الهـوية المغاربية وتحدي العولمة... بين النفي والتأكيدpdf

د. يوسف قاسمي – جامعة قسنطينة

Résumé

Cet article scientifique, est une tentative de rechercher et de lire le problème majeur de l'objet; Identité porté sur: le Maghreb et le défi de la mondialisation ? .. Subdivisé en regardant problématique les questions suivantes: identifier les éléments de l'identité du Maghreb et la cause de la crise dévasté? Quel impact négatif sur l'identité arabe de l'université et le Standard ? Nature de la relation entre l'identité et du Maghreb - arabe et la marée de la mondialisation ? La mesure dans laquelle cette identité peut résister les spécificités des droits historiques et culturelles dans un monde en mutation ?

المقــــدمة:

إن الـذات العـربية عامة و المغاربية خاصة - بكل مكــوناتها الحضارية، الثقافية، التاريخية، والجغـرافية الموحدة - تواجه أزمة حادة وعميقة لإثبات الأصالة الاجتماعية والتاريخية؛ تلك التـي تكسبها التجانس والانسجام المطلوبين، و تـؤكد العمق الثقافي المشترك فيها... فـي عالم اليوم. حيث وبعد التخلص من الدورة الاستعمارية التقليدية الطويلة والعنيفة؛ التي عملت على سلب وعينا التاريخي بذاتنا، وتمزيق أواصر التواصل الجماعي بين أمتنا بالأمس، بغية إسقاط انتمائنا الوطني والقومي معناه و وظيفيته، كما تشتيت الجهد المشترك لشعوبنا في المقاومة والتنمية. وحتى لا يبقى من عنوان نجتمع عليه غير: ذاكرة مقطوعة، ودورات للقطيعة والعنف المتجدد؛ حيث تغذي سلبيته واستمرار يته دوائر الاستعمار الجديد في تجلياته المتجددة وفي إطار عنوانه الأبـرز اليوم؛ ممثلا في: العـولمة بأبعادها المختلفة: اقتصادية، ثقافية، إعلامية، وتكنولوجية.... وغيـرها.

 للأسف فان جـل النخب المغاربية والعــربية معا - وخاصة الرسمية منها - لم تحسـن إدارة الاستقلالات الوطنية، وربطها بأطرها القومية والحضارية الجامعة بجدية وموضوعية كافية. هـذا ما جعل أركان بنية الهوية العربية تتعرض للارتباك وحالات من التآكل والتراجع في حياة الشعوب، حتى أوشكت على السقوط والانهيار. وكان لذلك المشهد الدراماتيكي أن مثل انعكاسا واضحا لواقع الإخفاق والانتكاسة الذي أصاب مشاريع الوحدة السياسية العربية و المغاربية على مدى أكثر من نصف قـرن ولا تـزال.

في هذا المناخ المسموم وغير الصحي... تسللت شعارات التحديث الغـربية إلى بيئتنا العربية، في محاولة استعمارية جديدة - مسنودة محليا من بعض العناصر والقوى المتغربة – لفـرض هوية جديدة مخالفة لروح الأمة وشخصيتها؛ قوامها تحريك عناصر التجزئة العـرقية، واختلاف اللسان، وتضخيم الثقافة الفلكلورية الشعبية المحلية... الخ. في مخطط مبرمج هدفه قطع أواصر القربى والتكامل بين قيم الوحدة في أمتنا؛ لربط المجتمع العربي برمته بمنظومة المجتمع والثقافة الأوروبية. ناهيك عن إقـناع الأجيال الجديدة بمزايا الارتباط بها، وإظهار ثقافة الانفتـاح - غير المنضبط - على الغـرب؛ بكونها جوهـر التقدم ومقـومه الأول: لغـة، فكـرا، وسلوكيات...

إشكـالية البحث:

ضمن هذا السياق تأتي هذه الورقة العلمية، فـي محاولة لبحث وقـراءة إشكالية رئيسية للموضوع؛ تتمحور حـول: الهـوية المغاربية وتحدي العولمة.. بين النفـي والإثبات ؟ لتتفـرع عنها إشكاليات فرعية تبحث التساؤلات التالية: تحديد عناصر الهـوية المغاربية وأسباب الأزمة التي حاقت بها ؟ ما تأثيـراتها السلبية على الهوية العربية الجامعة والموحدة؟ طبيعة العلاقة بين الهوية المغاربية –العربية وتيار العولمة الجارف ؟ إلى مدى يمكن لهذه الهوية الصمود بذاتيتها وخصوصياتها التاريخية والثقافية في ظل عالم متغيـر ومتسارع ؟

مناهـج الدراسة:

   تعتمد الدراسة منهجي التحليل والاستقـراء في المعالجة، وتتوخى الإسهام الفكري- المنهجي، كما تهدف إلى إثـراء النقاش والحوار حـول هذه العناصر؛ بغية إعـادة اللحمة التـي تجمعها، وإحداث الفاعليـة المطلوبة في مقـومات الهوية المغاربية، باعتبارها جزء لا يتجـزأ مـن الهـوية العـربية الإسلامية التاريخية والثقـافية، ومصيرها الواحد المشترك... ولتمكينها من أن تؤدي دورها الايجابي بنجاح، في كنف فضاء مفتوح على حرية الرأي والـرأي المعارض البناء؛ كطريق لإنضاج الوعـي ورسم معالم المستقبل... تأكيدا للذات القـومية والحضارية، وانفتاح على التجديد ومواكبته بإصـرار والتـزام مسؤولين.

   كما سيكون للمنهج النقدي دوره في تأطير هذا العمل في بعض محطاته، لإحداث المقاربة المطلوبة و الاجتهاد في طرح رؤية بديلة لجدلية: الهوية العـربية والعولمة، وصولا إلى اقتـراحات متواضعة لقواعد منهجية وفكـرية نراها ملائمة للتعاطي مع طوفان العولمة الجارف. بما يضمن ويكفل هـوية الأمة وسلامتها، ويوفـر لها كذلك أسباب انتشالها من واقـع الانكـفاء على الذات؛ في محيط شديد التسارع ليس فيه لمنطق النعامة مكـان ؟

مدخـل عـام:

إن الأفكار والمعتقدات جزء أساسي ومكون هام لشخصية الإنسان، غيـر أنه من المـؤكد أن هذه الأخيرة ومفاهيم أخرى، إلى جانب طرائق للتفكـير مشابهة... لم تخلق معنا مثل الأعضاء البيولوجية المكونة لأجسامنا؛ بل هي وليدة ونتاج واقع محيط بنا بملابساته ومعطياته الكثيرة والمعقدة، إلى جانب كـون بعضها من مصدر الوحي المنـزل الذي جاء به أشخاص مصطـفون من قبـل العناية الإلهية المنزهة. أما الجـزء المتغير والمتجدد فيها عبر الـزمن، فهو من بنات صناعتنا نحن كبشر في أزمنة متباعدة، ووفق شروط موضوعية فرضتها حاجاتنا المتنوعة ماديا ومعنويا.

وعليه فإنه من الضروري والمنطقي أن تخضع هذه العناصر المزيجة كلها أو بعضها، لعمليات النقد والغربلة والتقويم؛ التي قد تضطرنا معها الظروف إلى التخلي عن جزء منها، آو إعادة الصياغة للجزء الأخـر وتطعيمه بمغذيات جديدة يفـرضها واقع التبدل والتطور الإنساني: زمانا، مكانا، وحاجيات... الخ. لأجل ضمان تحقق الشروط الطبيعية البناءة لمسيرة تطورنا نحو الأفضل. بحسب خيارنا وتقديرنا نحن البشر ليس إلا ! فليس لأية حقيـقة أو فكرة تواجهنا أهمية تذكـر، إلا بمقدار أهمية موقفنا منها، وتصرفنا حيالها إيجابا أو سلبا. فهذا العالم الأمريكي وليام جيمس يقول: " إن تغييـر المواقف الداخلية لعقولنا يمكننا من تغيير حياتنا...،... إن أعظم اكتشاف لجيلي هو أن الناس يستطيعون تبديل حياتهم بتبديل مواقف عقولهم."1

تبدو هذه المسألة حقيقة بسيطة لكنها لدى الكثيرين صعبة ومعقـدة إن لم تكـن مؤلمة؛ لأنها مسالة ترتبط بقوانين خفـية في النفس والعـقل الباطن الذي يوجه شعورنا واتجاهاتنا الحياتية، فينعكس عنه مستوى الثقـة بقدرتنا على تغيير أحوالنا، أو العكس عند حالات العجـز والإحباط التي تكبل إرادتنا. من أجل هذا جاء التوجيه الإلهي مؤكدا الربط بيـن قضية التغييـر وواقـع النفس واستعداداتها. قـال تعالى: " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم."الأعـراف - الآية ... وقد أشار إلـى المعنى نفسه المفكر الجـزائري مالك بن نبي - رحمه الله - حينما شخص مشكلـتنا مع التغييـر بالقـول: " إن مشكلتـنا ليس فيما نستحق من رغائب، بـل فيما يسودنا من عـادات ومـا يراودنا من أفـكار ومن تصوراتنا الاجتماعـية بما فيها من قيم: الجمال والأخـلاق، وما فيها من نقائص تعتـري كل شعب نائم."1 مكرر

 من جهة أخرى فان إطار التفكير والتصدي للمشكلات المطروحة أمامنا، وبحث الحلول المناسبة الناجعة لها؛ يقتضي لتلـك العملية تكيـفا ومواءمة مع طبيعة هـذه المشكلات، وتحديد المنظار الذي ننظر من خلاله حتى يتوافـق مع طبيعة " الحدث - المشكلة". بذلك فقط نعزز استجابتا بما يعبر عن الموقف الذي نشكله منها؛ أي بمعنى تأطيـر المشكلة ووضعها فـي سياق جديد يتناسب مـع وقائعها وحقائقها الموضوعية، وإنتاج الحلول الكفيلة بمعالجتها بحسب ما تقتضـيه الحاجة ويستدعيه الهـدف المحدد من تلك العملية. إن قضايا الهوية، الثقافة، العـولمة، وعناوين أخرى من المسائل والمشكلات القديمة الجديدة التي تطـرح نفسها على حياتنا باستمـرار، وتلـزمنا بتناولها ومراجعتها بما يتناسب ومجموع المبادئ والثوابت، والخصوصيات التي تشكل معالم شخصية كل مجتمع وأمة، لتـؤشر إلى التمايـز أو التطابق فيما بينها.

والخصوصية الاجتماعية والثقافية تمثل ركنا الهـوية في مجتمعنا المغاربي؛ بما يمثلانه من ثقـل ورصيد انثر بولـوجي وتاريخي... سجل ولا يزال يسجل حضوره الفاعل في أية مقاربة موضوعية لإشكالية الهوية في أبعادها المذكورة. ضمن هذا المنظـور تبرز إشكالية الهوية المغاربية في أبعادها الفكـرية، الثقافية، والسياسية... أمام تحد كبير يواجهها في ظل عولمة "الثقـافة"، "التاريخ"، "السلوك وأنماط الحياة"، و" الإنسان" نفسـه !.. مما يجعلها تـركن في زاوية التهديد والخطر الذي يحيـق بها تاريخيا وحضاريا وإنسانيا؛ وما ينجم عن ذلك من تداعيات سلبية تتهدد البنية الكلية للمجتمع وتماسكه. وكذلك بنيـة المؤسسة الرسمية المغاربية؛ ممثلـة بشكل خاص في الدولة القطـرية، وتراجع الانتماء الوطني وانكماشه؛ ليفـقد معناه ووظيفيـته السياسية القـومية لدى مجموع الفعاليات الوطنية وعمـوم الشعب ؟!

إن مثل هذا المأزق في إشكالية الهوية قد يجر المجتمع المغاربي برمته - إن لم نتدارك الأمر بسرعة - إلى حالات من فقدان الثقة بالذات والأخر، وتنامي بواعث التفكك، ودورات العنف والعنف المضاد، وسلوكيات الرفض والعدوان...الخ. تلك التي تفضي إلى تفشي الجريمة المنظمة؛المسنودة من قبل قوى وأطراف خارجية تحـركها المصالح والامتيازات الامبـريالية، باسم العـولمة وتيارها الجارف تارة، وتحت عناوين أخـرى لمسميات واحدة؛ تتخـفى من ورائها بهدف بسط النفـوذ الاقتصادي، والهيمنة الثقافيـة ومحـو الخصوصيات الاجتماعية والحضارية للغير. لنجد بذلك أنفسـنا أمام احـد خيارين: إما الاستقالة الجماعية من الحياة، وبالتالي القبـول بموقع التابع الخانع، أو الاستجابة والذوبان الهالك.. وأحلى الخيارين مـر!!

تبـدو لنا كل مظاهر الخيبة والسقوط التي حاقت بمنطقتنا المغاربية وأمتنا العربية اقتصاديا وسياسيا، وتغشى السلوكيات والممارسات السلبية والشاذة في واقع مجتمعنا اليوم، ناهيك عن تداعي الأعداء علينا من كل صوب... الخ؛ ما هي- في حقيقة الأمر- إلا تعبيرا ومؤشرا عن حجم الأزمة الفكرية ومأزق الهوية الذي نحياه، ورسالة بليغة عن منطق الرفض الجماهيري للواقع الراهن، وعدم قبوله التكيف مع أدواته الفكـرية والمنهجية الاستهلاكـية. فضلا عن منظومة القيـم الجديدة التي يراد فرضها لشطب المسار التاريخي الزاخـر للأمة، ومحو قيمها الاجتماعية المتأصلة التي تعاقـب الناس على العيـش والتعايش معها في وئـام وسلام ورقـي...

1- البنية التاريخية - السوسيو ثقافية للهوية المغاربية:

إن الفاعلية الحضارية المبدعة لأي مجتمع لا يمكن أن تتمثل شروطها الكاملة إلا إذا استندت إلـى مكونات الحضن الطبيعي للمجتمع، وتمثلت أساسيات وعناصر شخصيته التاريخية والحضارية، وتـم تفعيل دور العوامل الثقـافية المحفـزة في سبيل بذل المـزيد من الجهد البناء لأجل ضمانة الوحـدة والتماسك الاجتماعي المطلوبين. كل ذلك لن يتأتى إلا في ظل فضاء مفتوح، يعترف بالتنوع والتمايـز إلى حد التعارض؛ كمسلك وحيد للتعبير عن الوجود والقناعات، وطريقا لوعي الذات، وتحديد خطـوط الحركة ومعالم السير باتجاه صياغة منظومة حياتية فاعلة، تستوعب كامل المكونات والإطراف الفعالة في معادلة البناء الاجتماعي، لتطوير أدائها فـي كنف الأصالة والتجدد دون تنازع أو تناقـض !

والتصدي لانجاز مهمة بهذا الحجم ومن هذا النوع، في فضاء مغاربي متنوع عـرقا ولسانا؛ يشكل بذاته حالة من الصعوبة والسهولة فـي أن واحد ؟.. صعـوبة تتجسد فـي كيفية الجمع بين العناصر المختلفة إلى حد التناقص أحيانا، والقدرة على تحويلها إلى عنصر تغذية مشترك ومصدر لهدف واحد، هو وحدة المجتمع والمصير... و سهولة لأن في التنوع و الاختلاف خصوبة و ثراء، و تجديد للـدم الذي يضخ في جسم الكيان ليساعده على استئناف دورة الحياة بنشاط و فعالية ناجعة. هذا كله في سياق الاستفادة من خلاصة العناصر الايجابية في العملية، المحفـزة على تجـاوز العوامل السلبية التي تهدد كيان الجميع بالمصير المحتوم تفككا و تحللا. بذلك فقـط يعدو التنوع المذكور إجماعي لا عدائـي؛ بشرط أن نتمكن من تحييد بل إبطال مفعول تدخل العامل الخارجي فـي المسالة كعنصر مرجح؛ ذلك المتمثل خصوصا بـ:"العامل الاستعمـاري" ؛ بكامل تجلياته التاريخية بالأمس، وكذا صورته الجديدة التي تعبر عنها "العـولمة الرأسمالية" المتغـولة.

فالهوية المغاربية في تعريفها العام البسيط: هي جـزء من كل؛ أي أنها فرع من الهـوية العـربية الإسلامية الشاملة، التي لا تحتمل فـي المنطق الشعبي العام التجـزئة أو التناقض. وهـي تمثل آلية تماسـك ودفاع ضد أخطار الغزو للثقافات والهويات الشمولية الوافدة؛ على غرار المذاهب الإلحادية الشيوعية أو الرأسمالية المادية وعولمتها المتوحشة. وقـد شكلت بحق في مرحلة النضال التحـرري ضـد الاستعمار خط الدفاع الأول؛ بمضامينها الدينية والقومية، كما ظلت محل إجماع الكل حتى فـي صورتها التقليدية الأكثـر إمعانا في المغالاة والتشبث بقيـم الماضي وأمجاده التاريخية الأكثر ارتباطا والتصاقا بالدين. كـونه المحرك والمغـذي الأساسي لعنصر المقـاومة والدفاع عن قيـم: الشـرف، وحـرية الأشخاص والأوطـان... وغيرها.    

ضمن هذا المعنى نجد حتى النخب العلمانية الأكثـر تنويرا وانفتاحا على قيم الغرب وسلوكياته، لا تقوى على التنكر لهذه الهوية أو السباحة ضد التيار العام بهذا الخصوص، بل تتمسك - ولو تكتيكيا - بعناصرها؛ كأداة ووسيلة ناجعة في مواقفها حيال المشروع الاستعماري ومنظومته الفكرية والسلوكية. فهذا فرحات عباس أحد أبـرز وجوه النضال الجـزائري، وواحد مـن الأقطاب العلمانية فـي رؤيته السياسية، وصاحب المرونة الكبرى في التعاطي مع إدارة الاحتلال الفرنسي – وهـو خريج المدرسة الاستعمارية و معاهدها -نجده يرفض ويأبي بقوة و إصرار التخلي عن الأحوال الشخصية الإسلامية مقابل حصول الجزائريين على حقوقهم في المساواة والمواطنة الفرنسية. هذا بالرغم من أنه أحد أكثر وأشهر من كشف عن تعلقه بفـرنسا؛ مسجلا ذلك على صفحات الإعـلام من خلال مقالته الشهيـرة: "فرنسا هي أنـا" الذي نشره سنة 1936م 2 . نفس الموقف نسحله لدى الزعيم التونسي لحبيب بورقيبة؛ العلماني المذهب، المفتون بالثقافة ومظاهر الحياة الأوروبية؛ حيث نجده يتمسك بحجاب المـرأة كمقوم من مقومات الشخصية الوطنية التونسية على عهد الاحتلال3... لكنه يتراجع عن هذا الموقف لاحقا في مرحلة الاستقلال، ليمنع ارتدائه وتداوله داخل المجتمع التـونسي !؟

   بهذا يصبح سؤال الهـوية محل التشكيك والمواربة، بل موضع الاتهام لدى البعض! خاصة من قبل الفئة المتغـربة من اليمين واليسار؛ ذلك أن الأيديـولوجيات الوطنية التي حكمت دويلات الاستقـلال بالمنطقة المغاربية كانت قد تبنت في مشاريعها الفكرية والسياسية مضامين غير تلك التي حملتها وقت تصديها للاستعمار؟... و بالتالي فقد غيرت المخزون العربي الإسلامي كمصدر وعنصر جامع، لتحل محله المرجعية الغـربية كمضمون جديد، يجسد طموحات قطـرية ضيـقة، كما يعكس آفـاق التبعية الفكرية، الاجتماعية، و السياسية... لهذه الدول باتجاه التعلق بأيديـولوجية الغـرب بشقيـه اليميـني واليساري. متخذة من التاريخ العرقي " البـربري " تارة، "العشائـرية"، و "الفئـوية" تارة أخـرى، ومن بطولات الزعامات الوطنية في القديم والحديث، ناهيك عن أدبيات النضال السياسي المحلي، وقيم الحداثة، و شعارات المواطنة والتنمية... وغيـرها؛ مزيجا لهـوية فكرية بديلة تفتـقر إلى الانسجام و التناغم. وملاذا لانتماءات وطنية قطرية متعصبة، قطعت صلتها بعمقها الحضاري التليد، الذي اشترك الجميع وكانوا أصاحب الحظ والشرف في صناعته.

غير أن هذا التوجه و إن بدا في مرحلته الأولى يحمل من النجاحات المحدودة اقتصاديا و سياسيا، إلا أنه سرعان ما تكشـفت عـورته، و أفضى إلى إخفاقات سواء على مستوى الصمود السياسي في وجه موجات وعواصف التوحد الأوروبي و العالمي، أو في جانب الإخفاقات الاجتماعية، التربوية و الفكرية ...الخ. وقد أشر لهذا بوضوح ضرورة العودة إلى ثوابت الهوية العربية الإسلامية الجامعة. خصوصا في ظل حدوث انتفاضات داخلية انفصالية، و نزوع خارجي واضح باتجاه المركزية الثقافية، وفـرض عولمة في الأيديولوجية و الخيارات، بل أمـركة العالم قسـراَ !... عبر أطروحات وبدائـل تستهدف القضاء على الهوية العـربية الإسلامية الأم. وطرح الهـويات الشرق أوسطية، والمتوسطية... كبدائل جاهزة. بينما في أماكن بعينها درجت على العـزف على وتر طائفيات وعشائريات يتم تحريكها لخدمة حاجات سياسية ظرفية داخلية، ومسلكية عالمية للهيمنة على منطقتنا العـربية كلها .

فما حقيـقة هذا الصراع، وما الهـوية المطلوب تثبيتها في الفضاء المغاربي ؟.. وكيف السبيل إلى توطينها إلى جانب الهوية الأم العربية الإسلامية ؟

2 – مكـونات الهـوية المغاربية:

تقـوم الهـوية المغاربية على ثلاثة عوامـل ترتكـز عليها اجتماعيا و تاريخيا فـي عملية البناء الاجتماعي، وتشكيل الشخصية القومية و الوطنية. هذه العوامل تتجسـد فـي :

- التـراث الثقافي الشفهي؛ المعروف"بالتراث البربري" أو الأمازيغي؛ بأطيافه وأشكال تعبيره اللساني خاصة، وهو محفـوظ في صورة عادات وتقـاليد و أعـراف متوارثة في التنظيم الاجتماعي القبلي، طقوس الزواج، والأفـراح والأتـراح، ومظاهـر اللباس وباقـي أنماط الحياة الأخـرى. و يستوعب مجموعات قبلية وعـرقية عديدة ومتنوعة في المنطقة المغاربية؛ كسكان البـربر في الأطلس والريف المغربي، وفي شمال الجزائر بجرجرة والاوراس بالشـرق، والتوارق فـي الصحراء، وكـذا باقـي المجموعات البربـرية بجبال الخمير والغـرب التونسي، وما يماثلها في منطقة زوارة بغرب ليبيا... وغيرها. حيث تتحدر جميعها من أصول مشترك موغلة في القدم؛ يعتقد في كونها أول من سكن منطقة شمال إفـريقيا. وبالتالي فهذا التراث الثقـافي المتنوع والثري يمثل مقوم أساسي من مقومات الهـوية المغاربية، على الأقل فـي بعديها التاريخي والاجتماعي.

- أما المكونان الآخران فيتمثلان بالتحديد في: العـروبة كلغة وثقافة، والإسلام كعقيدة ونظام سلوكي حياتي... وهما ركنان راسخان في الوعي الجماعي المغاربي؛ تتأسس عليهما الهوية المغاربية وتتقاطع من خلالهما. بل وتتـواصل بايجابية وفعالية مع باقـي عناصر الهـوية العـربية الإسلامية الجامعة، باعتبارها مكونات ثابتة تاريخيا واجتماعيا في الشخصية المغاربية على مدار الزمن وتوالى العصور. فالمغـرب العربي يحظى بميزة أساسية عن المشرق العربي؟.. تلك المتمثلة فـي غياب التنوع الديني والمذهبي، حيث الأغلبية المطلقة من السكان يدينون بالإسلام ومذهبهم الفـقهي مالكيا، مع وجود نسبة محدودة من أتباع المذهب الاباضي. وقد مكنه ذلك من توفير الحصانة اللازمة من الصراعات والفتـن الطائفية والمذهبية وغيرها. لكن في المقابل تبرز التعددية العرقية ممثلة في: عنصر البربر بمجموعاته اللسانية والجغـرافية، والجنس العربي.إلا أننا نجد العلاقـة بين الطرفين يحكمها الانسجام والتجانس والتعاون، بل لا نبالغ إذا قلنا أن الكثير من البربر لا يتداولون لسانهم الأصلي في كثيـر من الأحيان، ويتحدثون العربية كلغة كما يعتبرون أنفسهم عرب مسلمين وكفى! دون إنكار أو تنكر للهجاتهم المحلية التي لا تستعمل في التواصل إلا عند الحاجة والضرورة الملحة. ولعـل "مجموعة الشـاوية" بمنطقة الأوراس بالشرق الجزائري خير شاهد على قولنا هذا. وقد لعبت العقيدة والأخوة الإسلاميتين دورهما في صناعة هذا التلاحم والتعايش المشترك 4 ، و الذي قد لا نجده متوفرا في أقطار عربية أخرى بين مجموعاتها العـرقية.

على صخرة هذه الوحدة والأخـوة المتينة تحطمت وأخفـقت كل المحاولات الكولونيالية ومشاريعها؛ الهادفة إلـى توظيف الخصوصية العرقية البربرية في المغرب العربي، فـي خدمة سياسته الشهيـرة " فـرق تسد". ونفس المصير حاق بالمحاولات اللاحقـة؛ الخارجية المسنودة محليا، الرامية إلى إثارة المشكلة تحت عنـاوين ومسميات مختلفة: كحقـوق الأقليات، وحـق التنوع الثقافي... وغيرها. وهي في مجملها تبتغي تغذية عناصر التجـزئة في المجتمع، لأجـل اختراق بنية هـويته وتفكيكها؛ وفتح الثغرات فـي جدارها المتماسك، لتتسلل منه هويات وافدة أو مستوردة؛ فرانكفـونية تغـريبية، تتبعها مشاريع للهيمنة الأمـريكية بمسميات ومن خلال فضاءات مكشـوفة: كالمتوسطية، والشرق أوسطية، والعـولمة الثقافية والتكنولـوجية، والوحدة الإنسانية... وغيرها.

من جهة أخرى فان الدولة الوطنية الحديثة التي نشأت عقب طي الحقبة الاستعمارية في المغـرب العربي، تميز تعاطيها مع التراث الثقافي البربري من جهة، ومقـومات الهـوية المغاربية التاريخية و الحضارية: كاللغة العـربية، والدين الإسلامي... الخ؛ بنوع من التنافر والتنكـر الذي بلغ فـي بعض الأقطار مستوى من الحـدة و التناقض إلى درجة التـوتر الاجتماعي و السياسي، خاصة على صعيد تثبيت الهـوية. ذلك أن هذه الكيانات القطـرية فـي حقيـقتها تماهت إلى حد بعيد في استيراد أنماط أيديولوجية، واجتماعية تناغمت مـع شعارات الحداثة والتنـوير، ومشاريع التنمية المـرتبط بالنمـط الاجتماعي والسياسي الأوروبي خاصة. هذا فـي الوقت الذي تنكرت فيه للهـوية الأصلية و الأصيلة لمجتمعاتها ! وليس غريبا أن تظهر هذه الكيانات السياسية الحديثة كما وكأنها مقطوعة وغير موصولة بالمرة بواقعها الاجتماعي والثقافي، وبعناصر هويتها الموروثة تاريخيا. مما أدى إلى التنكر لها روحا وولاءا من قبل القطاع الأغلب من جماهيـر الشعب، وكذلك مـن مجموع الفعاليات الدينية والثقـافية والسياسية المعارضة. افقـدها ذلك جانبا مهما من شرعيتها الواقعية والسياسية، فضلا عن مشروعيتها التاريخية، وزخمها الـوطني. حيث أضحت تحيا في عـزلة عن بيئتها الاجتماعية، فـي الوقت الذي عززت فيه أواصر التبعية وآثـارها... مع قـوى الاستعمار والامبـريالية العالمية. تلك التبعية التي أصبحت معها الدول المستقلة بالمنطقة المغاربية: " لا تتخذ شكل السلطة السياسية العامة التي ترتفع فوق الحكام والمحكومين بقدر بما تتخذ شكل الحكام، وبالتالي تتقلص الدولة فعليا في أجهزة قهرية مباشرة."5

في ظل هذا المناخ العاق، وفـي سياق التطورات الحاصلة بعد الاستقلال، وفـي خضم المعـركة الجديدة التي فتحت جبهاتها على مستويات عدة؛ طـفا على السطح صراع فكـري وثقـافي، تجلـى اجتماعيا وسياسيا في إثارة موضوع الهوية و اشكالياتها.... حيث برزت تيارات نظـرت إلى القضية من زوايا مختلفة، توزعت بين الداعين للأصالة التاريخية، وضـرورة تفعيـل دور العناصر التقليدية للهوية؛ ممثلة في العروبة و الإسلام خاصة، كونهما شكلا بالأمس في سياق مقاومة الاستعمار تحديدا، الحصن المنيع في مواجهة مخططات الفرنسة والتغريب، كما أبطلا مفعول الاندماج والتذويب لمكونات الهوية المغاربية العـربية الإسلامية لصالح الثقافة الغازية القادمة من الضفة الشمالية للبحر المتوسط، ومن وراء البحار.6

بينما نظر البعض الآخـر إلى المسالة نظـرة مختلفة تماما، إلى حد اعتبار العروبة و الإسلام هما المسؤلان عن مختلف السلبيات ومظاهر التخلف التي سادت في بعض المجتمعات المغاربية، وتحديدا في المجتمع الجزائري. من مثل ضياع الحقوق، وغياب الحرية والمساواة بين المواطنين، وعدم إفشاء الثقافة الديمقراطية، وباقي مظاهـر العدالة الاجتماعية... وغيـرها من القيم التي لا تتوفر - بحسب هؤلاء - إلا في سياقات التحديث والعلمانية 7. كـما برزت تيارات إيديولـوجية واتجاهات سياسية اشتغلت على مسالة الهوية: إما من منظور الإنكار لبعض المقومات على حساب الأخرى، أو المغالاة في تضخيـم دور عنصر ما؛ كالإسلام مثلا على حساب اللغة العـربية وثقافتها أو العكس، وأحيـانا الانتصار لتضخيم عنصر التراث الشعبي واللهجات المحلية، والثقـافة الفلكـلورية... الخ، واعتبارها مقوم الهوية والنهوض وأسه الأول والأخير ! 8

الحقيـقة أن تباين المواقف واختلافها بشأن هذه المسالة ليس عيبا فـي حد ذاته؛ ذلك أن تنوع الآراء والاجتهادات إنما يمثل - في نظرنا - ظاهرة صحية تساعد على الإثـراء المستمر لمكونات الهـوية، كما يمكنها من ضح دم التجديد في عروقها؛ لتقـوى على النهوض والتفاعـل الايجابي مع التحديات. و أن إشاعة ثقافة النقد البناء يسهم حتما فـي إنضاج الرؤية وتكاملها باتجاه دعم مرتكـزاتها، وسهولة التأقلم والتعايش مع الأوضاع الجديدة بمـزيد من المرونة والفاعلية. هذا الذي يمكـن فـي النهاية من تجاوز منطق الانكـفاء على الذات إلى تبني روح الانفتاح على الآخر؛ في ظل واقـع متغير تتدفـق عليه المعارف والمفاهيم بسرعة لا متناهية. غير أنه إلى جانب كل ما سبق ذكره؛ مطلوب من الجميع عدم تجاوز الموروث التاريخي أو القفز فوق حقائقه الموضوعية، ناهيك عن عدم الاستهانة بالمقدسات والثوابت... الخ؛ خاصة تلك التي أكدت تجـارب التاريخ وحكمت بصحتها وجـدواها، وأجمع عليها خاصة وعامة الناس بخصوص موضوع الهوية، الصانعة لمصائر شعوب المنطقة المغاربية والعربية سواء في حالات السراء والضراء.

الخلاصة أن النظرة التقديسية للهوية تتساوى في رأينا تماما مع النظرة التحقيرية لها، كما أن منطق الاختزال لكذا عنصر لصالح آخر، أو التوظيف الإيديـولوجي لمقوم معين لأجل خدمة سياسات ظرفية محدودة ؛ لا تعدو في حقيقة الأمر أن تتداعى وتسقط أمام منطق التاريخ والواقع معا، فضلا عن زخم الرفض الجماهيري. وقد تتحول بموجب الترويج لمواقف معينة إلى لون من العنصرية والعدائية المقيتة !؟ كل ذلك يفرض علينا واجب التصدي للإشكالية بالكيفية التي تمكننا حقيقة من إعادة النظر وصناعة موقف متوازن من المسألة، يضمن للهوية المغاربية عضويتها وتكامل عناصرها. فنقر بالثابت فيها ثم ندعمه عبر التعاطي معه من حيث طبيعته ودوره ووظيفته، كما نتحاور مع المتغيـر من مقوماتها بما يتناسب ويتلاءم مع حركية التغيير، وواقـع التبدل والتجدد في الفكـر، الثقافة، السلوك، وأنماط الحياة الأخرى . بذلك فقط نتمكن من مقاربة إشكالية الهوية بروح الأصالة، ومنطق التفتح المستنير، واعتماد الأسلوب البرغماتي الذكي؛ فنتمكن من اللحاق بركب العالمية والتجاوب مع متطلباتها، دون التخلي عن بصمة وجودنا التاريخي والحضاري...

3 – الهـوية المغاربية... بين النفـي والإثبات:

   ابتداء يمكن التأكيد على أن مفهوم الهـوية يشتمل على مجموع الروابط الموضـوعية، الروحية، والشعورية التي تميز جماعة ما عن غيـرها، وتجعلها تستقل بمنظـومتها القيمية، ولسانها الناطـق، وقوميتها المشكلة. وبالتالي فهي بهذا المعنى محققة فـي النفس والتاريخ؛ في الوقت الذي تضفي فيه التطورات الاجتماعية والتاريخية - بتفاعلاتها الايجابية والسلبية عبر الزمن على هذه الهوية - بعدا  ثقافيا يختلط فيه المحلي مع العالمي، الثابت مع المتغير... مشكلا ملامح الهوية الثقافية في مرحلة ما.   وقد شكل النضال الوطني القومي إبان حقبة الاستعمار الأوروبي بالمنطقة المغاربية والعربية عامة، عنصر تغذية قوي، وزخم حيوي عـزز من صمود الهوية المغاربية في وجه سياسات التذويب والنفي لها. أما بعد استقلال المنطقة وقيام الدول الوطنية فقد انظاف لها عنصرا جديدا ليعزز حـزمة عناصر الهوية المغاربية؛ إنه الانتماء الوطني الذي احتل المقام الأول في ترتيب هذه العناصر، مشكلا ما يمكن تسميته " بالهوية القطرية " ؛ كبديل للهوية القـومية والحضارية التاريخية الجامعة ! هكـذا فبعد أن كنا جميعا نستظل بشجرة الهوية المغاربية - العربية الوارفة، انحصرت تدريجيا لتحل محلها الهويات الوطنية، ثم تختـزل بعدها في هـويات قطـرية مستغرقة فـي المحلية ونرجسية الذات المضخمة ! وأصبحنا نسمع عـن أصوات تعلي: الهوية الجـزائرية، التونسية، المغـربية، والليبية... على حساب الهويات الجامعة مغاربية كانت أم عربية، و إسلامية ؟

   وقد بدأت تظهر وتنمو التوترات الاجتماعية ومظاهر التطرف في المجتمع المغاربي، أفضت إلـى نزاعات عدائية بين أصحابها أنتجت نفيا متبادلا بين أنصار الهوية القـومية وأنصار الهوية الوطنية، حتى أصبحت العلاقة بين الدولة الوطنية الحداثية الوليدة، والدولة القـومية التاريخية؛ علاقة خصومة و تناقص. أفقـدت الكيانين معا فعاليتهما الاجتماعية بالداخـل، كما عـززت مـن أسباب الانغـلاق والانكماش للمنطقة سياسيا ودوليا. وانتهى كل ذلك إلى شيوع ظاهرة الانقسام الفكري والإيديـولوجي بين النخب المغاربية حول موضوع الهوية !؟ وبدت الساحة متحركة من وحي تيارات ثلاث: التيـار القومي المنتصر للغة العربية وثقافتها كمقوم للهـوية وعنصر جامع للأمة، واعتبارها بمثابة المرتكز الأول في بناء الدولة. وتيار إسلامـي تمذهب وتشيع للدين باعتباره عامل وحـدة عقـدية وشعورية، وعنوان حضارة ، ورابطة للإخوة الإسلامية الجامعة؛ مع اعتباره اللغة العـربية وعاء له.9 وفـريق ثالث؛ إنهم القطـريون العلمانيون؛ سواء ظهروا فـي ثوب اليمين الفرانكفـوني أو اليسار الشيوعي، عززوا من موقع الجغرافيا، العرق، الثقافة المحلية، واللسان القومي ولهجاته المحلية...الخ؛ معتبرينها عوامل كافية لبناء الهوية الوطنية المستقلة؛ بعيدا عن الفكـر الديني الماضوي و طوبوياته، و شعارات العـروبة المستهلكة.

   هكذا بدت الهوية المغاربية في حالة من النفي والمصادرة من الجميع؛ باسم الدين تارة، وباسم اللغة العربية أخرى، وتحت مسمى الوطن و العرق ثالثة !!.. والحقيقة لو أمعنا النظر في طروحات هؤلاء لوجدناها مجتمعة تمثـل في مجملها أركان الهـوية المغاربية المتنازع بشأنها، المدعى حمايتها مـن الأطراف المذكورة نفسها. فالخصوصية العرقية الثقافية المغاربية لا نتناقض مع العنوان الكبير للهوية ممثلا في العروبة و الإسلام. فكما يقـول الدكتور سعد الدين إبراهيم، فإن حقائق الواقع تثـبت:" أن الموحدات الكبـرى قد دفعـت بالخصوصيات الإقليمية و القطـرية و المحلية إلى خلفيـة المسرح الحضاري للمنطقة، و لكنها لم تلغها أو تقض عليها ..."10

إجمالا فإننا نعضد وننتصر لصالح الموقف القائل بتكامل الخصوصية المغاربية مع الهوية العربية الإسلامية، دون الإنكار للخصوصيات المحلية القطرية: كالجزائرية، المغربية، والليبية...وغيرها. بل إنه من الضروري اعتبار هذه الأخيرة بمكانة المغذي برصيدها الهام مـن التراث الثقـافي و اللغوي الخصب؛ الذي يجب الحفاظ عليه وتطويره. بنفس القـدر الذي يضمن عطاءه المتجدد، ويعـزز من تماسك لحمة الهوية المشتركة: المغاربية - العربية ذات الملمحين البارزين وهما العروبة و الإسلام؛ كعاملين يعبر كل واحد عن الأخر: روحا ، فكرا، وموقفا ثقـافيا...

أما الهوية القطرية فهي تعكـس - في نظرنا - واقعا اجتماعيا و سياسيا قائما لا يمكن لأحد إنكاره أو تجاوزه، بل من الممكن والضروري الاستفادة منه لتعزيز أركان الهوية؛ لنجعل منه عامل إخصاب و حيوية، يتواصل بايجابية و فعالية مع المكونات الثانية للهوية المغاربية. بهذا فقط نحقق التطلع الذي تعلق به الكاتب التونسي المنصف وناس، حيثما أكد على: " أن الهوية في المغـرب العربي هي هوية وطنية، لكنها تتميز بتكامل أبعادها الثلاثة: الوطنية و الإسلام و العـروبة."11

4 - الهـوية المغاربية... بين المؤيدين والمعارضين:

في ظل تنامي التيارات الفكـرية والأيديولوجية السياسية في مجتمعنا المعاصرة، ونزوع منظوماتها القيمية إلى اكتسابها صفة العالمية، وإظهارها للبعد الإنساني في خطابها كقيمة مشتركة جامعة؛ تهدف من ورائها إلى توحيد الإنسان كجـوهر، وككائن ثقـافي واع... يميزه منطق العقل وحكمته، تتحرك ضمن مساحة وجدانية تستشعر مجموعة من المشتـركات الإنسانية كقيم: الأخوة، الحـرية، والعدالة، وتحقيق السعادة، الأمن والسلام...الخ. في ظل كل ذلك تبرز إشكاليات التوافـق أو التعارض بين هذه المدارس الفكـرية و الحضارية، ومؤسساتها الإيديولوجية المتحـركة من داخل: المدرسة، المؤسسة الدينية، وفعاليات المجتمع المدني، إلى جانب الإعلام، وأجهزة الدولة الرسمية، وانتهاء بمصادر إنتاج المعـرفة و تكنولوجياتها. يضاف إليها ثورة الاتصال، غـزو الفضاء، وعالم الانترنت...الخ؛ هـذه الفضاءات جميعها ساهمت في تقـريب البعيد، واختزال الـزمن وحياة الإنسان، إلى حد أصبح العالم يدعى بالقـرية الكونية الواحدة المفتوحة؛ التي يمكن لساكنيها أن يتواصلوا ويتعرفوا إلى أدق التفاصيل التي تحدث في زوايا الكـرة الأرضية، بل و أجـزاء كبيـرة من الفضاء الخارجي المحيط بها فـي كل لحظة.

هنا تبرز إشكالية الخصوصيات في جوانبها: العقدية، الثقـافية، الوطنية، والمحلية ...الخ؛ وضرورة تحديد موقفها من زخم التحول المتسارع المرئي و غير المـرئي وتفاعلاته اللامحدودة. كما يطـرح السؤال بإلحاح: ما المطلوب منا كمغاربة وعـرب؟... هل هو الانصهار والذوبان في موجة العالمية والعولمة، أم الانكـفاء على الذات للحفاظ على كياناتنا الثقافية والسياسية الخاصة؛ كونها تمثل رصيدا تاريخيا- اجتماعيا، لا يتجـزأ عن الهوية الوطنية والقومية التي لا يجب التنازل عنها باي حال مـن الأحـوال ؟

إن الواقع المغاربي جزء لا يتجزأ من الواقع العـربي الذي تجري فيهما هذه الأحداث، و تتحرك في ببيئتهما هذه التغيرات. وسـؤال الهـوية المغاربية... وتحدي العولمة يظل واحد من الأسئلة الإشكالية الملحة والمؤرقة، التي تنتظـر منا الإجابة الصريحة وبحث الحلول الممكنة له ؟ فالواقـع الاجتماعي والفكري لمنطقة المغرب العربي يذكرنا بحقيقة تاريخية مفادها: أن سكانها قد تعرضوا في هويتهم إلى مجابهة مفتوحة منذ أمد بعيد استهدفت أركانها الأساسية خاصة اللغة العـربية والدين الإسلامي، قادتها دوائر الاستعمار الأوروبي أثناء الاحتلال الذي مس أقطارهم، وبعد الاستقلال مباشرة؛ بسبب سياسات الدمج، الفـرنسة، والتمسيح التي طبقتها. ثم بفعل آثارها الاجتماعية و الثقـافية التي أعقبت الحقـبة الاستعمارية بالمنطـقة؛ حيث برز صراع الهـوية بحدة في شكل مواجهة مفتوحة بين التيار القـومي العروبي الإسلامي المدافـع عن هـوية الأمة التاريخية و الحضارية، المتمسك بها كعنصـر مقاومة بالأمس، وركنا لهوية المغرب العربي المستقل... والطـرف الأخر وهو التيار الفرانكفوني الذي تمثله العناصر الأوروبية الدينية المتعصبة، واللغوية والثقافية المستعلية. تتبعهم نخبة متغربة محلية مسلـوبة الإرادة ، التفكيـر، والوعي؛ اتخذت لنفسها مرجعية بديلـة مستوردة من سادتها بالأمس، ودافعت ولا تزال عنها كمظهر للحداثة، وعنوان للنهوض لانجاز التطور الاجتماعي ـ الثقافي المنشود، فـي كنف الدولة العلمانية التي أقيمت على النمط الأوروبي – الغـربي. 12

غير أننا نؤكد للكل بأن الشخصية المغاربية ليست وليدة الظـرفية، ولا هي صورة مستنسخة عـن الأنساق الأوروبية المستـوردة بعد الاستقـلال، كما هـي ليست نتاج نـزوة قـومية، آو مـزاجات وطنية...الـخ؛ إنما هي حصيلة تراكـم تاريخي و حضاري، وتفاعل أنسـاق عديدة؛ تمازجت فيها عناصر: التاريخ والجغرافيا، مع مختلف المكـونات الاجتماعية، والمزاج الشعبي، والثقافات المحلية.. وغيرها. كلها مجتمعة أنتجت ما يمكن أن نطلق عليه: منظومة القيـم و المفاهيم، والمشتـركات التي تفاعـل فيها الإنسان المغاربي مـع محيطه الاجتماعي، متواصلا - من خلالها- مع وسطه الطبيعي وانتمائه القـومي العربي الإسلامي، ومنفتحا في الوقت نفسه على العالمية بمسؤولية والتزام إنساني وأخلاقـي كبيرين.

   وعليه فإننا نؤكد بأن عولمة اليوم، وثقافة العولمة المطروحة، لا تخيف الإنسان المغاربي، وليست بدعا جديدا على المنطقة؛ إنما هي جولة جديدة في معركة قديمة متجددة. لكن بأدوات وأسلحة عصرية شديدة التطور والفاعلية والتأثير؛ تتطلب منا فقـط: وعيها والتعـرف على طبيعتها، مع الاستفادة من زخمها، والتصدي لمخاطرها و أثارها السلبية... فكيف السبيل لانجاز كل ذلك يا تـرى ؟

5- الهـوية المغاربية... و تحديات العولمة:

منذ زمن غير بعيد بدأت تشغل أذهان الكثيـر من النحب الوطنية و القومية العربية وكذا الإسلامية، ظاهـرة اجتماعية، اقتصادية – ثقافيـة، متشابكة محليا وعالميا؛ اصطلح على تسميتها " بالعـولمة ". وهي بنية جديدة تطبع النظام العالمي- كما يقـول الدكتور برهان غليـون13 - تتميـز بالدينامكية الاجتماعية و التفاعل والتأثر المتبادل بين عوامل ذاتية نابعة عن الإرادة والوعي، وأخرى موضوعية تحركها عوامل مادية وتقنية متسارعة الوقوع والتأثير. أبرزها ثورة الاتصال والمعلوماتية، وآفاقهما التكنولوجية المرئية و غيـر المرئية. وتدور في ساحتنا المغاربية والعربية عامة معـركة إيديولوجية وثقافية كبرى حول قضية العولمة، تمحورت في ثلاث أقطاب فكـرية:

- قطب يرفـض العـولمة جملة وتفصيلا بدعـوى أنها تتحرك بوحي من خلفية الهيمنة والاستعمار، والمركزية الغـربية المهددة للخصوصية المحلية... وما إلى ذلك من الهـواجس والتبريرات المقدمة. ويبدو لنا في هذا الموقف ضعفا نخاله ناجم عن تحركه ضد تيار التاريخ ومساره، ناهيك عن حـركة التغييـر وقوانينها الاجتماعية التي لا تجامل أحدا.

- قطب يعلن قبوله العولمة، ويكشف عن استعداده للتعاطي مع كل العناوين التي تطرحها دون تحفظ أو تفحص جاد ومسؤول لبعض مقـولاتها التي لا تتطابق في كثير أو قليل مع المعطيات الموضوعية للواقع، والخصوصيات الذاتية لشعوبنا. فضلا على المصالح العليا لمجتمعاتنا ودولها... وفي ذلك - في رأينا - تجاهل غير مبرر لبعض سلبيات ومخاطر ظاهرة العولمة؛ كمنتوج تستنبت بعض قيمه وأفكاره خارج المنظومات القيمية - الاجتماعية لبيئات أخرى، كما هـو الحال مع بيئتنا المغاربية والعـربية.

- فـريق ثالث يرنو إلى طرح بديل توفيـقي، يجتهد في قراءة موضوع العولمة من منظور نقـدي مستنير هدفه فهم الظاهـرة، مكوناتها، وقـوانينها... الخ؛ باعتبارها تعكس الصيرورة التاريخيـة - الاجتماعية، ذات الأبعاد والتفاعلات المختلفة. حيث تقتضي العملية إضفاء مزيدا من المرونة الفكرية في تلقي زخمها، وفرز ما يتناسب منها مع الهـوية الخاصة، وتحديث للعناصر الذاتية بما لا يتناقض أو يتصادم مع الوافد الذي يجسد الموضوعية مـن نتاج العولمة آو الكـونية كما يلقبها البعض.14

في غمار هذا الجدل العاصف، والنقاش المحتدم بين المؤيدين والمعارضين للعولمة، يطرح السـؤال التالي: هل تتعارض العولمة مع مسألة الهوية أم لا ؟ وهل أعد المجتمع المغاربي والعربي عامة موقفه من قضية العولمة ونظرتها حيال موضوع الهوية ؟ ماذا حضرنا في هذا السياق من بدائل للتعاطي مع اشكالياتهما وتحدياتها المعقدة؛ خاصة ما تعلـق منها بالخصوصية المحلية وعلاقتها بالعالمية ؟       الحقيقة أن العولمة بوصفها تعبير عن حالة من التشكل للنظام العالمي في أبنيته الفكرية والإيديولوجية، الاجتماعية والثقافية، الاقتصادية والإعلامية، المعرفية والتكنولوجية... الخ. هي في المحصلة: صياغة جديدة لأفكار، وقيم، وآليات وسلوكيات... للتعامل مع واقـع متغيـر ومتجدد باستمرار. وهـو وضع طبيعي في مجتمع بشـري خاضع لصيرورة التطور التاريخي، الطامح دوما نحو تعـزيز المشتركات الإنسانية، الرامي إلى تأمين حال أفضل لمجتمع إنساني متعايش ومزدهر. ومن ثم فان الحاجة لمواكبة حركية العولمة أمر فـي غاية الأهمية؛ لكـن على خلفية كونها تقـودنا إلى توحيد العنصـر البشري وتنمية حياته، وتحقـق مبدأي الاستمرارية والتواصل لبعدي المكان والـزمان اللذان نحيا في كنفها.

معلوم لدى الجميع أن الثورة المعلوماتية والاتصال هما من أبـرز عناوين العولمة وميزاتها البارزة؛ بما فـرضته من ترتيبات جديدة ومؤسسات ذات صبغة عالمية، وتنافـس شرس بين القـوى المتنفذة لغرض التموقع واحتلال مصادر القـرار والتوجيه العالمي. وهـو أمر يستلزم منا كمغاربة وعـرب تحديدا، إعادة النظر في طرائق ومناهج تفكيرنا، وأساليب العمل والانجاز، فضلا عن منهجيات تعاملنا مع الغير... حتى نستطيع أن نضمن التكافؤ المطلوب مع لغة وخطاب العولمة؛ كخطوة أولى لفهمها، ثم التعاطي بفعالية مع موضوعاتها الشائكة. ذلك أنه من غير المنطقي حماية أنفسنا وميراثنا ومكاسبنا المادية الوطنية والقومية، ونحن نتحرك بعيدا عن السياق العالمي، غير منخرطين بايجابية فـي واقـع الصيرورة العلمية والتقية المتسارعة. حتى نتمكن من التفاعل معها بـروح المبادرة والإبداع والفعالية؛ تضمن لنا الحد الأدنى المطلوب من الأهلية والجدارة لدخول المنافسة التي تفـرضها سياقات العولمة، وضرورة تكوين قـوة استقطاب موازية تتكافأ مع منظومة القـوى الأخـرى عالميا.

إن مثل هذه القوة المطلوب إعدادها هي وحدها المؤهلة والكفيلة بالحفاظ على الخصوصيات الذاتية، وضمان المناخ المناسب لتطورها، وتحقيـق أمنها الاجتماعي فضلا عـن تطورها العام. لتحقـق بها المناعة الفكـرية والحضارية للأمة، واستقـلال خياراتها السياسية في حـركاتها المحلية والدولية. أما احتلال مواقع: التابع، الملحق، أو المتحرك خارج السياق... وغيرها؛ فهي مواقع لا تخول لنا كمغاربة وعرب حتى حق طرح التساؤل حول العولمة والموقـف منها !... فضلا عن إشهار موقف الرفض أو القبول لها؛ لأنه - في تقديرنا- في كلتا الحالتين سيكون موقفنا هزيلا وعدميا؛ على اعتبار أننا بالحالة الموصوفة تلك ينطبق علينا المثل الشائع: "كالأطـرش في الـزفة !"                                    فغيابنا عما يجري على المسرح العالمي سيحولنا بدون شك إلى ما يشبه الكائنات الهزيلة، التي تحيا خارج دورة التاريخ والفعالية؛ تفتقد عنصري الإنتاجية والمرودية، وايجابية الحضور في شتى ميادين الحياة. وقتها سيستغلنا الأخر قهرا، إذلالا، و إقصاء...! فماذا يبقـى بعدها عندنا مـن قيمة للإنسان، الهوية، والحاضر، والمستقبـل ؟!    

إن التعاطي مع العولمة - كما يؤكد د. بـرهان غليون- هـو ليس بالضرورة استسلاما وخضوعا وكأنها قدرا منزلا، كما وأنه من قبيل التعامل مع الحتميات الموضوعية التي لا فكـاك عنها، أو هـي خيار واحد ليس لنا سوى قبوله !.. بمثـل ما أن موقـفنا منها ليس حكما بالرفض و إدارة الظهر، أو الإعلاء من الحصون والأسوار وسد المنافذ التي تمنع وصول رياحها وتأثيـراتها، وتوفر أجواء مناخ مغلق يفتقر إلى حيوية وخصوبة الهواء الذي يهب علينا من العالم الأخر... إنما هو طريق ثالث نختاره ونصنعه بأيدينا ؟ انه: " الأخذ بتقنيات العولمة... لضمان النجاعة الاقتصادية والثقافية، لكن الاستفادة الفعلية من هذه التقنيات غير ممكن من دون أن تقف وراءها إستراتيجية ذاتية تحد من استخداماتها من قبل القـوى الكبرى لأهداف هيمنية."15

أما عن موضوع الخصوصية الثقافية، وإشكالية التعامل مع هويتنا المغاربية في ظـل واقع العولمة الجارف؛ فإننا نقـر بالفعل بأن الثورة الحاصلة على مستـوى الإعلام والاتصال، وعلـى نطاق القيم والمفاهيم والسلـوكيات... الخ، التي تطـرحها وتجعل الكل أمام خطر زحفه عبـر شبكات الاتصال العالمية المتطـورة: كالانتـرنت، الخلوي، الفضائيات المشفـرة وغير المشفرة؛ التي تضخ برامجها الموجهة عبر الأقمار الصناعية... وما إلى ذلك من الوسائل التي لم يعد أحد منا بمنأى عنها أو قـادر على منع وصولها إليه في أية نقطة من كوكبنا الأرضي. لكن الخطر الحقيقي ليس في هذا الذي ذكرنا في حد ذاته، إنما هـو في مدى استعدادنا وقدرتنا على التعاطي مع تلك المضامين التي تحملها، وذلك الزخم الذي تصنعه..؟ فالخطـر إذا مسكون فينا نحن المغاربة والعرب من خلال توفرنا على المناعة الذاتية أم لا ؟ والى إي حد نحن متمسكون بهويتنا، محققين الإجماع حول عناصرها، وهل نتوفر على الفاعلية اللازمة التي تمكننا من تطـويرها بما يتناسب وخصوصياتنا التاريخية والاجتماعية دون تردد آو وجل؟... ذلكم هو التحدي الحقيقي الذي نواجهه وتواجهه هويتنا المغاربية كذلك؛ لضمانها بوصفها عنوان الوجود ومصدر الإلهام والتوجيه في حياتنا المستقبلية.

فماذا أعددنا من عدة فـي سبيل توفير تلك الشـروط الذاتيـة والموضوعية، التي تؤهلـنا لعمليات التطوير والتفاعل الخلاق والمبدع مع قضايا الهـوية والتحديات التي تطرحها العـولمة ؟ هـل نملك من الاستعداد والإرادة الكافية وكذا الشجاعة المطلوبة لتقبل جرعة التحديث، فـي ظل ثقافة الالتـزام والانفتاح المرن على العالمية ؟ مما يمكننا من صناعة توأمة تعـزز أواصر الاتصال والقـربى بين الأصالة والحداثة بوعي مسؤؤل، والتـزام أصيل ؟

6- مقترحات وآفاق للتعاطي مع إشكاليات الهوية... والعولمة !

في تقديرنا، ومن خلال تتبعنا لواقع وصيرورة الواقع الثقافي ببلدان المغرب العـربي، ومدى التأثير الذي يحدثه في الموقف والسلوك الفردي والجماعي، الرسمي والشعبي... فإن موضوع الهوية لا يزال يراوح مكانه، ولم يحظ بعد بالعناية الكافية إن على مستوى الفهم أو التطبيق؛ كمحدد ومرجع رئيس في أي مسعى جدي باتجاه التطوير الاجتماعي، والحسم في خيارات الهـوية المغاربية ومشروع المجتمع الذي يجب اعتماده !؟.. بل إنه من المؤسف حقا أن نجد عدم توفر مناخ النقاش الحر والبناء، المفضي إلى التوافق والإجماع حول أركان الهوية المغاربية، سواء بين النخب والفعاليات السياسية والمدنية في أقطارنا المغاربية، أو بينها وبين شعوبها عبر الآليات والفاءات الديمقـراطية المتعارف عليها في مثل هذه المقامات. ذلك أن المؤسسة الرسمية فـي هذه البلـدان، ومثيلاتها فـي المعارضة - بعد قيـام الاستقلالات الوطنية - لم تعمل على تمكيـن عنصر الهوية من تبوء مكانته وموقعه في تأطير الذات الاجتماعية، والتأسيس لمنظـومة القيم والسلوك في الحياة العامة. بل غالبا ما تحـركت لتعمل باتجاه " التوظيف السياسي والإيديولوجي" لعناصر الهوية؛ بهدف إضفاء الشرعية على خياراتها وتوجهاتها ومواقفها وصراعاتها... المحلية ، الإقليمية والعالمية !  

هذا في الوقت نفسه فقـد نظرت النخب المتغـربة بدورها إلى المسألة نظرة دونية؛ يطبعها بوصفها عاملا من عوامل التخلف المعيق عن اللحاق بركب الحـداثة والعالمية... خصوصا ما تعلق بـركني الإسلام والعروبة كمقـومين أساسيين في الهوية المغاربية والعـربية الإسلامية عامة. متذرعة تـارة بدعـوى استنفاذ المجتمع الإسلامي التاريخي التقليـدي لوظيفته الحضارية، وأخـرى بانتشار وذيوع سلوكيات التطرف والعنف داخل مجتمعاتنا العربية والإسلامية المعاصرة. لكن الحقيقة والواقع يؤكدان - كما يقول د. محمد عابد الجابري - أن:" التطرف الذي تعاني منه بعض الدول العربية والإسلامية تحت شعار الإسلام، فالمسئول عنه ليس الإسلام،؛ فهـو مجـرد شعار للتعبـئة، إن المسؤول هـي السياسة الامبريالية الاستغلالية التي يتبعها الغـرب."16

فالإسلام في حقيقته هو دفاع عن الذات واستحضار للهوية، وخطره يتمركز بالأساس حول مواجهة المخططات التوسعية في أبعادها الاقتصادية الثقافية...وغيرها. أما ثقافة الحوار فهي متأصلة حكما في منظومته الحضارية؛ يتداولها حتى مع خصومه العقائديين، فضلا عن مناوئيه في ميادين: الفكر والثقافة وأفاق التعامل الحياتية الأخـرى... وقد تضافـرت عوامل وجهود عـدة: منها التاريخية، الاجتماعية، الذاتية والموضوعية، وأخرى تتعلق بواقع التحول والتبدل العالمي..؛ مهيأة مناخ قيام صراعات فكرية وإيديولوجية، وحدوث مواجهات ذات طابع ثقافي وسياسي غطت مساحة كبيـرة من المعاملات علـى المستويين: المحلي القطري والقومي، وأفق المستوى الحضاري العالمي. فكان حظ " الهوية " من هذا الصراع وافرا ليطرح سؤالها بإلحاح على نطاقات ومستويات عدة: شعبية وعلى صعيد النخب الفكرية والسياسية، وفي داخل أجهزة الدولة الوطنية القطرية ومؤسساتها ؟ تجلى ذلك خاصة مع نهاية مرحلة الاستعمار التقليـدي، ومباشرة مـع عصـر الاستقلالات وبداية خـوض معـركة التنمية الاجتماعية والاقتصادية. الأمر الذي جعل سؤال الهوية والوجود بمنطقتنا المغاربية يشكل أحد عناصر الاستقطاب والتواصل. وقد جاءت التحولات الدولية الأخيرة، وانهيار الإيديولوجية الشيوعية... الخ، لينفرد النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة بزعامة العالم؛ في ظل ما عرف بالأحادية القطبية... كل ذلك فسح المجال واسعا أمام القوى الرأسمالية الغربية لتعبر عن طموحاتها المشروعة وغيـر المشروعة الهادفة إلى " رأسمالة العالم " اقتصاديا، ثم ليمتد عملها بعد ذلك إلى المسافة الأبعد؛ حيث العمل المنسق على تصدير مشاريع الهيمنة الإيديولوجية، وعولمة الإنسانية جمعاء: وجودا ، فكـرا، وموقفا وسلوكا ! ؟

هذا الأمر أحدث ارتباكا وخللا في موازين القـوة الدولية، كما فجـر العديد من الأزمات في سياق المشروع الرأسمالي الأمريكي – الغـربي المتغـول، الذي يستهدف تدمير مختلف بني النظام العالمي لصالح الهيمنة الأمريكية على العالم . وقد عبـر هذا عن عمق الصـراع وتناقضاته الكبيرة تاريخيا وحضاريا؛ متجليا في الأبعاد النفسية المضمرة التي تحـركها نزعات الحقد و العنصـرية المقيتة، و سلوكيات التعالي و الوصايا... و غيـرها. تلك التي نشم رائحتها الكريهة تفوح في كل مكان وتملأ زوايا العالم؛ من خلال شواهد ومواقف عدة، جـرى بعضها على ألسنة الساسة والمفكرين، و بعضها الأخر بدا في مواقـف بعض المجموعات المناهضة لكل ما له صلة بالعـرب المسلمين. ولعل فـي تصريحات بوش الأب و الابن حول فلسطين والعراق وطبيعة الصراع القائم في المنطقة، وكذا أراء و نظريات هنغتون و فكوياما حول مصير الإنسان، و قيام الحضارات، وادعاء الأخير نهاية التاريخ.. ثم مواقف بعض الشعوب الأوروبية في الدانمرك وهولندا واستراليا - المدعومة صهيونيا- من مقـام الرسول الأكرم - صلع - ... وغيرها. لهي أقـوى الشواهد و الأدلة المعبرة عن منطق التمـركز و التوجيه للصراع العالمي، و إعطائه تعـريفا محددا؛ يتضمن بالخصوص إعلان الحـرب على العالم العـربي الإسلامي وضد هويته الحضارية الشاملة.

استنتاجات وتوصيات الدراسة: إن التصدي لهذا الإعـلان؛ ليس هـو مبادلة هؤلاء بالمثل، أو هـو مجرد الإستقواء بالماضي والتاريخ و أمجادهما، و لا الانغلاق على الذات معتمدين منطق النعامة حيال عاصفة العولمة الهـوجاء وأعاصيرها المدمرة... إنما يكـون الموقف بتجميع قوى و فعاليات الأمة المتنوعة لتحضير خطة عمل شاملة؛ تتأسس على إعداد حزمة أهداف تكتيـكية وأخـرى إستراتيجية تتعلق أساسا بشـروط نهضتنا و أفاقـها الشاملة. تتضمن فـي خطوطها العامة إعادة استكشاف ذاتيتنا الواعية و بعثها، ونفخ روح الفعالية فـي عناصر ومقـومات هويتنا المغاربية العربية؛ بما يكفـل لها التجديد والإبـداع في حياتنا الفـردية والجماعة. وتتجلى معالم هذه الخطة في مقترحات توصلنا إليها كنتائج للبحث؛ وهي كالتالي:

1- تحرير الإنسان المغاربي و العربي من حالة السكون و السلبية التي سكنته دهرا طويلا، و ساهمت في صنع وعيه المزيف الذي تجلى في صورة: وجدانيات رومنتيكية ماضوية، و فكر مسكون بالقدرية ، معشش بالخـرافة؛ أفضيا إلى دوغماتية حياتية أفسدت عليه ذاته و شوهت كل قيمة: دينية، أخلاقية، ومدنية جميلة .

2- إعادة التعـريف للذات والوجود والهـوية المغاربية، وتفعيل هذه الأخيرة بالشكل الذي يمكنها من إعادة الصياغة الدقيقة والموضوعية لعناصرها ومقـوماتها؛ في إطار تعـزيز الانتماء والولاء للأمة، وتركزها على أرضية فكـرية ومنهجية عملية تستجيب لتطلعات الأجيال، كما تتجـاوب مـع منطق العصر وتحولاته، وتستلهم من مفاهيمه ومضامينه الايجابية بما يكفل التكيف والمواكبة دون انغـلاق أو تحلـل.

3- تبني فكـر العقلانية المستنير، والمنهجية الموضوعية الملتزمة، والمنطق العلمي العملي وأدواته؛ في التحليل و فهم الواقـع وإدراك حقائـقه، والتعاطي معه على خلفية الاعتـراف بكامل مكوناتـه وتفاعـلاته.

4- بحث منهجية رشيدة للتواصل والاستيعاب للأخـر؛ عبر تفعيـل الايجابي من القواسم المشتركة كضمانة لتحقيق الحد الأدنى المطلوب من الإجماع الوطني، القـومي، والإنساني؛ بعيدا عـن منطق ولغة الإنكار أو الاستكبار ، الإرهاب، والغـزو.. .

5- إعادة الاعتبار للقيم الثقـافية والإنسانية، واعتبارها بمثابة المخـزون الحقيقي لكل مسعى للتطور المنشود، وضرورة تموضع الهوية لدى الفرد والمجتمع؛ كفعل واع يؤسس لمرحلة قادمة من الإقلاع الحضاري للأمة. ذلك وحده هو المسلك الذي يضمن لها الرؤية المتميزة التي تحدد مكانتها من فكرة العولمة والعالمية، وتوفر لها التقاطعات الممكنة ضمن أرضية صلبة وملائمة، تتيح لكل أطياف الحياة المعاصرة حق التعبير عن أبعادها وتجلياتها، وآفاقها... في كنف التعاون والتعايش والسلام.  

تلك هي رؤيتنا لمسألة الهوية المغاربية، ومنظور اقتراحاتنا المتواضعة لإعادة التعـريف والتأهيل لموضوعاتها، استلهمناها على ضوء محددات وشـروط تضمن لها مقارعـة تيار العـولمة بمنهجية وفعالية.

خـاتمـة:

في إطار تلك الملامح، وهذه المقاربة الفكـرية السوسيو- تاريخية المذكورة آنفا، يتحدد- في تقديرنا - سؤال الهوية المغاربية... وتحديات العولمة ؟ ضمن أفق يتوخى توفير إطار التموقع للهوية العربية الإسلامية كفضاء أوسع جامع للأمة، وعنوان عريض لمشروع النهوض الحضاري. لتقتـرح الحلول، كما تقدم الإجابات المنطقية، التاريخية والواقعية، المؤطرة لفكـرة الانتماء والمواطنة الفاعلة؛ حيـث تكفل الحقـوق والحريات، وتحتـرم الخصوصيات، وتفـشى الثقافة الديمقـراطية، ومبادئ الإنسانية الشاملة... تلـك التي نحسبها بمكانة الأركان والدعائم التي بواسطتها وعليها يمكـن لنا إعادة تشكـيل وصياغة الهوية المغاربية، وبناء دولة الوطن ـ الأمة ! في الفضاء المغاربي، كخطوة أولى في مرحلة تجميع الشتات العربي، وإعادة اللحمة إلى كيانه، وتحقيق الوحدة العربية الكبرى في ظل الدولة العربية الجامعة؛ صاحبة الهوية العربية الإسلامية المانعة، وأبعاد الأخوة الإنسانية.

ونعتقد أن الإرادات الخيرة متوفـرة والـرغبة ملحة، كـما الإمكانية البشـرية والمادية والحضارية قائمة، إلى جانب دوافع المصلحة والضرورة... فكلاهما يفـرضان الإسراع في انجاز وتحقيـق هـذا المشروع القومي والإنساني النبيل. فالتاريخ لم يصل بعد إلى نهايته كما يدعي فوكـوياما؛ إنه بمقدورنا استحضاره وصناعته من جديد، وبالتالي إعادة إدخال أمتنا العـربية الإسلامية ضمن دورته الحضارية الجديدة بقـوة و فعالية...

مراجع وهوامش البحث:

1- جمال جمال الدين، الإنسان الفعال ، ط 3 ، دار الفكر دمشق - سوريا 2006 ، صص 169- 179

- نفسه

2- يوسف قاسمي، المثقفون الجزائريون والثورة التحريرية، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم التاريخ، جامعة باتنة – الجـزائر2002 ، ص 38

3- سالم الحداد ، صراع الهـوية ، الأطلسية للنشر ، تونس 2000 ، ص 15

4- محمد الصالح الهر ماسي، مقاربة في إشكالية الهوية ، ط 1 دار الفكر دمشق - سوريا 2001، ص 35

5- مجموعة من الباحثين، العقلانية ، العلمانية ، " الشرق أوسطية " ، إصدار جامعة دمشق - سوريا 1996،    ص 95

6- احمد بن نعمان ، الهوية الوطنية ، دار الأمة ، الجزائر 1996 ،ص 23 و ما بعدها

7- Saïd Sadi , Culture et Démocratie , Ed – Parenthèses , Alger 1991

8- لمزيد من التفاصيل حول هذه الدعوات انظر: عبد الكريم غلاب ، أزمة المفاهيم و انحراف التفكير ، مركز دراسات الوحدة العربية 1998، صص 253 - 264

9 - سعد الدين إبراهيم و آخرون، المجتمع و الدولة في الوطن العربي ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1988، ص 170

10 - حسن الترابي ، السياسة و الحكم ... ط 2 ، دار الساقي بيروت - لبنان 2004 ، صص 484 - 487

11- المنصف وناس، الدولة و المسالة الثقافية في المغرب العربي ، ط1 ، دار سراس للنشر، تونس 1996،     ص 146

12- الهر ماسي ، مقاربة في إشكالية الهوية ، مرجع سابق، ص 33

13- برهان غليون و آخر، ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ، ط 2 ، دار الفكر بيروت لبنان 2002 ، ص 23

14- للمزيد من التفاصيل حول هذه المواقف انظر: السيد ياسين، العولمة و الطريق الثالث ، ط2 ، مريت للنشر     و المعلومات القاهرة 2001 ، صص 27 - 48

15- برهان غليون، مرجع سابق، ص 28

16- محمد عابد الجابري، مسالة الهوية، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت لبنان 1995، ص 196