الانصهار الثقافي الأمازيغي العربي في منطقة الأوراس و تأثيره في هوية السكان.pdf

 

أ/أمزيـان ونـاس

جامعة باتنة(الجزائر)

ملخص المداخلة:

يتأثر الفرد كما تتأثر الجماعة والمجتمع ككل بالبيئة التي يعيش فيها كما يتأثر باحتكاكه مع مختلف البيئات التي يتاح له بشكل من الأشكال التقارب معها سواء كان ذلك من الناحية الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية و غيرها ، و قد يطول التأٍٍٍٍُثر فيتحول مع مرور الوقت إلى تناغم و توافق و منه قد يتحول إلى الانصهار الجزئي  و ذلك ما حدث لمنطقة الأوراس التي يقطنها الشاوية باعتبارها عينة من المناطق الأمازيغية بالجزائر، فبسبب الإمكانيات الطبيعية الضرورية لبقاء الإنسان من مياه و غابات و كهوف التي تتوفر عليها المنطقة أصبحت محط أنظار العديد من الحضارات الكبرى كالفينيقيين و الرومان وغيرهم، و تشير الدراسات أن تسمية الأوراس جاءت موافقة للمعنى المتداول حاليا، و هو الأسد و يقصد  بها جغرافيا مجموعة الجبال الممتدة من جبال بوطالب، و الحضنة الشرقية غربا حتى حدود تونس شرقا، و من وراء بسكرة جنوبا حتى حدود قسنطينة شمالا، إن المثقف الذي يعيش وسط المجتمع الأوراسي و يتعامل بموضوعية مع قضاياه يكون قادرا فعلا على استخلاص بعض الخصوصيات الثقافية التي لها علاقة بهوية السكان جميعهم بما فيهم الشاوية والعرب الذين نزحوا خلال حقب زمنية متتالية من جنوب الأوراس و شماله و تعايشوا مع الشاوية في توافق وانصهار واضح يمكن الوقوف عليه من خلال الملاحظات و المواقف التي يسجلها التاريخ على سكان الأوراس،بحيث يمكن للمثقف أن يلمس بكل سهولة و يتجلى ذلك في العديد مت المظاهر الثقافية و اللغوية حيث نلاحظ التداخل و الانصهار بل حتى التشابه إلى حد التطابق ليس مع باقي مناطق الوطن فحسب بل حتى مع الشعوب المغاربية و شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط حيث نجد مثلا تشابه في التقاليد كعادات الزواج و الولائم و الجنائز، و تطابق الكثير من العادات سواء تعلق الأمر بالزواج و العلاج من الأمراض  مثل استعمال الوشم و خصوصا الاستعانة بالسحرة و الرقاة و الشعوذة التي تنتشر في الأوراس لدى الشاوية و العرب كما تنتشر في ربوع الجزائر و تكثر في المغرب و تتواجد بتونس و ليبيا، بل و نجد لها مكانا هاما لدى الأسبان و الإيطاليين و الفرنسيين إضافة إلى تواجد و توارث بعض الصناعات التقليدية الخاصة بالفخار مثل القلة و الشمعدان ، و نسج الزربية التي نجدها متشابهة و تحمل معاني عديدة نجدها كذلك في الوشم الذي ينقش على أجساد الشاوية و اللباس مثل البرنوس و القشابية و الأسواق التقليديةالتي تنظم تلقائيا وتدوم بضع ساعات فقط في الفترة الصباحية والملاحظ أنها تشمل أصحاب الحرف كالحلاقين والإسكافيين ، واللحامين ، والطراحين وصانعي بعض أصناف الحلويات والأطعمة  وتتمتع مدينة باتنة- مثلا- من جهتها بسوق للتوابل والعقاقير والأعشاب يجذب الكثير من الزوار والسواح ، يطلق عليه اسم ( الرحبة ) الصناعة التقليدية  ، وتشمل المنتوجات الصوفية والوبرية (زربية بريكة ، زربية بلزمة ، أتليس ، أحولي ، أتسومتة ، الذراقة ، لعمارة الخ) المنتوجات الفخارية المنتوجات الجلدية ( المزود ، أتبانتة ، تيسيلة) الحلي والمجوهرات الحلفاء الحدادة و غيرها، كلها عناصر توحد ثقافة سكان الأوراس و تؤثر في هويتهم  التي بدون شك تكون منصهرة كتصاهر الثقافة في الأوراس و ذلك ما توصلت إليه هذه الدراسة التي أجريت في إطار بحث انثربولوجي .

 

 

 

 

Résumé

Les Personnes sont touchés est également affectés par l'environnement de groupe dans lequel ils vivent, sont également touchés par le rapprochement avec les différents environnements culturelles, que ce soit en termes de culture, social, économique et autres, l’influence peut durée longtemps, qui peut de tourner vers une harmonie, et il pourrait se transformer en une fusion, ce qui s'est passé dans la région des Aurès habitée par des amazighes, les études indiquent que le nom de l'approbation Aurès est synonyme au mot lion  comme on le reconnaît actuellement, Et vise géographiquement le groupe de montagnes Boutaleb, et du hodna à l'ouest jusqu'à la frontière orientale de la Tunisie à l'est, et de derrière le sud jusqu'aux frontières de Biskra, et  Constantine au nord .

 L'intellectuel qui vit dans la communauté auressienne et de traiter objectivement leurs questions vraiment être en mesure de tirer certaines spécificités culturelles qui ont trait à l'identité de la population entière, y compris les Chaouia et les Arabes qui avaient fui pendant les périodes successives de temps et de coexister en harmonie avec les Chaouia, Et la fusion se traduit par de nombreux aspects de similitudes culturelles et linguistiques, par exemple, où l'on retrouve dans les traditions du mariage et des funérailles, et faire correspondre un grand nombre des coutumes, de savoir si il s'agit du traitement des maladies, telles que l'utilisation de tatouages, en particulier l'utilisation des magiciens et exorcistes et la propagation du charlatanisme dans les Aurès chez les Chaouia et les Arabes, en plus de la présence et l'héritage de certaines industries, tel que le tissage de tapis traditionnels et fier que nous trouvons similaires (tapis de Barika, tapis de Balzma) et s'habillent comme « Albernos » et « Alqhachabbia » et « Almlhfa » et de l'artisanat comme la soudure, la confiserie, des aliments, et des produits de laine et de poterie des bijoux et autres, sont autant d'éléments Que, sans aucun doute être fondus comme  culture dans les Aurès et nuire à leur identité, alors ce sont  les conclusions de cette étude menée dans le cadre d’une recherche anthropologique.

1 - تمهيد:

          الثقافة هي روح الأمة وعنوان هويتها، وهي من الركائز الأساسية فيبناء الأمم وفي نهوضها، فلكل مجتمع ثقافته التي يتسم بها و يستمد منها مقوماته وخصائصه، يصطبغ بصبغتها، و ينتسب إليها، و أن تأثيرها لا يتوقف فقط على الأفكار كما يدعي البعض بل تمتد إلى السلوك الذي يرسم طريق الحياة لفئة اجتماعية، وهي الوجه المميز لمقوماتالمجتمع التي يتميز بها عن غيره من الجماعات بما تقوم به من العقائد والمقدّسات و العادات و التقاليد القيمواللغة والمبادئ، والسلوك والقوانين والتجارب و الممارسات و الطقوس و الفنون و غيرها و بالطبع فإن الفرد يتأثر كما تتأثر الجماعة والمجتمع ككل بالبيئة التي يعيش فيها و منها احتكاكه مع مختلف البيئات الاجتماعية التي يتاح له بشكل من الأشكال التقارب معها سواء كان ذلك من الناحية الثقافية أو الاجتماعية أو الاقتصادية و غيرها، و ذلك يخلق لديه نوع من الإحساس بالهوية والانتماء إلى جماعة معينة يشترك مع أفرادهافي عدد من المعطيات والمكونات والأهداف، وينتمي إلى ثقافة مميزة بعدد من المعايير والرموز و المعتقدات و الممارسات و ذلك ما أثبتته الدراسات السوسيولوجية من أن لكل جماعة مجموعة من الخصائصوالمميزات الاجتماعية والنفسية والمعيشية والتاريخية المتماثلة التي تعبر عن كيان ينصهر فيه الأفراد في انسجام وتشابه متأثرين في نفس الوقت بتلك الخصائص والميزات التي تجمعهم، و بما أن لكل شعب مهما ارتقت حضارته وتقدمت وسائله وعلومه رصيد من التراثالثقافي و الشعبي الذي يصل حاضره  بماضيه، فإن تغيير ذلك الواقع أي تغيير هوية تلك الجماعة  ينبغي أن يخضع لقانون التوازن بين الثوابت المميزة للهوية والعناصر القابلةللتحول و التبادل مع ثقافة و بالتالي هوية الآخر، و هكذا تصبح الهوية مركب بين ما كنا عليه وما نحن عليه الآن وما سنكون عليه مستقبلا، و ذلك ما حصل في منطقة الأوراس بين الثقافتين الأمازيغية و العربية، و المثقف الذي يعيش وسط المجتمع الأوراسي و يتعامل بموضوعية مع قضاياه يكون قادرا فعلا على استخلاص بعض الخصوصيات الثقافية التي لها علاقة بهوية السكان جميعهم بما فيهم الأمازيغ والعرب الذين نزحوا خلال حقب زمنية متتالية من جنوب الأوراس و شماله و تعايشوا مع الشاوية في توافق وانصهار واضح يمكن الوقوف عليه من خلال الملاحظات و المواقف التي يسجلها التاريخ على سكان الأوراس، بحيث يمكن للمثقف أن يلمس ذلك بكل سهولة و ذلك ما سنبينه في هذه الورقة.

2 - إشكالية الدراسة:

          معلوم أن لكل بلد مجموعة من الخصائصالدينية والثقافية والحضارية والتراثية التي يتميز بها عن غيره من البلدان، و لثقافة كل مجتمع جذور في تاريخه،و أن تاريخ كل مجتمع يشكل هويته التي تحفظ شخصيته و أصالته غير أننا حيننتحدث عن الهوية كثيرا ما نحصرها في بعض الأمور الجزئية في حين أنها كل متداخل فالبعض قد يحصرها زاوية الدين، أو الفلكلور، أو أنواع الأطعمة غير أنه توجد عناصر أخرى مكونة للهوية كاللون، اللغة، و النشاط و التجارة و غيرها و هنا يشير فرانتز فانون Franz Fanon من خلال ملاحظاته عن المجتمع الجزائري بصفة عامة إلى هذا التنوع و الغنى الثقافي، و يؤازره بيار بورديوPierre Bourdieu  في دراسته الاثنوغرافية التحليلية لمختلف البنيات الاجتماعية في مجموعة من الاثنيات (القبائل، الشاوية و العرب) إبان الاستعمار ثم التحولات التي عرفتها بعد الاستقلال، حيث توصل لنفس النتيجة، لكنه يشير إلى تنوع و اختلاف المجتمع الجزائري و تشابهه في آن واحد، حيث يقول " إن المجتمع الجزائري يستطيع أن يقدم صورا متناقضة من التنوع و التشابه، من الوحدة و التعدد"  و نحن هنا نطرح عناصر الهوية المتعددة للمجتمع الأوراسي لا بد أن نشير إلى مكوناتها الثقافية الجزائرية التي تمتد إلى عمق تاريخ الجزائر إذ نجد أن هناك تلاقح و تفاعل الثقافات و أخد وعطاء بين مختلف الحضارات المتوافدة على الأوراس ( فنيقيين ، رومانيين، عرب...) بما تحمله من القيم الروحية والثقافية واللغة والعادات والتقاليد و حتى الطقوس التي يمارسها السكان كتلك التي تخص التعبد أو التداوي أو إحياء مختلف المناسبات خصوصا الدينية منها، و بالنسبة للمثقف الذي يعيش في منطقة الأوراس يمكنه أن يلمس ذلك بل يعيش ذلك الانصهار الثقافي بين الشاوية و ذوي الثقافات العربية و ذلك إلى حد الإقرار بعدم وجود ثقافة نقية صافية أو هويات مختلفة عن بعضها البعض بل إنه يشعر بدون شك بأنه يعيش في وسط هو خليط من الثقافات المتجذرة في تاريخ الجزائر الطويل وهذا ما نلمسه من خلال اللغة أو اللهجات واختلافهما من منطقة إلى أخرى، و بناء على ذلك يمكننا أن نطرح التساؤل التالي:  ما حقيقة الانصهار الثقافي الأمازيغي العربي في منطقة الأوراس و ما وه تأثيره في هوية السكان؟

3 - فرضيات الدراسة:

عمد الباحث إلى تحديد الفرضيات لكي يتمكن من التحكم في الموضوع نظرا لكونه واسعا و قابلا و قد يحتاج إلى العديد من البحوث لأجل تسليط الضوء على جل جوانبه ، و قد تمثلت فرضيات البحث فيما يلي:

أ- وجود ثقافة متعددة المكونات و مشتركة بين سكان منطقة الأوراس.

ب- تناغم الشاوية و العربية و تمازجهما في شكل لغة محلية.

ج - وجود تداخل و تعدد في هويات سكان منطقة الأوراس .

4 - منهج البحث:

يتمثل الهدف الأساسي لهذه الدراسة في معرفة الانصهار و التداخل الثقافي في منطقة الأوراس باعتبار أن سكانها خليط من الأمازيغ و العرب الذين يعتنقون الإسلام كديانة توحدهم و يجمعهم الوطن الواحد و الجنسية الواحدة و التعرف على مختلف الطبوع الثقافية التي يتم في إطارها التبادل أو الانصهار مما يفرض على الباحث إتباع منهج  دراسة الحالة باعتبار الأوراس يشكل مجتمعا محليا و يتطلب دراسته الاطلاع على مختلف جوانب حياة السكان و تسليط الضوء على مختلف التفاعلات الحاصلة بينهم و ذلك يتطلب استخدام أدوات خاصة تساعد الباحث على التعرف على الثقافات السائدة، خصوصا الملاحظة بالمشاركة و كذا تقنيات التسجيل الصوتي أو التصوير بالفيديو لإعادة ملاحظة الظاهرة بطريقة متأنية و مقابلة بعض الأشخاص الفاعلين في المجتمع الأوراسي من غير الرسميين.

5 - حدود الدراسة:

أ - الحدود الزمنية:أنجز البحث خلال ثلاث سنوات ما بين شهر مارس 2005 إلى غاية شهر ماي 2008 حيث كان الباحث يقيم في مكان الدراسة، و تمكن من الاحتكاك القصدي مع شرائح عدة من سكان الأوراس و التعرف على الثقافة السائدة  كما هي في الواقع.

ب- الحدود البشرية:متعددة إذ شملت الكبار و الصغار ، الذكور و الإناث، و ذلك ما يتطلبه بحث وصفي يركز على حالة تمثل مجتمعا محليا و قد تم الحديث إلى الرجال والنساء، والأحداث و الأطفال والراشدين، و ذلك لأجل ملاحظة أكبر عدد ممكن من الأفراد، وفي أكثر ما يمكن من الأوضاع.

ج - الحدود الجغرافية:التزمت الدراسة الحالية بسكان مدينة باتنة و الوافدين إليها من المدن و القرى الأوراسية المتاخمة لها مثل تازولت و المعذر، عين ياقوت، عين التوتة أو القريبة منها مثل مروانة و آريس و بريكة و غيرها.

 6 - الهدف من الدراسة:

 البحث أجري في إطار مشروع بحث انثر بولوجي في مركز البحث في الانثربولوجيا الثقافية و الإنسانية ( crasc) بوهران، هدفه علمي بحت و هو  التعرف على ثقافة و لغة سكان ولاية باتنة و كل ما يجري فيها من طقوس و يحيط بها من ممارسات و ما لديها من تأثيرات على التجمعات السكانية القريبة.

7 - أدوات الدراسة:

أ - المشاهدة المباشرة:

اعتمد الباحث في هذه الدراسة على المشاهدة المباشرة Observation Directe لمختلف المواقف التي تشكل حدثا ثقافيا أو رافدا ثقافيا بالمعنى الواسع لكلمة الثقافة، حيث أتيح للباحث بأن يحضر العديد من التظاهرات الثقافية مثل مهرجان الأغنية الأوراسية و عيد البقرة و المسرح الأمازيغي و حضور حصص في إذاعة باتنة الجهوية و معارض الكتاب و بعض حفلات الزواج و الختان و زردة يسدي علي بالمعذر و غيرها، حيث سجل الباحث و رصد السلوكات والتصرفات و اللغة و الممارسات، وسجيل ما يجدر تسجيله من حوارات وأغان وتراتيل، وما إلى ذلك من التعبيرات التي يبديها الأفراد في هذه مختلف المناسبات.

ب - المشاركة :

المشاركة Participation و هي الطريقة التي يتبعها الباحث الأنثروبولوجي، أي أن يقوم  بأعمال تقوم بها الجماعة المدروسة، وذلك تقربا منها وكسبا لودها، والدخول بالتالي إلى أدق التفاصيل الخاصة بممارسات ألأفراد و الجماعات، كأن يمارس  الباحث بعض الطقوس الدينية و الاجتماعية، و قام ببعض الأعمال التي تعد من النشاط اليومي لبعض الجماعات.

ج - المقابلة:

استعمل الباحث المقابلة الحرة  l'entretien libreذات الأسئلة المفتوحة و هي  أداة مهمة ساعدت على جمع المعلومات اللازمة و بطريقة مباشرة حول بعض الممارسات و بعض التسميات ، و أتيح للباحث الاستفسار عن الأمور الخفية التي لا يفهمها خصوصا ما تعلق ببعض الطقوس المشتركة، و قد أجرى الباحث العديد من المقابلات مع كل بعض الفاعلين في الثقافة الأوراسية.

د - كاميرا فيديو و آلة تسجيل الصوت:

استعان الباحث بهذه الآلات خصوصا في الحفلات و المهرجانات و الزردة و غيرها أين يتعذر عليه مشاهدة كل شيء و قد كان للباحث مساعدين من طلبة قسم علم النفس بجامعة باتنة.

8 - الخلفية النظرية للبحث:

أ - الأوراس:

كلمة أوراس تعني "إيراس" اللون الرمادي الحديدي"، و هي قريبة من كلمة آريس التي تعني  الأسد الذي يزأر، كما أن كلمة الأوراس مرادفة لـ أوراغ Aouragh التي  تعني المتوحش و اللون الأصفر، وبناءا عليه يمكن القول عن الأوراس بأنه بلد الأسود، بلد الشقر الضواري بلون أصفر أصهب (لون ثمرة العنب)،و هذه الكلمة تحتوي على حرف " ر R " كما هو الحال في بعض الكلمات البربرية مثل آريس ، أذرار ( جبل ) أرقاز (رجل) لها معنى يتعلق بالقوة ، القدرة  السلطة،الكبر ( العظمة مثل الأسد ، الحبل ،السيد أو الملك ) إذن الأوراس يمكن أن تعني في النهاية الحبل أو غابة الأسود ذات اللون الأصهبو هي في الواقع موافقة للمعنى المتداول حاليا عن الأوراس.

أما من الناحية الجغرافية فهي تقع في الشرق الجزائري و تشتمل على ولايات كل من باتنة و خنشلة، ام البواقي و تبسة، و هي تتمثل في مجموعة الجبال الممتدة من بوطالب و الحضنة الشرقية غربا حتى حدود تونس شرقا، و من وراء بسكرة جنوبا حتى حدود قسنطينة شمالا، و الأوراس عبارة عن كتلة جبلية ذات تضاريس متنوعة و معقدة و هي عبارة عن همزة وصل بين الأطلس التلي و الأطلس الصحراوي .و تشكل هذه الجبال في وضعها الطبيعي شكلا رباعيا ، يبلغ طولها من الشمال إلى الجنوب حوالي 100 كلم ، و من الشرق إلى الغرب حوالي 80 كلم.

ب - الثقافة:

كلمة " ثقافة " (Culture) مشتقة من الفعل " ثقف"، فهي تعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وفي القاموس المحيط: ثقفثقفاً وثقافة، صار حاذقاً خفيفاً فطناً، وثقَّفه تثقيفاً سوَّاه، وعادة ما صقل السيف وهي والرمح، أي تسويته وتقويمه، والشخصية كذلك لا بد لـها من تثقيف حتى يشع النور بداخلها، ثم تشرق علىمن حولـها بوهج المعرفة والرأي والإحساس، وهي مجموعةالمعارف، العادات و القيم و التقاليدالتي تعيش وفقها جماعة أو مجتمع بشري ،بغض النظر عن مدى تطور العلوم لديه أو مستوى حضارته و عمرانه، والثقافة يتمتعليمها ونقلها من جيل إلى آخر، ويقصد بذلك مجموعة من الأشياء المرتبطة بنخبة ذلكالمجتمع أو المتأصلة بين أفراد ذلك المجتمع، ومن ذلك الموسيقى، الفنون الشعبية ، التقاليد المحببة،بحيث تصبح قيما تتوارثها الأجيال ومثال ذلك الرقصات أو مظاهر سلوكية أو مراسيم تعبدية أو طرق في الزواج، و تعرفها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الذي جاء فيه "إن الثقافة تشمل مجموعة المعارف والقيم وطرائق التفكير والإبداع الجمالي والمعرفي والتقني ، وسبل السلوك والتصرف والتعبير وطرز الحياة ، كما تشمل تطلعات الإنسان إلى المثل العليا، والبحث الدائب عن مدلولات جديدة لحياته وقيمه ومستقبله وإبداع كل ما يتفوق به على ذاته" .

ج – الانصهار الثقافي:

هو نوع من التبادل الثقافي بين حاملي الثقافات المختلفة و تعلما و استيعاباإراديا لمجموعة من الأفكار و أنماط السلوك من ثقافات أخرى و تمارسه عامة أفرادمجتمع معين، و ينتج عنه نوع من التكيف الثقافي الذي يحدث فيه قدر من التقارب بين نسقين ثقافيين مستقلين، ربما لا يصل على الإطلاق إلى درجة التقارب الكامل، وقد تكون نتيجة الانصهار الثقافي ظهور نسق ثقافي ثالث لا يتكون إلا باختفاء النسقين الأصليين، ويبدو أن الانصهار إما أنه يمحو المعالم الأساسية للثقافتين المندمجتين أو أنه لا يخلق ثقافة ثالثة ذات ملامح على درجة كافية من الوضوح تؤهلها للوجود المستقل.

د - الهوية :

يشتق المعنى اللغويلمصطلحالهوية من الضمير هو، أما مصطلح الهو هو المركب من تكرار هو فقد تمّ وضعه كاسم معرّف ب ألومعناه ( الإتحاد بالذات)ويشير المفهومإلى ما يكون به الشيء هو هو، أي من حيث تشخصه وتحققه في ذاته وتمييزه عن غيره،فهو وعاء الضمير الجمعي لأي تكتل بشري، ومحتوى لهذا الضمير في نفس الوقت، بمايشمله من قيم وعادات ومقومات تكيّف وعي الجماعة وإرادتها في الوجود والحياة داخلنطاق الحفاظ على كيانها، و هي تتمثل في مجمل السمات التي تميـز مجموعة عن غيرها، كل منها يحمل عدة عناصر في هويته، و ذلك ما أثبتته الدراسات السوسيولوجية من أن لكل جماعة أو أمة مجموعة من الخصائصوالمميزات الاجتماعية والنفسية والمعيشية والتاريخية المتماثلة التي تعبّر عن كيانينصهر فيه قوم منسجمون ومتشابهون بتأثير هذه الخصائص والميزات التي تجمعهم التي يستمد الفردإحساسه بالهوية والانتماء منها، ويحسس بأنه ليس مجرد فرد نكرة ، وإنما يشترك مع عدد كبير من أفرادالجماعة في عدد من المعطيات والمكونات والأهداف ، وينتمي إلى ثقافة مركبة من جملةمن المعايير والرموز والصور، وعلى العموم فإن مكونات الهوية الإنسانية تنسج وجودها عبر شبكة من العلائق التي تندرج في الخانات الحضاريةوالمشتركات التالية :وطن و مجال جغرافي مشترك، أساطير وذاكرة تاريخية مشتركة، ثقافة شعبية مشتركة، منظومة حقوق وواجبات مشتركة و اقتصاد مشترك مرتبط بمناطق معينة،أما الهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، هي القدر الثابت، والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية طابعاً تتميز به عن الشخصيات الأخرى.

ج - مكونات الهوية:

الدين:الدين هو أول المكونات التي تشكل تصور الانسان لنفسه حاضرا و مستقبلا، فهو يعتقد بوجود إله واحد، بيده الضر والنفع، والموت والحياة، والرزق، والأجل، والذي يعتقد بأن هناك يوم يجازى فيه الناس على أعمالهم خيرا كانت أو شرا، سيكون همه كيف يرضي هذا الإله، وكيف يتجنب السوء والظلم والآثام خشية الجزاء الأخروي، وبالتالي يكون صالحا في نفسه، مصلحا لغيره، قائما بالحق والعدل في الأرض، ممتثلا للخير والبر، ناهيا عن الشر والفجور.

اللغة:تعد اللغة وهي الوسيلة الأساسية في العلاقات الإنسانية من حيث التواصل والتعبير عن الأفكار والمعاني والرغبات"واللغة هي وعاء الثقافة لكل الشعوب الناطقة بها، من خلالها يتم تلقي المعرفة، وتدوينها ونقلها إلى الأجيال، و بها يمارسون عباداتهم وشعائرهم. و بها يكتبون آدابهم وقصصهم وأشعارهم إلى غير ذلك.

التاريخ:نقصد بالتاريخ ذلك السجل الحضاري للأمة ، ويشمل إنجازاته المعنوية والمادية، وهذا كله رصيد للفرد و الجماعة، ومكون هام من مكونات الهوية، لأن الإنسان لا ينفك يقتفي أثر آبائه ومآثرهم، و بذلك يكون التاريخ جزء من شخصيته.

البيئة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية:لا شك أن  البيئة التي يعيش فيها الفرد تؤثر على بنائه الفكري والعقلي، بالقدر الذي يؤثر فيه التاريخ و بالخصوص التركيبة الاجتماعية و نمط المعيشة و موارد الاقتصاد و نمطه و كذا السياسة المتبعة سواء منها الوطنية أو المحلية التي تترك لا محالة أثرا في ثقافة السكان و حركاتهم و نشاطهم.

9 - نتائج الدراسة:

أ - الفرضية الأولى التي نصها" وجود ثقافة متعددة المكونات و مشتركة بين سكان منطقة الأوراس".

الثقافة الأوراسية فعلا مشتركة بين جميع السكان و متعددة المكونات تحتوي على العادات و التقاليد و المظاهر الحياتية التي تختلف من فصل لآخر و في نفس الوقت هي متجددة تساير التغيرات الجارية على المستوى المحلي و العالمي، لذا لا يمكن الإحاطة بكل جوانب الثقافة الأوراسية بل نكتفي بالإشارة إلى أهم مظاهرها.

أ- التقويم الزمني:

التقويم الزمني البربري استخدم منذ القدم للتعرف على مواسم الزراعة وتنظيم أعمال الفلاحة الفصلية، وهي تتأخر عن التقويم الميلادي بـ13 يوم فسكان الأوراس من أمازيغ و عرب يتعاملون بالتقويم البربري فيما يخص الوقت الملائم لبداية الحرث و البذر و يتحينون أوقات الجليد الباردة ، و فترة هبوب رياح الشهيلي و غيرها ،و عليه فإن آثار هذا التقويم تتضح جليا في  تقسيم الفصول البربرية وهي كما يلي:

المشتة أو ثاغرست Tagrest ( الشتاء ، ( hiver

جمبر Jember ( ديسمبر décembre) من 14 ديسمبر إلى 13 جانفي

يناير Yennayer ( جانفي janvier) من 14 جانفي إلى 13 فيفري

فورار Furar ( فيفري février) من 14 فيفري إلى 13 مارس

ثافسوث ( الربيع printemps)

مغرس Meghres (مارس mars) من 14 مارس إلى 13 أفريل

إبرير Ibrir (أفريل avril) من 14 أفريل إلى 13 ماي

مايو Mayyu ( ماي mai ) من 14 ماي إلى 13 جوان

انبذو إويلن Iwilen ( الصيف mai)

يونيو  Yunyu ( جوان juin ) من 14 جوان إلى 13 جويلية

يوليو Yulyu( جويلية juillet) من 14 جويلية إلى 13 أوت

غوشت Ghust ( أوت août) من 14 أوت إلى 13 سبتمبر

ثامنزوث thamenzouth ( الخريف automne)

شتمبر Shtember ( سبتمبر septembre) من 14 سبتمبر إلى 13 أكتوبر

توبر Tuber( أكتوبر octobre) من 14 أكتوبر إلى 13 نوفمبر

ومبر Wamber( نوفمبر novembre) من 14 نوفمبر إلى 13 ديسمبر

ب – البيت الأوراسي:

الملاحظ فيما يخص تصميم البيت في منطقة الأوراس أنه يلح على وجود فناء كبير تحيط به حجرات الجد و الجدة ، الأب و الأم، الأبناء و زوجاتهم ، الفناء المشترك  يوحد الحركة الحياة اليومية للأفراد، و الفناء هو مكان الطبخ و الأكل و النوم صيفا ، كما أنه المكان المفضل لمناقشة المسائل العائلية، ولإقامة المآتم و الأعراس وفي الأرياف أو حتى القرى يخصص جزء من الفناء للماشية ليلا و يسمى السقيفة.أما الحجرة الوحيدة المستقلة عن الفناء و مرافقه هي غرفة الضيوف، لا يخلوا كل بيت من البندقية و الأفرشة اليدوية الصنع و الصناديق الخشبية التي تحفظ فيها الأشياء الثمينة و خصوصا الحلي المصنوعة محليا، و مازال السكان يحتفظون في غالبيتهم بهذا النمط من الحياة.

ج - المطبخ الأوراسي:

المطبخ في منطقة الأوراس بسيط في مكوناته الأساسية حيث يعتمد علي الحبوب بخاصة الشعير ( كسرة الرغدة)و القمح و المصادر الحيوانية كاللحوم و الحليب البقري أو الغنمي أو حتى حليب الماعز و الإبل، و أيضا السمن و الزبدة و زيت الزيتون و حتى العسل ذو الجودة و النكهة المميزة بسبب مصدره الجبلي و العشبي، أما المأكولا التي  يمتاز بها سكان الأوراس في المطبخ الأوراسي فهي متنوعة و تختلف من قرية إلى أخري و من أشهاها: البربوشة (الكسكس)، العصيدة(شاروايث)، الدشيشة(أوزان)، الزرير، بومهراس (دق الرزام)أو الباطوط ، الروينة، لغرايف، العيش، الرفيس، الطمينة، لمطبق (ثيمذهان)، المحاجب و هي متواجدة لدى كل سكان الأوراس إذ لا تكاد تفرق بين بيت سكانه أمازيغ و بيت آخر سكانه عرب من حيث الأطعمة و النكهة و العادات الغذائية.

د – اللباس الأوراسي:

 يتوحد سكان منطقة الأوراس في اللباس خصوصا بالنسبة لزي الرجال و النساء المتقدمين في السن و ذلك بخلاف الشباب الذين يتبعون في غالب الأحيان ما تجود به الأسواق من لباس الموضة، إذ نجد الرجل الأوراسي يرتدي لباسا مميزا يتكون من السروال الحوكي ،البرانس ، القشابية ، القندورة الصوفية، أما المرأة فترتدي الملحفة ، ثالامت أو الغناسة أو ثانشيط (شال)، أبقاس، (أحزام)، الشاش، كما أن النساء مازلن يستعملن بعض مواد الزينة المصنوعة من طرف النساء الوراسيات و تباع في السواق منها على الخصوص: الكحل للأعين ، الحناء للأرجل و الأيدي و الشعر ، المسواك،أما الحلي التي ترتديها النسوة من خواتم و أقراط و مشابك و أحزمة و حتى التاج و الجبين اللذان يوضعان على الرأس، كلها مصنوعة بالأوراس.

هـ - الأعراس في الأوراس:

منطقة الأوراس تكثر فيها الأعراس الزواج و الختان خصوصا في فصل الصيف حيث تقدم الأطباق الأوراسية الغنية باللحوم و الفواكه و الحليب و الزبدة و حتى العسل الأضاحي و يلتقي المدعوين  إذ لا تفرق بين الناطقين بالشاوية و العربية و تتشابك الأيدي لأداء الرقصات و ترديد الغاني باللغتين و يتعملون العيدي من الآلات منها على الخصوص البندير ، أطبال ،القصبة المزود ،الزرنة أو الغايطة و الجواق، و لإحياء الحفلات و الأعراس ظهرت العديد من الفرق الشعبية مثل الرحابة و هي كلمة مشتقة من الترحاب و السباحة و هذه الكلمة مشتقة من التسبيح، تغني بطريقة جماعية و تتناول مواضيع مختلفة و هادفة تؤدى بالشاوية و العربية أو بخليط من اللغتين و هي محبوبة لدى الجماهير الأوراسية بدون تمييز.

كما يشترك سكان الأوراس كذلك في الألعاب الشعبية و منها على الخصوص رغيف الربيع ، ثاكورث أو القوس (مضرب خشبي) لعبة شبيهة بالغولف، الكرود و هي لعب تبرز روح سكان الأوراس حيث تحتوي على المنافسة و إبراز القوة و يشترك فيها الرجال و النساء و الصبيان حسب اللعبة و حسب الفصول، كما يتمتع سكان الأوراس الحكايات والمأثورات والنوادر والسير الخوارق ، وبعض أثاره موجودة في الحلي وزخرف الأواني وما إلى ذلك سواء في رسوم الحيوانات كالثعبان والبوم والسمك، أو النباتات أو بعض الأشكال الهندسية إضافة إلى الشخصيات الخرافية أو الخيالية التي يحكيها الأجداد للأحفاد مثل قصة أحديدوان (جحا) ثامزة ( الغولة) المدبــر الستوتـة و لقرع بوكريشة، السيد علي (علي بن أبي طالب )

و - التطبيب عند الأوراسيين:

سكان منطقة الأوراس جميعهم سواء تعلق الأمر بالبدو أو الحضر، الشاوية أو العرب مازالوا يعالجون بعض  الأمراض و الإصابات باللجوء إلى الراقي، الطالب، الخوني، العزام ... لذلك نجد الحضرة و الزردة كاحتفال يستهدف العلاج عن طريق طرد الأرواح أو استرضائها و ذلك بإجراءات طقوسية خاصة تشتمل على تقديم والقرابين وأداء بعض الرقصات سريعة الإيقاع على أنغام  الزرنة و البندير تمارس في العديد من مناطق الأوراس، كما أن المعارف و المعتقدات التي يؤمن بها سكان منطقة الأوراس كالاعتقاد في أفعال و أشياء تجلب الحظ و أخري ممنوعة أو مكروهة، و الاعتقاد بالعين و الإيمان بالأعمال السحرية، و الاعتقاد بالأحجبة لقضاء الحوائج و الشفاء و منع الأذى، و التبخير و زيارة القبور و بناء الأضرحة للأولياء، و الإيمان بالنذور، والإيمان بوجود كائنات فوق طبيعية كالجن و العفاريت و الملائكة و أرواح الموتى، كلها تعتبر قاسم مشترك بين السكان، و عليه يمكننا القول بأن الفرضية الأولى تحققت و ذلك ما أكدته هذه الدراسة المطولة التي تعرفنا من خلالها على ثقافة المجتمع الأوراسي و سكانه الناطقين بالشاوية أو العربية و اتضح أنها فعلا ثقافة متعددة المكونات و مشتركة بين سكان منطقة الأوراس إذ لا يمكن أن تفرق بين ثقافة العربي و الأمازيغي فالكل يمارس نفس الطقوس و يعتقد نفس المعتقدات و يقوم بنفس النشاط و يتكلم نفس اللغة.

ب - الفرضية الثانية التي نصها" تناغم الشاوية و العربية و تمازجهما في شكل لغة محلية".

التفاعل و التناغم اللغوي بين العربية و الأمازيغية يتضح بجلاء في منطقة الأوراس،  فبعض الأمازيغ تعربوا، وبعض العرب "تمزغوا"، إذ لا تكاد تفرق بين هذه الطائفة و الطائفة الأخرى إذا اعتمدت على اللسان خصوصا مع غياب الألقاب الأمازيغية، حيث وجد الباحث عائلات بأكملها ذات أصول عربية و لكنها تتحدث الشاوية و هي فخورة بذلك و هنا العجب في حين أنه يبدو عاديا عندما وجدنا الكثير من العائلات الشاوية التي تعربت كلية خصوصا تلك التي تقطن في المدن و لكنها لا تنكر أصلها الأمازيغي بل وجدنا من يحاول أن يجدد العهد مع تعدد اللغات خصوصا و أن الشارع الأوراسي غني باللهجات المحلية، حتى أن القادم إلى الأوراس يمكنه أن يتكلم باللغة العربية أو الأمازيغية أو حتى الفرنسية و لا يجد حرجا، و على الأقل يمكن للزائر أن يفهم بعض الكلمات التي تخدمه في أية لهجة يستمع إليها، فالأوراسي نجده متشبع بالثقافة العربية والفرنسية إضافة إلى الثقافة الأمازيغية فمثلا نجد كلمة "قمن" و التي تعني "تذكر" يستعملها العرب كما يستعملها الشاوية رغم أنها ذات أصول أمازيغية و كذلك الشأن بالنسبة لكلمة "إلاغنا" و هي ذات أصول عربية لكنها تستعمل من الفصيلين و معناها "لا غنى" و نجد التداخل اللغوي في الأمثال الشعبية المتداولة فمثلا نجد المثال التالي:" آيث باب نو نميتي صبرن و إيمعزان كفرن" و كثير من الأغاني تكون مزيج من الشاوية و العربية مثلا "سجباد آ يمنة سجباد آذ راعيغ ما ثحليذ آذ راجيع ما وليش آذ قاجيغ" و فيها نجد كلمات شاوية و عربية و فرنسية هذا فضلا عن استعمال العرب لبعض الكلمات الشاوية ذات المغزى العميق فيقال مثلا " أنا أرقاز" أي أنا رجل إضافة إلى إستدخال بعض الكلمات الشاوية و التحدث بها في السياق العربي و ذلك مثل كلمات:" الخذمي"التي تعني السكين و "الغنجاية" التي تعني الملعقة، هذا إضافة إلى بعض الكلمات ذات الاستعمال الواسع و خصوصا التي تدخل في إطار ما يعرف بـ" من عرف لغة قوم أمن شرهم" و التي تحتوي على الكلمات المفتاحية الضرورية لفهم مغزى التخاطب بين اللغتين و الأمثلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها كلها، إذ يمكن التوسع فيها في المناقشة و في المقابل يستعمل الأمازيغ في منطقة الأوراس العديد من الكلمات العربية بإستدخالها في الشاوية خصوصا ما يتعلق بالعبادات و الدين وبعض المعاملات اليومية مثل القول "صباح الخير واش راك" في سياق كلام بالشاوية و كذا في المعاملات التجارية نجد منها "الشاري يربح" و هو تعبير عربي يستعمله الشاوية للدلالة على رفض الثمن المقترح لشراء نعجة أو بقرة مثلا و في المعاملات العائلية "جيناكم بالحسب و النسب" و هو القول الذي تفتتح به الخطبة بين العائلات الأوراسية التي تتزاوج فيما بينها عربا و أمازيغ، يستعمله الشاوية رغم أنه بلسان عربي و نجده مفهوم و معروف و متداول بينهم ،كما أن تأثير الأمازيغية في اللهجة العربية للأوراسيين واضح بجلاء صوتا وصرفا وتركيبا ودلالة، وذلك نتيجة قرون طويلة من التفاعل بين اللغتين على ألسنة السكان المحليون عرب كانوا أو أمازيغ، و ضمن هذا الإطار يقول عالم اللسانيات الجزائري فضيل شريقان "إذا كانت عربية شمال أفريقيا قد استعارت جزءا كبيرا من مفرداتها من العربيةالفصحى, فإن بنيتها النحوية والصوتية تعود بأصولها إلى تمازيغت"و قد ساعد الإسلام على الرغم من الاختلاف اللغوي الحادث على التناغم بين اللغتين دون كثير من التصادم في الاتصال بين الثقافتين، فهو لم يقص الأمازيغية، ولم يهمش العربية، فالقرآن الكريم منح اللغة العربية باعتبارها عنصر أسلمة، لكونها تلقَّنُ في القرآن الكريمسلطة مكتوبة وصفة مقدسة قائمة على إلهام آت من السماء و تحولت إلى لغة العبادة و الطقوس الدينية بالنسبة للعرب كما للأمازيغيين في منطقة الأوراس مما ولد الأساس للانصهار اللغوي و التأسيس للثقافة الوطنيةو ذلك بالتكامل بينهما اللغتين مما تولد عنه لهجة محلية هي في الأصل و للتمعن فيها خليط ممزوج بحكمة معينة بين اللغتين لدرجة أن الأوراسي عندما يسافر مثلا إلى الغرب الجزائري فأول ما يتكلم يعرف مستمعه بأنه من منطقة الأوراس بغض النظر عن أصوله العربية أو الأمازيغية أي انه تكلم بلغة محلية أوراسية.

ج - الفرضية الثالثة التي نصها " وجود تداخل في هويات سكان منطقة الأوراس" .

يتجلى التداخل الثقافي بين الأمازيغ و العرب بجذور كل طرف في الطرف الآخر في ميادينعدة كالموسيقى والرقص والحكايات الشعبية وفن الزخرفة والصناعات الحرفية، كما تتجلىطبعا في اللهجة المشتركة التي تنقل عبر الأجيال و يتم المحافظة عليها بواسطة الحكايات والأمثال والحكم الشعبية هي التي تمثلها اليوم أبلغ تمثيل على المستوىاللغوي أما على مستوى العادات والتقاليد الثقافية فيتجلى التداخل  الثقافي في فن الطبخ التقليدي والطقوس الاجتماعية العديدة كحفلات الزفاف و الختان و إحياء مختلف الأعياد و بدء موسم الزراعة و ختم موسم الحصاد مثلا بتنظيم عملية التويزة التي تجمع السكان في موقع واحد و لهدف واحد و هي العادات التي تطبع هوية سكان الأوراس سواء كانوا أمازيغ أو عرب،  هذا إضافة إلى دور التزاوج بين سكان الأوراس إذ جعل من التداخل في الثقافة و التمازج في الهوية أمرا مهما و عميقا لدرجة تجعل التمييز بين ما هو ثقافة أمازيغية أو عربية أمرا عسيرا، إذ تولدت عبر الزمن العديد من القواسمالثقافية المشتركة بين المجموعات البشرية الساكنة بالأوراس فرقصة الرحابة مثلا لا يكاد يخلو منها عرس أوراسي و الأغاني التي يتم ترديدها تظهر الثقافة المشتركة و الاهتمامات المتبادلة و طريقة التفكير و حتى التفريغ الواحدة أو المتماثلة لدى جل سكان الأوراس، كما يتجلى تداخل الهويات من خلال الفن الزخرفي العريق في نسيج الزرابي وصناعة الخزف حيث يتخذ شكل رسومهندسية تستعمل في أغلب الأحيان حروف أبجدية التيفيناغ" يستعملها سكان الأوراس كما أن الصناعاتالحرفية من ذهب وفضة وغيرهما عنصر آخر لا يمكن تجاهله من عناصر هذه الثقافة بل وهيإحدى الوسائط التي بدأت تؤثر على تمازج الهويات و تداخلها عندما انتقلت هذه الحرف من الأمازيغ إلى العرب في العشريات الأخيرة، و من هنا نستشف أن عناصر الهوية هي شيء متحرك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة وبعضها الآخر في مرحلة أخرى و ذلك ما  يحدث في منطقة الأوراس خصوصا إذا تعلق الأمر بالمكونات غير الأساسية للهوية القابلةللتحول والتي تتمثل في العادات والتقاليد و القيم وطرق التفكير و غيرها فهي قابلة للتغيير في الشكلالإيجابي الذي تحدده حركية المجتمع وتفاعله بمحيطه الخارجي خصوصا مع غزو العولمة لكل مناطق الجزائر و التي لا يمكن للأوراس أن يكون بعيدا عن تأثيراتها، وإذا كانت اللغة تمثل إلى جانب الدين المكون الأساسي للهوية،فإن ذلك لا يعني الحيلولة دون تطوير بنيتها لإنتاج أفكار جديدةوتوليد مصطلحات لغوية ذات قيمة و ذلك ما يحدث في الأوراس، و هكذا نجد أن عناصر الانصهار الثقافي في منطقة الأوراس متوفرة و متنوعة و هي تتمثل في العناصر القابلة للتغيير بالنسبة لمكونات الهوية الفردية و الجماعية لذلك نجد أن الانصهارالثقافي يحصل بوعي و إرادة من طرف أفراد المجتمع، فهم يختارون عن وعي و قناعة ارتداء بعض الألبسة "فالشاش" مثلا رغم أنه لباس أمازيغي إلا أن العرب يستعملونه لكونه يقي رؤوسهم من الحر في الصيف و من البرد في الشتاء، و هنا نلاحظ أنه تم التعاطي ثقافة هذا مع ثقافة الآخر عن طريق العناصرالثقافية المرغوبة لديها، و كل طرف يختار نقاط القوة في ثقافة الآخر لينهل منها و يستفيد منها و يضيفها إلى مكوناته الشخصية و بالتالي إلى هويته و نستنتج أن كل من الثقافة الأمازيغية و العربية تحمل نقاط قوة يحتاج إليها الطرف الآخر بغض النظر عن المكونات الأساسية و التي تتمثل على الخصوص في الدين و التاريخ المشترك، إذن الانصهار الثقافي بين الأمازيغ و العرب ترك آثاره البادية  على سكان منطقة الأوراس الذين بدوا في كثير من الأحوال ذووا هوية واحدة ذابت فيها الفردانية و اندمجت مع الغيرية و ذلك يرتبط باللاشعور المعرفي للسكان في جل المغرب العربي و ليس في منطقة الأوراس التي يمكن اعتبارها نموذجا لذلك الانصهار الثقافي الفريد. 

10 - الخاتمة:

 المظاهر الثقافية و اللغوية لدى سكان الأوراس متداخلة و منصهرة بل متشابهة إلى حد التطابق حتى مع الشعوب المغاربية و بعض شعوب حوض البحر الأبيض المتوسط حيث نجد مثلا تشابه في تقاليد الزواج و الولائم و الجنائز، و تطابق الكثير من عادات العلاج من الأمراض  مثل استعمال الوشم و خصوصا الاستعانة بالسحرة و الرقاة و الشعوذة التي تنتشر في الأوراس لدى الشاوية و العرب كما تنتشر في ربوع الجزائر و تكثر في المغرب و تتواجد بتونس و ليبيا، بل و نجد لها مكانا هاما لدى الأسبان و الإيطاليين و الفرنسيين إضافة إلى تواجد و توارث بعض الصناعات التقليدية الخاصة بالفخار مثل القلة و الشمعدان ، و نسج الزربية التي نجدها متشابهة و تحمل معاني عديدة (زربية بريكة ، زربية بلزمة ) نجدها كذلك في المنتوجات الصوفية والوبرية مثل أتليس، أحولي، أثسومتي ، لعمارة الخ) المنتوجات الفخارية المنتوجات الجلدية ( المزود ، أثبانتة ، ثيسيلة) الحلي والمجوهرات الحلفاء الحدادة ز منه إلى الوشم الذي ينقش على أجساد الأوراسيين و اللباس مثل البرنوس و القشابية ثم نجد انتشار  الحرف التقليدية في كل ربوع الأوراس كالحلاقين والإسكافيين ، واللحامين ، والطراحين وصانعي بعض أصناف الحلويات والأطعمة، كل هذه الخصوصيات و تلك النشاطات توحد المجتمع الأوراسي و تجعل له ثقافة متشابهة و متداخلة و بالتالي هوية متشابهة و متداخلة إلى حد التطابق. 

11 - المراجع:

1 -  فضيل شيريقان، (2002) "بين لغة البعض ولغة البعض الآخر"منشورات القصبة الجزائر

2 - الأوراغي محمد، (2002) منشورات كلية الآداب، .ط.1 الرباط المملكة المغربية

3 - علي باعباد، الهوية العربية الإسلامية في ظل العولمة، صحيفة 26 سبتمبر الالكترونية ، العدد 1427هـ

4 - الخوري نسيم، الإعلام ا لعربي، وانهيار ا لسلطة اللغوية.

5 - داريوس شايغان ، (1993) ترجمة محمد علي مقاد،  أوهامالهوية ،دار الساقي ، بيروت لبنان

6 - المنشأ البربري للثقافة المغاربية" انظر الرابط: www .mondeberbere.com
خالد روشة، أزمة الهوية، موقع moslim.net

7 -   جمعية أول نوفمبر لتخليد و حماية الثورة في الأوراس بدون سنة الطبع – باتنة :ثورة الأوراس 1335هـ - 1916م.

8 - Abdelhamid Zouzou (2002) L’AURES au temps de la France coloniale EVOLUTION POLITIQUE. ECONOMIQUE ET SOCIALE (1837,1939), tome1,HOUMA ,Alger, 2eme edition,

9 - http://fr.wikipedia.org/wiki/Calendrier_berbère,19-11-2007

10 - http://fr.wikipedia.org/wiki/Cuisine_berbère,19-11-2007

11- http://www.annabaa.org/nbanews/59/336.htm

12 - www.maktoobbog.com/fckeditor/editor/fckeditor.html

nguage:AR-DZ'>