الهويـة في الحكايـة الشعبيـة الجزائريـةpdf

- دراسة سوسيولوجية

 

أ.شوشان زهرة

جامعة بوزريعة(الجزائر)

 

المبحث الأول: الهوية الوطنية : المرجعية السوسيوتاريخية:

تساءل "هيدغر" (Heidegger)في كتابه: الأعمال الكاملة»كيف يجب أن نكون نحن أنفسنا، والحال أننا لسنا نحن أنفسنا، وكيف يمكن أن نكون أنفسنا، دون أن نعرف من نكون، حتى نكون على يقين من أننا نحن الذين نكون؟ » 

ومنه لا يمكن تفسير النحن أو الهوية من دون الرجوع إلى الخلفية السوسيوتاريخية لنشأتها إذ التراكم التاريخي أثبت أهمية العنصر التاريخي في بناء الهوية لدى الشعوب العربية عامة، فمثلا في العهد الأموي والعباسي اتخذ الدين الإسلامي المرجعية الوحيدة في بناء الهوية، ومنه كان قيام الشرعية مرتبط بالدين فنتج عن ذلك وجود مسلمين عرب ومسلمين غير عرب، وسميت معارضة هذه الشرعية بالشعوبية

في العهد العثماني، وعلى المستوى الرسمي فقد تركزت الهوية أكثر على الجانب الديني إذ »الشعور الديني ظل حاضرا في جميع النشاطات الجماعية، وغالبا ما يأخذ طابعا خاصا في المدن، إذ تتميز هذه الأخيرة بوفرة مساجدها ومدارسها والمؤسسات الملحقة بها »[1] وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا تكاد المؤسسات الثقافية في الجزائر تنفصل عن المسجد والمدرسة والزاوية والمكتبة» [2] و هذا ما يفسر المحافظة على بعض عناصر الهوية الثقافية في الجزائر إبان العهد العثماني، ويرجع سبب هذا أيضا إلى تتريك الثقافة الرسمية، ومنه برز المفهوم الجديد لبناء شرعية ثقافية وسياسية تخدم الدولة العثمانية متجاوزة بذلك الهوية الجزائرية

 

الهوية حسب رأي الدكتور "بوزيدة عبد الرحمن" هي تخصيص للذات(الهوية الفردية) انطلاقا من ماهية مشتركة (الهوية الجماعية) أو هوية شمولية أولى وهي الماهية الإنسانية[3]. ومنه فالأحداث التاريخية التي عاشتها الجزائر فرضت العناصر الثلاثية المكوَنة للهوية الجزائرية والمتمثَلة في: العروبة، الإسلام، الأمازيغية، هذا رغم التباين الكبير الملاحظ بعد الاستقلال مابين الخطاب الرسمي  (الدستور، الميثاق..) والواقع الاجتماعي: ومن أمثلة ذلك أحداث الربيع الأمازيغي، وظهور حركة العروش(المواطنة)،(البعد الأمازيغي للهوية)، و حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ (البعد الإسلامي للهوية)

عموما إلى جانب التناقضات الموجودة على المستويين: الرسمي، والداخلي لعناصر الهوية الجزائرية يبرز في النسق السياسي والاجتماعي تيار آخر لا يقل أهمية  ألا وهو تيار العولمة وقبول الآخر (التثاقف) ومختلف الإشكالات المنبثقة عنه كإشكالية التراث و الحداثة .

نسوق في هذا الإطار مثالا بالباحث الجزائري إذ يجد نفسه مضطرا إلى الأخذ بخلفية معرفية وفكرية لعلوم الآخر سواء في العلوم التجريبية الصورية( كالرياضيات والمنطق) أو( العلوم التجريبية ( كالعلوم الفيزيائية والبيولوجية) أوالعلوم الإنسانية(كعلم الاجتماع، علم النفس،علم التاريخ) ... وتعد هذه التخصصات وغيرها من الأسباب الرئيسية لتحقق التنمية في تلك المجتمعات، ومنه، على الباحث الجزائري أن يطلع على علوم الآخر حتى يتمكن من توظيفها في مجتمعه، على أن ترتبط هذه العلوم بالقيم الخلقية والدينية وبهوية الفرد العقائدية والتراثية أي تبيئة ثقافة وعلوم الآخر مع خصوصية الفرد الجزائري الذي يفترض أن يأخذ بأسس هذه المعطيات العلمية الثقافية لا بمظاهرها

المبحث الثاني: الهوية في الحكاية الشعبية

تنمية أي مجتمع لا تتأتى إلا من خلال الفهم على حد تعبير "ماكس فيبر"(Max Weber)والذي قصد به خصوصا فهم النموذج التصوري (Idealtypus)المرتبط بعقلانية الأفعال. ولتوضيح هذا  لابد من شرح الفعل الاجتماعي إذ مجموع الأفعال الفردية هو الذي يفسر الظواهر الاجتماعية والفعل الاجتماعي هو نتيجة لمختلف الترابطات العلائقية بين الأفراد في وضعية معينة أو تجاه ظاهرة ما «الفعل الاجتماعي هو كل طريقة في التفكير والشعور وجهتها مبنية حسب النماذج التي هي جمعية بمعنى أنها مشتركة من قبل أعضاء جماعة معينة من الأشخاص »[4]ويمثل الفعل الاجتماعي مختلف النشاطات و السلوكات التي قد تبدو فيزيولوجية، أو نفسية في حين هي تحمل في خلفيتها أبعادا اجتماعية، إذ كل شيء اجتماعي  «كلمة نماذج هي الرسم، والمثل الذي نتبعه، ونستلهم منه، وننسخه، فمثلا الخياطة تفصل ثوبا حسب نموذج من الورق (النموذج يوحي بفكرة المثال( »[5]

ولذلك فبناء النموذج حسب "فيبر" يعتمد على التجريد النظري، الذي لا يبحث عن التطابق مع الواقع  إذ هو لا يبحث عن المماثلة مع الواقع (وهذا  هو الدور الضمني لسارد الحكاية الشعبية) بل ينطلق الباحث من مبدأ فهم الأفعال فإما يكون واقعيا امبريقيا، وبالتالي يكون غامضا، وإما يكون غير واقعي ومجرد، وبالتالي يكون واضحا

ومنه، النموذج التصوري للحكاية الشعبية مبني على عقلانية الأفعال ومفهوم العقلانية عند "فيبر" يبنى على افتراض أن معنى أفعالنا يتحدد بالنسبة إلى المقاصد أو الغايات، ولتوقعات الآخرين، وكل علم اجتماع يهمل هذه الفرضيات يصل إلى عدد لامتناه من الاستدلالات الخاطئة.

يمكن فهم المبادئ النظرية السابقة من خلال بنية المخيال الاجتماعي وعلاقة التأثير والتأثر بينه وبين الحكاية الشعبية، إذ العلاقة بينهما تشبه علاقة الخلية بالجسم. والمخيال هو « مجموعة التصورات المشتركة لدى جماعة معينة اتجاه أخرى ذلك أن كل مجتمع منظم بلغة خاصة، ومحيطه الخاص به ينتج مكانة خاصة به » [6] و «المخيال الاجتماعي يبرز أحيانا في شكل إيديولوجيا(Idiologie)وأحيانا في شكل يوتوبيا(Utopie)وهما شكلان من الوعي الإنساني يشكلان البنية الصراعية الداخلية للمخيال: دلك أنه يظهر في شكل يوتوبيا(Utopie)منقلب عن الواقع هاربا منه وذلك لتحقيق "نوع من الفردوس المفقود" الذي يستعيد فيه البشر إنسانيتهم » [7] على حد تعبير" ماركس هوركهيمر" أو في شكل إيديولوجيا(Idiologie)مشوه للواقع غارق في الوهم أو الوعي الزائف الذي يهيمن على الأفق الذهني لجماعة من الجماعات في فترة من الفترات، علما إن أول العلاقات التي تربط بين مجموعة من الأفراد هي علاقة مخيالية »[8]  ومنه،  فالمخيال له مجموعة من الأجزاء كالايدولوجيا، اليوتوبيا، الأسطورة و الحكاية وهذه الأخـيرة  « تقاس فيها واقعة من الوقائع الحقيقية أو الخيالية دون الالتزام بقواعد الفن القصصي، وغالبا ما    تتضمن الحكاية النوادر، الخرافات و الأساطير، وتنتشر على أفواه الناس» [9] حياة الأفراد الاجتماعية مليئة بالأحداث الواقعية والرمزية، والتي عبرت عنها الحكاية منذ الأزمنة الغابرة، فالحكاية مأخوذة من الاحتياط التاريخي للمجتمعات فهي موغلة في القدم و« ترجع بنا إلى عصور تسبق كل تاريخ مدون» [10]كما أنها تعبر عن معتقدات وأحلام وأفكار المجتمعات الأولى لأنها « تعتبر شاهدا عن المجتمع الذي انبثقت منه» [11] أي مجتمع النشأة .

لكن الحكاية لا تعبر فقط عن الأحداث الماضية، بل تعبر أيضا عن المجتمع الذي تعيش فيه، وهذاما يبين تعدد المرجعيات التي تغذي محتوى الحكاية كالرمزية، التاريخية، الدينية، والأسطورية...وهذا ما يوضح تعدد الرؤى في تناول موضوع الهوية في الحكاية الشعبية.

تساهم الحكاية الشعبية في تنمية المجتمع، وهذا عن طريق الدور الذي يلعبه الحاكي(الراوي) في السرد سواء كان هذا الحاكي محترفا أو غير محترف، وسواء كان مثقف سلطة أو مثقف مدني (حسب تصنيف "غرا مشي" (Gramsci)) .

نفهم من هذا بأنَ للحكاية دور في تنمية المجتمع وهذا من خلال توظيف الحاكي لمختلف المرجعيات المشكَلة للحكاية في إثراء البنية المخيالية للمجتمع،  ونشير في هذا الصدد بأنَهلا تحدث أية تنمية  أو تطور على مستوى الواقع الاجتماعي إلا إذا حدثت على مستوى العالم الافتراضي.

ولتوضيح دور الحكاية الشعبية في تنمية المجتمع، وفي الحفاظ على الهوية نحلل بعض الوظائف التي تقوم بها الحكاية - حسب مدوَنة البحث المأخوذة من ولاية بومرداس- إذ أهم هذه الوظائف: الوظيفة الترفيهية، التعبيرية، العلاجية، الإيديولوجية، التربوية

أ_الوظيفة الترفيهية          

تنتج الحكاية الشعبية خطابات اجتماعية غير مقننة، و تختلف عن الواقع المادي الملموس، و لذا فهي تقوم بدور المنفس الاجتماعي الذي يقلل من حدة ضغوط الواقع ، ويتجلى هذا خاصة في توظيف الحكاية للتراث الذي يعمل على ترسيخ القيم والمعايير وثوابت المجتمع، وهذا بفضل عملية التنشئة الاجتماعية وهنا يبرز دور الجدات وكبار السن حاملي التراث.

ومن حكايات المدوَنة التي ترجمت هذه الوظيفة -الحكايات المرحة أو الفكاهية- مثل حكايات: "امقيدش و الغولة، الذيب والقنفوذ، المـعزة، القدرة تاكل اللحم..."

فمثلا حكاية "القدرة تاكل اللحم" تصور لنا حكاية أسرة فقيرة تشتهي الزوجة أكل اللحم، وكان كلما يحضر الزوج اللحم تدعي بأن القدر تأكله، إلى أن جاء أحد أصدقائه مدعيا العمى فشاهدها تخبؤ اللحم وكشف أمرهامن خلال هذا المثال نستنتج بأن الحكاية المرحة رغم أنها تؤدي بسامعها إلى الضحك غير أنها تحمل عبرا وأحكاما تساعد على تحقيق المجتمع السليم وتحافظ على قيم هويته

 ب_ الوظيفة التعبيرية         

يعكس التطور التاريخي للمجتمعات احتكاكها وتفاعلها مع بعضها البعض، وفي خضم هذا الاحتكاك والتفاعل تبرز بعض مكونات الحكاية التي تبدو للوهلة الأولى بلا معنى«خصوصا وأنَ هذه المعطيات مكوَنة في إطار اجتماعي يعرف تغيرات سريعة قد تخلق نوعا من المجابهات بين المعتقدات القديمة و الجديدة » [12](1) نسوق في هذا الإطار مثالا بالفنان فهو حين يعمل على إبداع تحفة فنية فهو يقوم بتحويل المواد الأولية من شكل لآخر وفق تقنيات و قواعد تمليها سيرورة الفن ذاته إذ ورغم تغير المواد الأولية يبقى أصلها واحد، وهذا ما يوضح التداخل بين ماضي الهوية وحاضرها.

ولتوضيح الجانب التعبيري الإبداعي للحكاية ندرج فكرة التناص (Intertextualité)فالحاكي لا يعبر عن حكاية ابتدعها من العدم إذ هي وليدة تكوينه الفكري والتاريخي والاعتقادي.

ومن حكايات المدوَنة التي تترجم هذه الوظيفة ندرج حكايات سيَر الأولياء و الصالحين مثل: " سيدي بومرداسي، سيدي بلمو، "...الخ والحكايات الدينية مثل: " سيدنا يوسف، سيدنا ابراهيم...الخ والحكايات التاريخية كسيرة بني هلال.

ففي حكايات السيَر الهلالية مثلا تعبير عن واقع تاريخي اجتماعي يترجم حقبة تاريخية تعكس الهوية والانتماء التاريخي للمجتمع، إذ ورغم أنَ السيَر قد انتهت، ولكن أحداثها لاتزال تحكى كسيَر البطولات والمغازي والتي تدفع بحاكيها وسامعها إلى الشعور بالفخر والاعتزاز لانتمائه لمثل شخوص السيرة الهلالية "كأبي زيد الهلالي، ذياب بن غانم، الجازية"...الخ.  

ت_ الوظيفة العلاجية          

تؤدي الحكاية الشعبية دورا هاما في التعبير عن الجوانب غير السوية والمرضية في المجتمع فهي بهذا تعمل على خلق التوازن الاجتماعي.

ومن حكايات المدوَنة التي عالجت واقع الفرد الجزائري والروابط الاجتماعية حكاية "بقرة اليتامى" التي ألحت على ضرورة المحافظة على العلاقات الأسرية، ومن الحكايات التي عالجت علاقات الأخوة: " الخت وخوها، أمحمد البغل، ودعة وخاوتها السبعة... ومن الحكايات التي عالجت علاقات الزواج: "كدة، ثلث بنات، قرن ذهب وقرن فضة، لغزالإمارة...ومن الحكايات التي عالجت علاقات الصداقة: "زوج صحاب وكفن الموتى، عنقود العنب، كثرة لصحاب...

كما توجد حكايات أخرى الغرض منها تحفيز الفرد على تجاوز الفشل: "خبالة الشعر وحصان بوودعة وليد وربيب، وليد السلطان...

المتصفح لهذه الحكايات يجد أنها لا تكتفي بسرد الأحداث فقط، بل توضح الجانب المرضي فيها وكيف أن استفحاله يؤدي إلى تفكيك الروابط الاجتماعية وذوبان الهوية الاجتماعية، وبالتالي إلى انتشار "الأنيميا" على حد تعبير "دور كايم" (Durkheim)  

ث_الوظيفة التربوية

 يتلقى الفرد التنشئة الاجتماعية بصفة واعية أو غير واعية، من مرحلة الطفولة المبكرة إلي وفاته ويكتسب من خلالها وظائف، أخلاقيات، عادات، وصفات الوسط الاجتماعي الذي يولد ويعيش فيه، كما يتكيف الفرد بمقتضاها في المجتمع.

وتعمل الحكاية على تنشئة الفرد تنشئة سليمة حيث تغرس فيه القيم والمعايير المشتركة، ولتوضيح هذا نسوق بعض الأمثلة من مدوَنة البحث: فمن الحكايات التي عالجت مشكل تجاوز الصعاب والعراقيلللوصول إلى الهدف "خبالة الشعور و حصان بوودعة وجناحو يرد عليه، ذيل القط، الراجل اللي حبيزوج اختو هلالة..." الخ.

ففي حكاية "خبالة الشعور..." بطل الحكاية رغم كل العراقيل، الصعاب والمخاطر التي واجهته، غير أنَه واصل رحلته للوصول إلى عشيقته.

ومن حكايات المدوَنة التي ركزت على الجانب التربوي نذكر على سبيل المثال: "الراجل اللي لاح يماه، عنقود العنب، بنات الأصول، الزمام يزم فمو"...الخ. وهي حكايات ركزت على الجاني غير السوَي لبعض السلوكات، فمثلا حكاية "عنقود العنب" تعبر عن غدر صديق لصديقه حيث ذبحه، وعاد بعد أعوام الى مكان الجريمة، فوجد عنقود عنب ضخم، فأخذه الى السلطان. ولكن، حين وصل تحول العنقود الى رأس الصديق المغدور، فاكتشف السلطان السر فأمر بإعدام الصديق الغادر.

نخلص مما سبق بأنَ هدف الحكايات التربوية هو معالجة الأفعال غير السوية في المجتمع والتي تتنافى وقيمه وثوابت هويته الجماعية

المبحث الثالث: الحاكي والولي (جدلية الأنا والآخر): 

تبيَن من خلال الدراسة الميدانية تفضيل الحاكي لسرد حكايات دون أخرى، وخاصة تلك المتعلقة ببركات وكراماتو أفعال الفاعلين في الحكايات كالأولياء والصالحين.ونظرا لأنَ الهدف النهائي للسوسيولوجيا الفيبرية هو عدم الاكتفاء في تحليل الواقع الاجتماعي بمجرد التفسير السببي- الذي تتبناه النظرية الطبيعية- بل ينبغي أن يتبع ويستكمل بالفهم إدراك أفعال البشر وتفسير الدلالة التي يعطونها لها » [13](1) و يمكن تفسير هذه الدلالة عن طريق تحليل العلاقة بين الحكاية والايديولوجيا

عرَف "لويس ألتوسير" (LouisAlthusser)الايدولوجيا بأنها «نسق من التمثلات (سواء كانت أساطيرا أم أفكارا أم صورا أم أفكارا) وهو نسق يتمتع بوجود دور تاريخيين [14]» (2)

كما أنَ الايدولوجيا ظاهرة جماعية واجتماعية، وعلى الرغم من طابعها الاجتماعي إلا أنها ظاهرة أخذت في نظر "ألتوسير" بعدا ذاتيا لا شعوريا، فهي بهذا المعنى مرتبطة بالجانب اللاواعي للإنسان   و ليست لها صلة بالوعي، وفي هذا الصدد يقول: « يجري القول عادة بأنَ الايدولوجيا تنتمـي إلىمنطقة الوعي، علينا أن لا ننخدع بهذه التسمية... إذ في حقيقة الأمر إن الايديولوجيا لا يربطها بالوعي إلا رباط واه...إن الايديولوجيا في جوهرها لا واعية حتى وان بدت لنا في شكل واع [15]» (3)

إن هذا القول يدفعنا الى التساؤل التالي: إذا كانت الايديولوجيا لاشعورية فهل هذا يعني أنَ الذات لاتعي الايديولوجيا التي هي منغمسة فيها؟. لم يقصد "ألتوسير" ذلك، وإنما رأى أنَ الذات تدرك بأنَها منغمسة في الايديولوجيا، لكن، مالا تعيه هذه الذات هو وقوعها المستمر في الايديولوجيا، وبمعنى آخر إن الذات تجهل وفق أية عملية تؤثر الايديولوجيا فيها[16]» (4)

لتوضيح هذا ندرج كيف اعتبر"ألتوسير" أنَ للايدولوجيا علاقة وهمية إذ يرى أنَ البشر يعيشون ضمن الايديولوجيا علاقتين تشكلان علاقة واحدة وهي العلاقة الواقعية والعلاقة الوهمية أو المتخيلة وقد علل موقفه هذا استنادا إلى أنَ الناس لا يعبرون في الايديولوجيا عن علاقتهم بظروف معيشتهم (علاقة واقعية) إنما يعبرون عن الطريقة التي يعيشون على نحوها علاقتهم بتلك الظروف (علاقة وهمية) » (5)[17] الشيء الذي يفرض وجود علاقة واقعية، وعلاقة متخيلة في الوقت ذاته. ومنه فالحاكي يسرد وقائع يعيشها ووقائع يتخيلها

المجتمعات في نظر"ألتوسير" تفرز الايديولوجيا كما لو كانت هي العنصر والمناخ الضروريين لاستمرار بقائها فهي بهذا المعنى ركن أساسي في تماسك الجماعة، وهي شرط أساسي في استقرار المجتمع إذ بدونها يصبح المجتمع آيلا إلى التفكك والانحلال.    

وعليه تستخدم الايديولوجيا عدة أساليب أهمها: أدوات التعبير المجازية، وخلق الالتباس في الأفكاروهو سر قوة الايديولوجيا التي تتجه إلى مخاطبة المشاعر والأحاسيس أكثر من مخاطبة العقل والمنطق.

هذا عن الايديولوجيا عامة، أما عن تأثيرها في الحكاية فكل نص حكائي تحياه الشخصيات التي يرسمها الحاكي، ويحياه الحاكي وهو يرسمها، فبنية النص الحكائي ترتبط عضويا بالبنيات الاجتماعية للواقع الاجتماعي والتي تترك لخيال الحاكي يصورها وفق أبعاد خياله وإيحاءاته، إذ يفترض في تفكيك النص الحكائي ثلاثة مستويات:

أولا: مستوى ما هو معاش مباشرة من قبل شخصيات الحكاية فهم يعبرون عن صوت من يرمزون إليهم، وينبثق من هذا الخطاب تشخيص للواقع الذي يفقد صورته بطرق شتى.

ثانيا: مستوى الواقع الذي تمثَله بعض الشخصيات والتي من شأنها أن تعين على تفسير وفهم المجتمع.

ثالثا: مستوى النص الحكائي ذاته بوصفه خطابا للحاكي الذي يأخذ على عاتقه رسم الشخصيات ويحركها وفق رغباته وميوله » [18]

يفهم من هذا بأنَ محتوى الحكاية يتأثر بالحاكي من حيث رغباته وميوله واعتقاداته وبالتالي إيديولوجية. ومن الحكايات التي ترجمت تأثير الحاكي في محتوى النص الحكائي حكايات الأولياء والصالحين ومن الأمثلة التي يمكن سردها من المدوَنة: " سيدي بومرداسي، سيدي بوقري، سيدي بوضرواية، قبة الترك، سيدي سالم...الخ.

إلى جانب تأثر الحاكي بالايديولوجيا فهو يتأثر بالأصل الاجتماعي والذي يعني حسب "ديدييه أنزيو" (DidierAnzieu) : انتماء الفرد إلى مجموعة ما وتبنيه لكلما تحمله من خصوصيات تميَزها عن غيرها كالاعتقاد والقيم والمعايير والتصورات» (2) [19]وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى علاقة الاحتواء بين الأصل الاجتماعي والهوية .

نتائج الدراسة:

-توجد عدة مرجعيات للهوية والمتمثلة خاصة في ثلاثية الإسلام، العروبة، الأمازيغية.

-تؤدي الحكاية دورا فعالا في تنمية المجتمع .

-يرتبط تصور الحاكي (الراوي) بالفاعل (البطل) في الحكاية إيديولوجيا.

-يؤثر الأصل الاجتماعي للحاكي في بنائه للنموذج التصوري للفاعل (الولي الصالح...)

- ترتبط سرد الهوية في الحكاية الشعبية بالحاكي من حيث: انتمائه الاجتماعي،ميوله ورغبات  منظومة تصوراته                       

  

قائمة المراجع: 

باللغة العربية: 

أ- الكتب:

1- راينو(فيليب): ماكس فيبر ومفارقات العقل الحديث، تر: جديدي (محمد)، منشورات الاختلاف، الجزائر،2009.

2- روشيه (غي): مدخل إلى علم الاجتماع العام، الفعل الاجتماعي، تر:دندشلي(مصطفى)،المؤسسة العربية للدراسات  والنشر، بيروت، 1993.

3-سعد الله ( أبو القاسم): تاريخ الجزائر الثقافي، م و ك، الجزائر، 1985، ج1.

4_فريدريش فون (ديرلاين): الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، تر:إبراهيم(نبيلة)، إسماعيل(عز الدين)، دارالقلم، بيروت،1973.   

5- مريدن (عزيزة): القصة والرواية ، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1985، ط2. 

 ب-المجـلات :

6_بوزيدة (عبد الرحمان): « قراءة ثقافية للأزمة » في: الثقافـة، عدد2، 1993

7_مكاوي(عبد الغفور):«النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت»في:حوليات كلية الأدب،(عدد خاص)، عدد153،1993.

8_ميتران(هنري): « المعرفة،الإيديولوجية،الأسطورة: المعلوم والمتخيل»، تر: القمري(بشير) في: فصول، عدد03،   1986.  

 

En français :

  

9- Althusser (Louis) : Pour Marx, François Maspero, Paris, 1980.                    

10- Bouhdiba(Abdelwahab):Culture et société, publications de l’université de Tunis,         Tunis, 1978. 

11-  :L’imaginaire dans les contes maghrébin, étude de dix  contes pour enfants, Cérès éditions, Tunis, 1994.

12- Durand(Gilbert) : La dynamique des imaginaires, p.u.f, Paris, 1964.

13-Didier(Anzieu) : Le groupe et l’inconscient, l’imaginaire groupale, Dunod, Paris,   2ed, 1984.

14- Sari (D): Les villes précoloniales de l’Algérie occidenontales, sned, Alger,

    1978,2ed. 

15-  Tousignant (Michel) : Les origines sociales et culturelles des troubles        psychologique p.u.f, Paris, 1992, p84.



[1] Sari (D): Les villes précoloniales de l’Algérie occidenontales, sned, Alger, 1978,  2ed, p47

[2]سعد الله ( أبو القاسم): تاريخ الجزائر الثقافي، م و ك، الجزائر، 1985، ج1، ص223.

[3]بوزيدة (عبد الرحمان): « قراءة ثقافية للأزمة» في: الثقافة، عدد2، 1993، ص34.

[4]روشيه (غي): مدخل إلى علم الاجتماع العام، الفعل الاجتماعي، تر:دندشلي(مصطفى)،المؤسسة العربية للدراسات  والنشر، بيروت، 1993،ص 53.

[5] المرجع نفسه، ص 52.

[6] Durand(Gilbert) : La dynamique des imaginaires, p.u.f, Paris, 1964, p192. (3)

[7]مكاوي(عبد الغفور):«النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت»في:حوليات كلية الأدب،(عدد خاص)،عدد153،1993ص 62.

[8] (5) Didier(Anzieu) : Le groupe et l’inconscient, l’imaginaire groupale, Dunod, Paris,         2ed, 1984, p47      

[9]مريدن (عزيزة): القصة والرواية ، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1985، ط2، ص 112.

[10] فريدريش فون (ديرلاين): الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، تر:إبراهيمنبيلة، إسماعيل(عز الدين)،   دارالقلم، بيروت،1973،ص 08.

[11]  Bouhdiba (Abdelwahab) :L’imaginaire dans les conte maghrébin, étude de dix contes pour enfants, Cérès éditions, Tunis, 1994, p137.    

[12] Bouhdiba(Abdelwahab):Culture et société, publications de l’université de Tunis, Tunis, 1978, p51.     

[13]راينو(فيليب): ماكس فيبر ومفارقات العقل الحديث، تر: جديدي (محمد)، منشورات الاختلاف، الجزائر،2009، ص  ص 22-23.

[14]  Althusser (Louis) : Pour Marx, François Maspero, Paris, 1980, p 237. 

[15] Ibid, p239.     

[16]  Ibid, meme page.

[17]  Ibid, p240.

[18]ميتران(هنري): « المعرفة،الإيديولوجية،الأسطورة: المعلوم والمتخيل»، تر: القمري(بشير) في: فصول، عدد03،  1986،ص126.

[19] Tousignant (Michel) : Les origines sociales et culturelles des troubles psychologique   p.u.f, Paris, 1992, p84.