دور المجتمع المدني في المحافظة على الهوية الثقافية في ظل العولمةpdf

أ/ سامية عزيز 

أ/ عمر حمداوي 

جامعة قاصدي مرباح ورقلة(الجزائر)

 الملخص

تهدف الدراسة إلى إطلالة سريعة لواقع المجتمع الجزائري في ظل التغيرات التي يشهدها المجتمع من جميع الجوانب وبالتركيز على المجتمع المدني والدور الذي يلعبه في المحافظة على الهوية الثقافية للمجتمع رغم ما يعترضها من تغيرات اجتماعية

وسنحاول في هذه المداخلة التي كانت عبارة عن  دراسة استطلاعية لبعض الجمعيات الثقافية الموجودة في مدينة بسكرة والتعرف على الدور المنوط بها في المحافظة على الهوية الثقافية في ظل العولمة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما هو دور المجتمع المدني في المحافظة على الهوية الثقافية في ظل العولمة ؟

وبعد القيام بالدراسة الميدانية توصلنا إلى نتيجة مفادها أن هناك عدة جمعيات في المجتمع تسعى إلى المحافظة على القيم الاجتماعية والثقافية والوطنية لكن تبقى هذه الجمعيات لا تقوم بهذا الدور المنوط بها.

1-مفهوم ظاهرة العولمة:

تمثل ظاهرة العولمة ظاهرة مثيرة للجدل سواء في الأوساط الأكاديمية أو المعرفية وغيرها ،حتى صار من المفهومات المركزية والمرتبطة بالإشكالات الخاصة بالقضايا الداخلة في إطار المجالات المعرفية المختلفة مما يستلزم أن يكون التأصيل المنهجي ـأحد أهم مسوغاته وكونه مفهوما محوريا وذلك نظرا لشيوع مفهومات أخرى بديلة أطلقت على معناه مثل : الكونية ، الكوكبية الشمولية،الأمركة ...الخ ،إلا أن الباحثين يميلون إلى استخدام مفهوم العولمة مما يعكس وجود اتفاق على المعنى واختلاف على المسمى.

في إطار الدلالات المفاهيمية للعولمة يرى عزا لدين اسما عيل :"إن العولمة نفسها يمكن أن تستعمل بوصفها صيغة مصدرية أي دالة على الممارسة والفعل فتقابل عندئذ في الانجليزيةGlobalism .

ويطرح صلاح سالم زرنوقة ثلاث تصورات للمصطلح هي:(1)

1-العولمة كايدولوجيا (Globalisme):وتعني أن العولمة كطرح مذهبي يقوم على فكرة انتصار الحضارة الغربية التي تؤسس لحضارة إنسانية جديدة أو حضارة تكنولوجية تقود العالم.

2-العولمة كظاهرة (globalisation):وهي تشيير إلى مجموعة من الإجراءاتوالممارسات والسياسات الصادرة عن القوى الكبرى في العالم وردود الأفعال التي تصاحبها.

3-العولمة كعملية (globality):وهي تشير إلى أنها مرحلة تاريخية أوهي بمثابة تطور نوعي جديد في التاريخ الإنساني، من ثم فهي محصلة تطور تاريخي تراكمي له جذوره.

ومن بين التعاريف التي أعطيت للعولمة أو الكونية ماقدمته ( (Martin Walter:على أنها عملية اجتماعية تتوارى فيها القيود والحواجز الجغرافية والأوضاع الثقافية والاجتماعية وبالتالي فان الظاهرة لن تحدث بصورة مطلقة مرة واحدة ولكن سوف يتدرج  من المشاكل التي أخذت صفة العالمية.

ويعرفها محمد عابد الجابري بأنها :"ليست مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي بل هي أيضا وبالدرجة الأولى أيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة على العالم."(2)

 ومن خلال التعريفات التي سقناها يتضح أن العولمة واقع يتميز بتزايد الارتباط والاعتماد المتبادل بين المجتمعات البشرية في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية والإعلامية وغيرها من المجالات ساهمت في ترسيخها كتوجه عالمي الثورة التكنولوجية في مجال المعلومات والتواصل  التي نتجت   للبشرية فرصا و فوائد كبيرة لكنها في نفس الوقت تتضمن أخطار لا يستهان بها خصوصا إذا لم يتم التعامل معها بحذر .

وهكذا نجد إن الطرح الغربي لا تنطوي على فلسفة أو توجيه أخلاقي أو عقائدي تنسجم و تتفاعل معقيمنا الروحية و هويتنا الثقافية و كيف إنها تنادي بتدمير كل ثقافة ذات طابع إنساني أو أخلاقي وتؤمن بالمادة ووحدة العقار وحدة القطبية و تدافع عن مرتكزاتها التي هي تضخيم الليبرالية و الهيمنة المطلقة على السوق بتقنيات عالية وبشركات متعددة الجنسيات وعابرة للقارات كقوة رئيسية وفعالة في الساحة الدولية وتنادي بحرية التبادل في المعاملات التجارية ممهدة بذلك لتمكين الغرب من فرض سيطرته المادية والتكنولوجية على الدول الفقيرة من خلال ما تؤدي إليه هذه العملية من بطالة وتقليص دور الدولة في المراقبة والتخطيط ومن تدمير ثقافة الشعوب وفرض ثقافة واحدة بواسطة وسائل الإعلام والاتصال.

وعلى اعتبار التحالفات التي يبرمونها بينهم يمكن القول أن عشرة شبكات عالمية متداخلة وضخمة فقط هي التي تسير الاقتصاد وترسم معالمه على أساس أنها قليلة هي لوحدها فرض منطقها وسلطتها على السوق العالمي بل حتى مفهوم الأقطاب لم يعد ذا قوة تفسيرية ذات بال فقد انصرف عنه لصالح مصطلح شبكات التحالف المتعددة الأقطاب لم يعد السوق العالمي في ظل العولمة مجرد فضاء مادي تتم من خلاله العمليات التجارية والمالية كما عهدنا في مرحلتي التدويل واعدد الجنسية بل أصبح ملتقى إعلاميا كوكبيا يتم في إطاره تبادل المعطيات والتحكمات المالية على حساب الاقتصاد الواقعي « réelle économie » وخرجت منه مجموعات نشيطة ذات خبرة واسعة في مجال المضاربات المالية (وحتى العقارية) واندرجت مفاهيم المنافسة الحرة وقيام الشفافية لصالح الممارسات الاحتكارية وثقافة الإرشاد والتهرب من الضرائب، والعولمة التي صنعتها وكرستها تكنولوجيا الإعلام والاتصال (من بين عوامل أخرى) لم تسحب السجاد من تحت أقدام مفاهيم القومية (بمعنى القطرية) والسوق الوطني والحدود الجغرافية فحسب بل سحبته من تحت أقدام الدولة (الدولة/الأمة) بتشريعاتها ومعاييرها ونظم تسييرها فتحولت الدولة إلى مجرد متفرج على قرارات تتخذ داخلها من طرف شبكات المال والأعمال العالمية النشاط فأفرغت بذلك من دورها كفاعل رئيسي لعملية تحديد السياسة الاقتصادية وحتى من سلطتها الجبائية على الموارد "المارة" عبر كيانها الجزائي (03).   

العولمة بالمفاهيم السالفة الذكر تتعارض –تعارضا تاما- مع قواعد القانون الدولي، ومع طبيعة العلاقات الدولية بل إنها تتعارض كليا مع الاقتصاد الوطني، ومع السيادة الوطنية ومع قانون التنوع الثقافي، إن العولمة إذا صارت في الاتجاه المرسوم لها ستكون إنذارا بانهيار وشيك للاستقرار العالمي (لأن العولمة بهذا الموضوع تضرب الهوية الثقافية والحضارية في الصميم وتنسف أساس التعايش الثقافي بين الشعوب، كما أن العولمة بهذا المفهوم الشمولي ذي الطابع القسري ستؤدي إلى فوضى على مستوى العالم في الفكر والسلوك وفي الاقتصاد والتجارة وفي الفنون والآداب وفي العلوم والتكنولوجيا أيضا).(4)

فالعولمة عند الغرب لا تقوم على التآخي وشمول شعوب العالم بالرفاهية، والقضاء على الفقر كما تصورها واضعوها ومصمموها في بداية الأمر بل أصبحت تكرس الطبقية والفقر والبأس وزيادة البطالة والخوف و القلق وارتفاع الجريمة وزيادة الفساد الأخلاقي والاتجار في المخدرات والتطاحن والحروب فهل من بديل في هذا الوضع والرجوع بالعولمة إلى حقيقتها التي ينبغي أن تكون عليها؟.

أعتقد أن الفكر الإسلامي هو الملجأ الوحيد إلى إرجاع السكة إلى قاطرتها ومن هنا فإن على الأدبيات الإسلامية وعلمائنا أن يخرجوا من قوقعتهم و أن يواجهوا الواقع المعاش في هذه المنظومة مادام الرصيد الفكري والثقافي للإسلام يتوفر على ثوابت وقيم أخلاقية ومادام الإسلام قائما على التفاعل مع الآخرين الحق ضالته ولا يتعمد إلغاء الآخرين ولذلك يعتبر الحل الأنجع والبديل للعولمة التي يريد الغرب فرضها على سكان المعمورة.

إن الإسلام يوجد في كل مكان من المعمورة ويمتد عبر القارات، ويتوزع بين الثقافات والحضارات، ويشكل حزاما مترابطا متينا ويتوفر كبير طاقات وعظيم إمكانيات وكل شيء فيه يؤهله ليقدم عطاءاته واهتماماته لخدمة العلم في تعاون مخلص نزيه مع المجموعة العالمية الأخرى، لذلك لأن الإسلام ليس دينا فحسب بل هو دين ودنيا، والواقع أن الدين الإسلامي يتضمن مجموعة من القيم الأخلاقية والتشريعية والحضارية التي يخاطب بها القرآن كل الناس دون تميز أو تفاضل في اللون أو الجنس وهو ما أربك الغرب الذي أصبح ينظر للإسلام باعتباره العدو الأول للنظام الرأسمالي وأخذ يحسب له ألف حساب خصوصا بعد انهيار الجناح الشيوعي.

على الدول الإسلامية أن تنخرط في هذه المنظومة لتواكب التطور التكنولوجي والإعلامي وتقوم بتوظيف رصيدها الثقافي والديني في حماية الفكر الإسلامي والمسلمين مع تمرير الخطاب إلى غيرهم من سكان الكون ونشر هذا الإشعاع الإسلامي الحضاري بين سكان الكون وتدعيم الفكر الحر البناء لمقاومة التيارات الهدامة والمتطرفة لأنه بقدر ما يتسع الفراغ الروحي وتهز القيم الروحية ويشع التطرف في أي اتجاه ويسود النظام الاستبدادي بقدر ما يدل على فطرته وينقذه من المادية العمياء ومن الأنانية الهوجاء وبهذا قد تتحول تحديات العولمة إلى استنهاض الإرادات نحو النضال من أجل سعادة حرية الإنسان في أن مع هويته ويحقق فيها ذاته عن طريق الإبداع والتميز والاختلاف.

إن ما جاء به القرآن الكريم مع تعليم وأصول فكرية وقوة روحية من شأنها أن تساهم في تحريك العالم الاقتصادي نحو التخليق وإخراجه من الفوضى التي يجتازها والوصول إلى ما تنشده البشرية من كرامة إنسانية كما أن ما جاءت به السنة النبوية من أحكام وقواعد شرعية من شأنها أن تعمل على ترسيخ كل الثوابت الإيجابية التي تؤدي إلى الحفاظ على تماسك المجتمع والأخذ بيد الضعيف والمعاملة الحسنة ولو مع غير المسلم.

والمبادئ الإسلامية والتعاليم القرآنية والأحاديث النبوية أرضية صالحة لبناء عولمة جديدة ليس فيها تمييز تلقائي فيها كل الحضارات وتعزز فيها الديمقراطية وتعيد الثقة والمصداقية في نفوس سكان القرية الكونية.

ولن يأتي للمجتمع الدولي الوصول إلى عولمة حقيقية إلا إذا تمت أواصر الصلة بين سكان هذا الكون وساد الود والتآخي وغيرت دول الغرب لغتها وخطاباتها وحوارها السياسي والإيديولوجي والاستراتيجي مع شعوب العالم ولم يعد هناك قطب منفرد بالهيمنة على الآخرين.

وفي المجال الثقافي أخذتِ العولمة تمسُّ الثقافةَ بمعناها العام؛ أي كل ما يجيشُ به فكرُ الإنسان من تصوراتٍ ونظرياتٍ وممارساتٍ، وما يخفَقُ به قلبُه ويرتاحُ له ضميرُه من تمتعٍ بحريـة الفكر والتفردُ بالخصوصيةِ والشعورُ بالذَّات، والحوارُ بلغةِ الذَّات مع النفس والنــاس. والمشكلةُ المطروحةُ هي الاتجاه إلى صياغةٍ ثقافيةٍ عالميةٍ، لها قيمُها ومعاييرُها، و الغرض منها ضبطُ سلوكِ الدُّول والشعوب. والسؤال هنا : هل تؤدي هذه الثقافةُ العالميةُ –حال قيامِها وتأسيسِها – إلى العدوان على الخصوصيات الثقافية، مما يهدِّد هويات المجتمعاتِ المعاصرة ؟

2- مفهوم الهوية:

يعرف الدكتور زهير حطب الهوية بأنها فعل إرادي، انتقائي يقرب بين العناصر المكونة للهوية لتوحيدها في إطار مشروع مشترك وحياة مشتركة يلتقي عليها أكبر تجمع من الأمم والشعوب لتأكيد انتماءه إلى العصر من جهة وليضمن حقوقه على أساس الخيار القانوني من جهة أخرى (5).

كما تعرف الهوية بأنها كل ما يشخص الذات ويميزها، فالهوية في الأساس التفرد والهوية هي السمة الجوهرية العامة للثقافة من الثقافات، والهوية ليست منظومة جاهزة ونهائية، وإنما هي مشروع مفتوح على المستقبل أي أنها مشروع متشابك مع الواقع والتاريخ. لذلك فإن الوظيفة التلقائية للهوية هي حماية الذات الفردية والجماعية من عوامل التعرية والذوبان إن هذا التصور الوظيفي لمفهوم الهوية يجعلنا نميز بين تأويلين لمعنى الهوية:

1-  التصور الستاتيكي أو الماهوي للهوية، الذي يرى أن الهوية عبارة عن شيء اكتمل وانتهى وتحقق في الماضي، في فترة زمنية معنية.

2-التصور التاريخي والديناميكي للهوية الذي يرى أن الهوية شيء يتم اكتسابه وتعديله باستمرار و ليس أبدا ماهية ثابتة، أي أن الهوية قابلة للتحول والتطور.

3- مفهوم الثقافة:

يعرف علماء الاجتماع الثقافة بأنها أسلوب حياة، ورغم إيجازه الشديد فإن هذا التعريف يعني أن الثقافة هي مركب معقد لمزيج متفاعل يضم فنون المجتمع ومعتقداته، وعاداته ومؤسساته وقوانينه وأعرافه وإبداعات وأساطيره وفلكلوره وخرافاته ولغاته وقيمه المختلفة، الثقافة اليوم اتسع معناها فأخذت مجموعة النشاطات والمشروعات والقيم المشتركة التي تكون الأساس للرغبة في الحياة المشتركة لدى أمة من الأمم والتي ينبثق منها تراث مشترك من الصلات المادية والروحية الذي يغتني عبر الزمن ويغدو الذاكرة الفردية والجماعية التي على أساسها مشاعر الانتماء ولتضامن والمصير الواحد.

4- مفهوم الهوية الثقافية:

الهوية الثقافية كيان يسير ويتطور وليس معطى جاهز ونهائي، فهي تسير وتتطور إما في اتجاه الانكماش أو في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، انتصاراتهم، وتطلعاتهم، وأيضا باحتكاكهم سلبا أو إيجابا مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما، وعلى العموم تتحرك الهوية الثقافية في ثلاث دوائر متداخلة ذات مركز واحد وكما يلي:

أ‌-  الفرد داخل الجماعة الواحدة: هي عبارة عن هوية متميزة عبارة عن أنا لها آخر داخل الجماعة نفسها، أن تصنع نفسها في مركز الدائرة عندما تكون في مواجهة مع هذا النوع من الآخر القبيلة، المذهب والطائفة أو الديانة، التنظيم السياسي أو الاجتماعي.

ب‌-الجماعة داخل الأمة: هم كالأفراد داخل الجماعة، لكل منها ما يميزها داخل الهوية الثقافية المشتركة لكل منها أنا خاصة بها.

ت‌-الشيء نفسه يقال على الأمة الواحدة إزاء الأمم الأخرى غير أنها أكثر تجريدا، وأوسع نطاقا وأكثر قابلية عن التعدد والتنوع والاختلاف.

ويمكن تحديد بعض ملامح الهوية الثقافية وهي مجموعة من الملامح الثقافية الخاصة بجماعة سياسية واحدة بما يميزها عن غيرها من الجماعات وكذا وجود علاقة بين الهوية والثقافة، فالثقافة هي التي تشكل الهوية وهي التي تعطي الاسم والمعني والصورة، أي هي التي تجعل جماعة متميزة أو مختلفة عن الجماعات الأخرى.

إن مخاطر العولمة على الهوية الثقافية إنما هي مقدمة لمخاطر أعظم على الدولة الوطنية والاستقلال الوطني والإرادة الوطنية والثقافة الوطنية ،فالعولمة تعني مزيداً من تبعية الأطراف لقوى المركز.(6)

5- أثر العولمة على الهوية الثقافية:

هناك إذن ثالث مستويات للهوية الثقافية لدى شعب من الشعوب وهذه المستويات هي: الهوية الفردية الجماعية والهوية الوطنية أو القومية، فالهوية الفردية هي التي تفرض نفسها ك (أنا) وإن كان يقع في دائرة الأمة فالهوية الجماعية هي التي تحل محل (الأنا) الفردي أما إن كان الآخر (خارجيا) أي يقع خارج الأمة والدولة والوطن فإن الهوية الوطنية أو القومية هي التي تملأ (الأنا)، ولا تكتمل الهوية الثقافية ولا تبرز خصوصيتها الحضارية، ولا تبدو هوية ممتلئة قادرة على الأخذ والعطاء، إلا إذا تجسدت مرجعيتها في كيان مشخص تتطابق فيه ثلاث عناصر هي الوطن الأمة، الدولة.

-الوطن بوصفه الأرض أو الجغرافيا والتاريخ، وقد أصبحنا كيانا روحيا واحدا يعمر قلب كل مواطن.

- الأمة بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة.

- الدولة بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والأمة والجهاز الساهر على سلامتها ووحدتها وحماية مصالحها وتمثيلهما إزاء الدول الأخرى في زمن السلم والحرب، لذلك فكل مس بالوطن أو بالدولة هو مس بالهوية الثقافية والعكس صحيح، فكل مس بالهوية الثقافية هو مس في الوقت نفسه بالوطن والأمة وتجسيدهما التاريخي لذلك فإن الهوية الثقافية تنتمي أكثر ما تنتمي إلى كيان الدولة وسيادتها الثقافية، والوطن سيمثل هنا لوعاء الجغرافي السياسي الذي تتعبى فيه ثقافة ما، فتصير ثقافة ما، فتصير ثقافة وطنية أو قومية، وواجب الدولة هنا إحاطة الثقافة والنظام الثقافي بالحماية وظلت الثقافة الوطنية تنهل أسباب سيادتها وتجددها من مصدرين أو مؤسستين هما الأسرة والمدرسة.

-الأسرة: باعتبارها أول المصانع الاجتماعية التي تنتج الوجدان الثقافي الوطني بواسطة شبكة القيم التي توزعها من خلال التربية العائلية على سائر أفرادها، كما يتلقى الطفل في هذه المؤسسة التكوينية لغته ومبادئ عقيدته والقوالب العليا ليلوكه، كما يتلقى بعض المبادئ بالهوية الجماعية، والتي ستظل آثارها فاعلة في سلوكه وإن تمرد على بعضها في فترات الشباب.  

-المدرسة: التي تمثل مؤسسة الإنتاج الاجتماعي الثانية التي تستأنف عمل الأولى وتنتقل بأهدافها إلى مدى أبعد من حيث البرمجة والتوجيه فضلا عن قدرتها على صقل تكوين الفرد الاجتماعي وتنمية ملكة التحصيل والإدراك لديه بدرجة لا يستطيعها الفعل التربوي الأسري. كما تنفرد المدرسة بقدرتها على نقل الوعي من حدود الجماعة الطبيعية (الأسرة) إلى رحاب الجماعة الوطنية، وتكريس جملة من المبادئ التي تؤسس لقيام وعي بالأنا الجمعي الوطني التربوي والتكوينية وضعف قدرتها على إنتاج منظومات القيم الاجتماعية ورصيد الوعي المدني الذي يؤسس البني التحتية للثقافة الوطنية وللسيادة الثقافية.

ويترافق في الوقت الحاضر التزايد في حجم الخلل في العمل الوظيفي الطبيعي للأسرة وعملية التفكك في بنائها مع الإخفاق في النظام التعليمي، الأمر الذي ينذر بالانهيار الكامل والشامل لنظام القيم في الدول النامية بشكل عام والدول العربية بشكل خاص حيث تشهد المدرسة حاليا إخفاق في نظام التعليم كما ونوعا، كما تشهد انخفاض في نسب الملتحقين بالمدارس والجامعات ونوعا من فقر محتوى البرنامج التعليم وقصورها عن ملاحقة التطورات والعرفية، كما تشهد الأسرة فقدانا متزايدا في قدرتها على الاستمرار كمرجعية قيمية وأخلاقية بسبب نشوء مصادر جديدة لإنتاج القيم وتوزيعها وفي مقدمتها الإعلام المرئي، فظلا عن الاضمحلال التدريجي للسلطة الأبوية، وقد شخص تقرير التنمية الإنسانية للدول العربية لسنة 2000 هذه الحالة. وفي ضل هذه الظروف جاءت العولمة كنظام أو نسق ذو أبعاد متعددة اقتصادية، سياسية وثقافية يمارس تأثيرا مباشرا على الهوية الثقافية للمجتمعات من خلال الوسائل الآتية (07):

1- استعمال السوق العالمية كأداة للإخلال بالتوازن في الدول القومية في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية.

2- اتخاذ السوق والمنافسة ومعايير الكفاءة الاقتصادية والإنتاجية كمجال الاصطفاء بالمعنى الدارويني أي بمعنى البقاء للأصلح، وهذا يعني أن الشعوب التي لا تمتلك الكفاءة الإنسانية ولا تقدر على المنافسة في السوق العالمية سيكون مصيرها الانقراض.

3- إعطاء الأولوية للإعلام لإحداث التغيرات على الصعيدين المحلي والعالمي، فالعولمة في الحقل الثقافي تأتي اليوم في إطار من شبكات المعلومات وقنوات البث الفضائي وشبكة الإنترنت وهكذا بدلا من الحدود الثقافية والسياسية تطرح العولمة حدودا غير مرئية ترسمها الشبكات العالمية بقصد الهيمنة على الاقتصاد والأذواق والفكر وأنماط السلوك والصور هي المفتاح السحري لهذا النظام الثقافي الجديد، فالصورة باتت قادرة على تحطيم الحاجز اللغوي كما تستطيع العولمة الاقتصادية تحطيم الحاجز الجمركي، وأصبحت الأقمار الصناعية الوسيلة لنقل الصورة إلى كل الأصقاع لتلغي بذلك الحدود الجغرافية والثقافية وعلى أية حال أصبح النظام المسيطر في حقبة العولمة هو النظام السمعي البصري وهو النظام المتمثل اليوم في عشرات الإمبراطوريات الإعلامية التي تزج ملايين الصور يوميا لقد تحولت الصورة في هذا النظام سلطة رمزية تساهم في تشكيل الوعي والوجدان والذوق وهذا له آثاره الخطيرة على صعيد التنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والقيم فبالسيطرة على الإدراك يتم إخضاع النفوس وتعطيل فاعلية العقل والتشويش على نظام وتنميط الفروق وقولبة السلوك والهدف هو تكريس نوع معين من الاستهلاك لنوع معين من المعارف والسلع، معارف إعلانية تشكل في مجموعها ما يمكن أن نطلق عليه "ثقافة الاختراق" وتتولى هذه الثقافة نشر وتكريس الأوهام الآتية:

- وهم الفردية: أي اعتقاد المرء أن حقيقة وجوده محصورة في فرديته وأن كل ما عداه أجنبي عنه لا يعنيه، و تهدف إشاعة هذا النوع من الوهم إلى إلغاء الهوية الجماعية والوطنية وكل إطار آخر ليبقى الإطار العولمي هو وحده الموجود.

- وهم الخيار الشخصي: فباسم الحرية يجري تكريس النزعة الأنانية وطمس الروح الجماعية.

- وهم الحياد: فما دام الفرد وحدة الموجود وما دام حرا مختارا فهو محايد، بمعنى تحلل الشخص من كل التزام أو ارتباط بأية قضية.

- وهم الاعتقاد بثبات الطبيعة البشرية وثبات الفوارق الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء البيض والسود، وشل روح المقاومة والرغبة في التغيير والجماعة.

وهم الاعتقاد في غياب الصراع الاجتماعي والذي يدعو إلى الاستسلام للجهاد المستغلة من شركات ووكالات من أدوات العولمة وبعبارة أخرى فإنه يدعو إلى التطبيع مع الهيمنة والاستسلام لعملية التبعية للحضارة التي تقود حتما إلى فقدان الشعور بالانتماء إلى الوطن والأمة والدولة وبالتالي إفراغ الهوية الثقافية من كل محتوى لها، لأن العولمة هي عالم من دون دولة ومن دون أمة ومن دون وطن إنه عالم المؤسسات والشبكات العالمية التي أصبحت الفاعل الأساسي في مسيرة العولمة أما المفعول فيهم فهم المستهلكون للسع والصور والمعلومات فوطنهم الفضاء المعلوماتي الذي تضخه شبكات الاتصال ذلك الفضاء الذي يسيطر ويوجه الاقتصاد والسياسات والثقافة، وهكذا تتحول العولمة إلى نظام يقفز على الدولة والأمة والوطن، نظام يريد رفع الحواجز والحدود أمام الشبكات والمؤسسات المتعددة الجنسية وبالتالي فإنه يعمل على الانمحاء التدريجي للدولة الوطنية وتحويلها إلى حارس تقليدي لمصالح الشبكات العالمية المهيمنة.(08)

فدخول الدول النامية إلى العولمة يتطلب منها أن ترخي قبضتها شيئا فشيئا على الاقتصاد والمجتمع تحقيقا لمصالح المتعددة الجنسية، وعلى الصعيد الثقافي فإنها تحرر من الولاءات الثقافية الضيقة والمتعصبة إلى ثقافة عالمية واحدة تتساوى فيها الأمم جميعا، تحرر من كل أنواع التحيير المسبق لأمة أو لدين أو لأيديولوجية بعينها إلى عقلانية العلم وحياد التكنولوجيا وبذلك فهم يقدمون صورة وردية ومشرقة عن تلك الظاهرة ولكن موقفنا سيتغير حتما عندما ندرك بأن الذي يجري عولمته لييس إلا سلع وخدمات بعينها، ذات طبيعة وخصائص معينة أفرزتها ثقافة بعينها (كأجهزة البث التلفزيوني الفضائي والانترنت والهاتف الخلوي). وهذا يعني أن العولمة هي في الحقيقة عولمة نمط معين من الحياة هو نمط الحياة الغربية وتحديدا نمط الحياة الأمريكية بما يشمله من علاقات أسرية واجتماعية والذي تعارض إلى حد كبير من الخصوصية القافية الدينية لمعظم شعوب الأقطار النامية وبخاصة العربية والإسلامية، فأي حرية نوعد بها لو تحررنا من سيطرة الدولة إذا حلت الشركات المتعددة محل الدولة، ولكن كما تبين فإن العولمة هي عولمة حضارة بعينها وهذه الحضارة هي تعبير عن ثقافة أمة معينة أو مجموعة معينة من الأمم فالاعتراف بأن الحضارة الغربية قد اكتسحت العالم لا يعني بأنها نتائج العالم بأسره وأنها تستحق أن تكتسح العالم بأسره فقد نقبل بأن التقدم العلمي أمرا حتميا وأن التطور التكنولوجي أمرا حتميا ولكن هذا لا يعني قبولنا بالحضارة الغربية كظاهرة حتمية.

مــا العمــل؟

إن حاجتنا إلى تجديد ثقافتنا وإغناء هويتنا والدفاع عن خصوصيتنا ومقاومة الغزو الثقافي للعولمة لا يقل أهمية عن حاجتنا لاكتساب الأسس والأدوات التي لا بد منها للممارسة التحديث ودخول عصر العلم والتكنولوجيا لذوات الفاعلة مستقلة وبقدر تعلق الأمر بالثقافة العربية، فإن الحلول المطروحة على الأمة العربية تتراوح بين الرفض والانكفاء أو الاستسلام الكامل للحضارة الغربية على الرغم من وجود بعض الفئات التي تحاول التوفيق بين هذين الموقفين ويبدو أن الإشكالية التي تواجه المواقف الثلاث في عدم قدرتها على التمييز بين الحداثة والتغريب، فالحداثة الحقيقة ترفض التعريب لأن التغريب يشكل في الواقع الأمر حائلا دون التحديث الحقيقي فالتحديث مضمون يتجاوز المضمون الغربي، ويرى أن الحداثة ليست حكرا على الغرب وإن الثقافة ليست أفضل الثقافات ولا تمثل بالضرورة النموذج الأمثل الذي ينبغي على الثقافات الأخرى أن تقتفي أثره، وقد أثبتت المسيرة الحضارية للإنسانية ظهور حضارات كبرى حققت ذاتها دون أن يفرض عليها هذا الموقف تبعية كاملة للغرب وقدمت اليابان منذ عصر الميجي نموذجا مشرفا في هذا الاتجاه كما أن ما أنجزته الصين ودول جنوب شرقي آسيا والهند من ناحية التفاني والحرص على التمسك بثقافتها البوذية والكنفوشيوسية والهندوسية لا يقل شأنا أيضا، وتدعو الحاجة هنا إلى التحذير من الظن بأن الثقافة العربية الإسلامية تتناقض مع الحداثة وهذه الرؤيا تدعو إلى تبني ثقافة عربية إسلامية جامعة من خلال العمل على تحقيق التفاعل الموضوعي أو الاتحاد الكيميائي بين التجذر في التراث وتجديده من خلال التشخيص الدقيق لحاجات الوجود العربي والاستفادة من التجربة العلمية الحديثة، ومنجزات التقدم العلمي والتكنولوجي التي هي مشترك بين ثقافات عديدة من بينها الثقافة العربية الإسلامية كما أن العمل بهذا سيساعد في انبثاق ثقافة عربية حديثة وذاتية يمكن أن تشكل محورا لعملية التنمية على أن تحتل هذه الثقافة الجديدة موقف القلب المحرك الذي تدور حوله عمليات التنمية الاقتصادية والسياسية والتربوية والعلمية والتكنولوجية والإبداعية وحتى تكتمل تلك المنظومة ينبغي الحرص على إضافة نظام المعتقدات والقيم والمحافظة على التراث كجزء أساسي يعمل جنبا إلى جنب مع باقي عناصر المنظومة فعملية التنمية في النهاية هي عملية داخلية ينبغي أن تستند إلى الثقافة الداخلية الخاصة بالبلد وتقاليده وموارده الطبيعية وقيمه السياسية والمراحل التاريخية لتنميته بمعنى أن المنابع الفكرية لهذه التنمية ينبغي أن تكون هي الحضارة العربية الإسلامية لإبراز الهوية الحضارية العربية – الإسلامية وتنميتها والمحافظة عليها، وبوصف الثقافة مستودع الأصالة تستلهم التراث الذي يجب أن يكون واقعا متفاعلا لا متحجرا، وقوة دفع لا قوة جذب ومصدر ثقة لا نموذج تقليد، كما أن الوقوف على أرض التراث العربي الإسلامي لا يعني الانغلاق بوجه بقية الحضارات، بل أساسا التصدي لمشاكل التنمية العربية من خلال منطقها الداخلي الخاص وليس من خلال تبني حلول جاهزة وضعت لمجتمعات عبر مجتمعاتنا.

أين يكمن دور المجتمع المدني في المحافظة على الهوية الثقافية في ظل العولمة؟

قبل الإسهاب في هذا الدور علينا أن نعرف أولا ماذا نقصد بالمجتمع المدني، يتخذ المجتمع المدني أشكالا مختلفة ولكن يمكن النظر إليه على أنه مجموعة كبيرة من العلاقات والمنظمات والمؤسسات التي تضم أفرادا ذوي اهتمامات متماثلة، كما يضم جماعات ذات عضوية طوعية، القطاع الخاص، التعاونيات، النقابات، المؤسسات الصغيرة، الجماعات النسائية، المنظمات الخيرية، الهيئات الدينية، الأحزاب السياسية، جماعات الضغط، الحركات الاجتماعية، الاتحادات المهنية، الصحافة ... باختصار جميع الطرق التي تجمع بها الناس للتعبير عن آرائهم وبلوغ غاياتهم من دون المرور بأجهزة الدولة (9).

ويعرفه عبد الغفار شكر أيضا: على انه مجموعة التنظيمات المستقلة عن الدولة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، أي بين مؤسسات القرابة والقبيلة والعشيرة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها، تنشأ من أجل تحقيق مصالح أعضائها (10).

إذن فالمجتمع المدني هو حلقة الوصل بين السلطة والمجتمع، وهو المسؤول عن توضيح أفكار السلطة وتطلعاتها في مستقبل الأمة والمجتمع، وفي نفس الوقت يلعب دور المترجم لآمال وطموحات العامة من أفراد المجتمع في شكل أهداف ترقى بهذا المجتمع وتبتعد به عن مجالات الصراع والصدمات.

وإننا في هذه المداخلة لا نهتم بالدور العام للمجتمع المدني، بل نركز على جانب محدد وهو الدور التثقيفي، أي البحث في نشاط المجتمع المدني الذي يهدف من ورائه إلى المحافظة على الهوية الثقافية التي تشمل الدين واللغة والعادات والسمات الوطنية التي ترتبط بالبيئة التي نشأ فيها الفرد، في ظل الاختراق الثقافي الذي يصوبه الغرب نحو مجتمعاتنا تحت مسمى "العولمة" التي ترمي من ورائها إلى إخضاع النفوس وتعطيل فاعلية العقل وتكييف المنطق والتشويش على نظام القيم وتنميط الذوق والسلوك الإنساني نحو السلوك الاستهلاكي الفردي على حساب السلوكات الخاصة بكل مجتمع، لنصبح في الأخير في عالم اللأمة واللاوطن واللادولة.   

إن العولمة اليوم تقوم بتعزيز وترسيخ القبول الطوعي لقناعات الغرب وتصوراته الثقافية والإيديولوجية، مستعينة بالشركات متعددة الجنسيات وبمؤسسات الإعلام الدولية ووكالات الأنباء الإعلامية من أجل نشر ما يبدو ثقافة العولمة، بكل ما تحمله من أفكار قد تكون في الغالب دخيلة على الفكر المحافظ لمجتمعاتنا، وإننا لنجد شبابنا اليوم يميل إلى تقبل بما نسميه "غث الحضارة" والابتعاد عن سمينها، وخير مثال على ذلك آخر صراعات تسريحات الشعر، الألبسة الممزقة من كل جانب والمفردات التعبيرية المتداولة بين الشباب والشابات أما التسابق على مواقع الانترنت وآخر رنات الهاتف النقال فحدث ولا حرج، أهذه هي الحضارة؟

إن وضعية الشباب اليوم في الوطن العربي والجزائر تحديدا تستدعي دق ناقوس الخطر لما آلت له هذه الوضعية من تدهور، فالانسلاخ عن القيم والمبادئ المحافظة التي نشأت عليها مجتمعاتنا أصبح السمة الغالبة أمام تيار العولمة الذي جرف ويجرف معه الكثير من أبناء هذا الوطن.

هنا يبرز دور المجتمع المدني، كأهم وسيط اجتماعي، للعب الدور الفعال والحاسم في إزالة الغشاوة على أعين شبابنا الذي انساق وراء فتات الحضارة، ونسي أن له أصولا حضارية أعرق وأولى به أن يعود ويتمسك بها ولما يطورها لتنافس تلك الدخيلة على هويته وأصالته.

فهل قام المجتمع المدني بهذا الدور فعلا؟

قمنا في إطار هذه المداخلة بإجراء دراسة ميدانية حول الدور التثقيفي للمجتمع المدني والذي كان محددا في الجمعيات الثقافية والأدبية والتاريخية، فتفاجأنا بغياب شبه تام للمجتمع المدني أصلا حتى توكل له مهمة هذا الدور، عدا بعض الجمعيات التي تنشط في المناسبات الوطنية أو الدينية أو الخيرية وفي الغالب الترويجية، وحتى نكون منصفين أكثر فحسب الدراسة المجراة بمدينة بسكرة فهناك ثلاث جمعيات على الأكثر التي لمسنا جديا عملها ونشاطها الثقافي، لكنه بعيد عن الهدف المنشود.

- الجمعية الثقافية والتعاون بين الشباب بسكرة:

التي تزامن إجراء هذه الدراسة مع فعاليات الصالون الثالث لجمع الطوابع البريدية، المنظم من طرف هذه الجمعية، وحسب رئيس الجمعية وما وجدناه معروض في الصالون فإن تاريخ الجزائر قد جمع في سلسلة متواصلة في طوابع بريدية وهو يعبر عن جانب كبير من الشخصية الوطنية والهوية الثقافية للجزائري، إننا نجده تعبير طموح ولو أنه خرج خارج أسوار هذه المدينة إلى العالم أجمع، لكن العراقيل البيروقراطية والمادية دائما كانت الحائل دون تحقيق ذلك.

- الجمعية الخلدونية:

لهذه الأخيرة نشاط دوري حسب إصدارات المجلة الخلدونية من جهة وحسب الملتقيات الوطنية التي تشارك وتساهم في تنظيمها، وتختص بإبراز ملامح الشخصية الوطنية الجزائرية عبر تاريخها الحافل بالأعلام والشخصيات والأحداث.

- جمعية مسرح المدينة:   

وهي جمعية خاصة بالفنون الدرامية لمسرح الطفل، حسب المقابلة المجراة مع رئيس هذه الأخيرة فإن المواضيع المطروحة والأفكار لحد الآن هي متمحورة حول عالم الطفل (طبيعة، خيال ألعاب..) إلا أن موضع إبراز ملامح الشخصية الوطنية في شكل مسرحيات للطفل هو هدف مستقبلي فالنشاط حاليا يتركز حول التعريف بالجمعية على المستوى الوطني، أما مواضيع المسرحيات فيجب أن تنطلق من البيئة الجزائرية وتحديدا الصحراوية مع الانفتاح على الآخر، فلشمال خصوصيته وللجنوب خصوصيته.

من خلال الدراسة الميدانية، وسلسلة المقابلات التي أجريناها مع الرؤساء والأعضاء النشطين بالجمعيات المذكورة، فإن موضوع المحافظة على الهوية الثقافية في ظل العولمة يعتبر خطوة بعيدة لبلوغها تحتاج هذه الجمعيات الكثير من النشاط والدعم المادي والمعنوي والحرية في طرح الأفكار والانشغالات.

وأخيرا نستطيع القول من خلال النتائج المتحصل عليها أن المجتمع المدني أو الجمعيات في بلادنا تسعى جاهدة إلى المحافظة على المقومات الوطنية والاجتماعية والثقافية والدينية رغم التغيرات التي يعرفها المجتمع خاصة في ظل العولمة وما نتج عنها لكن هذا الدور لم تقم به هذه الجمعيات على أحسن وجه وهذا يجعلنا نفكر في إعادة النظر في أشياء كثيرة من بينها الأهداف التي تسعى إلى الوصول إليها  . وإعادة الاعتبار لوضعية المجتمع المدني في بلادنا والدور المنوط به.في سبيل المحافظة على أصالتنا وهويتنا الثقافية، ليشكل خط أمان أمام أي محاولة لاختراق هذه الهوية أو تشتيتها.

  الهوامش:      

1- محمد حسين أبو العلا ،ديكتاتورية العولمة قراءة تحليلية في فكر المثقف،مكتبة مدبولي ،ط01،القاهرة،2004.

2-محمد عابد الجابري ، "العولمة والهوية الثقافية" أطروحات دار المستقبل العربي، العدد 02-228،بيروت،1998.

3-أحمد صديقي الدجاني نقلا عن اسماعيل صبري عبد الله ،"الكوكبة".

4-يحي اليحياوي "العولمة ورهانات الإعلام"،سلسلة شراع ،العدد 33.

5-فلاح كاظم المحنة ،العولمة والجدل الدائر حولها ،مؤسسة الرواق للنشر والتوزيع ،ط01،الأردن،2002.

6- الثقافة العربية بين العولمة والخصوصية/ د. حسن حنفي ، الفكر السياسي العددان (4 – 5) ص325.

7-سليمان ابراهيم العسكري ،الثقافة والانسان العربي ،اطلالة على المشهد الراهن ،مجاة العربي ،العدد 509،الكويت،2001.

8-ايناس أبو يوسف وأخرون ،الاعلام والثقافة والهوية في الوطن العربي ،مركز البحوث العربية للدراسات العربية والافريقية ،دار الامين ،القاهرة ،2003.

9-حسن لطيف كاظم الزبيدي ،العولمة والمستقبل الدور الاقتصادي للدولة في العالم الثالث ،دار الكتاب الجامعي ،العين 2002.

10-عبد الغفار شكر ،اختراق المجتمع المدني في الوطن العربي ، الدولة الوطنية وتحديات العولمة في الوطن العربي ،مركز البحوث العربية الإفريقية ،مكتبة مدبولي ،القاهرة ،2004.