إشكالية الهوية والعولمة الثقافيةpdf

 

أ/ بوزغاية باية

أ/بن داود العربي

 جامعة قاصدي مرباح – ورقلة(الجزائر)

الملخص:

تنطلق هذه الورقة البحثية من محور الهوية والعولمة الثقافية الجديد والتحديات والإشكاليات والآفاق التي يطرحهاهذا الواق عالنوعي في كافة المجالات الرئيسية لحياة أبناء لغة الضاد.و ذلك في ظل العولمة والثورة الهائلة في مجال الاتصالات والمواصلات وتحول العالم إلى قرية صغيرة تتفاعل تكاملاوتناقضا سلما وحربا،في مختلف القضايا التي تواجهها البشرية، من المستحيل علينا سبرأغوارالهوية الجديدة وتداعياتها بعيداعن التفاعلات الحيوية مع القضايا العربية في ظل الأوضاع الدولية الراهنة.

فهناك ،وكما تبين الوقائع الحالية،إرتباط مباشروعضوي بينما يحدث في الوطن العربي والعالم الغربي ، ذلك من خلال تفاعلات موضوعية وذاتية مع الأحداث والتحولات الجارية. التفاعل هنا يأخذ طابعا جدليا،فما يجري في المجتمعات العربية،تقدما أوتراجعا،بإبعاده الداخلية والخارجية،يؤثرمباشرة في الفرد العربي وفي المقابل،فان أوضاع الدول الغربية  نفسها ومكانتها في العالم،  ومدى نفوذها وإمكانياتها،تؤثربأشكال وأبعاد مختلفة في المجتمعات العربية... الأمرالذي يطرح حاجةا لطرفين الموضوعية لبعضهما البعض من أجل التعاون والتناغم والتكامل في المواجهة الايجابية البناءة للتحديات. في كل هذا تطمح هذه الدراسة الى تقديم رؤية ايجابية في التعاطي مع الظروف التاريخية الجديدة ،وهي تتجسد في التركيزعلى صياغة رؤية لذاتنا،ووعي جماعي لواقعنا،

تهدف هذه الدراسة الى المساهمة في صياغة رؤيةعامة ،ووعي جماعي للموضوع من خلال الإجابة على مايلي :

- ما العولمة ؟ وهل في صورتها المعاصرة هي الأمركة؟

-هل تؤدي هذه الثقافةُ العالميةُ –حال قيامِها وتأسيسِها – إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية العربية، مما يهدِّد هويات المجتمعاتِ المعاصرة والعربية ؟

تمهيد :

يثير موضوع الهوية والعولمة من الأسئلة أكثر مما يقدم من الأجوبة وهو -كالموضوعات التي لا تزال مصطلحاتها ومد لولاتها في مرحلة التكون - يحتاج إلى التوقف عند الأسئلة التي يثيرها لعلها تفتح مغاليقه. وإذا كان الإسراع إلى الإجابة قد يوقع في الزلل، فإن التريث عند الأسئلة وتأملها قد يتيح مجالا للتأمل والتدبر، ولتحقيق ذلك ربما كان من الطبيعي لمن يبحث هذا الموضوع أن يتساءل :

-ما العولمة ؟ هل هي ظاهرة جديدة مستحدثة في هذه السنوات القريبة؟ أو أنها لفظ جديد للتعبير عن واقع قديم كان ملازما لجميع الحضارات الكبرى والإمبراطوريات العظمى التي استخدمت قوتها -خلال عصور التاريخ- لبسط نفوذها ونشر مبادئها وتحقيق مصالحها ؟

فهل كان امتداد السيطرة الرومانية -مثلا- على العالم المعروف في زمانها، ونشر أنظمتها في الحكم وأنماط حياتها السياسية والاجتماعية والثقافية نوعا من العولمة؟

-هل كل ذلك عولمة أو شكل من أشكالها ؟

وكذلك لابد لمن يتصدى لهذا الموضوع من أن يتساءل :

-هل العولمة في صورتها المعاصرة هي الأمركة؟ وإذا كانت كذلك، هل هي من أنواع الاستعمار الجديد الذي يتحقق دون وجود جيش محتل ؟
وهو سؤال يشتد الخلاف بين المجيبين عنه من مؤيد ومفند. ومن أجل ذلك يحتاج الجواب إلى قدر من التمحيص حتى تطمئن النفس إلى ترجيح يستند على مرجِّح واضح.

-هل نستطيع حقا أن نفصل بين العولمة وتقليص الهويات القومية والدينية للشعوب أو القضاء عليها، بما تتضمنه تلك الهويات من ثقافة ولغة وتقاليد وأنماط حياة ؟ وإذا كان جواب السؤال الأول عن صنيع الحضارات العظمى والإمبراطوريات الكبرى هو أن هذا الصنيع عولمةً، فهل استطاعت تلك العولمة أن تقضي على هويات الأمم والشعوب الأخرى. أو أن الإمبراطوريات زالت وبقيت القوميات والثقافات والأديان المتعددة المختلفة؟

فكان بذلك تأثير العولمة وقتيا، أما تأثير القوميات والأديان فقد كانت له الغلبة والبقاء . ولابد من التنبه للفرق الشاسع بين العصور القديمة وعصرنا الحاضر بوسائل اتصاله وشبكات معلوماته وقُدرته على التغلغل والسيطرة.

- هل تتناقض العولمة مع الديمقراطية ومع التعددية الثقافية والتنوع الحضاري ؟

 إذا كانت تتناقض مع كل ذلك بحكم محاولتِها السيطرة والسيادة والانفراد، وبحكم نشرها نموذجاً واحداً ونمطاً بعينه في الاقتصاد وفي الثقافة والاجتماع –وهما نموذج ونمط ينتميان إلى حضارة واحدة في مجموعها، بل إلى مجتمع واحد   – فما هو موقف الدولة العظمى التي طالما دعت إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، وفَرضت على الدول التي تنتقص منهما، أنواعا من العقوبات مثل الحصار والمقاطعة؟ أليس هذا مثلا من أمثلة ازدواجية المعايير ؟

-هل العولمة تنتهي حقاً بالتفاهم الدولي والسلام العالمي والتقارب بين الشعوب ؟ أو أنها لابد ستثير مقاومةَ تلك الشعوب دفاعا عن هويتها ومقومات شخصيتها، وبذلك تكون العولمة قد نَثَرت بذور الحروب وأنواع الصراع بدل أن تنشر السلام ؟)1(

-ما هي تأثيرات العولمة في العالم؟ وكيف يمكن للعرب التعامل معها ؟
ولست أدري أكانت هذه الأسئلة موضوعية محايدة أم أن صياغتها حملت بعض فكر السائل وأومأت إلى الإجابة إيماءاً عاما يدل على اتجاهه وموقفه .
ومهما يكن من أمر فلا بد من محاولة الإجابة عن بعض تلك الأسئلة دون التقيد بتسلسلها وترتيبها.

§    لمحة تاريخية عن العولمة:

" فالعولمة "شأنُها شأن " الهوية " و " الحداثة أو الحداثية " و "الديمقراطية " و"حقوق الإنسان " و " الخوصصة " أو " الخصخصة "و" النظام العالمي الجديد "وبعض المصطلحات والألفاظ الأخرى الشائعة منذ سنوات التي لا تزال يكتنفها الغموض، والتي يذهب بعض النقاد والمبدعين والمحللين الاجتماعيين مذاهبَ مختلفة في فهمها وتعريفها وتفسيرها، ولذلك تأتي أحكامهم أحيانا غامضةٌ ومتباعدةٌ بسبب غموض منطلقاتهم واختلاف هذه المنطلقات، حتى أصبح الباحثون في هذا الموضوع والمتحدثون عنه يتساءلون: هل من الأفضل أن تُترك هذه الألفاظ والمصطلحات وأمثالهُا دون تحديد (ربما لأنها بطبيعتها غير قابلة للتّحديد). وأن يُتحدّث عن بعض مظاهرها ونتائجها وعلاقتها بغيرها، اعتمادا على وُجود قدرٍ مشتركٍ من الفهم بين المتحدِّثين عن هذه الألفاظ والمصطلحات، يُتيح توصيل الآراء والتحليلات إلى الآخرين مهما اختلفوا في التفصيلات والفروع.(2)

" العولمة " ترجمة لكلمة " MONDIALISATION" الفرنسية التي تعني جعلُ الشيء على مستوى عالمي،أي نقله من المحدود المراقب إلى اللامحدود الذي يَنأى عن كل مراقبة.

والمحدود هنا هو أساساً الدولة القومية التي تتميز بحدودٍ جغرافيةٍ وبمراقبةٍ صارمةٍ على مستوى الجمارك : تَنقُّل البضائع والسِّلع، إضافة إلى حماية ما بداخلها من أي خطرٍ أو تدخُّلٍ خارجيٍ، سواءٌ تعلق الأمر بالاقتصاد أو بالسياسة أو بالثقافة. أما اللاَّمحدود فالمقصود به " العالم "، أي الكرة الأرضية.

فالعولمة إذن..تتضمن معنى إلغاء حدود الدولة القومية في المجال الاقتصادي ( المالي والتجاري ) وترك الأمور تتحرك في هذا المجال عبر العالم وداخل فضاءٍ يشمل الكرة الأرضية جميعها. ومن هنا يُطرح مصير الدولة القومية، الدولة /الأمة، في زمن تسوده العولمة بهذا المعنى .(3)

على أن الكلمة الفرنسية المذكورة إنما هي ترجمة لكلمة " GLOBALIZATION" الإنجليزية التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية. وهي تفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل، الشيء الذي وجَدتُه حينما بحثتُ عن المصطلح في معجم [ ويبسترز-WEBSTERS] الذي يقول:" العولمة هي إكساب الشيء طابع العالمية وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميا ".)4(

ولكني ألفيتُ أن هذا المعنى شديد البراءة بالغ الحيدة، لا ينسجم في عمقه مع دلالة اللفظ ومفهوم المصطلح كما يُشاع في العالم اليوم.

العولمة في اللغات الأوروبية المختلفة هي سياسة أو سلوك على المستوى العالمي  "GLOBALISATION" وفي معنى آخر يقصد بها  السياسة الكونية ويقال أيضاً الكوكبة والكوننة، وهي متقاربة مع مصطلح التدويل "INTERNATIONAL"أي كل ما هو أممي، وهذه المصطلحات تصب في المفهوم الفكري الذي يضفي الطابع العالمي أو الدولي أو الكوني على النشاط البشري وقد تختلط الأمور بين ( الأنسنة) من الإنسانية وبين العولمة( من العالمية ).  )5(

وهنا لابد من وقفة نستقبل فيها ما صدر من تصوراتٍ عن العولمة . أو تعريفاتٍ توذن بها، وإن لم تبلغ الصحة والدقة المطلوبتين في الحدود بحكم أن العولمة أمرٌ أَنِفٌ غامضٌ، أو غائمٌ لم يتم تَشَكُّلُه تَشكُّلاً نهائيا بعد .

ويختلف عن هذه التصورات القول بأن العولمة موجةٌ جديدةٌ اقتصادية تلي الثورة الزراعية والثورة الصناعية، وأنها أعلى مراحل الرأسمالية الجديدة التي أفرزتها الثورة المعلوماتية وما يرافقها من تطور في مَجَالَيْ الاتصال والإعلام .

وتؤكد تصورات أخرى أن القصدَ من العولمة توسيع النموذج الأمريكي وفسح المجال له ليشمل العالم كله، فهي بذلك ترادف الأمركة. ويشدد فريدمان على هذه الحقيقة حين يُصرح في اعتداد وزهوٍ : « نحن أمام معارك سياسية وحضارية فظيعة، العولمة هي الأمركـة والولايات المتحدة قوة مجنونة، نحن قوةٌ ثورةٌ خطيرةٌ، وأولئك الذين يَخشَوننا على حق، إن صندوق النقد الدولي قطة أليفة بالمقارنة مع العولمة، في الماضي كان الكبير يأكل البطيء » .

والمتأمل في هذه التصورات يجدها كلها متطابقة في الجملة من حيث الموضــوع، وإن ظهرت مع ذلك متفاوتة بما امتدت إليه من اهتمامات عند محاولة التعريف بالحقيقة الواحدة، ولعل السبيل إلى وضع حد كامل سيتجلى لنا بعد من خلال المؤسسات القائمة لإنجـاز العولمة، ومن الاتفاقيات الصادرة عنها هنا وهناك بين الدول في العالم، مشاركة منها في بناء النظام الاقتصادي الشامل الجديد، وإشاعة له في أطراف المعمورة رغم ترددها في الانتماء إليه والإسهـام فيه بدعوى أن العولمة عندها ليست في واقع الأمر شيئا آخر سوى ربط الوطن، خارج التاريخ .
        والعولمة في أصلها اقتصادية، قائمة على إزالة الحواجز والحدود أمام حركة التجارة، لإتاحة حرية تنقل السلع ورأس المال. ومع أن الاقتصاد والتجارة مقصودان لذاتهما في العولمة، إلا أنها لا تقتصر عليهما وحدهما وإنما تتجاوزهما إلى الحياة الثقافية والحياة الاجتماعية بما تتضمنانه من أنماط سلوكية ومذاهب فكرية و مواقف نفسية، وكل ذلك هو الذي يصوغ هويــة الشعوب والأمم والأفراد.
)6(

إن الممارسات المتعولمة على أساس تعميم سياسة معينة أو عادة أو ثقافة ليست وليدة العقود القليلة الماضية وإنما هي قديمة من خلال محاولة العديد من الدول الإمبريالية والاستعمارية  التي انتصرت  في الحروب فرض ثقافتها ولغتها وتطوير اقتصادها عن طريق الاستعمار المباشر المرتبط بالاحتلال العسكري أو عن طريق فرض تعليم لغتها على الدول التي تحتلها أو عن طريق احتلال الدول التي تقع على الممرات التجارية والمنافذ البحرية والبرية وعن طريق نهب الثروات والموارد الطبيعية للدول المستعمرة وهذا ما يعطي البعد التاريخي لظاهرة العولمة وفي العقود القليلة الماضية وبعد صراع كبير بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي وهو ما عرف بالحرب الباردة وبعد  انتهاء هذه الحرب بانتصار المعسكر الرأسمالي هذا الانتصار الذي تمثل بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي وهذا ما دل على انتصار المعسكر الرأسمالي  سارع المعسكر المنتصر  إلى إطلاق التصريحات والعمل على فرض السياسات الهادفة إلى فرض تحويل السياسات الاقتصادية للدول التي كانت تحت سيطرة ونفوذ الاتحاد السوفيتي إلى النموذج الرأسمالي ولو اضطرت إلى استعمال قوة السلاح ومن ثم أصبح هدف هذه الدول فرض النموذج الرأسمالي المعتمد على الاقتصاد الليبرالي الحر على كل دول العالم ومن ثم تحول هذا الصراع بين دول المعسكر الرأسمالي من أجل فرض سياساتها المؤدية إلى السيطرة الاقتصادية وتبلور هذا الصراع بين الولايات المتحدة والكتل الاقتصادية الرأسمالية الأخرى بشكل إفرادي وهذا ما أدى إلى صبغ هذا المصطلح بالصبغة" الأمريكية  "و هو الذي أدى إلى إطلاق تسمية الأمركة على هذا المصطلحوإذن.

 فمن النتائج المباشرة للعولمة تعميم الفقر، وهو نتيجة حتمية لتعميق التفاوت. إن القاعدة الاقتصادية التي تحكم اقتصاد العولمة هي: "إنتاج أكثر ما يمكن من السلع والمصنوعات بأقل ما يمكن من العمل ". إنه منطق المنافسة في إطار العولمة، ومن هنا نلاحظ أن الظاهرة الملازمة للعولمة وربيبتها الخوصصة هي تسريح العمال والموظفين.

والنتيجة التي يستخلصها الباحثون والمختصون في هذا المجال هي التالية: إذا كان النمـو الاقتصادي في الماضي يخلق مناصب الشغل، فإن النمو الاقتصادي في إطار العولمة والليبرالية المتوحشة يؤدي –ويتوقف على- تخفيض مناصب الشغل. إن بعض القطاعات في مجــال الإلكترونيـات والإعلاميـات والاتصال، وهي من القطاعات الأكثر رواجا في العالم، لا تحتـاج إلا إلى عدد قليل من العمـال. إن التقدم التكنولوجي يؤدي في إطار العولمة والخوصصة إلى ارتفاع البطالة مما سيؤدي حتما إلى أزمات سياسية.

وليس من هدفنا هنا تفصيلُ الحديث في الجوانب الاقتصادية للعولمة -مع أنها هي الأساس فيها- وسنقتصر حديثنا على نتائج هذه العولمة وما يترتب عليها بالضرورة؛ وهي الجوانب الثقافية والحضارية لاتصالها بالهوية، بعد أ ن نجيب عن الأسئلة التي طرحناها في البداية حتى نُلمَّ بالعولمة من أطرافها .

-      اتساع العولمة :

العولمة التي يجري الحديث عنها الآن..نظامٌ أو نسقٌ ذُو أبعادٍ تتجاوزُ دائرةَ الاقتصاد لِتُعَولِمَ الإنسانَ في كلِّ مجالٍ، متحديةً قدرةَ خصوصياتِه القوميةِ والفرديةِ على الصُّمـودِ في وجهِ مدِّها، وواضعةً مناعتَه الذاتيةَ موضعَ اختبار صعبٍ، على سمع العالم وبصره، وفي غفلةٍ من بعضِ فصائِلِه المهمَّشَةِ تجري عولمةُ القِيَم والأخلاقِ وأنماطِ العَيْشِ ومناهجِ التفكير، وفي ظِلِّ هذه العولمة الشاملة يُرادُ أن تتعولَمَ الهوياتُ والخصوصياتُ كذلك.

إن العولمة ذاتُ أبعادٍ سياسيةٍ، واقتصاديةٍ، وثقافيةٍ، وإيديولوجيةٍ. وكان البدءُ بالميــدانِ السياسي عندما انخرط العالم في نظامِ الديمقراطيةِ الغربيةِ الذي أصبحَ لامناصَّ من تطبيقهِ بتقنياتِه مضموناً وشكلاً، مما تعولَمَ معه شكلُ الحكمِ ونوعُ المشاركةِ فيه، وتعولَمت معـهُ الآلياتُ الموصِلَةُ إلى إفرازِ اقتراع شعبي سليمٍ. وتكفَّلت المنظمات الدوليةُ بعولمةِ القانـونِ الدولي والشرعيةِ الدوليةِ وحقوقِ الإنسان. وعولمتْ مواثيقُها نُظُمَ الحرب والسِّلم وطرائقِ التعاون الدولي. وبذلك تعولمت السياسةُ في أوسعِ معانيها التي تشملُ تنظيماتِ الحكـمِ وشروط التعاون الدولي والعلاقات الدوليةِ العامة. وأصبحَ المجتمعُ الدوليُّ يَنضبط دقائـقَ هذه العولمة ويتحكمُ فيها من أصغر مكوناتِه إلى هيأةِ الأممِ المتحدةِ بمرافقِها وعلى رأسها مجلسُ الأمن.

أما في المجال الاقتصادي فإن عولمةَ الاقتصاد – التي تحدثنا عنها – مَسَّت كلَّ ما يتصل بعيش الإنسان من إنتاجٍ واستهلاكٍ وتوزيعٍ وتبادلٍ .)7(

وفي المجال الثقافي أخذتِ العولمة تمسُّ الثقافةَ بمعناها العام؛ أي كل ما يجيشُ به فكرُ الإنسان من تصوراتٍ ونظرياتٍ وممارساتٍ، وما يخفَقُ به قلبُه ويرتاحُ له ضميرُه من تمتعٍ بحريـة الفكر والتفردُ بالخصوصيةِ والشعورُ بالذَّات، والحوارُ بلغةِ الذَّات مع النفس والنــاس. والمشكلةُ المطروحةُ هي الاتجاه إلى صياغةٍ ثقافيةٍ عالميةٍ، لها قيمُها ومعاييرُها، و الغرض منها ضبطُ سلوكِ الدُّول والشعوب. والسؤال هنا : هل تؤدي هذه الثقافةُ العالميةُ –حال قيامِها وتأسيسِها – إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية، مما يهدِّد هويات المجتمعاتِ المعاصرة ؟

وأخيراً، وليس آخراً..هناك عولمة اتصالية تَبرز أكثرَ ما تَبرز من خلال البث التلفزيوني عبر الأقمار الاصطناعية، وبصورةٍ أكثرَ عمقاً من خلال شبكة الإنترنت، التي تَربط البشرَ في كل أنحاء المعمورة، وتدور حول الإنترنت أسئلةٌ كبرى، ولكن من المؤكَّد أنَّ نشأتَهــا وذيوعَها وانتشارَها ستؤدي إلى أكبر ثورةٍ معرفيةٍ في تاريخ الإنسان.

وهكذا..فبدلاً من الحدود الثقافية، الوطنية والقومية، تَطرح إيديولوجيا العولمة "حدوداً " أخرى، غير مرئية، ترسمها الشبكاتُ العالميةُ قصدَ الهيمنة على الاقتصاد والأذواقِ والفكرِ والسلوك .

‌أ-    العولمة الثقافية:

الثقافة بمعناها الواسع : مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها وأنها تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والإنتاج الاقتصادي كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات .

إن سياسات ومآرب العولمة في المجال الثقافي التي  تستهدف  الهويات القومية ومقوماتها الرئيسة اللغة والدين والسمات التاريخية وأنماط العيش والسلوك والعادات والتقاليد ومعطيات الاختلاف والتمايز بين المجتمعات  تضعنا أمام مسؤولياتنا المادية والمعنوية والروحية الجوهرية في الحياة البشرية. )8(    

من اجل الحفاظ على مكتسباتنا هذه أمام محاولات العولمة ومجابهة أي تهديد يؤدي إلى التغيير القسري والعمل على الاستفادة من الثقافات الأخرى من خلال الحوار البناء .

إن مخاطر العولمة على الهوية الثقافية إنما هي مقدمة لمخاطر أعظم على الدولة الوطنية والاستقلال الوطني والإرادة الوطنية والثقافة الوطنية ،فالعولمة تعني مزيداً من تبعية الأطراف لقوى المركز.)9(

و من المفاهيم إستراتيجية للعمل والبناء وذلك بعيدا عن منطق ردات الفعل وأسلوب الرفض والمواجهة السلبية للتحديات ،وبعيدا أيضاعن ممارسة الاستيراد العشوائي من أوطاننا العربية للشعارات والمقولات الجاهزة والنسخ الببغائي للأشكال والأنشطة والتحركات.)10(

إن الدول والمنظمات الداعية والعاملة لفرض ظاهرة العولمة تعمل على استثمار منجزات  ثورة الاتصالات والتقدم التقني والتكنولوجي في  نشر ثقافة جماهيرية واحدة وبقوالب محددة مسبقة الصنع عمودها الفكري الاستهلاك وهذا ما نجده في المحطات الفضائية والذي يستنتج المراقب  كأنها مخصصة للإعلان وترويج البضائع الاستهلاكية، فالإعلان أصبح سيد الموقف في كل الفضائيات وشكلت المواد الإعلانية هذه الهاجس والمسيطر والبوصلة التي توجه الأجيال الجديدة في التفكير والتعامل والبيع والعرض والترويج وأسلوب الحياة بكاملها وبذلك فإن هذه العولمة ستؤدي إلى تغيير في القيم الحالية والخصوصية الموجودة في مجتمعاتنا وتؤدي إلى حدوث تغييرات اجتماعية عميقة.)11(.

فالولايات المتحدة الأمريكية أعلنت بعد أن أصبحت الحاكم القوى في العالم أنها ستعمل على نشر القيم والسلوك الأمريكي ونمط الحياة الأمريكي في العالم كله وهو ما يفتح باب الغزو للشعوب وعقائدها وثقافتها فالعولمة بالرغم من الصبغة الاقتصادية لها فإنها تعمل من أجل أهداف أخرى تطال ثقافة الشعوب وهويتها القومية والوطنية ومصالحها وخصوصياتها في الصميم وترمي إلى تعميم نماذج وأنماط من السلوك والعيش وفرض منظومات من القيم وطرائق التفكير والتدبير وتكوين رؤى وأهداف تعمل في خدمتها ومن ثم فهي تحمل ثقافة تغزو بها ثقافات ومجتمعات أخرى وتؤدي إلى تخريب منظمات وقيم وإحلال قيم أخرى محلها ليست بالضرورة أفضل من القيم التي لحق بها التخريب فضلاً عن كونها لا ترتبط بخصوصيات الأمم وثقافاتها ولا يخلو ذلك من توجه استعماري جديد يتركز على احتلال العقل والإرادة وجعلهما يعملان وفق أهداف المستعمر وفي إطار خططه ومصالحه مع تحييد قوة  الدولة أو إنهاكها واستلابها وانتزاع مقومات حضورها وتأثيرها الاجتماعيين وفرض نوع من الإدراك الواقعي مع إلحاق شلل بالوعي المنقذ والإرادة والقوة وطاقات الروح وبالإيمان وقدراته الخلاقة عند المؤمنين.)12(.

وهذا ما جعلنا نتذكر قول وزير الثقافة الفرنسي في مؤتمر المكسيك إن هذا الشكل من أشكال الامبريالية المالية والفكرية لا يحتل الأرض، ولكن يصادر الضمائر ومناهج التفكير واختلاف أنماط العيش وهذا ما قاله الرئيس الأمريكي بعد حرب الخليج الثانية : إن القرن القادم سوف يشهد انتشار القيم  وأنماط العيش والسلوك الأمريكي وفي هذا نزوع استعماري لغزو الآخرين ولمهاجمة الهويات الثقافية والقومية وفرض التبعية عليها وإذابتها.

إن الغرب / سياسياً وثقافياً واقتصادياً / يرمي إلى تحقيق أهدافه بكل الوسائل الممكنة، ويضعها على رأس مشاريعه وسياسته ومنها فرض التبعية من خلال الاختراق والغزو الثقافيين وتخريب قيم الآخرين واستقطاب الأجيال الصاعدة بدغدغة غرائزها وتوجيه ميولها والتركيز على ما هو في سطح الاهتمامات البشرية لديها لحصرها  في حيز السطح من الاهتمامات والمهام والتطلعات مستفيداً من فاعلية التفوق والقوة والسيطرة والثروة التي لديه في هذا المجال للوصول إلى زعزعة الثقة ثم محو الشخصية  ومقومات الآخر ونحن نعرف أن أهم مقومات الشخصية الثقافية لأمة من الأمم : اللغة والدين وبقية السمات والعادات والتقاليد والأعراف ومكونات الذاكرة التاريخية للأمة. )13( .

و قد تجاوز مخطط التفتيت للمجتمع العربي الأبعاد السياسية والجغرافية إلى الأبعاد الاجتماعية والثقافية والفكرية والروحية وتأتي العولمة لتحقيق هذه الأهداف إن النظام الأمريكي يعمل على تدمير البنى الثقافية للبلدان النامية من خلال تدمير بناها المجتمعية وعزل الثقافة عن الواقع وتهميش المثقف والحد من فاعليته في حياة مجتمعه لذا فإن العولمة أصبحت تحمل في طياتها نوعا آخر من الغزو الثقافي أي قهر الثقافة الأخرى لثقافة أضعف منها لأن العولمة لا تعني مجرد صراع الحضارات أو ترابط الثقافات بل أنها توصي أيضا باحتمال نشر الثقافة الاستهلاكية والشبابية عالميا والخطورة في هذه الثقافة وبهذا تختلف العولمة عن العالمية والتي تعني إغناء للهوية الثقافية بينما العولمة تعني اختراقا فالاختراق العولمي يعني إلغاء الحوار والتبادل الحضاري والحلول محله ويستهدف العقل والنفس  والذين هما الأداتان  التي  بهما يتم  التفسير والتأويل والتسريع  وقبول ما هو مفيد ومحاربة ومواجهة ما لا يتناسب مع خصائصنا بحيث انتقل من السيطرة عن طريق الايدولوجيا إلى  السيطرة عن طريق  الصورة السمعية والبصرية التي تسعى إلى تسطيح الوعي.)14(.

‌ب-تهميش الهوية والثقافة الوطنية:

تعمل العولمة على تهميش الهوية  وتدمير وتحطيم الثقافة الوطنية وذلك بسبب محاولتها تحطيم وتدمير كل القوى الممكن أن تقف في وجهها، وفي ظل سقوط التجربة الأممية والاشتراكية التي كانت تقف كجدار في طريق انتشارها كان لابد من اختراع عدو جديد من أجل تسخير القوى الامبريالية لمحاربته وإفساح الطريق أمام مشروعها فكان لا بدمن تحويل الصراع نحو الثقافات الوطنية والإيديولوجيات الدينية التي كانت السبب الرئيس لتطور المجتمعات ماضياً  ومن أهمها الثقافة العربية والإيديولوجية الإسلامية فبالرغم من أن  العولمة الاقتصادية هي الأساس والهدف  فإن الانعكاسات والامتدادات الاجتماعية والثقافية أصبحت واضحة ولا يمكن التغاضي عنها أو إغفالها مع التطورات السياسية العالمية من ناحية، وانتشار ثورة المعلومات والاتصالات من ناحية أخرى وكانت هذه الامتدادات كجسر يصل قوى العولمة للهدف الاقتصادي المنشود الذي لا يتحقق بإيديولوجيات وهويات  قوية تستطيع التأسيس لقوى ذات أخلاقيات رافضة لظاهرة العولمة .

وبحكم انتمائنا الإسلامي العربي فنرى أن ثقافتنا الإسلامية  العربية تتعرض منذ زمن لقوى التقييد والتحديد من جهة وقوى التجديد والتحديث من جهة ثانية، وقوى الترويض والتهميش من جهة ثالثة ففي علاقة الثقافة العربية بالماضي نراها في الغالب تغالي في عرضه وتفسيره وتمجيده حينا وتقع أسيرة لقيوده ومحدداته وإخفاقاته حيناً ثانياً وتنهل منه دون تجديد أو إبداع أو تطوير حينا ثالثاً، أما فيما يتعلق بعلاقتها بالحاضر والمستقبل  وما يرافقها من قوى العولمة وتأثيراتها فهي تتعامل معهما بالغالب بإبداعات وانطلاقات يانعة الفروع ضعيفة الجذور أحياننا وبتمرد لا عقلاني غير مبرر أحياناً أخرى  وبمحاولات للتجديد والتحديث دون شمولية أو قاعدة فلسفية أو مصداقية اجتماعية حينا وكل هذا بالطبع لا يقلل من أهمية الكثير من الأعمال والنتاجات الثقافية المبدعة التي لم تنجح حتى الآن في بناء الزخم المناسب وإيجاد الكتلة الحرجة اللازمة لتشكيل الفضاء الثقافي المتكامل المترابط والتي لم تؤد حتى الآن الانطلاقة اللازمة لإحداث التأثير المنشود والتغيير المستهدف، وهو التغيير الذي يرتبط بالانفتاح الواعي والتفاعل الايجابي والانطلاقة الواثقة دون الانقطاع عن الجذور والتنازل عن الهوية والخصوصية وبشكل عام تواجه الثقافة العربية في الوقت الحاضر مجموعة من الثنائيات التي لم تفلح في صقلها أو التغلب عليها والجدول الآتي يبين مجموعة الثنائيات التي تتعرض لها الثقافة العربية والتي هي عبارة عن ثقافتنا العربية الموروثة المتأصلة والمتجذرة ومجموعة أخرى من القيم والأخلاقيات التي تعمل القوى التي تحاول عولمة العالم بشكل عام والبلدان العربية من ضمن هذه البلدان. )15(

و من خلال الجدول (1) نجد أننا أمام مجموعتين من الخصائص الثقافية :

1 – المجموعة التي تتصف بها الثقافة العربية ونرى بعض هذه الخصائص التي كانت ذات نتائج إيجابية على الحضارة الإسلامية والعربية وأدت إلى تكوين بناء قوي ولكنها في فترات معينة لم تجد القوى التي تستطيع السير بها عن طريق التجديد والإبداع بما يتناسب التطور الزماني والمكاني علما أن الكثير من الشخصيات الإسلامية والعربية التي كان لها دور كبير في التطور الحضاري العالمي كانت تشجع وتخطط وتوجه على اختلاف الأمور التي يجب أن تتطور تبعاُ للزمان والمكان كما قال أحدهم "لا تجبروا أولادكم على ما أنتم به فقد خلقوا لزمان غير زمانكم".

2 -  مجموعة القيم والأخلاقيات في العمود الثاني التي تتضمن الكثير من القيم التي تؤدي إلى التطور والحداثة ولكن لم تستطع الدول الغربية من التمتع بها وأن تجعلها  جزء من ثقافتها  إلا بعد أن ناضلت كثيراً في ظل ظروف ومعطيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تختلف عن تلك التي يتصف بها مجتمعنا ويمكن الاستفادة من بعضها  ولكن  قوى العولمة تحاول  إقحامها  ليس من اجل تطوير وتحديث المجتمع العربي الإسلامي بل  لتستطيع الوصول إلى النموذج الاستهلاكي الذي يؤدي إلى تحطيم جدار القيم والأخلاق والقوة والاندفاع الذي تتحصن به الشعوب الإسلامية والعربية عن طريق الموروث الحضاري والنضالي وتستخدم قوى العولمة من أجل هذا إقحام بعض الخصائص الجديدة التي تؤدي إلى انهيار في القيم والموروثات  الحالية للثقافة العربية  القوى الإعلامية الجارفة من فضائيات وانترنيت وغيره عن طريق ضخ وتلهية الشعوب بالصورة الخلاعية الحاقدة وتقديم وترويج الأفلام والدعاية والأغاني الهابطة التي  ستؤدي بنظرهم مستقبلاً إلى إسقاط الهوية العربية الإسلامية لتحول الشعوب العربية إلى شعوب بلا قيم ولا مبادئ قوى مستسلمة لمصير مجهول ولكن هنا يجب القول أن التصلب اتجاه مفردات الجدول الثاني  كذلك لن تكون نتائجه مضمونة وإنما يجب الدفاع عن طريق التفاعل المبرمج وحوار الأنداد فالموروث الحضاري العربي يملك القوة لمواجهة أي فرض، فبالرغم من الامتدادات العدوانية والعنصرية للعولمة فإن الثقافة لدى الدول الضعيفة اقتصاديا وسياسيا أكثر قدرة على الصمود أمام تجاوزات العولمة من الاقتصاد والسياسة وقدرة الثقافة على مثل هذا الصمود نابعة من أنها لا تتقيد بالنظام السياسي القائم وإنما بالنظام الشعبي السائد فهي أكثر ارتباطاً بقاعدة الهرم وأساساته وجذوره بينما يرتبط الاقتصاد كما السياسة بقمة الهرم والأجزاء العليا من جدرانه .ومن الأهداف الكبرى التي تعمل عليها قوى العولمة عن طريق  هذه الحرب الثقافية هو إضعاف دور الأسرة العربية كنواة للمجتمع العربي الإسلامي والحامل الأساسي للثقافة  والمعتقدات العربية الإسلامية   واللبنة الأساسية في مجتمعنا لتحل مكانها العلاقات المادية وهذا ما يؤدي تدريجيا ً لإنقاص دور الأسرة في المجتمع من خلال تنشئة الإنسان والمساهمة بتنمية قدراته وإبداعاته مع مؤسسات المجتمع الأخرى مؤسسات التعليم والثقافة والدين.

جدول رقم (1) يبن  مجموعة من الثنائيات التي تنتصف بها الثقافة العربية من جهة ومجموعة الخصائص التي تحاول القوى الغربية التي تتبنى سياسة العولمة فرضها على المجتمعات ومن ضمنها المجتمع العربي

 

)16(المصدر: د. منذر واصف المصري " العولمة وتنمية الموارد البشرية الإمارات2004ص120

‌ج-الهوية والعولمة :

جاء في المادة الأولى من إعلان مبادئ التعاون الثقافي الدولي :

1. " لكلِّ ثقافةٍ كرامةٌ وقيمةٌ يجب احترامها والمحافظةُ عليها.

2. من حقِّ كلِّ شعبٍ ومن واجبه أن يُنَمي ثقافَتَهُ.

3. تُشَكِّلُ جميعُ الثقافاتِ، بما فيها من تنوُّعٍ خِصبٍ، وبما بينها من تباينٍ وتأْثيرٍ متبادَلٍ، جُزْءًا من التراثِ الذي يَشتركُ في مِلكيتِهِ البشرُ جميعاً ".

وليس في تنوع الهُويات وتعدُّدِ الخصوصيات ما يتعارضُ وقضاءَ المصالح المشتركة بين الشعوبِ والأممِ في إطار التعاون الإنساني القائم على قاعدتَيْ التعارف والتعايش. وإنما ينطوي هذا التنوعُ على عناصرٍ تغذي الميولَ الإنسانيةَ الفطريةَ نحو امتلاك أسبابِ التقدم والرُّقِيِّ بحافزٍ من التنافُسِ الطبيعي، وبوازعٍ من التدافعِ الحضاري.

ومادامت الهوية بهذا الرُّسوخِ في طبائعِ الأممِ والشعوبِ، فلا سبيلَ إلى تجاوُزِها، أو محوِها، أو انصهارِها في بَوْتقةِ هويةٍ واحدةٍ مُهيمنَةٍ ذاتُ سيطرةٍ ونفوذ. مهما تكنِ الذرائعُ، وبلغت ما بلغت الأسبابُ والدوافعُ، فليس في ذلك فقط خروجٌ على طبيعةِ الأشياء، وتمردٌ على سننِ الكونِ وفطرةِ الحياةِ، وإنَّما في محاولةِ إلغاءِ هوياتِ الشعوبِ بالقهرِ والقسرِ والإكراهِ، خرقٌ للقوانينِ المتعارفِ عليها عند البشر، ومسٌّ خطيرٌ بقواعدِ القانونِ الدولي، وتهديدٌ للأمن والسِّلم والاستقرار في العالم .

 إنَّ فهمنا للهوية ينبني على تراثِنا الحضاري، فالهوية في ثقافتنا العربية الإسلامية هي الامتياز عن الأغيارِ من النواحي كافة. ولفظُ الهوية يُطلق على معانٍ ثلاثة: التَّشخص.. والشخص نفسه.. والوجود الخارجي، وجاء في كتاب [ الكليات ] لأبي البقاء الكَفَوي، أن ما به الشيء هو باعتبار تحقُّقِهِ يُسمى حقيقةً وذاتاً. وباعتبار تشَخُّصهِ يسمى هويةً. وإذا أخذَ أعمَّ من هذا الاعتبار يسمى ماهيةً.. وجاء في هذا الكتاب أيضا..أن الأمرَ المتعقِّلَ من حيثُ إنَّهُ مقولٌ في جوابِ (ما هو ) يسمى ماهيةً. ومن حيثُ ثبوته في الخارجِ يسمى حقيقةً. ومن حيثُ امتيازه عن الأغيارِ يسمى هُويةً.

والهوية عند "الجرجاني" في [التعريفات ] :)17(« الحقيقةُ المطلقةُ، المشتملةُ على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق» .

وتُستعمل كلمة " هوية "في الأدبيات المعاصرة لأداء معنى كلمة " Identité" التي تُعبِّر عن خاصية المطابقة: مطابقة الشيء لنفسه، أو مطابقته لمثيله .

وفي المعاجم الحديثة فإنها لا تخرج عن هذا المضمون، فالهوية هي:"حقيقة الشيء ،أو الشُّخُصِ المطلقة المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تُميزه عن غيره،وتسمى أيضا وحدة الذات ".

ولذلك فإذا اعتمدنا المفهومَ اللغوي لكلمة " هوية "، أو استندنا إلى المفهوم الفلسفي الحديث، فإن المعنى العام للكلمة لا يتغير، وهو يشمل الامتياز عن الغير، والمطابقةَ للنفس. أي خصوصيةَ الذات، وما يتميزُ به الفردُ أو المجتمعُ عن الأغيار من خصائصٍ ومميزاتٍ، ومن قيمٍ ومُقَوماتٍ.

وخلاصةُ القولِ، أنَّ الهوية الثقافيةَ والحضاريةَ لأمةٍ من الأممِ، هي القدرُ الثابتُ والجوهريُّ والمشتركُ من السِّماتِ والقَسماتِ العامةِ، التي تُميز حضارةَ هذه الأمةِ عن غيرها من الحضاراتِ، والتي تجعلُ للشخصيةِ الوطنيةِ والقوميةِ الأخرى .
      فكيف يتسنى المحافظةُ على الهوية الثقافية والحضارية في ظل العولمة الباسطةِ نفوذَها اليومَ على المجتمع الدولي ؟ بل كيف يمكن التوفيق بين مقتضيات السيادة الوطنية، وبين متطلبات العولمة ؟.

إن اتجاهات العولمة تسير نحو التأثير السِّلبي على الهوية والسيادة معاً. وأولُ ما يثيرُ الانتباه عندَ التأمُّلِ في موقفِ الغربِ من هُوياتِ الشعوبِ. هو جمعُه بين موقفين متناقضين، فهو من جهة شديدُ الاعتزاز بِهوُيته حريصٌ عليها، وهو من جهة ثانية رافضٌ للاعتراف بالهويات الوطنية لشعوب العالم، لإحساسه بأن العولمة من شأنِها أن تؤدي إلى مزيدٍ من الوعي بالخصوصية الثقافية والحضارية.  وتلك في نظر الغرب عموماً هي المعضلةُ الكبرى التي يصطدم بها، ويعبِّر مفكِّرُوه عن هذه الحيرةِ الفكريةِ بوضوحٍ وصراحةٍ لا مزيدَ عليهما.

ففي أحدثِ دراسة لصمويل هنتنغتون ( SAMUELHUNTINGTON) لم يسلَّط عليها الضوء كما جرى مع دراسة له سابقة، يتبين التناقض الذي تقع فيه القوة الجديدة المنفردة بزعامة العالم، وتتضح الحيرة العاصفة التي تسودُ مجتمع النخبة في الغرب. فقد كتب " هنتنغتون " في عدد شهري   ( نوفمبر – ديسمبر 1996) من مجلة [شؤون خارجية] دراسة تحت عنوانٍ مثيرٍ للغرابة فعلا : [ الغرب: متفرد وليس عالمياً ] The west Unique Not Universal) يُفرق فيها بين " التحديث" Modernizationوبين "التغريب" Westernization، ويقول :

« إنَّ شُعوبَ العالمِ غيرُ الغربيةِ لا يمكنُ لها أن تدخلَ في النسيجِ الحضاريِّ للغرب، حتى وإنِ استَهلكتِ البضائعُ الغربية، وشاهدت الأفلام الأمريكية، واستَمَعت إلى الموسيقى الغربية. فروح أي حضارةٍ هي اللُّغةُ والدينُ والقيمُ والعاداتُ والتقاليدُ. وحضارةُ الغربِ تتميزُ بكونها وريثَةُ الحضاراتِ اليونانيةِ والرومانيةِ والمسيحيةِ الغربية. والأصولُ اللاتينيةِ لِلُغاتِ شعوبِها، والفصلُ بين الدين والدولةِ، وسيادةُ القانونِ، والتعدديةُ في ظلِّ المجتمعِ المدنيِّ. والهياكلُ النيابيةِ، والحريةُ الفرديةِ ».ويضيف قائلاً:

« إن التَّحديثَ والنموَ الاقتصادي لا يمكنُ أن يحقِّقاَ التغريبَ الثقافيَ في المجتمعاتِ غيرِ الغربيةِ، بل على العكس، يُؤديانِ إلى مزيدٍ منَ التمسكِ بالثقافاَتِ الأصليةِ لتلكَ الشعوبِ. ولذلكَ فإنَّ الوقتَ قد حانَ لكي يتخلَّى الغربُ عن وهمِ العولمة، وأنْ يُنمِّي قوةَ حضارتهِ وانسجامِها وحيويتهاَ في مواجهة حضاراتِ العالم. وهذا الأمرُ يتطلبُ وحدةَ الغربِ بقيادةِ الولايات المتحدة الأمريكية، ورَسْمَ حدودِ العالمِ الغربي في إطار التجانُسِ الثقافي ».

فهلِ العولمة صيغةٌ جديدةٌ من صيغِ المواجهة الحضاريةِ التي يخوضُها الغربُ، بالمفهوم العام للغرب. ضدَّ هوياتِ الشعوبِ وثقافاتِ الأممِ، ومن أجلِ فرضِ هيمنةِ ثقافةٍ واحدةٍ، وإخضاعِ العالم لسيطرةِ حضارةٍ واحدةٍ ؟.

إن العولمة بهذا المفهومِ تتعارضُ – تعارضاً تاماًّ –مع قواعدِ القانون الدولي، ومع طبيعةِ العلاقاتِ الدوليةِ، بل إنها تتعارضُ كليةً مع الاقتصاد الوطني، ومع السيادةِ الوطنية، ومع قانونِ التنوعِ الثقافي. والعولمة إذا سارت في الاتجاه المرسوم لها، ستكونُ إنذاراً بانهيارٍ وشيكٍ للاستقرار العالمي؛ لأن العولمة بهذا المضمونِ تضربُ الهوية الثقافيةَ والحضاريةَ في الصميم. وتنسفُ أساسَ التعايشِ الثقافي بين الشعوبِ. كما أنَّ العولمة بهذا المفهومِ الشمولي ذي الطابعِ القَسْرِي، ستُؤَدي إلى فوضى على مستوى العالمِ، في الفكرِ والسلوكِ، وفي الاقتصاد والتجارةِ، وفي الفنونِ والآداب، وفي العلوم والتكنولوجيا أيضا.

وعلى الرغم من ذلك كُلِّه، فإنَّ الإنسانيةَ لا تملكُ أن تُحرِّرَ في الوقتِ الراهنِ من ضغوطِ العولمة، نظراً إلى حاجيتها الشديدةِ إلى مسايرةِ النظامِ العالميِّ الجديد في اتجاهاته الاقتصادية والعلميةِ والتكنولوجيةِ، ولكنها تستطيعُ إيجادَ تيارٍ ثقافي مُضادٍ يقف في مواجهة روح الهيمنة التي تنطوي عليها هذه العولمة فكرةً ونظاماً، وتطبيقاً وممارسةً، وفي التعاملِ مع الآثارِ المترتبةِ عليها، في انتظارِ بُروزِ قوى عالمية جديدة ستكون مُنَاوِئةٌ للقُوةِ المتحكمةِ حالياً في مقاليدِ النظام العالميِّ، أو على الأقلِّ مُنافِسةٌ لها منافسةَ الند للند .

إن طائفةً من علماءِ المستقبلياتِ ومن الدارسينَ الإستراتيجيين، ومُعظَمُهُم من الغربِ نفسُه، يذهبونَ إلى القولِ بأنَّ اختلالا حاسماً سيقعُ في ميزانِ القِوى العالمية على المستويينِ السياسي والاقتصادي في العِقدِ الأول من القرن الحالي. وسيترتَّبُ على ذلك، انقلاب جذريٌّ في توجُّهاتِ العولمة، وهو الأمرُ الذي سيكونُ تعزيزاً وترسيخاً وإعلاءً للشرعيةِ الدولية القائمةِ على قواعدِ القانونِ الدولي، لا على منطقِ القوةِ والغلبةِ والظَّفرِ في معاركِ الحربِ الباردةِ .

إننا ومن خلالِ رؤيةٍ موضوعيةٍ إلى الواقعِ الدولي الراهنِ، نستطيعُ أن نقولَ، إنَّ الخيارَ المُتاحَ والمفتوحَ على المستقبل، هو أن تتظافَرَ الجهودُ الدوليةُ لترسيخِ مبدأَ التنوعِ الثقافي، ولإنعاشِ فكرةِ الحوارِ بين الثقافات والحضارات، وللتأكيد على ضرورةِ تفعيلِ التعاونِ الدولي الثقافي في إطارهِ الشاملِ الذي تندرجُ تحتَهُ كلُّ أنماطِ التعبيرِ الإنساني، وذلك للحدِّ من الآثارِ السِّلبيةِ للعولمةِ في شكلِها المُتَجَهِّمِ الذي لا يقيمُ اعتبارا للهوياتِ الثقافيةِ والحضاريةِ لشعوبِ العالمِ، والذي يؤدي إلى « ظروف عسيرةٍ عصيبةٍ بما يتلاحقُ من مشاكلٍ، ويتفجَّرُ من أزماتٍ، ويتجهَّمُ من سحابٍ،ويتطاولُ للمادةِ من نفوذٍ، ويتضاءلُ من جاهٍ للروح وسلطان، ويُشيع في النفوسِ من قلقٍ وخوفٍ. ويتوالى على الألسنةِ والقلوب من أسئلةٍ لا يطرحها التفاؤل والاستبشار » .

هل في استطاعة العولمة أن تُهدر الهوية ؟

هناك فريقٌ من المفكرين يعتقدون أن العولمة وُجدت لتكون بديلاً لكلِّ الانتماءات الأخرى، ويقفُ إلى جانب هذا الفريقِ سائرُ رجالِ الأعمالِ الذين لا يهمهم من الحياةِ إلا الكسبُ، يُضاف إلى هؤلاءِ فريقٌ آخرُ هو الفريقُ الضائعُ التَّالفُ الذي يشعرُ بالإحباطِ .

وقد كان من بين العناوينِ التي انتصبتْ أمامي وأنا أقرَأ عما كُتب حول هذا الموضوع، عنوان: " العولمة آتيةٌ لا محالة، وعلينا أن نعملَ في اتجاهِ أخلاقِ كوكبيةٍ مُشتركةٍ"… كما كانَ ممَّا قرأتُه من عناوين :" الهوية تعني فكراً رجعياً بينما العولمة تعني فكراً تقدُّمياً ".

على أن هناكَ فريقاً آخرَ يمكن أن نُنعتَه بالفريقِ المتفائلِ وهو الذي يميلُ إلى الاعتقاد بأنَّه لا يوجدُ تناقضٌ إطلاقًا بين العولمة وبين الهوية، فالعولمة تسيرُ في طريقها المعروفِ تعتمدُ على سيادةِ العِلم، بينما يكونُ من حق كل واحد أن يحتفظ بهُويته كما شاء وعلى الطريقة التي يريدها، ولو تعدَّدتِ الهوياتُ داخلَ هذهِ العولمةِ .

وهذا الفريقُ لا يُعجزه ضربُ الأمثلة بعددٍ منَ الدولِ التي بالرغمِ من أنَّ لُغتَها لُغةٌ مهجورةٌ عالمياً نُطقاً ورسماً، لكنها، أي تلكَ الدولُ، تُواكبُ العولمةَ بكلِّ أنواع المُواكبةِ في الوقتِ الذي تحتفظُ فيه بعادتِها وتقاليدها ومعتقداتِها. ويذكرونَ في صدر هذه الدولِ كمثالٍ على هذه المُرونةِ: اليابان والصين وكوريا، ولِمَ لا نذكرُ إسرائيل من بين تلك الجهاتِ التي نَعرفُ طريقةَ إملائِها وكتابتِها، ومع ذلك فإنها تقوم وبصفةٍ مستمرةٍ ومنتظمةٍ بترجمةِ سائِرِ الكتب العلميةِ التي تظهر بلغات أخرى في سائر بقاعِ العالم، تُترجمُها فوراً إلى لغاتِها الوطنيةِ على مختلَفِ الصُّعد حتى لا تضْعُفَ أمام مسايرة الرَّكبِ العالميِّ خُطوةً خطوة، في الوقت الذي تحافظ فيه على هُويةِ أبنائها وخصوصِيتِهم .)18(

ومن هنا أتخلَّص إلى القولِ بأنه إذا كانَ من حقِّ الدُّولِ أن تختارَ لنفسها ما يناسبها، فإن علينا أن نكون في مقدمةِ الذين يستفيدون من العولمة شريطةَ أن نكون على أتَمِّ استعداد لمقاومةِ كلِّ المغرِياتِ التي قد تعملُ على إذابةِ شخصيتِنا والقضاءِ على ثوابتِ هُويتِنا.

ولن تكون تلك المقاومةُ مجديةً ومفيدةً إلا إذا تمسَّكنا بلغتِنا وجعلناها وسيلتَنا عن طريقِ الترجمةِ الأمينةِ لتَلَقِّي سائرِ العلومِ، ولن تكونَ تلكَ المقاومةُ مجديةً ومفيدةً، إلا إذا عرفنا كيف نحترمُ نحن عقيدتَنا ونقومُ بشعائرِنا دون ما شُعورٍ بمركَبِ ضعفٍ… إن ذلك هو الذي سيحمل الآخرين على الالتفات إلى مقوماتِنا .

- العولمة: جدل العدوان والمقاومة الثقافيين :

ليس صحيحا أن العولمة الثقافية هي الانتقال من حِقبةِ –ومن ظاهرةِ- الثقافاتِ الوطنيةِ والقوميةِ إلى ثقافةٍ عُليا جديدةٍ هي الثقافةُ العالمية أو الثقافة الكونيةُ، على نحوٍ ما يدَّعي مُسَوِّقُو فكرةِ العولمة الثقافيةِ، بل إنها – بالتعريف – فعلُ اغتصاب ثقافيٍّ وعدوانٍ رَمزي على سائرِ الثقافات. إنها رديفُ الاختراق الذي يجري بالعنف – المسلح بالتِّقاَنة – فتنهَدِرُ سيادةُ الثقافةِ في سائرِ المجتمعاتِ التي تَبلُغها عمليةُ العولمة. وإذا كان يحلو لكثيرينَ أن يَتَحَذْلَقُوا بإِفراطٍ في الرَّدِّ على هذا الفهمُ للعولمةِ الثقافيةِ، فيرجُمُونَه بتُهمةِ الانغلاق الثقافي أمام تياراتِ العصرِ، والدعوةِ إلى الانكفاء والتَّشَرْنُقِ على الذاتِ   ( والهوية، والأصالةِ، ومشْتقاتِهما … ).

وإذا كان يحلو لهم أن يُعيدوا على أسماعنا مواويلَ الانفتاح الثقافي غير المشروطِ على "الآخر" للانتهال من موارِدِه ومُكْتَسَباتِهِ وكُشُوفِهِ المعرفيةِ… إلخ، فإنه يَطِيبُ لنا أن نُلفِتَ انتباههم إلى وجوبِ وعي الفارقِ بين التَّثاَقُفِ والعُنفِ الثقافي من جانبٍ واحدٍ.

يعني الأولُ الإصغاءَ المتبادَلَ من سائر الثقافاتِ بعضِها إلى بعضِها الآخرِ، كما يعني الاعتراف المتبادَلَ بينها، ومنه الاعتراف بحقِ الاختلاف وهو من أقدسِ حقوقِ الإنسانِ، فيما لا ينطوي الثاني سوى على الإنكارِ والإقصاءِ لثقافةِ الغيرِ، وعلى الاستعلاء والمركزيةِ الذاتيةِ في رؤيةِ ثقافتِه. يرادف الأولُ معنى الحوارِ والتفاهُمِ، بينما يتلازمُ معنى الثاني مع الإكراه والعدوان. أما الأهمُّ في الأمرِ، فهو أن التَّثاقُفَ يجري بين الثقافاتِ على قاعدةِ النِّدِّيةِ، وهو ما يمتَنِعُ دون اعتبار أيَّةِ ثقافةٍ لشخصِيَتِها وحُرمتِها الرَّمزِية، فيما لا يُعبِّر فعلُ الاختراق والتجاوُبُ معه سوى عن دونيةٍ يأباَها أيُ انفتاحٍ وأيُّ حوارٍ، هذا درسٌ بدائيٌ من دروسِ الأنثروبولوجيا الثقافيةِ المعاصرةِ حريٌ بدعاةِ الانفتاح أن يقرأوه قبل أن يفْتَتِحُوا طقوسَ التبشير.

أيُّ اختراقٍ ثقافي هذا الذي نعنيه..أو ماذا يُمكنُها أن تكونَ تلكَ العولمة الثقافية إن لم تكن صناعةٌ لثقافةٍ عالميةٍ جديدةٍ ؟

ليست العولمة تلك – في مفهومنا- سوى السيطرةُ الثقافيةُ الغربيةُ على سائرِ الثقافات، بواسطة استثمار مكتسباتِ العلوم والتِّقانةِ في ميدانِ الاتصال. وهي التَّتويجُ التاريخِيُّ لتجربةٍ مديدةٍ من السيطرة بدأت منذ انطلاق عملياتِ الغزوِ الاستعماري منذ قرونٍ، وحقَّقت نجاحاتٌ كبيرةٌ في إلحاقِ التصفيةِ والمسخ بثقافاتٍ جنوبيةٍ عديدةٍ، وبخاصة في إفريقيا وأمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية. ولعلَّ هذا ما يؤكدُ من أن العولمة لا تُؤرخ لنهاية عصرِ الدولة القومية، بل تُعلن عن ميلادِ حقبةٍ جديدةٍ من تمدُّدِها المستمر، وليس ما يُدعى بالعولمةِ الثقافيةِ اليوم، إلاَّ مظهراً من مظاهرِ تلك التَّمدُّد خارج الحدودِ، الذي هو آليةٌ طبيعيةٌ في نظام اشتغال الدولةِ القوميةِ الحديثةِ.)19(

على أن هذه السيطرةُ الثقافيةُ الغربية العامة تنطوي –في داخلِها- على علاقةٍ أخرى من السيطرةِ تجعل ثقافات غربية عديدة في موقع تبعيٍّ لثقافةٍ أقوى تتمدَّدُ أحكامُها على امتدادِ سائر العالم. أما هذه السيطرةُ التي نعني، فهي التي يُمكنُنا التعبير عنها بعبارة "الأمْرَكَةُ " "Americanisation" والعولمة – في ما نزعم – هي الإسمُ الحركيُّ لها. ليست الأمْركَة أسطورةٌ جديدةٌ من أساطيرنا السياسية، ولا هي شماعة نُعلِّق عليها إخفاقاتِها وعجزِنا، بل هي حقيقةٌ ماديةٌ تعيشُها أوروبا نفسها، وتحتَجُّ عليها، وتُنظِّمُ مقاوَمَتَها ضدَّها، وتَعتَبِرُها خطراً إستراتيجِياً يهدِّد استقلالها الاقتصادي والسياسي وهُويتَها الثقافية. وقد تكون مُقاوَمَةُ فرنسا لها – بمناسبةِ مفاوضاتِ " الغاَت " – ودِفاعُها عماَّ باتَ يُعرف باسم الاستثناء الثقافي. أسطعُ دليلٍ على وُجودِها وعلى مخاطرِها، وهي –للتذكير- مقاومةٌ حقيقيةٌ وشرِسَةٌ وليست مسرحية سياسيةٌ للضحِك على ذُقونِ أهلِ العالم الثالث.

كيف يمكن التعامل مع ظاهرة "العولمة " ؟

ما العمل إزاء هذه السلبياتِ والأخطار التي تطبَعُ علاقةُ العولمة بالعرب على صعيد الهوية الثقافية ؟

هناك موقفان سهلان، وهما السائدان :

موقف الرفضِ المطلقِ وسلاحُه الانغلاق الكليُ وما يتبعُ ذلك من ردود فعلٍ سلبيةٍ محاربةٍ.

وموقف القَبولِ التام للعولمةِ وما تمارسُه من اختراق ثقافي واستتباعٍ حضاري، شعاره "الانفتاح على العصرِ" و " المراهنةُ على الحداثةِ "

لا مفرَّ من تصنيفِ هذين الموقفين ضمن المواقف اللاتاَريخِيةِ التي تواجه المشاكلَ، لا بعقلٍ واثقٍ بنفسه متمَكِّنٍ من قُدُراتِه، وإنما تسْتَقْبِلها بعقلٍ " مُستقيلٍ" لا يرى صاحبَه مَخرجاً من المشاكل إلا بالهروبِ منها، إما إلى الوراء وإما إلى الأمام، كلُّ سِلاحِه رؤية سحرية للعالَم تقفزُ على الواقع إلى اللاواقع.

إنَّ الانغلاق موقف سلبي، غيرُ فاعل، ذلك لأن فعلَه " المُوَجَّه " ضد الاختراق الثقـافي –أي محاربَتَه له- لا ينالُ الاختراق ولا يمسُّه ولا يفعلُ فيه أيُّ فعلٍ، بل فعلُه مُوجَّه كلُّهُ إلى الذاتِ قصدَ " تحصينها ". والتحصينُ إنما يكونُ مفيدا عندما يكون المتحاربانِ على نسبةٍ مَعقولةٍ من تكافؤِ القِوى والقدرات.

أما عندما يتعلق الأمر بظاهرةٍ عالميةٍ تَدخل جميع البيوت وتفعل فِعلَها بالإغراء والعدوى والحاجة، ويَفرضها أصحابُها فرضاً بتخطيطٍ واستراتيجيا، فإنَّ الانغلاق في هذه الحالةِ ينقلبُ إلى موتٍ بطيء، قد تتخلَّلُه بُطولات مُدهشة، ولكنَّ صاحبَه محكومٌ عليه بالإخفاقِ.

ومثلُ الانغلاق مثلٌ مقابله: الاغتراب .. إنَّ ثقافةَ الاختراق، أعني إيديولوجيةَ الارتماء في أحضانِ العولمة والاندماج فيها، ثقافةٌ تنطلقُ من الفراغِ، أي من اللاهُوية، وبالتالي فهي لا تستطيع أن تبني هويةً ولا كياناً. يقول أصحاب هذا الموقف: إنه لا فائدة في المقاومة ولا في الالتجاء إلى التراثِ، بل يجب الانخراط في العولمة من دون تردُّدٍ ومن دونِ حدودٍ، لأنها ظاهرةٌ حضاريةٌ عالميةٌ لا يمكن الوقوفُ ضِدها ولا تحقيقُ التقدُّمِ خارجَها. إن الأمرَ يتعلقُ بـ" قطارٍ يجب أن نركبَهُ " وهو ماضٍ في طريقِه بنا أو من دُونِناَ.

وبعيداً عن مناقشةٍ جِداليةٍ لهذه الدعوى، يكفي التَّنبِيهُ إلى أنَّها الدعوى نفسُها التي سبق أنِ ادَّعاهاَ ونادى بها مفكرون عرب رُواد منذ أزيدِ من قرن، ومنذ ذلك الوقتِ وهي تتردَّدُ وتتكرَّرُ هنا وهناك في الوطن العربي، تبَنَّتْها حكوماتٌ وأحزابٌ فضلاً عن الأفراد...ومع ذلك فحَصيلةُ قرنٍ كاملٍ من التبشيرِ بهذه الدعوى، - دعوى " الاغتراب"- لم تُنتج سوى فئةٌ من " العصرانيين " قليلة العدد، نشاهدُ اليومَ تناقصاً نسبياً واضحاً في حجمها، بينما ازدادَ ويزدادُ الطرفُ المقابلِ لها عددًا وعدَّةً، كماًّ وكيفاً، في جميعِ الأقطارِ العربيةِ وداخلَ جميع الشرائحِ الاجتماعية. وهكذا فبدلاً من تياراتٍ "حداثية " تُمارسُ الهيمنةِ والقيادةِ تستقطبُ الأجيالَ الصَّاعدةَ، بدلاً من ذلك يسودُ الحديثُ عن "الأصوليةِ الدينيةِ" بوصفها الظاهرة المهيمنة .

أما نحن فنرى أن الجوابَ الصحيحَ عن سؤالٍ " ما العمل "؟- سواء إزاء الثنائيةُ (ثنائية التقليدي والعصري) والانشطار اللَّذين تُعانيهما الثقافةُ العربيةُ، أو إزاء الاختراق الثقافيُّ وإيديولوجيةُ العولمة - يجب أن ينطلقَ أولاً وقبل كلِّ شيء مِن العملِ داخلَ الثقافةِ العربيةِ نفسها، ذلك لأنه سواءٌ تعلق الأمرُ بالمجالِ الثقافيِّ أو بغيرهِ. فمن المؤكد أنه لولا الضَّعفُ الداخلي لَماَ استطاعَ الفعلُ الخارجيُّ أن يمارسَ تأثيرَه بالصورةِ التي تجعلُ منه خطراً على الكيانِ والهوية .

إن الثنائيةَ والانشطار ( ثنائية التقليدي والعصري، ثنائية الأصالة والمعاصرة في الثقافة والفكر والسلوك ) إنما يعكسان وضعيةً ثقافيةً لم تتِم بعد إعادةُ بِنائِها. ثقافةٌ يتزامنُ فيها القديمُ والجديدُ، والأصيلُ والوافدُ، في غير ماَ تفاعلٍ ولا اندماج- على حدِّ تعبير الدكتور محمد عابد الجابري- ، وهذا راجعٌ إلى أن التجديدَ في ثقافتناَ كان يُرادُ لهُ، منذ أزيدَ من قرن أن يتم من " الخارج ": بنشر الفكرِ الحديثِ على سطحها، لأن تجديدَ الثقافة.. أية ثقافة.. لا يمكن أن يتم إلا من داخلها، بإعادةِ بنائها ومُمارسةِ الحداثةِ في معطياتها وتاريخها والْتِماسِ وجوهٍ من الفهمِ والتأويلِ لمسَارها تسمحُ بربطِ الحاضرِ بالماضي في اتجاه المستقبل.

إن حاجتنا إلى تجديد ثقافَتنا وإغناءِ هُويتناَ والدفاع عن خصوصيتنا ومقاومةِ الغزو الكاسح الذي يمارسه، على مستوى عالمي، إعلامياً وبالتالي إيدْيُولوجياً وثقافياً، المَالِكُون للعلمِ والتِّقانةِ المسخِّرونَ لهما لهذا الغرض، لا تقلُّ عن حاجتِناَ إلى اكتسابِ الأُسُسِ والأدواتِ التي لابدَّ منها لمُمارسةِ التحديثِ ودخولِ عصرَ العلم والتِّقانةِ. دخول الذواتِ الفاعلةِ المستقِلَّة وليس دخول" الموضوعات" المنفعلة المسيَّرة .
نحنُ في حاجةٍ إلى التحديث، أي إلى الانخراط في عصرِ العلم والتِّقانة كفاعلينِ مُساهمين، ولكننا في حاجة كذلك إلى مقاومةِ الاختراق وحمايةِ هُويتنا القوميةِ وخصوصيتناَ الثقافيـةِ من الانحلال والتلاشِي تحتَ تأثيرِ مَوجاتِ الغزوِ الذي يمارَس علينا وعلى العالمِ أجمــع بوسائلِ العلم والتِّقانة، وليس هاتانِ الحاجتانِ الضروريتانِ متعارضتينِ كما قد يَبدو لأوَّلِ وهْلة، بل بالعكس هما متكاملتانِ، أو على الأصح مُتلازمتاَنِ تلازُم الشَّرط مع المشروطِ.

ومن الحقائقِ البديهيةِ في عالمِ اليوم، أنَّ نجاحَ أيُّ بلدٍ من البلدانِ، الناميةِ منها أو التي هي في " طريق " النمو، نجاحها في الحفاظِ على الهوية والدفاعِ عن الخصوصيةِ، مشروطٌ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى بمدى عمق عمليةِ التحديثِ الجاريةِ في هذا البلد، عمليةُ الانخراط الواعي، النامي والمتجدر، في عصرِ العلم والتِّقانةِ. والوسيلةُ في كلِّ ذلك واحدةٌ : اعتماد الإمكانياتِ اللامحدودة التي توفرها العولمة نفسُها، أعني الجوانبُ الإيجابية منها، وفي مقدمتها العلمُ والتِّقانة. وهذا ما نلمسُه بوضوح في تخطيطاتِ الدولِ الأوربيةِ التي يدقُّ في كثير منها ناقوسُ خطرِ " الغزو الأمريكي" الإعلامي الثقافي الذي يتهدَّدُها، في لغتِها وسلوكِ أبنائِها وتصَوُّراتِهم الجمعية، والتي يوظف أرقى وسائل العلم والتِّقانة – ومنها الأقمار الصناعية – في اكتساح مختلَف الحقولِ المعرفيةِ والخصوصياتِ الثقافية .

إن أوربا اليومَ تتحدث حديث الخصوصية والأصالة، وتتحدث عن " الهوية الأوربية " تعزيزا لسيرها الجِدِّ على طريقِ تشييدِ الوحدةِ بينَ شعوبِها وأقطارِها، بخطواتٍ عقلانيةٍ محسوبةٍ في إطارٍ من الممارسةِ الديمقراطيةِ الحقَّة. وهي بذلك تُقدِّم لمستعمراتِها القديمةِ، ( أقطارِ العالمِ الثالثِ كلِّه )، نموذجاً صالحاً للإقتداءِ به بعد ملاءمَتِه مع الخصوصيات المحلية

إن جُلَّ الحكوماتِ العربية، إن لم يكن جميعُها، تسعى اليومَ لتحقيق " الشَّراكة " مع أوربا، الشراكةُ في مجال الاقتصاد، وأيضا في مجال الثقافة، ومع أن هذه الشراكة المطلوبةِ تُمليها على الجانبينِ ظرفيةٌ تحكُمها المصالحُ القومية، فإنَّه لاشيءَ يضمنُ تحوُّلَها إلى عولمةٍ أخرى داخلَ العولمة الكبرى، غير شيء واحد، هو بناءُ الشراكةِ في الداخل كما في الخارج على الديمقراطية والعقلانية.

فهل للشعوب العربية أن تطالب بالشراكة مع أوربا في مجال اعتمادِ العقلانية والديمقراطية، في الفكر والسلوك، في التخطيط والإنجاز، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة ؟

 

استنتاج :

من خلال ما سبق نستنتج ما يلي :

العولمة تدعو إلى تجاوز الهوية القومية ( الدين .. اللغة .. الأرض..التاريخ)، لصالح "هوية" أوسع. هوية كونية .فماذا يفعل الذين ما يزالون يسألون مَن نحن ؟. ماذا سيصنع الذين يدخلون القرن الواحد والعشرين بدون هوية، أو بدون (إنية) واضحة.

العولمة في بُعدها الاقتصادي، تعني هيمنة الشركات الاقتصادية، والمؤسسات المالية الكبرى واحتكار الأسواق، ومصادر الغِنى والثَّراء المادي، من طرف الأقوياء . وتسخير الضعفاء لخدمة التوجه الاقتصادي الليبرالي والأمريكي بامتياز. فما مصير الدول الضعيفة، والتي ما تزال تبحث عبثاً عن تنمية مُستديمة، دون جدوى؟ ما مصير دول ضعيفة معزولة متخلفة، أمام زحف تكَثُّلات اقتصادية ضخمة لا ترحم ؟.

والعولمة في بُعدها السياسي مرة أخرى، تعني من ضِمن ما تعنيه المزيد من الدَّعم والتَّمكين للمشروع الصَّهيوني الاستيطاني. فمذا يصنع الذين ما يزالون يجادلون حول كينونة (إسرائيل)، وضرورة مواجهتها، أم لا، وكيفية ذلك ؟.
هكذا هي العولمة، وغير العولمة، مما سيصنعه الأقوياء، الذين لن يتوقفوا عن إثبات زعامتهم، وتأكيد ريادتهم، وأستاذِيتهم على الآخرين. وسيبقى على المتخلِّفين، والمتردِّدين، والتابعين، أن يسجلوا قوميتهم الحقيقية، أو يُوقِّعوا موتهم التاريخي الأخير.

خاتمة :

وسأختم حديثي هذا، بالعودة مرة أخرى إلى الجواب عن سؤالي، بالسَّلب، أي أنه ليس في استطاعة العولمة أن تقضي على هُوية الناس، بل إن الأمرَ على العكس من ذلك، فإنه بمقدارِ ما يشعُر المرءُ بأن هناك جهةٌ ماَ تقصد إلى النَّيل من ماضيه والإجهاز على شخصيته وهدْرِ كرامتِه، هناك يأخذ في البَحثِ عن جُذورِه وأصولهِ، وهناك تتكاثفُ جهوُده ليعبِّرَ عن حُضورِه وَوُجودِه بكلِّ الوسائلِ التي يمْتَلِكُها .
رأينا هذا رؤْياَ عينٍ في بعضِ مُهاجِرينا إلى الخارج مِمَّن كُنا نعتقد أنهم ابْتُلِعوا ورَاحوا، ولكناَّ لم نَلبث أنْ سمِعْناَ هؤلاء أنْفسَهم يطرقون علينا البابَ ليسألوا عن ماضيهم.. وأخشى ما نخشاه من محاولة العولمة هدرَ الهوية، أن يتنبَّه أصحابُ الهويات إلى ما يُحدَق بهم، وهناك تكون المواجهةُ على أشَدِّها بين الهوية والعولمة .. هذه المواجهةُ التي سوف لا تنتهي إلا باحترامِ العولمة الهوية، واعتراف الهوية بجدوى التعاون في إطار العولمة.

ويمكن القول إنه في الفترة الأخيرة فقط، بدأت تباشيرٌ بدراسات جادة رصينة للعولمة وبتأثيراتِها في الوطن العربي، وربما يكون هذا الجهد علامة على طريق الفهم المُتعمق لظاهرةٍ مُعقَّدة ومركبة، ويمكن في ضوءِ هذا الفهمِ صياغةُ إستراتيجيةٍ عربيةٍ وقوميةٍ، تستدبر المواجهة الرافضةِ رفضاً مطلقاً، وتستشرف للتفاعل الحي الخلاَّق، لكن هل تسمحُ بهذه الإرادة السياسية العربية القومية ؟ هذا هو السؤال، وهو صلبُ الأزمة الراهنة في الوطن العربي .

المراجع :

1.     أسئلة يجب الوعي بها/محمد عابد الجابري، الشرق الأوسط 04/02/1997.

2.      أيديولوجيا العولمة الإمبراطورية العالمية/محمد عابد الجابري، الشرق الأوسط 06/02/1997.

3.     الإغتراب العربي/د.محمد عادل التريكي، ضمن سلسلة مقالاته في: قضايا فكرية معاصرة..( مكتبته الخاصة).

4.     التعريفات..الشريف علي بن محمد الجرجاني، طبعة دار الكتب العربية 1998 – بيروت.

5.     الإعلام العربي وتحديات العولمة /د. تركي صقر ،وزارة الثقافة، دمشق، 1998ص 178.

6.     التغريب وخطره على العالم الإسلامي /د . محمد عادل التريكي، ضمن سلسلة مقالاته في : قضايا فكرية معاصرة..( مكتبته الخاصة).

7.     قضايا في الفكر المعاصر..محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى يونيو 1997 – بيروت.

8.     العولمة والثقافة /د .علي عقلة عرسان،  الفكر السياسي، العددان (4 – 5)1999 ص225

9.     الثقافة العربية بين العولمة والخصوصية/ د. حسن حنفي ، الفكر السياسي العددان (4 – 5) ص 248.

10.اشكالية الهوية والاتنماء /علي حمدان ،المركز الاسترالي للدراسات السياسية –سيدني 2005- ص9.

11.الإعلام العربي وتحديات العولمة/ د. تركي صقر ، وزارة الثقافة، دمشق، 1998 ص 204

12.الصهيونية والعولمة/د. سعيد يعقوب، الفكر السياسي، العدد السادس عشر، 2002 ،ص264

13.العولمة والثقافة /د .علي عقلة عرسان،  الفكر السياسي، العددان (4 – 5)1999 ص224

14.العولمة السياسية ومخاطرها على الوطن العربي/ د. محمد أحمد السامرائي، الفكر السياسي العدد 14 ص 118.

15.العولمة والهوية الثقافية : عشر أطروحات/محمد عابد الجابري، المستقبل العربي، عدد 228 فبراير 1998، مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت.

16.د. منذر واصف المصري " العولمة وتنمية الموارد البشرية الإمارات، 2004،ص120

17.الموسوعة الفلسفية العربية، الطبعة الأولى/1986 معهد الإنماء العربي – بيروت

18.العولمة والدولة/جلال أمين، المستقبل العربي، عدد 228 فبراير 1998، مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت.

19.مأزق أيديولوجيا العولمة/السيد ولد أباه، الشرق الأوسط 02/02/1997.