى ولا يتغير رغم كل مظاهر التغير والتطور.

وللهوية صفات نفسية،اجتماعية،سلبية وايجابية.فان كانت سلبية ،فهي تدل لا محال على وجود صراعات بين الفرد وذاته  أي تدل على وجود أزمة.أما إذا كانت ايجابية ،فهي تدل على استقرار الفرد ورضاه.

وعلى العموم فان التعريف بالهوية ينقسم إلى منحيين، الأول يتعلق بالهوية الشخصية والثاني بالهوية الاجتماعية، وذلك حسب الموقف الذي يجد الشخص نفسه فيه.

-الهوية الاجتماعية:

 ان هوياتنا الاجتماعية[10]حميد الهاشمي،2010  )إشتقاق من المجموعات التي ندرك بأنفسنا أننا أعضاء فيها كحقيقة وأساس للنفس، وهوية شخصية (مشتقة من وجهة نظر شخص ما كفرد وحيد)، ونعرف أنفسنا من خلاله.وللهوية مستويان ،واحد شخصي والثاني اجتماعي. وكلاهما مرن وعدائي من الناحية العملية. أي أن الإعتداد الفردي بالنفس يحمل في طياته في غالب الأحيان نرجسية تصل إلى حد التطرف. وبالمقابل فان الانتماء للجماعة أو الأنا الجمعي يحمل ذات التطرف والإقصاء للأخر.

وعموما الهوية الاجتماعية،هي الصورة التي يراها الآخرون للشخص، إذ يعيش داخل جماعة تساعده على الشعور بوجوده، وتوجهه لتكوين هويته، وينتمي إليها.[11]( الهوية،2010)  )وهي، أي الجماعة، كما تشبع حاجاته المادية، تشبع، كذلك، حاجاته المعنوية، فتعطيه الشعور بتقدير الذات، إذ يقارن نفسه بالآخرين، فيلاحظ أوجُه الشبه والاختلاف بينه وبين أفراد الجماعة. وكلما لاحظ أنه أكثر قبولاً اجتماعياً وتميزاً عن الآخرين، شعر بهويته الاجتماعية المتسقة.

وهناك مؤهلات اجتماعية، تسهم في شعور الشخص بهويته. وهي المهنة التي نمارسها، ومدى  نبلها وإسهامها في خدمة الأخريين، والشهادة التي نتحصل عليها، وموقعها من الثقافة السائدة في المجتمع، وما نمتلكه من ماديات، تجعل عيشنا رغيدا يسيرا.هي كذلك  امتداد  مظلة ما نملكه ونكتسبه إلى الآخرين من عدمه ، ونمط الحياة التي نعيشها، ومدى قبولها من المحيطين بنا، واتساقها مع عادات وتقاليد المجتمع الذي يعيش فيه.

فلا شك أن شخصاً حائز شهادة مرغوبة، اجتماعياً، ويمارس مهنة مرموقة، تفيد المجتمع، ويملك، مادياً، ما يجعله يستخدم (سيوظف) لديه آخرين من أفراد مجتمعه، ويفتح لهم أبواب رزق،  ويعيش أسلوباً حياتياً، يتفق مع عادات وتقاليد مجتمعه ـ سيكون هوية موجبة، من خلال التقدير الاجتماعي، الذي سيلقـاه من المحيطيـن به. بخلاف شخص آخر، لم يحز شهادة تعليميـة، ولا يمارس مهنة مناسبة، ولا يمتهن عملاً مقبولاً من المجتمع، وليس لديه ما يكفيه، مادياً، ويعيش نمط حياة، لا يتسق مع عادات وقِيم مجتمعه (مثل الشخص المدمن) ـ فإنه يكون منبوذا من مجتمعه، ومرفوضا وفاقد التقدير. وهذا يسهم في خلق أزمة هوية، أو هوية سلبية، لا تحقق له الإشباع الذي ينشده.فتنهار أماله وتبعد تصوراته للعالم المحيط عن الواقع الفعلي.

إذا التربية أساس التنشئة الاجتماعية،والهوية ليست جامدة،  بل تعيد تنظيم نفسها من دون توقف.فهي  تنمو وتتطور ضمن تاريخ الفرد وخبراته الشخصيةمع الآخرين والمعلومات التي يتعرض لها أثناء عملية التنشئة الاجتماعية التيتقوم بها الوسائط الاجتماعية والتربوية.هذه المعلومات التي تتضمن أهدافها تكوين الهويةوتعزيزها لدى الفرد في إطار المنظومة الثقافية للمجتمع، بما توفره من فرص ومهاراتأساسية لضبط السلوك وتعديل الأفكار والاتجاهات واتساقها مع المعايير الناظمةلحياة الجماعة.كذلك أساليب إشباع الحاجات وفق التحديدات المتعلقة بالدين، باللغة والتراثوالعادات والمعاني الاجتماعية للسلوك المرتبط بتلك المعايير. دون إهمال لأدوار التييشغلها الفرد في التنظيم الثقافي والاجتماعي.

2-التصور:

يقول جون كلود رويانو بوبالان (Jean Claude Ruano -Bubalan 1993)

« إن فهم العالم  الذي يحيط بنا هو إدراك بواسطة التصورات الذهنية والاجتماعية ،هذه الأخيرة التي تشكل مفهوما مركزيا (جوهريا) يسمح بترجمة ميكانزمات الذكاء والذهنيات والإديولوجيات ».[12]     (-Maache Youcef , chorfi Med Seghir ; Kouira Aïcha, P03 ,2002 )

يعتبر التصور مصطلحا حديث الظهور ،إذ لم يبرز إلا حديثا في الخطاب التربوي مثلا، في حين نجده كفكرة قديما جدا في نشأته. فمن خلال دراسته للمعرفة والمدركات المعرفية بين الفيلسوف إمانويال كانط (EmmanuelKant1804-1724  ) بأن أفكارنا سجينة البنيات الذهنية ،وأن الحقيقة في الذات هي مسألة صعبة المنال.[13]([1] -Maache Youcef , chorfi Med Seghir ; Kouira Aïcha opcit , p03,2002 )

  )فكانت هذه التصريحات بمثابة ثورة كوبرنيكية Révolutioncopernicienne ونظرية فتحت مجالا واسعا ذو اتجاهين :

اتجاه خاص بالتصورات الذهنية المعالجة من طرف علم النفس المعرفي ،وآخر خاص بالتصورات الاجتماعية المعالجة من طرف التاريخ وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع تحت اسم الذهنيات أو الإيديولوجيات .

وبتعدد مفاهيم المصطلح ، واختلافها بتعدد العلماء واختلاف أزمنتهم ، وأتفق المناطقة على إنه عملية تجريدية محضة . وقد فسرت صور شخص لشيء ما بأنه أصبح  لهذا الأخير صورة عن هذا الشيء ،وهو فعل أولي للعقل يرى بواسطته ماهية الأشياء وفي معجمه عرف Nobert Sillamy    هذا المصطلح على أنه : فعل إرجاع شيء إلى العقل وليس مجرد صورة بسيطة للواقع بل هو بناء عقلي [14]( Nobert Sillamy ,      P1 029,1980),

من هنا يتضح لنا أن التصور ليس عملية إعادة إنتاج بل نشاط فعلي لإعادة بناء . ويري موسكو فينشى Moscoviciserge أنتصور شيء هو إعادة إظهار هذا الشيء للوعي مرة ثانية رغم غيابه في المجال المادي . [15][1] Moscovici(s ,P56)  (  ,1972 )

وهذا ما يجعلنا نفهم بأن للتصور ميزة الازدواجية فهو عملية إدراكية فكرية إذا يسمح بالمرور [16]من الدائرة الحسية الحركية إلى الدائرة الفكرية . Moscovici(sopcit,p55)

أما من الناحية الاجتماعية فقد عرف التصور بأنه إنتاج تعبير عن نفسية أو ذهنية الفرد البشري ،أو أنه نتاج يعبر عن كائنات أو أشياء لها وجود في  ثقافة المجتمع أو جماعة اجتماعية معينة . [17]-(احمد أوزي: ص:68.)

وهذا ما يقربنا بمفهوم دوركا يمDurckeimللتصور الجمعي أو يدعي بالوعي الجمعي. في حين نجده من الناحية السيكولوجية دالا على:

استحضار موضوع غائب إلى الذهن، موضوع غير واقعي يتعذر إدراكه بكيفية مباشرة، لكن وعيه أو تصوره ذهنيا ممكن.

- والتصور الاجتماعي هو إعداد لبناء سيكولوجي واجتماعي حسب اتجاهين :

الاتجاه الأول : ينطوي على المحيط البيئي باعتبار الشخص في تفاعل اجتماعي أو أمام منبه اجتماعي،ولذا يظهر التصور كحالة لمعرفة اجتماعية وهكذا يتناوله علم النفس الاجتماعي . كذلك بما أن الإنسان اجتماعي فإنه يدمج في إعداداته المختلفة أفكارا وقيما وأنماطا من المجموعة التي ينتمي إليها أو الإيديولوجية الشائعة في مجتمعة.[18](  محفوظ بوشلوخ، ص16،   2001)

أما الجانب الثاني فيركز على الجوانب الدالة للفاعلية التصورية ويعتبر الإنسان كمنتج للمعنى ، ويعبر من خلال تصوره عن تجربته في المحيط الاجتماعي . الأمر الذي يصبغ التصورات بالخاصية الاجتماعية بفضل إسقاط القيم والطموحات الاجتماعية من جهة أخرى .[19] وفي انتقاده لمفهوم الصورة ، الرأي والموقف أوضح موسكو فيتشى سبب فشل الأبحاث التي أرادت أن تحدد أو تغير السلوكيات.

 إن هذه الأخيرة اقتصرت على جعل العلاقة بين الفرد والأشياء هي علاقة منبه واستجابة فقط (علاقة خالية من الأحاسيس والتفاعل )[20] [1] (Moscovici(s), opcit .P364)

. أي انفصال بين العالم الداخلي والعالم الخارجي أو فصل بينهما.

-ولهذا أكد موسكوفيتشي على أن الموضوع والفاعل هما غير منفصلين بالطبيعة  وعلى الإطلاق ،وأن تصور شيء يعني إعطاء مجموعة غير متباينة من الثنائية هما : (المثير والاستجابة ) (Stimulus /Réponses)

في هذا الصدد يقول :  J.Piaget(بياحي ) : إن الفرد ليس ذلك المسرحي [21] [1] (Moscovici(s), opcit .P364)  l’homme de théâtre الذي يمثل قطعا منفصلة عنه والتي كانت حاضرة سلفا ، بل بالعكس هو الفاعل وهو المنتج للبناءات وتكوين تصوراته.

وهذا ما يفسر الظواهر التي هي في الواقع عملية تفاعل الفرد والموضوع حيث تؤثر كل واحدة على الأخرى الأمر أو الحتمية التي تتطلب بناء و إعادة بناء في الفعل التصوري .

وباعتبار التصورات شكل من أشكال المعرفة المشتركة بين مجموعة ما ،فهي تتميز بجملة خصائص هي :[22](-Moscovici(s), opcit .P365)

1-ارتباطها دوما بموضوع ، و هنا نقول "  جودلي " لا توجد تصورات دون موضوع .

2-للتصور شكل ودلالة (لكل شكل معنى و لكل معنى شكل )

3-خاصية رمزية وذات دلالة .

4-خاصية بنائية .

5-خاصية الاستقلالية والإبداع، حسب (Piaget  و Inhelder) : التصور يعمل إما على استحضار موضوع غائب أو إثراء المعرفة الإدراكية من خلال الذكاء أو الخيال. (Jodelet (c) , opcit)[23]

ما يمكن الإشارة إليه هو أن التصورات الاجتماعية تعتبر منطلقا نظريا اعتمدت عليه بعض النظريات كالنظرية السببية Attribution causale   لصاحبها Fritz Heider والتي مفادها الإنسان ذو دوافع تجعله يرجع سلوكياته إلى أسباب داخلية وخارجية وكذا إلى مختلف المعارف المستعملة مع الأفراد أثناء تبادل العلاقات.

*ولعل في معظم  التعاريف الاجتماعية للتصور نجد ثلاثة أوجه مميزة هي[24](-philipe braud ; opcit)

ا-الاتصالla communication    

ب-إعادة بناء الواقع         :la reconstruction du réel

ج-السيطرة على الواقعla maîtrise de l’environnement par le sujet’’      ''في هذه النقطة مجموعة التصورات  أو المعارف التطبيقية تسمح للفرد بالتموقع داخل بيئته والسيطرة عليها.فهذه السيطرة هي التي ترجعنا إلى الفائدة الاجتماعية لمفهوم التصور.و هذه الوظائف ثلاث :

 1-التصورات تزود الفاعلين الاجتماعيين بمعارف مشتركة ومتقاسمة مما يسهل التواصل(fonction de code commun).هذه الوظيفة التواصلية تسمح بفهم وشرح الواقع.    

2-التصورات توجه السلوكيات والممارساتla fonction d’orientation de conduites

3- التصورات تسمح بتحديد الهوية لمجموعة مهنية أو اجتماعيةla fonction identitaire  :   -

إن مقاربة هذه التصورات تطورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة ولعل أحد عوامل هذا التطور هو وسائل الإعلام من خلال بثها للآراء والمعلومات والأفكار، وبهذا صار الاتصال الكتلي هو الذي يعكس ويغير التصورات الاجتماعية [25].(-محفوظ بوشلوخ ،مرجع سابق    )

3-المستقبل:

3-1-مفهوم المستقبل وتصوره:

لقد ظل الإنسان يحلم بالمستقبل،منذ استطاع أن يتصور فكرة البعد الزمني.باعتبار أن الحلم بالمستقبل هو في جملته النهائية محاولة لاستكشاف التاريخ،ولكن خلف أسوار الحاضر.وقد خطا الإنسان المعاصر في عقود الستينات والسبعينات من القرن العشرين خطوات هي أبعد من مجرد الحلم بالمستقبل.فقد صار بإمكانه أن يتنبأ بهذا الأخير،وعلى درجة كبيرة من اليقين ومن رسم ملامحه وتشكيله.

إذ المستقبل هو المحور الزمني الذي أردناه في دراستنا.فلا طالما حير هذا المصطلح الإنسان وكان مصدر توتره ،تخوفه وقلقه.وقد قال Le court1995,p72))في هذا النطاق:"بالأمس كان المستقبل يقلقنا،لأننا كنا غير قادرين.وأصبح يخيفنا اليوم من جراء نواتج أعمالنا التي لا نقوى على إدراكها بوضوح".

هذا التخوف الذي دفع بالإنسان ليس فقط إلى التساؤل عن مستقبله الشخصي ،بل  عن المستقبل  المشترك.وما دام المستقبل هو ليس بالحاضر فسيظل دوما غير متأكد وغير موثوق منه،وحاملا لبعض الغموض.

وكثيرا ما اختلط مفهوم المستقبل بمفهوم('' الغد''،و'' ما هو آت''، و'' المكتوب' أوالمقدر).

فإذا كان المقدر والمكتوب هو مفهوم يوحي بكل إرادة إلاهية،خارجة عن طاقة المرء[26]( [1]Petit larousse illustré, ,p3061987,))،

فالمستقبل مختلف. فهو مشروع مرفق بطرق إتمامه،هو مسار موجه،هو ما قد يأتي.لكن ما لا ننتظره كفجر يوم جديد، في حين نقوى على التأثير فيه،أو خلقه،أو توجيهه،تسريعه،أو تأجيله(De Gandillac1995,p98).[27](   Opcit p10      )

إذا فحسب Mercure)فالحديث عن المستقبل ،يمكن تقسيمه إلى مجالين اثنين:

-مجال الغدFutur                      

-مجال ما سيأتيL’à venir                         

إن المجال  الثاني (ما سيأتي)يرجعنا إلى ما سيحفظه لنا الماضي،ما سيأتي إلينا نحن.

أما الغد ،فهو،حامل للمشروع،و هو ما نذهب نحوه أو نصبوإليه،سيكون بمثابة البحث عن حاضر أخر(en quête d’un présent autre).و يرى Mercure  انه في خضم هذه التطورات والانفجار المعرفي داخل المجتمعات،سيكون المستقبل موجها ناحية حقل الغد futur.بدل حقل ما سيأتي l’àvenir.أي موجها صوب مشاريعنا وخططنا النابعة أساسا من حاجاتنا الحقيقية والواقعية.

3-2-الوعي بالمستقبل:

يعتبر الوعي بالمستقبل واستشراف أفاقه وفهم تحدياته،من المقومات الأساسية في خلق النجاح على الصعيد الشخصي والاجتماعي عموما.ولا يمكن أن يستمر النجاح لأي كان ،ما لم يمتلك هذا الأخير رؤية واضحة وثاقبة لمعالم المستقبل.فالنجاح بكلمة واحدة يرتكز أساسا على الوعي بالمستقبل.

و حتى لو كان الوعي بالحاضر مفيدا،فانه ما لم يتزاوج بالوعي بالمستقبل سيبوء بالفشل.[28][1]فاروق عبده فليه  و احمد عبد الفتاح الزكي،مرجع سابق،ص15 )وسيفقد معناه.كونه لا ينفع أن تنفصل ذواتنا وأفكارنا،بل لا بد أن تبقى متصلة بعضها ببعض.تلك الموجودة في الحاضر الذي سيتحول إلى ماضي مع مآلها في المستقبل.

والواقع أنها علاقة متلازمة ومتداخلة.ففهم الحاضر يتطلب فهما للمستقبل،وبناء الحاضر يجب أن يرتكز أساسا على استيعاب آفاق المستقبل.

وكثيرون هم الناس الذين يخفقون في حياتهم المهنية أو التعليمية أو الشخصية،وهذا ليس سوى لأنهم لا يمتلكون وعيا بالمستقبل،وكانت العشوائية هي ميزة حياتهم الحاضرة.ناسين بذلك أن الحاضر الآن سيصبح ماضيا ،والمستقبل القريب سيصبح حاضرا،وهكذا.....لكل مرحلة في حياة الفرد صداها وأثرها الذين لا يجب أن نستهين بهما،بل نستغلهما في تقييم وتقويم أحوالنا.

فما عليهم سوى استغلال كل فرصة تتاح،واغتنامها.لان الفرص حتى لو تكررت،فليس من المؤكد أن نمتلك  دوما القدرة على استثمارها بالشكل المناسب.وعليهم أن يعدوا للارتقاء إلى ما يتطلبه المستقبل من مؤهلات علمية،إنسانية،أو مهنية.ويبنوا مشاريعهم التي ستحدد أهدافهم في الحياة.

3-3 مشروع الطالب  وتصور المستقبل :

إن الحديث عن المشاريع أصبح ضرورة لابد منها في كل الميادين الصحية ،الإدارية التربوية وغيرها. نظرا لما لهذا المصطلح من أبعاد مفاهيمية تجعل الفرد يقيم واقعه ليستخرج أو يستخلص نقائصه ويفكر في حلول ملائمة،عادة ما يعد لها العدة من إمكانيات ليجعلها في الأخير أفكارا مجسدة في الواقع .ويعطى معنا لوجوده .هكذا هو المشروع فيه المبادأة(l’anticipation) الرؤية هو المستقبلية (projection , visée..)والتصور(représentation).

ويرى" Jean.Pierre Boutinet"(أحد أعمدة المنظرين الفرنسيين )         بأن المشروع يعود أساسا إلى جملة مفاهيم هي : الرغبة، التخيل، المثالية والتحديد هذا من  جهة،ومن جهة أخرى  يعود المشروع إلى مستوى الإنجاز والتطبيق، حيث التساؤل عن ما يجب فعله وما الشروط التي يجب أن تتوفر لديه. حسب الطريقة CQQCQQP،أي : (ماذا،من،أين، متى ،كيف ،كم ،لماذا).[29]( En jeux et histoire  de la notion de projet ,opcit)[1]  فالمشروع على حد وصف ''هادف أحمد' '[30] (Hadef.A,p80  ,2007   )لا يتحدد في الرغبة بل يتحدد كذلك بتحقيق وإنجاز هذه الرغبة. فهو نية مقصودة ومخطط لها، هادفة وتعبير عن ذكاء براغماتي.

يؤسس مشروع الطالب لإعطاء معنى للدراسة،بقبوله لحاضره،وبرؤيته الايجابية  للمستقبل،(فوجود المشروع دلالة على وجود رؤية ايجابية للمستقبل). وعملية  وضع مشروع من شأنها أن تجعل من الطالب البسيط فاعلا(Acteur) ،وتزوده بالقدرة المعنوية ليبني  ويؤسس  أفكاره،وينظم جهده وطاقته ويعطي لهما معنى من خلال توجهاته المعرفية والاجتماعية..ففترة البناء هذه ،هي المرحلة التي يأخد فيها الحلم حظه،ويتأصل بجذوره،ليفرض نفسة ويرى التحقق والانجاز الفعلي.

وقد رأى كل من (PHILIPPE MERIRIEU  et JEAN PHILLIPE DETONNAC) بأن المشروع ''هوالبحث في جملة من ممكن مختلف''أي: ‘’LE projet est une quête entre les différents possibles’’

حيث نجد الممكن الموصوف،والممكن المسموح،والممكن المرغوب.

فأما عن الممكن الموصوف ،فهو يتعلق أساسا بانتظارات الآخر والمعايير الاجتماعية،.والممكن المشروع،فهو ما يسمح به دون مشاكل.ويكون داخل إطار القيم ولا يتجاوزها.ليكون الممكن المرغوب دليلا  متعلقا بالتطلعات والرغبات   وما سيجنيه الفرد أو الطالب من مكانة وقيمة ومركز اجتماعي وبالتالي تحقيق لهويته الاجتماعية المتزنة.[31](   ) ـJEAN.PHILLIPE DE TONNAC‘,-2010

وإن حديثا عن مشروع الطالب الجامعي كما يتصوره هذا الأخير يعني الغوص في أفكاره التي تحدد خطته المستقبلية ، وتعكس لنا أماني ورغبة هذا الأخير ووسيلته في بلوغ هذه الرغبة و تكشف لنا معاني التفاؤل إن وجدت والدافعية إن تأصلت ومراكز القوة إن تأسست ،كما تكشف لنا مخاوف المستقبل ،مخاوف الفشل ونقاط الضعف إن وردت وسيطرت على أفكاره.

ويمكن  كشف هذا المشروع عند تعبير الطالب ووصفه لتصوراته للمستقبل.

فتصور المستقبل يعني إسقاط واضح لما يحسه ويفعله ويطمح إليه الطالب أو يخشاه [32][1] MILLET.M. ll ,p (59-61) ,2003) فهي أفكار ذات جذور قاعدية في الماضي و انطلاقاتها من الحاضر بكل ما يحمله هذا الحاضر من معطيات (أحلام، مستوى تعليمي، خبرة فردية، وضع نفسي، جسدي ،فكري، مادي..)[33] JEAN.PHILLIPE DE TONNAC,opcit( كما أنها رغبة في بلوغ غد أفضل ( تحقق الأماني والمشروع و الرغبة.

و لعل إمتلاك المشاريع على مستوى الأفراد هو دلالة تامة على إيجاد معنا في الحياة والإحساس بهذا المعنى فالمشروع هو تعبير واضح عن إرادة الطالب في الحياة وفي تحسين الوضع اجتماعيا كان أم اقتصاديا أم عمليا .

وإن دل المشروع على شيء فإنما يدل على وجود دافع مهم ،يحرك هذه الإرادة ويدفعها إلى حد اكتمال الرغبة و إنجاز المشروع ذاته.

على عكس غياب المشاريع لدى الطلبة، فهو دليل على إحباطاتهم ولامبالاتهم وضياعهم المعني ، وغياب معاني الدراسة وإثبات الذات والوجود لديهم .كما أنه  دليل واضح على عدم قدرتهم على تحديد موقعهم من هذا الزمن الماضي أو الحاضر أو المستقبل،وحتى نجاتهم من أزمة هوية فردية كانت أم اجتماعية. وهذا ما أكده’’’Dubetحين ذكر بعد المشروع في تجارب الطلبة ومدى أهميته .[34]Dubet .F :opcit , P144  ) 

الخاتمة

ما يمكن  تسجيله في إشكالية تصور المستقبل وعلاقتها بتأسيس الهوية الاجتماعية للطلبة الجامعيين ،هو ورود تداخل كبير وتشابك ملحوظ في معنى التصور والهوية (فردية كانت أم اجتماعية)،ومشروع الطلبة كصورة مجسدة لتصورهم للمستقبل في علاقتها وتداخلها بالمحيط الاجتماعي وحتى الثقافي للطالب.

فالطالب يؤثر في محيطه الاجتماعي ويتأثر به.بمعنى يتغدى من البيئة المحيطة ويتشبع بالأفكار السائدة فيها ويحاول ألا يخالفها ،تاركا لهامش صغير  من الحرية الفردية التي تبرز خصوصيته،وتظهر في انتقاءه لمشروع بدل أخر،وامتلاكه لتصور مستقبلي خاص به هو كفرد واحد.لكنه  يسعى من وراء مشروعه وتصوره هذا إلى استقطاب اهتمام الآخر وتقديره،ونيل مكانة  اجتماعية مقبولة أو مرموقة،من شأنها أن تحقق له الثقة بالنفس واتزان الهوية لديه.وتزيد من  شعوره بالانتماء لبلده.ولا تفتح أمامه مجال المقارنة مع من هم أحسن منه اجتماعيا.

 وما يخالف هذه الأحاسيس والتصورات ،سيجعل الطالب الجامعي يعيش خيبة الأمل والقلق عن المستقبل وتهتز قيمته مع نفسه ،وسيفقد ثقته بمن يحيطون به،وبوطنه،لتنتقل عدوى الخلل إلى هويته .هذه الأخيرة التي ستفقد سيطرتها عليه وتدخله دوامة الااستقرار نفسي اجتماعي وتجعل هويته في أزمة.

المراجع باللغة العربية:

1-الكتب

1-احمد أوزي: الطفل و المجتمع ، مطبعة الدار البيضاء الجديدة للطباعة. 

2-فاروق عبده فليه  و احمد عبد الفتاح الزكي:الدراسات التربوية( منظور تربوي)،الطبعة 1،2003 .

3--محمد ابراهيم :دور التربية في مستقبل الوطن العربي،ط1، ، دار مجدلاوي2003.

المداخلات والمقالات

1-محفوظ  بوشلوخ، ((التصورات الاجتماعية للعنف ))، في الملتقى الوطني حول العنف و المجتمع، المركز الوطني لتكوين المستخدمين بمؤسسات المعاقين، قسنطينة فيفري 2001.

الوابوغرافيا

1لرحمان خميس:في تعريف الهوية،Cette adresse e-mail est protégée contre les robots spammeurs. Vous devez activer le JavaScript pour la visualiser.،تمالاطلاع على المقال في12 جانفي 2010

2-الهوية:http://www.moquatel.com/openshare/Behath/Mnfsia15/hwiyah/index.htm

3--حميد الهاشمي:الآثار والهوية الاجتماعية، http://www.al-hashimi.blog.com، تم زيارة الموقع في 20سبتمبر2010

محمد نور إبراهيم فراج:قلق المستقبل وعلاقته ببعض المتغيرات لدى عينة من  طلاب كلية الاسكندرية،2006،: http // :www.shatharat.net/vb/showthread.php ?t=16099 زيارة الموقع في 05 فيفيري 2009

المراجع باللغة الفرنسية

Les livres

 1-Louis cruel olivier Galland et Guillaune Houzel : les étudiants en France ,  .(histoire et socilogie d’une nouvelle jeunesse)     presse universitaires de Rennes , 2009

[1]:2-Maalouf.A :les identités meurtrières, éditions Grasset et Fasquelle,p 25,1998.2-

3-MILLET.M :Les étudiants et le travail universitaire,PU de LYON,2003.

4-Moscovici(s)    : La Psychanalyse son image et son Public ;ed P.U.F . Paris 1972

LES revues

[1] Dubet F « Dimension et figures de l’expérience étudiante dans l’universite de masse revue français de sociologie n°35 1994 p 144.

-Maache Youcef , chorfi Med Seghir ; Kouira Aïcha : séries de conférences sur la représentation sociale ; un concept au carrefour de la psychologie sociale et la sociologie. Les  éditions de l’' université Mentouri , Constantine 2002 P03

La webgraphie

 JEAN.PHILLIPE DE TONNAC‘’Le projet personnel’’ ,h ttp://effet.monsite-orange.fr/page5/index.html,consulté le 10-12-2010

Les dictionnaires

1-La rousse de la langue française lexis « librairie la rousse 1979p690

2-Le petit dictionnaire de la langue française 1992, Montreal Canada p368

3-Nobert Sillamy : Dictionnaire encyclopédique de psychologie LZ Paris 1980,

Les thèses :

HADEF.A :L’enseignant universitaire :son projet ,son identité et son rapport à la profession, thèse de doctorat en sciences de l’éducation,   UMC,2007.




[25]-محفوظ بوشلوخ ،مرجع سابق.

Dubet .F :opcit , P144.[32]

Dubet .F :opcit , P144.[32]

Dubet .F :opcit , P144.[33]

Dubet .F :opcit , P144.[34]