الدين والسياسة في الجزائر أي علاقة  pdf

(مواقف وتصورات أساتذة جامعة وهران )

 

أ/ بومحرات بلخير

جامعة مستغانم(الجزائر)

 

 

La religion islamique  joue une place importante dans le projet de développement national, à travers la progression de ses éléments et ses composantes, et de mettre en évidence la différenciation d'autres identités. Son importance réside aussi dans l'influence exercée dans le stade actuel, comme régulateur identitaire et social. Qu'est-ce que je veux dire par l'Islam n'est pas une croyance religieuse, qui ne peut être chacun d'entre nous dans ce lieu d'aller dans le degré de crédibilité et de juger du point de vue de la morale, mais le sens de la religion islamique est l’islam, historique et quotidien (l’islam  vécue).

Évidemment, quand on parle dela religion, la politique et la perception des professeurs d'université à la relation entre eux, nous avons l'intention que l’enseignant. qu'il est un acteur du social, qui contribue à la production de la réalité sociale comme ayant un capital de connaissances, capable de donner une représentation rational à la relation entre la religion et la politique

تمهيد

يلعب الدين الإسلامي مكانة هامة في المشروع الحضاري، من خلال بلورة عناصره و مقوماته، وإبراز تمايزه عن الهويات الأخرى. وتكمن أهميته أيضا في ما يمارسه من تأثير في المرحلة الراهنة، كوازع هوياتي، وكقوة سياسية و اجتماعية. فما اقصده من وراء الدين الإسلامي ليس العقيدة الدينية، التي لا يستطيع أي احد منا في هذا المقام الخوض في درجة مصداقيتها و الحكم عليها من زاوية أخلاقية، و لكن المقصود بالدين الإسلامي هو الإسلام التاريخي واليومي .

من الواضح عندما نتكلم عن الدين و السياسة و تصور الأساتذة الجامعيين  إلى العلاقة بينهما، فنحن نقصد بالأستاذ الجامعي على انه هو الفاعل الاجتماعي، الذي يساهم في عملية إنتاج الحقيقة الاجتماعية باعتبار أن له رأس مال معرفي ينتج ويتبنى قيم فكرية، تقوم بتحديد العلاقة بين الدين و السياسة.فرجوعا إلى شريحة الأساتذة الجامعيين باعتبارهم الفئة القادرون، على إعطائنا تصورات واعية بخصوصياتنا التاريخية، و ظروفنا المعاصرة.

1- المنهجية المستخدمة:

تتعدد وتتنوع المقاربات الفكرية والنظرية، في معالجة قضية الدين و السياسة، باعتبارها قضية أساسية و جوهرية في رسم معالم الهوية الوطنية . فعندما نناقش مسالة الدين و السياسة في العالم العربي و الإسلامي و الجزائر جزء منه، كما يقول محمد عبده رائد النهضة العربية "ينقسم المثقفين إلى قسمين بارزين ، و إن لكلا الاتجاهين أساسا قويا، و إن قال أنهما معا لا يتجاوبان مع المصلحة العامة ، إذ يقول الأول إلى اللامبالاة و بالتالي على التفكيك ، و يؤدي الثاني إلى التواكل و بالتالي إلى تركيز الاستبداد"[1] . و هذا ما أدى إلى بروز الإشكالية الثنائية*، و لم يفصل فيها نتيجة انقسام المثقفين حول مسالة الفصل أو الوصل بين الدين و السياسة (الحكم) . فلمعرفة تداعيات هذه الظاهرة  (الدين و السياسة)  أقحمنا العمل الميداني، وكانت عينته الأساتذة الجامعيين، اللذين ينتمون إلى كلية العلوم الاجتماعية بجامعة السانيا بوهران، ممثلين بخمسين أستاذ (50أستاذ)، وخمسين أستاذ من كلية العلوم بجامعة أيسطو وهران لسنة 2005. وكان التساؤل على النحو الأتي:

كيف يتصور الأستاذ الجامعي العلاقة بين الدين و السياسة في الجزائر ؟

للإجابة على هذا الإشكال كانت الفرضيات على النحو الأتي:

1-البعد التخصصي: نفترض أن أساتذة كلية العلوم الاجتماعية هم أكثر ميلا لفصل الدين عن السياسة، عن أساتذة كلية العلوم و هذا ناتج عن طبيعة شعبهم و ما تلعبه من دور هام في بلورة و تشكيل طرح مفارقاتي بين التخصصين .

2-البعد السياسي : نفترض أن الأساتذة الذين يتمتعون بالتنشئة السياسية، هم أكثر ميلا للفصل بين الدين و السياسة على غرار أساتذة آخرين. لأن التنشئة السياسية تنظر إلى مسالة الدين و السياسة، بطرح موضوعي عقلاني و محايد، واعي بالرهانات المنجرة على النسيج الهوياتي للمجتمع .

قيامنا بهذه الدراسة و محاولة منا للإلمام بجوانبها المختلفة و المتشعبة، لها ما يبررها من الناحية العلمية، فقد بينت النتائج أن أساتذة كلية العلوم الاجتماعية يميلون إلى الفصل بين الدين و السياسة، و هذا راجع إلى مسألة التخصص العلمي، كما أن ظاهرة فهم العلاقة بين الدين والسياسة لا يمكن لنا ضبطها، إلا من خلالمجموعة من المتغيرات التي فككناها إلى مؤشرات كمسالة النظام السياسي والدين الإسلامي، طبيعته النظام الاقتصادي و علاقته بالدين الإسلامي، المرأة وعلاقتها بالرجل من حيث الدور والمكانة والسلطة. كل هذه المؤشرات تساعدنا  في إبراز النموذج الهوياتي الواجب ترسيخه في المجتمع من خلال عينة الأساتذة الجامعيين انطلاقا من مسألة الدين و السياسة .ففي ها المقام سأركز على مؤشر واحد المتمثل في  الديمقراطية و الشورى وموقف الأساتذة الجامعيين منها.

يعد موضوع الدين والسياسة و تصور الأستاذ الجامعي إليهما من المواضيع المتشعبة والمثيرة للجدل. على امتداد الساحة السياسية في الجزائر . ومن أجل فهم الظاهرة، يجد الباحث نفسه أمام مجموعة من المناهج، فيطرح تساؤل جوهري مفاده أي منهج أوظفه كي يوصلني إلى قدر كبير من النتائج و الحقائق العلمية الصحيحة ؟

فالجواب على هذا التساؤل يدفعنا و يفرض علينا أن نحدد المنهج، الذي نراه يخدم الموضوع. حيث يكشف و يحلل المعاني و الدلالات و الشعارات، التي تعبر عن التصورات والمواقف حول هذه الظاهرة "و إذا كان الحال هكذا فان طبيعة الموضوع و نوع الهدف المطلوب، هما اللذان يفرضان الأخذ بمنهج معين أو بعدة مناهج"[2] .

تحتوي ظاهرة الدين السياسة و تصور الأستاذ الجامعي  لهما إلى مجموعة من العناصر.هي بحاجة إلى فهم و تمعن لإدراك أبعاد و جوانب هذه الظاهرة، فهي تحتاج إلى المقاربة الوصفية لمعرفة دلالات الشعارات التي ترتكز عليهما، و هناك جانب آخر يتمثل في معرفة السياق التاريخي من جهة ،إضافة إلى توظيفنا إل تقنية الاستمارة من جهة أخري  .

تعد الاستمارة من التقنيات المنهجية الأساسية في علم الاجتماع، حيث تعمل على إعطاء العمل الميداني صبغة أكثر شمولية واتساع، وذلك بإضفاء الطابع الكمي، الذي يسهل لنا تعميم نتائج الدراسة. فقد اعتمدنا على تقنية الاستمارة، التي من خلالها ستكون لنا العون في معالجة جملة من المحاور، التي تكون بدورها أداة لدراسة الموضوع. فقد تعمدنا طرح جملة من المؤشرات والدلائل المتعددة والمتنوعة من أجل بلورة تنظير موضوعي وهادف، لفهم تصور الأساتذة الجامعيين بوهران لمسألة الدين والسياسة في الجزائر.

استخلصنا جملة من القضايا التي تتعلق بالجانب الاجتماعي والسياسي والتديني، التي تحلل إلي عناصر، وتفكك إلي مؤشرات كي تساعدنا في الإجابة على الإشكال، وتعطينا تفسير واضح للفرضيات المطروحة. وتم توزيع عملية الاستمارة بطريقة مقصودة موزعة على قسمين هامين:

القسم الأول: يحتوي على 50إستمارة أخدين بعين الاعتبار مسالة التخصص الدراسي ، بمعني  أننا وزعنا هذا العدد على أساتذة كلية العلوم بجامعة إيسطو وهران.

القسم الثاني: يحتوي على 50 استمارة موزعين على كلية العلوم الاجتماعية بجامعة وهران.

2-الدلالة السوسيولوجية لمفهوم الديمقراطية

تعتبر الديمقراطية من المفاهيم الهامة والأساسية التي تندرج ضمن الإطار العمل السياسي. فيستخدم الحداثيون أو العلمانيون مفهوم الديمقراطية، التي يجب أن نقف على مستويات تعريفها. فكلمة الديمقراطيـة يونانية الأصل وهي مؤلفة من كلمتين « demos »معناهـا السلطـة « cratos » معناهــا الشعب. وبهذا المعني أصبحت حكم الشعب وبمعنى آخر هي السلطة والسيادة المطبقة من قبل الشعب*. أما اصطلاحا فهي من الناحية السياسية عبارة عن حالة سياسية تكون فيها السيادة للمواطنين كافة، بلا تمييز على أساس المولد الثروة أو القدرة**.

فمن خلال هذا يتضح لنا أن الديمقراطية هي رمز للحرية  والنزاهة لضمان كرامة الإنسان وهذا ما يذهب إليه ألان تورين ،"الديمقراطية لا تقتصر علي مجموعة من الضمانات الدستورية، أي علي حرية سلبية.إنها نضال تخوضه ذوات فاعلة، في ثقافاتها وبحريتها، ضد منطق هيمنة السيساتيم....وهكذا تصبح المسألة الكبرى بالنسبة للديمقراطية مسألة الدفاع عن التنوع ضمن الثقافة الجماهيرية الواحدة وإنتاج هذا التنوع"[3].       

أصبحت الديمقراطية من المواضيع الرئيسية التي يقاس بها الصرح الحضاري للأمم "فالفرد ذات إذا هو جمع في سلوكه وتصرفاته بين الرغبة بالحرية والانتماء إلي ثقافة، والدعوة إلي إلى العقل، وبالتالي إذا هو جمع بين مبادئ ثلاثة:مبدأ التفرد، ومبدأ الخصوصية، ومبدأ الجامعية. وكذلك الأمر بالنسبة للمجتمع الديمقراطي، فهو، بالطريقة نفسها وللأسباب نفسها يقرن بين حريات الأفراد واحترام الفروق وبين التنظيم العقلي للحياة الاجتماعية"[4] .

ومن هذا أصبحت الديمقراطية من المفاهيم الأساسية التي تندرج ضمن أدبيات الخطاب السياسي المعاصر، إذ تمكنت من اجتياح جميع أركان المعمورة لما تحمله من قيم إنسانية كالحريات السياسية وحماية كرامة الإنسانية"فسلطة الشعب لا تعني، بالنسبة للديمقراطيين، أن يعتلي الشعب عرش الأمير، بل تعني كما قال كلود لوفور، أنه لم يعد ثمة عرش.السلطة الشعبية تعني أن يكون بوسع العدد الأكبر من الموطنين أن يعيشوا بحرية...فالنظام الديمقراطي،هو صيغة الحياة السياسية التي تزود العدد الأكبر بأكبر قسط من الحرية ،هو الصيغة التي تحمي أوسع تنوع ممكن وتعترف به"[5].

إذن الديمقراطية ليست وصفة جاهزة لحل مشاكل الاستبداد والظلم، بقدر ما هي عملية اجتماعية تتطلب العمل الدائم والمستمر للإجابة على الطلبات والمشاكل الاجتماعية. ومن هنا تبرز لنا قضية التفاعل والتأثير والتأثر بين مفهوم الديمقراطية والواقع الاجتماعي المعاش."فالديمقراطية كثورة سياسية وفكرية واجتماعية لم تأت اعتباطا، بل عرفت نضالات مستميتة خلال قرون خلت، إعترضتها عوائق جمة في التحرر من الملكيات والإقطاعيات والكهنوتيات، التي كانت تعمل على تكريس الوضع الراهن وعدم زعزعة مصالح المجتمع لتقليدي"[6].

مما سبق نستطيع القول أن الديمقراطية التي أنشئت في الغرب، كانت تحصيل حاصل لبروز البرجوازية وسيادة النظام الرأسمالي نتيجة وجود الأدبيات الفلسفية والفكرية التي قدمت الدعامة الشرعية- جون جاك روسو، ومونتسكيو، وفولتير- لإسقاط النظام الإقطاعي القائم على الزراعة، وتأييد الرأسمالية القائمة على الوجه الذي نعرفه والتي تسيطرعلى العالم الآن. فالديمقراطية من حيث الشكل والمضمون عبر الحقب التاريخية هي وسيلة للحكم تتجسد من خلال مؤسسات وتعمل وفق آليات، وهي قابلة للمراجعة والنقد والتحليل بغية إدراك معانيها وقيمها الإنسانية. فهي لا تخشي الآخر بقدر ما تعترف به وتقر بوجوده وهذا هو صميم الديمقراطية.

نحن عندما نتحدث عن هذا المفهوم بهذا الأسلوب، ليس معناه أننا مع فكرة الاستيراد الأعمى للنماذج الغربية، بقدر ما ندعو إلي الاستفادة منها من خلال ضمان حقوق الأفراد وتوفير الاستقرار والحرية وتكوين المجتمع المدني. "إذا كنا نشكو اليوم غياب الديمقراطية غيابا كليا في بعض البلدان العربية، وزيف وفشل ما هو قائم من مظاهرها في بعضها الآخر، فلأن الديمقراطية هي من خصوصيات المجتمع المدني، لمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان مواطنا أي عضوا في جماعة بشرية تنظم حياتها مؤسسات ديمقراطية تضمن لكل فرد الحقوق والواجبات"[7].

يبدو أن المحاولات التي حاول فيها الفكر العربي إيجاد البدائل للمفاهيم الغربية من ديمقراطية ومجتمع مدني..الخ. تشكل هذه المبادرات حالة من حالات مقاومة الاغتراب الثقافي . ولكن هذه البدائل كلها تدخل في بوثقة الإيديولوجية، فهي تفتقر إلي التنظير الأكاديمي للموضوع، وتغيب المقاربة التاريخية التي أنتجت هذه المفاهيم وأوجدتها. فتكتفي بتبديل كلمة المجتمع المدني بالمجتمع الأهلي، والمواطن بالمؤمن.والدولة العربية بدار الإسلام،والدول الغربية بدار الحرب.كل هذه المفاهيم ناتجة عن عمق الأزمات التي يعيشها الفكر العربي.

نلاحظ أن عملية تمدين المجتمع تقتضي عملية تحويل وتغيير في البناء البدوي التقليدي، بمعناه الواسع الذي يشمل الاقتصاد والعمران والاجتماع والسياسة. فوجود الخيام والأكواخ والبيوت القصديرية أصبحت ظاهرة متفشية في المدن، مما جعل مدننا لا تستطيع إستعاب الأعداد الهائلة من المواطنين، الذين زحفوا إليها بدعي توفير الأمن. فبالرغم من أن هذه السلوكيات تعد مظهر من مظاهر التخلف، بقدر ما هي عامل من عوامل تكريس الجهل والأمية والتخلف، الذي يؤدي حتما إلي الاستبداد،وبالتالي تغيب فرص إيجاد مجتمع مدني، الذي يعد الحجر الزاوية في تكريس النظام الديمقراطي القائم على إرادة الشعب.

من الواضح عند التمعن في النظام الديمقراطي، نجده أنه أسلوب لإدارة وتسيير شؤون المجتمع من خلال مؤسسات دستورية، وجدت عبر الإجماع والتوافق. وبهذا المنهج يصبح مسألة التداول على السلطة وتوزيع الثروات بين الشرائح الاجتماعية تتم بالامتثال إلي القانون والحق. وبهذا تشكل الأساس لعملية التغيير السلمي المدني، وليس الانقلاب العنفي والعشيري"فهناك تقسيم جلي بين الوظائف الدينية، والوظائف السياسية والإدارية، ولكن هذه الأخيرة ليس لها أي علاقة مع الدين"[8]. وعليه فهي منهج يساهم في توفر مستلزمات التعايش والسلم الاجتماعي والتطور والتراكم لاختيار أسلوب حكم يرتضيه الناس.. 

3- الإطار التنظيري لمفهوم الشوري:

   إذا أردنا تحديد الحقل الوظيفي للشورى، سنستأنس بالمفكر خالد محمد خالد الذي يعتبر الشورى مبدأ وركيزة أساسية التي تقوم عليها الدولة الإسلامية في كتابه "الدولة في الإسلام"، إضافة إلي الكثير من مفكري الاتجاه الإسلاميالذين اهتموا بالدفاع عن التراث. فاختياري لخالد محمد خالد نابع من ضرورة، حيث أن الكاتب في كتابه "من هنا... نبدأ"، الذي ظهر في 1950 يؤكد ب"أن الإسلام دين لا دولة، وأنه ليس في حاجة أن يكون دولة ..وأن الدين علامات تضيء لنا الطريق إلي الله وليس قوة سياسية، تتحكم في الناس وتأخذهم بالقوة إلي سواء سبيل"[9].

ثم مع بداية الثمانينات وبعد مقتل أنور السادات وفشل التجارب التنموية في العالم العربي والإسلامي. يأتي المؤلف من جديد ويقول أن الحل في الدولة الإسلامية، ويوضح الركائز التي تقوم عليها. فعندما فتشت على حجج والبراهين المعتمدة، فنجده يغوص في التاريخ ويقوم بإسقاطات تاريخية تحتمل أكثر من معني وتأويل، ثم يستدل بأحكام وآيات قرآنية في الدفاع على أطروحاته"الإسلام دين شوري بكل ما تحمله الكلمة من معني وشمول. وبالتالي فإن شكل الدولة القائمة باسمه المستظلة برايته لا بد أن تكون شوريا، وقد تنزل القرآن على الرسول يأمره أمرا واضحا وواجبا أن يدبر أمور أمته عن طريق الشورى"[10].

نلاحظ من خلال هذا المقطع أنه لا يقدم الشكل العملي لتحقيق هذه الشورى، بقدر ما يطنب في التأكيد من خلال تأويل التاريخ على أن الشورى والبيعة التي تمت لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي. كان من تعاليم الإسلام رغم ما حصل من صراعات، حيث أن ثلاث من الخلفاء قتلوا شر القتل**.تم يزيد من حدة خطابه فيري "الدولة الإسلامية دولة دستورية لها دستور ينظم حياتها السياسية .ويكفل حقوق الأمة عليها وحقوقها على الأمة. ولها قوانين سائدة ومتطورة في حدود علاقتها مع الدستور، و ودستور الإسلام هو القرآن والسنة والإجماع".وهنا يجب أن نقف على هذه النقطة نتيجة وجود نقص في فهم وظيفة للدستور.فالدستور لا يعلن فقط مبادئ كما يفعل القرآن، وإنما يتضمن نصوصا تنظم تقسيم السلطات. وبالتالي نجد هذه السلطات، من سلطة تشريعية، وسلطة تنفيذية، وسلطة قضائية، في مواجهة وتضاد، بغية خلق نوع من التوازن والتوافق بين السلطات الثلاث للحفاظ على سيادة القانون، وعدم الخروج على المبادئ. وأعتقد أن القرآن من خلال هذا التعريف الإجرائي والوظيفي للدستور، يكون أرفع وأقدس من هذه التسمية الغير المكلفة، والتي تكتفي بإلصاق وقائع معاصرة على ظروف تاريخية قد خلت.

ثم في الأخير يخلص إلي تبيان الواقع العملي لتشييد الدولة الإسلامية. فيري أنها تقوم على جملة من المحاور"نظرية إلي دور الدولة ووظيفتها، نظرية إلي دور الشورى ووظيفتها، نظرية إلي دور المال ووظيفته"[11]. فمن خلال هذه المحددات الثلاث، والتي لا يربطها بما نحن نعيشه من مستجدات. فيتيه ويهجر بنا إلي مرحلة عمر بن عبد العزيز، ويعدد لنا مناقبه من خلال هذه الأبعاد الثلاث، وهذا ما يدل على القصور التنظيري والعملي لتجسيد الشوري كمفهوم،  يرتكز على البعد النصي لقيام الدولة.

4- تصورات المبحوثين  لمسألة الشورى والديمقراطية من خلال الأصل والهدف:

أوضحت الانتخابات في الجزائر مسألة النقاش حول الشورى والديمقراطية، وهو نقاش ينطوي على مزالق جمة، فهناك من يقول أن الديمقراطية لا يمكن إيجادها إلا عن طريق ذهنيات ملتزمة ومحترمة للديمقراطية،  فبرزت على الساحة السياسية جملة من الأحزاب بمختلف تياراتها الهوياتية، فمنهم من راهن على البعد اللغوي ويظهر ذلك في حزب جبهة القوي الاشتراكية وحزب التجمع ما أجل الثقافة والديمقراطية، وهناك من تمسك بالبعد الوطني والديمقراطي ويظهر ذلك في حزب جبهة التحرير الوطني، وحزب التجديد الجزائري، وهناك من راهن على البعد الديني "وهكذا فإن الهوية أصبحت في السنوات الأخيرة أحد الانشغالات الأساسية لكل الباحثين والسياسيين على حد سواء، وذلك نتيجة الهزات التي تعرض لها المجتمع الجزائري منذ فجر التاريخ"[12].فأمام هذا التضارب في وجهات النظر حاولنا الوقوف على تصورات الأساتذة الجامعيين، لفهم تصورهمامن خلال مسألة دلالة مفهوم الشورى والديمقراطية ومدي انسجامهما في الهدف.   

جدول يوضح تصور وموقف المبحوثين حول دلالة مفهوم الشورىوالديمقراطية  ومدي انسجامهما في الهدف

 نجد من خلال الجدول الموضح أعلاه، وعن طريق البيانات والمعطيات الميدانية، بأنه هناك فروق في بعض السمات العامة لتوضيح العلاقة بين الديمقراطية والشورى ومدي انسجامهما في الهدف، على أساس أن هذه المسألة تعتبر من المؤشرات الهامة في فهم طبيعة العلاقة بين ما هو سياسي وديني. فأساتذة كلية العلوم الاجتماعية، يقرون بوجود اختلاف بين الشورى والديمقراطية، حيث أن هذه الأخيرة تقوم على إرادة الشعب، على عكس الشورى التي تقوم على إرادة النص، وبالتالي الديمقراطية تختلف عن الشورى من حيث الدلالة، وهذا ما ينجم عنه أيضا اختلاف في هدف الدولة الواجب تجسيدها.

  نعاين من خلال الجدول أن أساتذة كلية العلوم الاجتماعية، الذين اعتبروا  أن الشورى والديمقراطية غير منسجمان في الهدف بنسبة 78 %، وهذه النسبة الكبيرة المعبرة عن لا انسجام،  بين الديمقراطية والشورى ناتجة عن الاختصاص الدراسي، الذي ينتمون إليه أساتذة كلية العلوم الاجتماعية، حيث يتعاملون مع المفاهيم بنوع من الحيطة والحذر، ويستعملونها ضمن إطارها الفكري والبيئي من جهة ،إضافة إلى التنشئة السياسية التي يتمتعون بها في إدراك رهان هذه المفاهيم وما ينجر عنه من بناء مشاريع اجتماعية هادفة من جهة أخري. وهكذا ومن خلال هذا المؤشر قد أتبت الميدان صحة الفرضيتين المتمثلتين في الاختصاص العلمي والتنشئة  السياسية .

أما أساتذة كلية العلوم فعبروا بنسبة 80% ، على تأييدهم بأن الديمقراطية تنسجم مع الشورى في الهدف، على أساس أنهما وسيلتان تتخدمها الشعوب الإسلامية للتعبير عن إرادتهما اتجاه النظام السياسي.  نستخلص من هذا العنصر، أن البعد الثقافي والتعليمي لدي عينة المبحوثين يمتاز بالطابع المفارقاتي، نتيجة اختلاف المستوي التخصصي، والتنشئة السياسية وعليه قد حقق الميدان صحة الفرضيات المرتبطة بالبعد التخصصي، والبعد السياسي للعينة المستجوبة من جهة  والإطار التنظيري من جهة أخري.

خلاصة:

  عموما إن ما حاولنا توضيحه من خلال هذا العمل، أن المجتمع الجزائري يعرف تحولات عميقة تمس ببنياته، نتيجة وجود تحولات سياسية محلية وخارجية، إضافة إلى التحولات الاقتصادية والثقافية، وعليه وأمام هذه التحديات علينا أن تكون لدينا القوة التفكيرية والإبداعية والتنبؤية في رصد الحقائق وتجنب المفاجئات، وذلك بتكثيف القراءة ومضاعفة التفكير حول أهم مسالة تؤرق المجتمعات الإسلامية، ألي وهي مسألة العلاقة بين ما هو ديني وسياسي.

 إن ما أوضحته الدراسة بشكل عام من خلال هذا الموضوع المعقد، والدراسة الميدانية على وجه الخاص من خلال استجواب المبحوثين، تهدف بالضرورة إلى إبراز نوع وطبيعة الممارسات والسلوكيات التي تربط الأفراد وتهندس الوازع العلائقي بينهم، بشأن النماذج والتصورات المتباينة بين الأساتذة  من تخصصين  مختلفتين. فاعتمادنا على المنهج المقارن بين الفئتين، راجع إلى طبيعة التطور البنائي والمؤسساتي، وما يعكسه من تصورات وتمثلات في إدراك المؤشرات الحداثية ومن جملتها طبيعة العلاقة بين ما هو ديني وسياسي الذي يعد حجر الزاوية في فهم الذات ،وبناء المستقبل.

المراجع:

- ألان تورين، ما هي الديمقراطية،حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية، ترجمة حسن قبيسي،بيروت،دار الساقي،2001 ، ط2.

- عبد الله العروي ،مفهوم العقل ، المركز الثقافي العربي ، 1996 ، ط 1.

- محمد عابد الجابري،الخطاب العربي المعاصر،دراسة تحليلية نقدية،بيروت،دار الطليعة،1990،ط3.

-محمد عابد الجابري،إشكاليات الفكر العربي المعاصر،مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت، 1990، ط2.

- مجموعة من المفكرين، مستقبل الديمقراطية في الجزائر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2002، ط1 .

خالد محمد خالد،الدولة في الإسلام، دار الثابت، يناير1981، ط1.

Hichem DJAIT, La grande discorde : Religion et politique dans l’Islam des origines, Gallimard, Paris, 1990.

Olivier Carré, L’utopie islamique dans l’Orient arabe, presse e la fondation nationale des sciences politiques, paris,1991.



 [1]- عبد الله العروي ،مفهوم العقل ، المركز الثقافي العربي ، 1996 ، ط1 ، ص 47 .

*اقصد بإشكالية الثنائية البحث عن الهوية الأصلية و الأصيلة ، فنجد في واقعنا المقدس المدنس ، دين  دنيا ، حرام حلال ، إسلامية علمانية ، الطاعة الفتنة ، الشرع البدعة ، المرأة الرجل .

[2]-محمد عابد الجابري،الخطاب العربي المعاصر،دراسة تحليلية نقدية،بيروت،دارالطليعة،1990،ط3،ص11

*Dictionnaire pratique « Quillet » n° 1 d’impression 74 100 l’impression des dernières nouvelles de        Strasbourg 1974 p.762 .

**Andrés Lalande V. critique et technique de philosophie p. 259.

[3]-ألان تورين،ما هي الديمقراطية،حكم الأكثرية أم ضمانات الأقلية،ترجمة حسن قبيسي،بيروت،دار الساقي،2001 ،ط2، ص20.

[4]- المرجع نفسه، ص24

[5]-المرجع نفسه، ص20 .

[6]-مجموعة من المفكرين،مستقبل الديمقراطية في الجزائر،بيروت،مركز دراسات الوحدة العربية،2002،ط1،ص29.

[7]- محمد عابد الجابري،إشكاليات الفكر العربي المعاصر،مركز دراسات الوحدةالعربية،بيروت،1990،ط2،ص124 و125.

[8]- Olivier Carré, L’utopie islamique dans l’Orient arabe, presse e la fondation nationale des sciences politiques, paris,1991.,p203« Il ya une distinction évidente entre les fonctions religieuses et les fonctions politiques et administratives, mais ces dernières sont-elle sans relation avec la religion »

[9]- خالد محمد خالد، الدولة في الإسلام، دار الثابت، يناير1981، ط1،ص09

[10]-  المرجع نفسه، ص49.

** Voir plus particulièrement Hichem DJAIT, La grande discorde : Religion et politique dans l’Islam des origines, Gallimard, Paris, 1990.

- خالد محمد خالد، مرجع نفسه، ص111.[11]

[12]- مجموعة من المفكرين، مستقبل الديمقراطية في الجزائر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2002، ط1، ص186.