نحو قراءة منهجية للنص الروائيpdf

رواية غدا يوم جديد لـ"عبد الحميد بن هدوقة" نموذجا

أ.محمد بن يوب                      

جامعة قاصدي مرباحورقلة-الجزائر

مقدمة:

يعتبر المنهج أحد أهم الانشغالات الأساسية التي كرست لها الدراسات النقدية الحديثة كل جهودها خلال العقود الأخيرة، وهذا دليل على الأهمية الخاصة التي تحظى بها المنهجية في الدراسات الأدبية، لذلك فإن تطوير منهجية تحليل النصوص الروائية على تنوعها واختلافها، عمل يسهم بكل تأكيد في نقل ذلك الانشغال من الإطار النظري الأكاديمي العام إلى إطار الممارسة التعليمية، وهذا بغرض التأكيد على أن طريقة معالجة النصوص الروائية يجب أن تقدم نفسها كموضوع معرفة قابلة للمساءلة والتفكيك.

ضمن هذا الإطار، تندرج هذه المداخلة التي تهتم بمسألة التعامل مع النص الروائي، وكيفية تحليله، ولاستثمار هذا التنوع المنهجي، ستقدم هذه الطريقة الإجرائية من طرق تحليل النص الروائي، وتتمثل في شبكة القراءة التي تتميز بكونها تحتوي على أدوات وآليات منهجية لتحليل النص الروائي في كليته، ومن زوايا مختلفة ومتنوعة.

كما تتسم هذه الطريقة الإجرائية - شبكة القراءة بأنها تتميز بنوع من المرونة في التعامل مع النص، إذ للقارئ حرية اختيار أهم العناصر والأدوات التحليلية التي يراها تتناسب وطبيعة النص الروائي الذي تتناوله.

ولتطبيق هذه الطريقة المنهجية، من أجل الوقوف على مدى فعالية هذه الطريقة الإجرائية- شبكة القراءة في تحليل النص الروائي، فقد تم الاختيار على رواية "غداً يوم جديد" للأديب عبد الحميد بن هدوقة، وهو اختيار نابع من إعجابي بالطريقة التي كتبت بها، إذ يعتبر هذا النص علامة متميزة في كتابات ابن هدوقة، كما أن الكاتب في هذا النص، قد أظهر قدرة فنية و جمالية في التصرف مع العناصر الروائية، خاصة ما يتعلق بعناصر المحيط النصي (le para texte)، لذلك سنكتفي في هذه المداخلة بتقديم بعض المفاهيم حول شبكة القراءة، ثم بعض المفاهيم حول قراءة المحيط النصي (le para texte)، كمفهوم الصورة البصرية، وآلية قراءة الخطاب البصري.

1)   ما هي شبكة القراءة؟:

قبل ذلك نعني بالقراءة المنهجية للنصوص، تلك القراءة الشاملة الواعية بخطواتها، وباختياراتها المنهجية، فهي تنظر إلى النص باعتباره نسيجا علائقيا لمكونات داخلية وخارجية متفاعلة، الأمر الذي يتيح لها إمكانية التجلي في تمظهرات وصيغ متنوعة تبعا لنظام النص، أو لنظام الخطاب الذي تتخذ منه موضوعا لاشتغالها، إذ أنها تضمن لكل نوع من أنواع الخطابات أو النصوص الأدوات الملائمة في التحليل بعيدا عن اقتراح وصفة جاهزة واحدة للمقاربة، قد تخون تلك الخصوصيات  البنائية والنوعية لتلك النصوص[1].

إن طرق القراءة التي يأخذ القارئ في امتلاكها تدريجيا، تنشأ اعتمادا على نوعين من الأدوات:

§         عمليات ذهنية قاعدية ومفاهيم إجرائية قابلة للتوظيف في أي فعل قرائي، بغض النظر عن نوعية المتن المعالج (نص، صور ثابتة، أو متحركة).

§         مبادئ أكثر تقنية، مستمدة من مجالات ومصادر متعددة، مثل أنواع النصوص والحقول المعجمية، وضع السارد، المقولات النحوية، الزمان والمكان ولكي تمكن من انتقاء المؤشرات النصية الخاصة، مما يطبع الفعل القرائي بطابع المرونة والانسجام مع شكل الأثر المدروس.

إن القراءة المنهجية للنصوص كما يتضح، ليست اختيارا لمنهج نقدي بعينه في مقاربة الأعمال الأدبية، مثلما أنها ليست طريقة ديداكتية متعالية عن ظروف وخصوصيات النص، وإنما هي بكل بساطة قراءة تتموقع في حقل القراءة الشاسع، بما هو حقل يضمن للقارئ فرصة اكتشاف تعددية المقاربات الممكنة وإمكانية الاستفادة من أدوات تحليلية مختلفة.

لعل أهم ما تطمح طريقة القراءة المنهجية للنصوص الأدبية على مد القارئ بالأدوات التحليلية التي تضمن له ممارسة استقلالية في الفهم، وهو أمام نص ما بعيد عن أية وصاية.

2)   مفهوم شبكة القراءة:

الشبكة إذن، هي جملة الإجراءات والخطوات المنهجية الملائمة لتحليل النص الأدبي عامة والروائي خاصة، والمقصود أيضا بالشبكة من خلال منهجية القراءة، هي تلك المفاصل المقطعية الكبرى المشكلة لهيكل القراءة، وتتمثل هذه المقاطع أساسا في القراءة الاستكشافية، أي دراسة كل ما يتعلق بالمحيط النصي (le para texte)[2]، ثم القراءة الداخلية وكل ما يتعلق بالبنية الداخلية للنص، ومختلف العناصر المشكلة لهذا البناء، إذ تحاول هذه القراءة تفسير العمل الأدبي من داخل العمل ذاته، أو من داخل الأعمال التي تشبهه والتي يدخل في نسق معها، ويدخل في هذا الاتجاه المنهج البنيوي.

وأخيرا القراءة الخارجية، بمعنى كل ما يتعلق بالعناصر الخارج-نصية، أو مختلف الظروف المشكلة لهذا المحيط الذي ينبع منه النص الروائي[3].

وهذه القراءة تحاول أن تفسر العمل الأدبي، ليس من داخل العمل ذاته، وليس من داخل الأعمال التي تشبهه، ولكن انطلاقا من الحركية التاريخية للواقع الاجتماعي الثقافي الذي وجد فيه، وتندرج في هذا الاتجاه كل المنهجيات التاريخية والاجتماعية.

وعندما نحاول نحن كقراء استعمال هذه الطريقة الإجرائية (شبكة القراءة)، في التعامل مع النصوص الروائية، سنجد أنفسنا أمام خيارين، فإما أن نطبق هذه الشبكة بكاملها، أي بكل عناصرها ومقاطعها، لأن إغراءات هذه الشبكة كثيرة، ومتنوعة ومتفرعة، وإما نطبقها جزئيا، أي بعناصر محددة دون العناصر الأخرى، وفي هذه الحالة يرد التساؤل التالي: كيف يتم تحديد اختيار هذه العناصر التطبيقية؟ وللإجابة على هذا الإشكال، نقول: إن شبكة القراءة من حيث المقطع الأول والثاني، أي من حيث القراءة الإستكشافية والقراءة الداخلية، يكمن أن نجد مجالاتها التطبيقية في كل النصوص، لأن الموضوع هنا يتعلق بالبنية الخارجية( شكل الغلاف، دلالة العنوان، دلالة الألوان، كلمة الغلاف،...)، والبنية الداخلية( الجنس، والنوع الأدبي، شكل السرد،مسار الأحداث، الشخصيات،..)، وهو أمر توحي به كل النصوص الأدبية بصفة عامة، والروائية خاصة؛ أما بالنسبة للقراءة الخارجية( التناصية والسوسيوتاريخية، والبيوغرافية، والنفسية) فالأمر يختلف جزئيا، إذ لا يمكن أن تكون بالضرورة كل هذه العناصر مجالا فنيا للتطبيق، فقد نجد مثلا هيمنة للعنصر البيوغرافي (السيرة الذاتية) دون حضور العناصر الأخرى بالشكل المكثف، هذه الوضعية تدفعنا حتما إلى توجيه القراءة الخارجية نحو السيرة الذاتية وعلاقتها بالكتابة الروائية خصوصا، خاصة إذا كنا نعرف مسبقا، بعضا أو كثيرا من التفاصيل الحياتية الخاصة بالكاتب، و نكون قد لمسناها أثناء القراءة الروائية.

على هذا الأساس يجب أن نتعامل مع شبكة القراءة باعتبارها مجموعة آليات و وسائل تطبيقية تمكننا من تحليل وفهم النصوص الروائية، لذلك يجب أن نأخذها بشيء من المرونة، فهي عبارة عن علامات موجهة للقراءة، وليست نظاما مطلقا، وبذلك فللقارئ حرية اختيار العناصر التطبيقية لهذه الشبكة، ويعتمد التحليل هنا على القراءة المنهجية التي يجب أن يلتزم بها القارئ أثناء تعامله مع النص الروائي.

3)   مفاهيم حول دراسة المحيط النصي (le para texte):

هناك سبل إجرائية يعتمدها القارئ لتفكيك بنية النص من أجل فهم بنائه الداخلي وآليات اشتغاله، ومن بين الإجراءات والأدوات ما يسمى بالمحيط النصي أو معمارية النص، ونقصد به العلاقة التي تنهض بين النص ومحيطه ومجموع المعطيات التي تسيج النص وتحميه وتكمل بناءه[4]، وهي: العنوان، الصورة بما تحمله من دلالات وإيحاءات مختلفة، والكلمة الأخيرة التي تأتي على ظهر الغلاف.

تقترن دراسة المحيط النصي بتلك اللحظة التي يقترب فيها القارئ من النص، وهذا قصد التعرف السريع على مكوناته ومحتوياته، وما دام الغرض من هذه القراءة هي التعرف على ما هو أساسي دون تقيد بالتفاصيل، فإن القارئ يسعى إلى مسح شامل للفضاء الخارجي للنص برؤية شاملة معتمدا استراتيجية الملاحظة الانتقائية والتحليل  المركز لمختلف المكونات والعناصر المتعلقة بالمحيط النصي، ولا شك أن القيام بهذه العملية يقتضي توفر القارئ على جملة أدوات ووسائل ومناهج محددة، إذ تؤهله إلى الإدراك السريع لما سيحتاجه في قراءته من معطيات داخلية أو خارجية تنهض عملية بناء المعنى خلال القراءة الاستكشافية على فعل التقاط المؤشرات النصية من جهة، وعلى فعل الاستباق من جهة ثانية، إذ تعمل المؤشرات على ضبط حدس القارئ، وتوجيه منحاها التوقعي ضمانا للفهم السياقي المرتجي.

وكما لا يخفى فإن صناعة الفرضيات القرائية، ليست في نهاية التحليل غير حاصل عملية ضرب المؤشرات الملاحظة في السياق النصي الظاهر[5].

وتتمثل القراءة الاستكشافية أساسا في ملاحظة الصورة الخارجية للنص، وهي عملية أولية تنطلق من تفكير مسبق وتفضي إلى اقتراح القارئ لتوقعاته حول قراءة النص في صيغة فرضيات، وتشمل هذه العملية ملاحظة الفضاء الخارجي للنص بكل ما يحمله من عناصر ومكونات، بداية من العنوان وتفكيك عبارته، ثم دلالة الألوان، ودلالة الأشكال التي يمكن أن يتضمنها الغلاف، وكذا طبيعة الكلمة الأخيرة من الغلاف، وكلها عناصر تشكل المحيط النصي.

إن عملية القراءة تغدو أيسر كلما تمكنت الحوافز والمثيرات من القارئ، إذ سرعان ما يتجه في مجالات لبناء المعنى انطلاقا من المؤشرات الخارجية التي يتمكن من جردها والتقاطها خلال الملاحظة اعتمادا على قدراته الذاتية.

إن القراءة نشاط إنتاجي يقوم أساسا على فعل بناء المعنى، لذلك تجمع أدبيات القراءة على الدور الهام الذي يضطلع به القارئ في هذا النشاط، مادام الأمر لا يقتضي استخلاص معنى موجود مسبقا، و إنما المراد هو منح القارئ  معنى حياً لهذا النص اعتمادا على جرد المؤشرات النصية وعلى وضع فرضيات حول دلالة ممكنة من دلالته، ثم القيام بالتحقيق من هذه الفرضيات في النص.

إن فعل القراءة خلال هذه اللحظة الاستكشافية يتحدد بصياغة فرضية دلالية يتم إعادة ضبطها باستمرار خلال مسار القراءة، على اعتبار أن الاختراق الكلي للمعنى لا يتحقق إلا حين تصبح فرضية البحث متطابقة تماما مع مقصدية الكاتب بعد سلسلة من التعديلات التي تفرضها المعطيات الجديدة الملتقطة من النص،  هذا التطابق يكون كليا في حالة النصوص العلمية والتقنية، لكنه جزئي بدرجات مختلفة في سائر الحالات الأخرى، خاصة النص الأدبي.

على هذا الأساس فإن مسلك القراءة الاستكشافية، يمكن أن يعتبر بمثابة مسار تعاقبي ينهض على ثلاثة أفعال: - فعل الاستباق( وضع فرضية حول النص الذي سيتم بناؤه)، - فعل المراقبة( تمحيص الفرضية)- فعل التخزين أو التسجيل(حفظ المعلومة المتوصل إليها لتصبح أرضية لفرضية جديدة).

هكذا تتأسس لحظة القراءة الاستكشافية بمجموعة من الفرضيات وهي ترتبط بتلك التوقعات التي تنبثق عادة من الملامسة الأولية للنص، وبذلك فهي ترتبط بما هو جزئي ودلالي، نظرا لأنها وليدة عملية الملاحظة الممهدة للفهم ليس إلاّ، الشيء الذي يجعل منها مجرد فرضيات مرحلية لا تستدعي غير قليل من الرصد أو المسح الشامل لهوامش النص.

ولا بد من الإشارة إلى أن الوظيفة التعليمية التي تنهض بها الفرضيات الصغرى في إطار القراءة الاستكشافية هي وظيفة تحفيزية، ترمي إلى توريط القارئ في أنشطة الإقراء بطريقة غير مباشرة، أي بوضعه وجها لوجه أمام تحديات النص، وتدعوه إلى المزيد من التأمل والقراءة.

وتتعلق القراءة الاستكشافية أساسا بالمحيط النصي، أو هوامش النص، وهو ذلك المحيط الخارجي للنص، الذي يتشكل من تلك العناصر والمعطيات التي تسيّج النص وتسميه، وتميزه عن غيره وتعلن موقعه في جنسه، وتملي نوعية القراءة المناسبة له، وتحفز القارئ على اقتنائه، وهذه العناصر تتمثل أساسا في: عنوان النص، اسم المؤلف، والناشر، الدليل الإيقوني، والدليل اللوني، المقتبسة، أي:مقطع من الرواية أو تعليق نقدي عليها، يوضعان في الصفحة الأخيرة من الغلاف.

وتتوفر هذه العناصر والمعطيات التي تشكل في مجملها المحيط النصي على طبيعة حركية، فهي تقول خطابا عن النص، وترسل حديثا عنه، فهي شديدة الارتباط بالنص الروائي الذي تقف في بوابته ومداخله، وتبدو العتبات موضوعا جديرا بالاحتفال والأهمية، ومادة خصبة للنقد عموما، وهذا لكونها ترتبط بأهميتها المحددة وبمواقعها الاستراتيجية وبوظائفها وأدوارها، وكذلك بعلاقتها النوعية بالعالم والنص الذي يتموقع على مشارفه[6].

4)   آلية قراءة الصورة البصرية:

إن تناول موضوع قراءة الصورة البصرية، هو مساهمة في تكوين تلك الثقافة البصرية، التي يجب أن يتصف بها المثقف بصريا، وهو ذلك الذي يتمكن من قراءة وتصوير الفعل البصري بكل ما يحمله من موضوعات ورموز ودلائل (الشكل الإطار اللون)، فما هي العدة المنهاجية والثقافية التي ينبغي حيازتها للقيام بقراءة الصورة الثابتة(L’image fixe)[7].

ومن نماذج هذه الصورة، غلاف الكتاب، باعتباره يحمل كل عناصر الصورة الثابتة، إن هذا يتطلب عملية رصد ومتابعة لمختلف المقاربات والمنهجيات والأفكار التي تهم حقل الصورة، ومن ثمة بلورة إطار عام أو برنامج إجمالي يصلح كمنهجية لقراءة الصورة الثابتة.

تتمثل وظيفة التواصل في نقل الصور، أي نقل صور قسم من العالم إلى قسم آخر منه، كما أصبحت الصورة تحتل مركز الصدارة في الخطاب الإقناعي.

إن بلاغة التحريض والإقناع من بلاغة الصور المنشئة والمؤطرة للخطاب، هذه الحقيقة لا مشاحنة فيها في المشهد البصري لعالم اليوم، والصورة بهذا الفهم هي صنعة ليس بوسع أياً كان استعمالها بالسهولة المتصورة حتى وإن رغب في ذلك[8].

انطلاقا من هذا المفهوم، فإذا كانت الصورة هي مجموع سنن، فإن قراءة هذه الصورة الثابتة مهما كان نوعها، بما في ذلك غلاف أي كتاب بكل ما يحمله من رموز وأشكال وألوان، يعني تفكيك هذه السنن، أي تحليل المرسلة البصرية.

وتقوم عملية إنتاج و خلق الصورة على المرسل (الباث)، كما ترتبط عملية إدراك وإعادة إنتاج الصورة على المرسل إليه (المتلقي)، ويعتبر هذا الأخير المتلقي قطبا أساسيا في الممارسة التواصلية.

إن عملية التلقي إلى جانب كونها تتمم هذه الممارسة، فهي إمكانية أخرى لإعادة خلق المرسلة البصرية، وليس بالضرورة تكرارها، وهنا يمكن الحديث عن جمالية القراءة أو لذة القراءة[9].

وفعل القراءة هنا يشترط نطاقا أساسيا بيداغوجيا للأيقون[10]، وقدرا من المهارة والإتقان، إذ في غياب هذا الشرط، يصعب القول بوجود قراءة مؤسسة، فقد نجيد عملية مطالعة كتاب، وحتى قراءته، ولكن بالمقابل قد لا نجيد عملية قراءة صورة بصرية، إذا لم تكن هناك منهجية عملية لمقاربة الصورة.

إن البحث عن المعنى في الصورة يعد مسلسلا بكامله، وليس ترجمة لفظية للأيقون، وما دام هذا الأخير هو نتاج ثقافة، فالمفروض بالتبعية أن تكون القراءة مالكة إلى حد ما للعناصر المشكلة لهذه الثقافة، على أن استثمار هذا العنصر في استخراج المعنى لا يستقيم إلا بالاستعانة بعلوم تكون السند المرجعي لما يدعوه "كوكولا وبيروتيت" بالسيمولوجية التطبيقية، كالألسنية والأسلوبية، وسيكولوجية الأشكال، هكذا تصير القراءة بؤرة لتفاعل مختلف العلوم وصراع مختلف التأويلات[11].

يتضمن كتاب"علم دلالة الصورة" لبروتيت وكوكولا[12]، محاولة أخرى لعرض خاصيات الدليل البصري، فهو كما الدليل الألسني يتكون من الدال (الموضوع الذي نبصره) والمدلول (المفهوم)، ويفرعان البصرية إلى مقولات كبرى، اعتمادا على مقياس المشابهة بين المرجع والدال وهي: 1.الأدلة البصرية غير الأيقونية أو الإشكال ( les fonction)- 2. الأدلة البصرية الأيقونية أو المحفزات (lesmotifs).

1.الأدلة البصرية غير الأيقونية أو الإشكال ( les fonction):على غرار الأدلة الألسنية، فهي اعتباطية، أي الدال لا يشابه المرجع، ولا يشكل رجعا أيقونيا، وتتكون هذه الأدلة من النقط و الخطوط الهندسية والتجريدية واللوحات اللونية.

2.الأدلة البصرية الأيقونية أو المحفزات (les motifs):عندما يتم ربط رابطة المشابهة بين الدال والمرجع، مثال ذلك: تعد الصورة الفوتوغرافية لأسدٍ محفزا (موتيف)، إذ يشبه الدال البصري الحيوان أو الأسد، إن حاجة الفنان إلى توصيل خطابه على أحسن وجه، يملي عليه الاشتغال على ذلك القسم المنحرف في اللغة، أي ذلك النوع من الكلمات غير المكتملة التي هي أقرب إلى الغمز والتلميح، لكن يجب أخذ الحذر، فالصورة قد تنتقم لنفسها أحيانا بالإحالة على معنى، لم يكن يتوقعه الرسام.

أما الطرق التي تسلكها الصورة لكسب مودة المتلقي، أو فرض مسلك ما عليه، فيمكن تلخيصها في الطرق التالية:

ü      أولى هذه الطرق تتعلق بالكيفية التي تتقدم فيها المرسلة إلى المتلقي، وفي هذا الإطار فالمرسلة لا تعرض ذاتها باعتبارها واسطة بين فئة مقررة وبين المتلقي، وإنما تحاول إيهام هذا الأخير بأن المسافة التي تفصلهما غير موجودة، بدليل وجود المرسلة ماديا أمامه، وبأنه على خلاف ما قد يعتقد المتلقي فإن كل شيء يجري في آنية عملية التواصل الشفاف( أنا/أنت) وجها لوجه بدون شاشة أو عائق.

ü      ثاني هذه الطرق، ترتبط بمتخيل المتلقي، فعلى الرغم من تحوطاته حيال تأثيرات الصورة الإشهارية مثلا، فإن متخيله يظل قابلا للاستجابة لاستدعاءات تتجه نحو رغباته[13].

فالصورة تحاول إقناعنا بأن ملكيتها تعود إلى الجميع، إلينا نحن و إليك أنت، فليس هناك من واسطة بينها وبينك.

وفي إطار حديثنا عن آلية قراءة الصورة البصرية، لابد من التطرق إلى مفهوم النظر الذي يعد من المفاهيم الأكثر إلفاتا للانتباه حين التعرض للحقل البصري عموما ولقراءة الصورة على وجه الخصوص، قلنا النظر و ليس البصر، ذلك أنه عادة ما يجري التمييز بين المفهومين، فإذا أخذنا بالفصل الذي يقيمه بعض الباحثين في هذا المجال، سنجد أن لفظة النظر تقابل اللقطة الفرنسية le regard، بينما تقابل لفظة البصر la vue.

لتوضيح هذل التمييز، يقول ديكاميس: "الرؤية هي إمكانية البصر وفعل البصر، إن اللغة الفرنسية تفرق  جيدا بين voir، الذي هو منفعل passif، ويحدث بشكل آلي وبين regarder الذي هو ف actif، ويتضمن قصدا محددا وإرادة في إدراك الفعل الذي يتصل بمجال رؤيته".

انطلاقا من هذا التعريف، فإن فعل البصر لا يشترط الفعل في حين يستتبع النظر من جهته فعل التفكير، إلا أن الرصد لمفهوم النظر ولكيفيات اشتغاله داخل الصورة، يتبين لنا أن ثمة اختلافا في مقاربة مفهوم النظر من ثقافة إلى أخرى، و من حضارة إلى أخرى، فالحضارة التي تقرأ من اليمين إلى اليسار ليست هي الحضارة التي تقرأ من اليسار إلى اليمين، أو من الفوق إلى الأسفل، إذ ينجم عن هذا الاختلاف في القراءة، اختلافا مواز في فهم حركة العين، وأيضا في مفاهيم اليمين واليسار والأعلى والأسفل، وغيرها من المفاهيم المتعلقة بحقل النظر، وتقتضي الإحاطة بهذه المفاهيم مقاربات متعددة، تخص كل من السيميائي والأنثربولوجي  والعالم النفساني.

بعد هذه المقاربة في مجال قراءة الصورة البصرية، لا يسعنا إلا أن نأكّد بأننا قد تخطينا الكثير من المفاهيم الأساسية المتعلقة بحقل الصورة البصرية، كمفهوم الإطار، مفهوم المنظور، اشتغال الفضاء والزمن داخل الصورة البصرية، إلى غيرها من المفاهيم العامة المؤطرة لحقل المرسلة البصرية، وهي مفاهيم لا يتسع المجال لذكرها، ونتركها لأبحاث ودراسات أدبية، نرجو أن تعنى بهذا الحقل الهام من حقل القراءة، وهي قراءة الصورة البصرية.

5)   قراءة بصرية في صورة الغلاف:

يعتبر الغلاف الخارجي لأي عمل إبداعي  مكتوب، أول واجهة مفتوحة أمام القارئ، تهيئه لتلقي العمل الأدبي، فغلاف الكتاب إذاً هو واجهة إشهارية وتقنية، وبالتالي فعملية تصميم الغلاف لابد أن تخضع لنوع من الدقة والعلمية، تراعى فيها جملة من الشروط والمواصفات بتعلق أساسا بالمتلقي وبالمحيط الذي يصدر فيه هذا العمل الأدبي، وهذا ما يتم فعلا على مستوى دور النشر والمطابع، حيث تسند هذه العملية إلى أخصائيين في تقنية الإخراج المطبعي.

والعمل الروائي الذي بين أيدينا "غدا يوم جديد" لاشك أنه خضع لمثل هذه العملية، ولنتبين ذلك، سنحاول أن نقوم بقراءة بصرية لأهم مكونات هذا الفضاء الخارجي، ثم إعطاء أهم الافتراضات أو المقاربات إدلالات بينه وبين ما يحمله النص الداخلي من مضامين.

إن أول ما نلاحظه ونحن نقوم بقراءة بصرية لواجهة الغلاف، هو هيمنة واستحواذ اللون الأحمر على أكبر جزء من هذه الواجهة مقارنة بالألوان الأخرى، بالإضافة إلى بروز إطار عريض وبلون أبيض يحتل الواجهة العليا للغلاف ومكتوب بداخله وبلون أسود، اسم الكاتب: عبد الحميد بن هدوقة"[14]، بخط عريض من نمط ( tradional arabic)، ثم تحته وبنفس الشكل ولكن بخط أفخم وأبرز ومن النمط( الكوفي الرسم)، نجد إطارا مركزيا يحمل عنوان العمل الروائي "غدا يوم جديد" وتحته وبخط رقيق من نمط(عربي شفاف arabictransparent) نجد كلمة "روايـة" وهي إشارة إلى نوع هذا العمل الأدبي

هذا عن القسم العلوي للغلاف، والذي يحمل ثلاثة معلومات رئيسية، أما القسم السفلي فنلاحظ أنه يحتوي على شكلين  هندسيين وهمل عبارة عن خطين عريضين يمتدان من أسفل الغلاف إلى الجزء العلوي منه وهما بلونين مختلفين: أصفر وأبيض، كما نلاحظ وجود نقاط أو بقع صفراء وبيضاء على امتداد الجزء السفلي  من الغلاف، وإلى الأسفل نلاحظ وجود اسم دار النشر وهي " منشورات الأندلس الجزائر" وإلى جانبها العلامة المميزة لدار النشر وكل هذا باللون الأسود.

أما ونحن نقوم بقراءة تأويلية لمحتوى الغلاف، يجب أن نأخذ بعين الإعتبار بأن كل عنصر من العناصر المشكلة لهذا الفضاء الخارجي، بما في ذلك الألوان، فهي تحمل دلالة معينة، ولها مرجعيتها داخل هذا العمل الأدبي، وهي قد تبدو للقارئ العادي أمور بسيطة وشكلية لا معنى لها.

وأول ما يواجه القارئ وهو يتناول الغلاف، هو ذلك الإطار الذي كتب عليه اسم المؤلف وبخط عريض، وعلى امتداد المساحة المركزية من الغلاف وتحته مباشرة، وداخل إطار أكبر وبخط أضخم كتب العنوان، وفي الحقيقة فإن الإطار الأول والثاني يشكلان مساحة واحدة، كونهما كتبا بلون أسود و على خلفية بيضاء، والهدف من ذلك بالدرجة الأولى هو الإشهار بالمؤلف أولا، ثم العمل الروائي، كما أن تقديم اسم المؤلف على العنوان، كما في باقي النصوص الروائية لعبد الحميد بن هدوقة، ارتبط بتقليد تاريخي لدى المؤلفين، وهو الرفع من لواء الملكية الخاصة للمؤلف، وللتعبير عن وجوده كمؤلف من خلال هذه الواجهة الإشهارية.

أما الأشكال الهندسية التي تحتل الجزء السفلي من الغلاف فهي تمثل امتدادات تجريدية، قد تحيلنا إلى مفاهيم تجريدية، أيضا منها أن وسط هذا المحيط هناك شيئا ما مرتقبا وصاعدا، كصعود هذه الأشكال التجريدية من أسفل الغلاف، أي هناك إمكانية التحول والانتقال والتغيير من وضع إلى آخر، ومن حالة إلى أخرى ومن واقع قد يكون صعبا ومزريا إلى واقع آخر مضيئا ومشرقا.

ولعل طبيعة الألوان التي تحملها هذه الأشكال التجريدية قد تدعم هذه المحاولة التأويلية، وإذا حاولنا الربط بين طبيعة هذه الأشكال التجريدية ودلالاتها وبين العنوان، نلاحظ أن هناك مقاربة بينهما، إذ يحيلان إلى نفس الدلالة المرجعية، وهي ذلك الأفق المنتظر أو ذلك الغد الجديد الذي يراهن عابه هذا الفضاء النصي الخارجي، أما في أسفل الغلاف فنجد أن الإشهار بدار النشر من خلال الاسم والعلامة الإشهارية، وهو أمر مشروع  مشروط، حيث يسعى الناشر من خلال هذا العمل الروائي إلى التقديم الجيد للكتاب، والإخراج الفني للغلاف خاصة بكونه إشهار للمؤلف ولدار النشر على الخصوص.

وفيما يتعلق بتقسيم إطار الصورة البصرية الثابتة - الغلاف إلى أجزاء ومناطق، فهذا يختلف من ناقد لآخر ومن ثقافة لأخرى، ومن أهم هذه التصنيفات مثلا، نجد هذا التصنيف للصورة البصرية الثابثة وهي كالتالي:[15]


 

حسب تصنيفات بعض النقاد الغربيين يمكن تقسيم الصورة الثابتة إلى قسمين:

قسم علوي(Spiritualité): يتصف هذا القسم بطابع العلو والتسامي، فكل العناصر و المعلومات المتواجدة في هذا القسم العلوي من الغلاف، فهي تتصف بهذا الوصف، وهي أساسا: اسم الكتاب، وعنوان الرواية" غدا يوم جديد"، وهما يمثلان الملكية الخاصة للمؤلف، ويمثلان الجانب الروحي والمتسامي لهذا الفضاء الخارجي، أما القسم الآخر و هو:

قسم سفلي( Matérialité): يتصف هذا القسم بطابع البساطة والمادية، كما يوجد تصنيف آخر للصورة الثابتة وهو على الشكل التالي:[16]

 

يقوم هذا التصنيف على تقسيمصورة الغلاف إلى قسمين:

القسم العلوي الذي يمثل المنطقة المهيمنة zone dominante، وتتمثل هذه المنطقة في هذا الغلاف في اسم الكاتب عبد الحميد بن هدوقة، وعنوان الرواية "غدا يوم جديد"،أما القسم السفلي أو منطقة المعلومات Zone de renseignement فيتمثل في ذلك الشكل التجريدي واسم دار النشر.

هذا أهم ما يمكن قوله بعد قراءة بصرية موجزة لغلاف النص الروائي "غدا يوم جديد" وأهم الافتراضات التي يمكن رصدها، وهي قراءة تحاول أن تساهم في تكوين تلك الثقافة البصرية التي تحلل الفعل البصري بكل ما يحمله من موضوعات ورموز ودلائل.

6)   قراءة في دلالة الألوان:

مما لاشك فيه أن اللون شأن ثقافي كما تقر بذلك سوسيولوجية الأولان، وهذا يعني أن للتربية الاجتماعية الأثر البالغ في إدراك دلالة الألوان، إذ لا يمكن مقاربة لون ما إلا من زاوية نظرات المجتمع والحضارة المعنيين به، إن على صعيد التأويل الجمعي الذي يؤطره أو على مستوى المتخيل الاجتماعي والرمزي[17].

وإذا كان من صعوبة تعترض الباحثين في هذا المجال، فهذا يعود إلى الاختلافات الحاصلة بين مختلف الحضارات، بل وداخل الحضارة الواحدة في فهم الألوان وتداولها.

يقول الباحث (سيرج تورناي s.tournay):" إن معنى اللون إذا جاز القول يكمن في الهوية البشرية لكل حضارة"[18]، ففي رأيه إذا كان الدم إنما هو كذلك أحمر من حيث مرجعه العالمي، فإن تجربة الدم تختلف بشكل لا نهائي، إن الدم بما هو سائل جسماني حيوي ذو قيمة عالمية، و لكن رمزية تتنوع بفعل مرجعيته الثقافية.

بناء على ما سبق ذكره، نخلص إلى وجود رأيين في التعامل مع اللون من جملة آراء واسعة يتعذر الإلمام بها، رأي يرى إلى اللون بما هو سنن ثابت، وآخر يعده رمزا خاضعا لعملية الإدراك ضمن معطى ثقافي معيّن، وبالتالي ينزع إلى سحب طابع السنن عليه، ومع ذلك يمكن أن نرجع اجتهاد (بروتيت) التوفيقي، إذ يعتقد ان كل مجتمع يسعى في الواقع إلى تسنين رموز الألوان، وكل فرد يقرن تلك الرمزية الإجبارية بهير مينو طيقا شخصية لألوانه المفضلة[19]

أما عندما نصل إلى مستويات قراءة دوال الألوان في ضوء التصورات التي أشرنا إليها سابقا، فإن أول ما يلفت انتباهنا هو صعوبة الإقرار بوجود منهجية محددة لقراءة كفيلة باستياء الغرض كاملا من كل قراءة للون سواء على صعيد التفكيك والتحليل أوعلى صعيد التفسير والتأويل والتلقي.

وما يسترعي انتباهنا كذلك هو تعدد المقاربات في مجال قراءة اللون ولأننا لا نزعم بتقديم وصفة جاهزة في الموضوع، بل سنتصدى لموضوع لا يختلف معنا أحد إن قلنا بأنه من أعقد المواضيع التي تواجه الباحث، ولا نجد في وصفها أحسن مما قاله (إبيلي):"إن الألوان هي أحداث نفسانية، وإذن فهي تشكل جزءا من  قدرنا وتخبرنا عن حالات ذهنية هامة"[20].

إن أول ما يسترعي انتباه القارئ، وهو يتناول غلاف هذا النص الروائي"غدا يوم جديد"، هو استحواذ اللون الأحمر و سيطرته على الجزء الأكبر من هذه المساحة الإشهارية، وحتى وإن لمسنا حرص مصمم الغلاف على إحداث نوع من التطابق بين اللون والمواضيع الممثلة، فسيادة اللون الأحمر بالإضافة إلى الألوان الأخرى، جعلت صورة الغلاف تبدو وكأنها تعبر عن واقعية الأشياء والمواضيع المشكلة لهذا النص الروائي.

أما دلالة اللون الأحمر، فقد تناولتها مختلف المعاجم العربية، وغير العربية، ونذكر منهم معجم لسان العرب لإبن منظور، وهو يعتبر من أهم المعاجم الرئيسية الأكثر غنىً من حيث مفرداته اللونية، والذي لا غنى عنه لكل باحث:"فاللون الأحمر هو لون العجم" كما ورد في لسان العرب[21]" وقد تدل الحمرة على قتال شديد أو منازعة قوية أو فرح مع بغي، ولحمرة في الوجه تدل على الوجاهة"[22].

إذا فاللون الأحمر في ثقافتنا عادة ما يحيل إلى الدم والحرب أو الاقتتال، ونحن كقراء، ومن خلال قراءة أولية افتراضية لغلاف النص الروائي، يمكن أن نفترض أن الموضوع النص الروائي يتعلق بصراع ينتهي إلى إسالة الدماء، أو إذا حاولنا الربط بين دلالة هذا اللون ومضمون النص الروائي، نلاحظ أن هناك قرابة بينهما، إذ أن الرواية ومن خلال الشخصية المركزية وهي "مسعودة"الراوية- تحاول استرجاع أهم الأحداث والذكريات المتعلقة بحياتها، سواء منها القريبة منها والمتعلقة بأحداث أكتوبر 1988 أو البعيدة والمتعلقة بالاحتفالات المئوية بدخول فرنسا إلى الجزائر، وبين هذا الحدث وذلك، فإن الشيء المميز هو ذلك الصراع الدموي، وتلك الدماء التي سالت، وتصرح "مسعودة" بذلك في الرواية، عندما تقول:" ولكن دماء أكتوبر سالت في الشارع الذي بنته الرذيلة والنسيان؟ دماء ديسمبر سالت في الحلم الأخضر؟ ذلك هو الفرق ! لابد أن لا ننسى هذا.."[23]؛ إذا فالصراع الدموي، وحالة اليأس واللأمل التي تحملها أحداث الرواية سواء منها القريبة أو البعيدة هو الذي يبرر سيطرة هذا اللون على معظم أجزاء الغلاف.

كما قد تكون هناك فرضية أخرى قد تبرر اختيار هذا اللون الأحمر على واجهة هذا النص الروائي، وهي أن معظم الأحداث التي ترويها الرواية على لسان "مسعودة" الراوية- تمثل ذلك الماضي الذي عاشته بالدشرة، وهي قرية الجبل الأحمر، وهي نفس الدشرة التي نشأ فيها الكاتب عبد الحميد بن هدوقة، تقول  "مسعودة" الراوية-: "...أنت مثلي كما قيل لي عشت في قرية جبلية من تلك القرى التي تستضيء بالنجوم..."[24]، فدلالة الحمرة التي يحملها الغلاف قد تشير إلى هذه البيئة و ما تحملها من قيم و معان، بما في ذلك هذا الحلم المتمثل في الانتقال إلى الغد الجديد، و الذي لم يتحقق إلا بعد ذلك الصراع الدموي.

كل هذا يبقى مجرد محاولات تأويلية للربط بين دلالة اللون الأحمر في الغلاف ومضمون النص الروائي، وقد تكون هناك إحالات أخرى واردة، ولعل هذا هو الهدف ما الذي تسعى إلى تحقيقه القراءة الاستكشافية التي لا تبحث عن دلالة معينة في النص، وإنما تحاول إعطاء فرضيات حول دلالة ممكنة، ثم إعادة ضبط هذه الفرضيات خلال مسار القراءة للتأكد من مدى مطابقتها ولو جزئيا لمقصدية الكاتب.

أما دلالة البياض وسط هذه الأرضية الحمراء، فنحن نعلم بأن اللون الأبيض يحمل دلالة معينة وسط منظومتنا الثقافية والاجتماعية، وهي دلالة السلم والسلام والحرية، وقد ورد في لسان العرب لابن منظور، بأن اللون الأبيض لون محمود ويرمز إلى الصلاح والدين[25]؛ وتكون دلالة هذا اللون أكثر إيضاحا وعمقا، خاصة عندما تبعث من وسط آخر مخالفا له ومناقضا له وهو هذا اللون الأحمر، وتزداد دلالة هذا البياض أيضا عندما ترتبط ببعض القرائن، كما يمثله هذا الغلاف، إذ أن اسم المؤلف وعنوان النص الروائي كتبا وسط هذه المساحة البيضاء، وهذه دلالة على أن هناك مساحة للأمل يمثلها المؤلف من خلال هذا الغد الجديد، الذي سيكون حتما أكثر سلما وأمنا من هذا الواقع الذي تميزه الدماء والدموع.

أما اللون الأسود الذي كتب به اسم المؤلف وعنوان النص، فنحن نعلم بأن اللون الأسود يحمل دلالة اليأس والحزن والتشاؤم، وهو لون منبوذ ومكروه داخل محيطنا الثقافي والاجتماعي؛ لكن وسط هذا الغلاف فهو يحمل دلالة أخرى، إذ أن الكتابة بالأسود وسط خلفية بيضاء غرضه لفت انتباه القارئ والتأكيد على دلالة هذا البياض من خلال اللون الأسود.

أما بالنسبة للشكل التجريدي الذي يحمل اللون الأبيض، فدلالته تكمن في كونه يمثل ذلك الامتداد الصاعد، او ذلك الشيء المرتقب وسط هذا الديكور الأحمر، أو يعتبر ذلك الأفق الأبيض الذي يعد به ذلك الغد الجديد، وهو أفق يعد بالكثير من السلم  والأمن.

أما بالنسبة للشكل الهندسي التجريدي الآخر والذي يحمل اللون الأصفر، الذي يدل على الحنون حسب لان العرب، وقد يدل المرض ونهاية العمر، كما قد يرمز إلى الشمس والنور والإشراق[26]؛ أما دلالته وسط هذا المحيط النص الخارجي، فقد تشير إلى أشعة الشمس التي تشرق في يوم قاتم، كما هو الحال بالنسبة لهذا الكون الأصفر الذي يمتد من أسفل غلاف النص الروائي، ويحتل مساحة مهمة من هذا الغلاف وصعوده بهذا الشكل شبيه بصعود أشعة الشمس، فهذه الصفرة تعبر عن النور والإشراق المرتقب الذي يحمله الغد الجديد.

هذا أهم ما يمكن قوله حول طبيعة الألوان ودلالتها داخل هذا الفضاء الخارجي للنص الروائي "غدا يوم جديد" وهي محاولات تأويلية أكثر من كونها تفسيرات يقينية، لأنه يصعب الإقرار بوجود قراءة للألوان كفيلة باستيفاء الغرض كاملا، إن على صعيد التحليل والتفكيك، أو على صعيد التفسير والتأويل.

وكما أشرنا سابقا فإن الخوض في حقل قراءة الألوان لا يختلف معنا أحد إن قلنا بأنه من أقد المواضيع التي تواجه الباحث.

هذا ونكتفي هنا بعد هذه القراءة البصرية في غلاف النص الروائي" غدا يوم جديد" لعبد الحميد بن هدوقة، بالتركيز على تحليل وتفكيك أهم عناصر هذه الصورة البصرية الغلاف من  أشكال وألوان، وهذا دون الخوض في دلالة العنوان باعتباره عنصرا من عناصر هذه الصورة البصرية، وسنترك ذلك لقراءات أخرى.

لعل أهم ما يمكن قوله، هو أن هذه الدراسة قد مكنتنا من التأكيد على أن قراءة صورة الغلاف لأي عمل إبداعي مهما كان شكله أو نوعه، لا تستقيم إلا  متى حصلنا على جملة سنن و مبادئ ثقافية اجتماعية واستطقية وتقنية وبلاغية ولونية، كما أظهرت هذه الدراسات أن أية قراءة لا تتم سوى في سياق ومقام معينين.

ولربما تكون أهم خلاصة، أوقفتنا الدراسة عليها، هي أن العين في حاجة إلى ديداكتيك بصري يسهم في تحقيق لذة النظر ومن ثم لذة القراءة.

 الإحالات


[1]Voir Bernard Vaiette : lectures méthodique, EDITION MARKETING PARIS 1995 , P5

[2]Voir Bernard Vaiette : lectures méthodique, EDITION MARKETING PARIS 1995 , P07

[3]أنظر: محمد محمود، مكونات القراءة المنهجية للنصوص، ص42.

[4]Voir BERNARD Genette: Introduction à l’architexe coll poéttique de seuil.PARIS 1979 P89.

[5]أنظر: أحمد عبد الفتاح، نحو قراءة منهجية للنص الأدبي، ص64.

[6]فضاءات مستقبلية، مجلة فكرية إبداعية، العدد2، مارس 1996، مطبعة وليلي للنشر، المغرب، ص74

[7]Voir Bernard Vaiette : lectures méthodique, EDITION MARKETING PARIS 1995 , P107

[8]أنظر: محمد الهجاجي، التصوير و الخطاب البصري، مطبعة الساحل، المغرب، 1994 ص15

[9]Voir Bernard Vaiette : lectures méthodique, EDITION MARKETING PARIS 1995 , P107

[10] الأيقون: هو مصطلح يدل على شيء يجمعه إلى شيء آخر له علاقة المماثلة و المشابهة.

[11] التصوير و الخطاب البصري، محمد الهجابي،ص16.

[12]المرجع نفسه، ص48.

[13]أنظر: شاكر عبد الحميد، الصورة و الاتصال البصري، المركز الثقافي العربي، بيروت، ص41.

[14]عبد الحميد بن هدوقة: غدا يوم جديد، منشورات الأندلس، الجزائر، 1992.

[15]Voir Bernard Vaiette : lectures méthodique, EDITION MARKETING PARIS 1995 , P110

[16]Voir Bernard Vaiette : lectures méthodique, EDITION MARKETING PARIS 1995 , P110

[17]سليمان العسكري، التعبير بالألوان، الناشر: مجلة العربي صادرة عن وزارة الثقافة و الإعلام الكويت جانفي 200، ص74.

[18]محمد الهجابي التصوير و الخطاب البصري، مطبعة الساحل المغرب، 1994، ص275.

[19]نفس المرجع ص83.

[20] أنظر محمد الهجابي التصوير و الخطاب البصري، مطبعة الساحل المغرب، 1994، ص281.

[21] ابن منظور لسان العرب، دار صادر، بيروت، دط، مجلد7 ص123.

[22]أنظر محمد الهجابي التصوير والخطاب البصري.

[23]الرواية ص14.

[24]الرواية ص15.

[25]ابن منظور لسان العرب، دار صادر، بيروت، دط، مجلد7 ص126.

[26]ابن منظور لسان العرب، دار صادر، بيروت، دط، مجلد7 ص127.