الهوية الثقافية بين قيم الأصالة والحداثة في ظل التغيرات السوسيوثقافية للمجتمع الجزائري. pdf

أ/ أسماء بن تركي

المركز الجامعي-الوادي(الجزائر)

الملخص:

شكّل مفهوم الهوية منذ آلاف السنين وحتى اليوم إشكالية غير قابلة للتجاوز في الوضع البشري بين ثابت أم متغير، أساسي أم ثانوي، عنصر تقدم أم انكفاء على الذات... فالهوية هي الذاتية والخصوصية وهي القيم والمثل والمبادئ التي تشكل الأساس لبناء الشخصية الفردية أو المجتمع وهوية الفرد هي عقيدته ولغته وثقافته وحضارته وتاريخه، وكذلك هوية المجتمع فهي الروح المعنوية والجوهر الأصيل للكيان وللأمة.

وإذا اعتبرنا الهوية أيضا هي الوعي بالذات الاجتماعية والثقافية، وهي ليست ثابتة وإنما تتحول وتتغير تبعا لتحول الواقع الاجتماعي لكل مجتمع من المجتمعات، بل أكثر من ذلك هناك داخل كل هوية هويات متعددة ذوات مستويات مختلفة فهي ليست معطى قبلي، بل الإنسان هو الذي يخلقها وفق صيرورة التحول  .

ولأن المجتمع الجزائري عرف العديد من التوترات بين ثنائيات عديدة مترادفات لمعنى واحد: التقليد والتجديد، المحافظة والتحديث، الجمود والتحرر، الرجعية والتقدمية، الأنا والآخر، المحلي والعالمي، القديم والجديد، ، ومنها الأصالة والحداثة.

من خلال هذه الورقة سنتناول بتحليل سوسيولوجي الهوية الجزائرية بين قيم الأصالة والحداثة في ظل التغيرات السوسيوثقافية للمجتمع الجزائري بطرحنا للتساؤلات التالية:

oهل ما جاءت به الحداثة من قيم ثقافية تتلاءم وطبيعة الهوية الجزائرية؟

oوهل التمسك بالقيم الأصيلة يعتبر ابتعادا ورفض للحداثة؟

oوهل يمكن الحديث عن ثوابت ومتغيرات في القيم في ظل التغيرات السوسيوثقافية في المجتمع الجزائري؟

من الحقائق الأساسية التي تجابه الإنسان في عصرنا أن النموذج الحضاري الغربي أصبح يشغل مكانا مركزيا في وجدان معظم المفكرين والشعوب، وليس من المستغرب أن يحقق نموذج حضاري له مقدرات تعبوية وتنظيمية مرتفعة انتصارات باهرة على المستويين المعنوي والمادي1.

هذه المقدرات التعبوية والتنظيمية المثيرة للانتباه لم تصل الحضارة الغربية بمحض الصدفة وإنما كانت نتيجة لتطورات اجتماعية وفكرية مخطط لها مسبقا من طرف مفكري المجتمعات الأوروبية، فقبل الثورة الفرنسية 1789 كانت الأمور في هذه المجتمعات وفي فرنسا مبنية على أساس تقليدي، أين كانت نماذج قديمة جدا قد تعود إلى عشرة قرون أو أكثر تتحكم بأمور الحياة والفكر والسياسة والاقتصاد...2، إلى أن ظهر اتجاه جديد يدعو إلى تحطيم المقدس أي الماضي التليد والموروث الثقافي الغابر في القدم (مدارس الفكر الإغريقي وتوجهات الفكر المدرسي الوسيط) والذي يقدم إنجازاته بمظهر القداسة والإهابة، هذا المشروع الذي يسمى بالحداثة.

.