بنية الخطاب القصصي ووظيفته عند د.دريد يحي الخواجة:pdf

( وحوش الغابة ) أنموذجا (*)

 أ.د. مازن الوعر((**)

جامعة دمشق-سوريا

تمهيد:

يهدف هذا البحث إلى معرفة تجليات بنية الخطاب القصصي ووظيفته عند كاتب معاصر يعد من أهم كتاب القصة القصيرة هو: "دريد يحي الخواجة".وستكون المجموعة القصصية (وحوش الغابة) نموذجا لهذه الدراسة، لما نرى لها من أهمية في تجربته القصصية الفارقة.

ونعني بالبنية بؤرة القوات المعنوية والدلالة التي عرض لها الإبداع القصصي في هيئة معينة سواء أكان ذلك في تشخيص الواقع ام في إيجاد الحلول المطروحة.

وتحليل بنية الخطاب هو البحث عن العناصر الكلية التي يتركب منها وعن المقاييس التي ركب علي أساسه. وهذا يعني الكشف عن الوحدات التي شكلت هده البنية في جميع مستوياتها داخل وحدة الأثر القصصي المركزية. وهذا شرط أساس وموضوعي لأي تحليل للبنية ووظيفتها. أما الوظيفة فنعني بها ما تؤديه من عمل داخل البنية. فلكل عنصر عناصر البنية القصصية وضيفة خاصة ودور يؤديه. ونقصد بالخطاب القصصي هنا تجليات الذي يستخدم استراتيجيات الخطاب الشفوي المنطوق أو استراتيجيات الخطاب الأدبي المكتوب (المنطقي والموضوعي).

وعندما نقول نموذجا فهذا يعني أن الدراسة لمجموعة (وحوش الغابة) ستكون آنية _ تزامنية (سنكرونية) بنوية تنبثق منها نتائج هذا البحث الذي أسعدتني كشوفاته. والذي يمكن أن تكون بعض ملامحه مستمرة أو متشكلة تشكيلا جديدا في مجموعات قصصية أخرى للكتاب بحاجة الي وقفات بحثية نقدية أخرى.

وأخيرا فإن الكتاب دريد يحيى الخواجة هو أديب سوري معاصر متميز له مجموعة قصصية عديدة امتدت عربيا وعالميا حيث ترجمت إلي غير لغة. وامتاز أحد المستشرقين في صوفيا هو. (ألكسندر فاسيليوف) برسالة دكتوراه في دراستها. وله مساهمات حديثة مبتكرة في النقد الأدبي .ومجموعاته القصصية غارقة في المحلية التي هي خطوة أولي للعالمية التي يهدف الكاتب منها للسعي نحو التغيير والتجديد ليواجه تحديات القرن الواحد والعشرين.

1 . الإطار الفلسفي لواقع (وحوش الغابة) وحلول مقترحة:

يرسم الكتاب إطارا فلسفيا في مجموعته القصصية (وحوش الغابة) ويبث فيها رؤيته الفلسفية لواقع الظلم والقمر والتعس والعذاب الذي يعيشه الإنسان العربي, وبعدها نراه يرسم إطارا فلسفيا آخر للخلاص. مضمونة التغيير والتجديد والعبور إلى الغد. وبين رسم الواقع وبين الخلاص منه يستعمل الكاتب أدوات الخطاب القصصي الحادة البارعة ليوظفها في خدمة هذا الفن الرفيع من اجل ان يؤثر في المتلقي القارئ .

         إن محور هذه المجموعة القصصية هو الظلم الذي يعد صفة من صفات النفس الإنسانية ضمن ظروف معنية . وتدور حول هذا المحور مكونات البناء القصصي وهي: الظالم والمظلوم والمكان والزمان والأداة.

هذه الجدلية البنوية عرضة لمبدأ:"التحويل" في عناصر البنية ,بمعني أن الظالم يمكن ان يحل محل المظلوم أو ان الظالم يمكن ان يحذف المظلوم أو أن الظالم يمكن ان يقوم بدور المظلوم.ثم إن المكان يمكن ان يغير ليولد دلالات محددة في نسيج البناء القصصي المتماسك؟

فمثلا الجغرافيا المتنوعة تضاريسها من سورية الي المغرب، يمكن أن نلعب دورا مهما في تحديد:"الرؤية الدلالية" للكاتب. ثم أن مكون الزمان يدور حيثما يشاء الكاتب من أجل إضفاء ألوان مختلفة علي عالم القصة. أضف الي ذلك ان الكاتب يوظف كل هذه العاصر من خلال أداوت حياتية تمسك بخيوط شخصياته لتديرها علي نحو مثير يدعو الي التأمل والتفكير والتواصل.

إن هذه المكونات كلها تشكل العالم القصصي الذي وصفه الكاتب من الداخل والخارج، ويسعى في الوقت نفسه الي كبح جماح هذه الديناميكية الجدلية بين المحور والمكونات التي تدور حوله دون سعي لإلغائها وذلك لسبب واحد وهو ان الكاتب، لا يستطيع إلغاء جوهرية الظلم التي هي جزء لا يتجزأ من النفس البشري .ان الكاتب، في قصصه، يحاول تهدئة هذه الديناميكية بزمامها ومساواتها بديناميكية جدلية أخرى تتصف بها النفس البشرية وهي جدلية محورها العدل.

هذا المطلق الفلسفي عند الكاتب في قصصه المطلق الفلسفي عند أبي العلاء المعري في رسالة الغفران. فالرسالة كلها تقوم علي محور الأخلاق والتي تدور حوله مكونات كثيرة تسهم في بناء هذه اللوحة الفنية الرابعة . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري وفي المجموعة القصصية لدريد يحيي الخواجة هو هذا: هل الظلم والعدل خاصتان جوهريتان في النفس الإنسانية ام أنهما صفتان عارضتان؟ لقد أجاب القران الكريم عن هذا السؤال بوضوح عندما قال الله عز وجل فيه:  )وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا. وقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(1. وأظن أن شخصيات الخواجة في (وحوش الغابة) تقتسم الأدوار بين فجور النفس وبين تقواها ليستمر الجنس البشري يتأرجح بينهما حتي قيام الساعة، وحتى تنبع من ذلك "العبرة" ونلتقط:"المغزى" وتتأمل معرفة النفس الإنسانية من خلال الفن الذي هو ارفع وسيلة للتحقق.

والواقع أن قصص الخواجة تصور التناقض هو سر (حركة الوجود) كما قال هيدغر والذي يرسم مسيرات الحياة وكيفية الخروج من غاباتها ووحوشها الضاربة التي وعد الله فيها الناس علي اختلاف أزمتهم وأديانهم شريطة ان يحققوا معايير الاختلاف الإسلامية التي تسمو بالوجود الي الوجود الكريم من قبل ومن بعد.

والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه بقوة ودهشة: هو: كيف نميز بين الوحوش والضحية؟ أليست ذئاب الكاتب:"مصطفي طلاس"في (الذئب في آداب الشعوب) (2)هي الضحية دائما وان الانسان هو الوحش الذي ظلمها وأبعدها عن جنة الحوم؟ إلا من رحم ربك وقليل ما هم أمثال"الفرزدق" في شعرنا العربي, و"جين دي لافونتين" في الشعر الفرنسي، والروائي الأمريكي:"مايكل بليك" في الأدب لأنجلو-أمريكي ولاسيما في روايته(رقصة مع الذئب)؟

فالذئب علي حق دائما، كما يذهب إلي ذلك جين دي لافونتين. فقد شاهدنا الناس ونحن نحتفل، تأكل من الحيوانات أكثر ما تستطيع بدلا من النبتات والفواكه.وتفجرت صرخة: "أيها الرعيان: إن الذئب ليس علي خطا"، فطالما انه ليس أقوى كائن حي، فهل ينبغي عليه أن يحيا كما يحيا النساك؟. فالإنسان -وكما يقول المثل الفرنسي-ذئب لأخيه، أي: أنه لا يرحم.

أما ذئب الفرزدق،فقد تصالح إلي الأبد مع الشاعر الذي شاركه الحم والطعام طوال الليل وهو الذئب الأغبر البطن الضامر:

      وأطلس عسال وما كان صاحبا        دعوت لناري موهنا فأتاني                                                                                                          

       فلما دنا قلت ادن دونك إنني             وإياك في زادي لمشتركان

       تعش فان عاهدتني لا تخونني      نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

أما ذئب الروائي الأمريكي مايكل بليك، فقد جعل منه صديقا وفيا وأمينا لسارحة البطل الأمريكي-الإنسان-الذي كان لا ذنب له مع الجيش الأمريكي-الوحوش-سوى انه تعاطف مع الهنود الحمر وتزوج بفتاة هندية، وكان يدافع عن قبلتيها.

ولعل ما يسوغ الاستفاضة في تحليل هذه الرؤية الذئبية في بحثنا هو اختلاف الفلسفات الإنسانية عبر التاريخ بنظرتها إلى الحلول لمشكلة الانسان علي الأرض بل قل صراع الوحشي الأبدي علي كوكب غدا مقلقلا؟.

هذا الصراع المتفاقم خلق التشرذم البشري الذي يستبطن أسبابا لا حدود لها من التنابذ القاتل. لنقرا هذا الحل لمشكلة الانسان علي الأرض في الفلسفة اليهودية يتجلى في هذا "النص التوراتي" الذي يقول: "لانقرض أخاك بربا، ربا فضة آو ربا طعام أو لبا شيء ما،مما يقرض بربا... للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك(اليهودي) لانقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها"

إن الخلاص هنا يتم من خلال التميز بين اليهودي وغير اليهودي. ان سعادة اليهودي تتم من خلال السلب والنهب والظلم لبقية الكائنات الحية،ولم لا "واليهود شعب الله المختار"؟؟؟

أما الحل والخلاص في الفلسفة المسيحية مثلا فيكمن في الأخلاق والحب والفداء ومسامحة الظالم بل وحبه. وكما يقول السيد المسيح عليه السلام:" سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم اخبوا أعداءكم, باركوا لاعنيكم, أحسنوا الي مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسؤون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فانه يشرق شمسه علي الأشرار والصالحين ويمطر علي الأبرار والظالمين, لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم, فأي أجر لكم"(4).

ولكن الحل والخلاص في الفلسفة الإسلامية فيكمن في العمل الصالح في الدنيا, وهذا يؤدي الي الجنة وهي الجوهر والعالم المثالي. ان الحياة الدنيا هي التي تؤدي الي الحياة الآخرة وكما يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه(اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا)(5). العمل، والحب والحق والخير والجمال أقانيم الفلسفة الإسلامية. ويظل السؤال مطروحا بقوة اكبر: ما معادلة الخواجة ليخرج من جدلية الظلم، الظالم, المظلوم؟؟

إن طرح الكاتب الخواجة لهذه الإشكالية بين الانسان والإنسان يصب في الحل الذي ارتضاه الشاعر الفرزدق لهذه الإشكالية الانسان والحيوان:

_ فلسفة الفن القصصي :  

ففي قصة(الترك) يطرح هذا الحل علي لسان أحد المتحاورين مع الترك ليقول: "...خاطب الترك في تصميم متألما: حتي في الإسكيمو.. حتى الكلاب تتخلي عن أصحابها مولية الي غير رجعة، إذا لم تقدم لها حصتها من الصيد أولا"(6) وكان الكاتب هنا يتقرب من الحل الأبدي بين الظالم والمظلوم والذي يتمثل بـ"التكافؤ" والمساواة بين الانسان والإنسان وبين الإنسان والحيوان... إنها صرخة الفرزدق تعود الي الكاتب من اعماق التاريخ، إذ بقي نازع :"التكافؤ" يؤجج الثورات ويشعل حرائق الوجود الإنساني.

وربما وجد الكاتب في مسالة السكن المادي(البيت) والروحي-النفسي (الزواج)  ثم في مسالة الوظيفة أو المهنة العزيزة حلا لهذه الجدلية. وربما كان الهروب الي الأرض للعمل فيها في ظل حقول خضراء وأشجار وارفة أغصانها ومياه تتدفق من الأنهار المحيطة ثم الشمس الساطعة في السماء والتي تنير الأرض... أقول ربما وجد الكاتب في كل هذا حلا آخر لجدلية الظلم ينطوي علي احتمالات أخري تحرك في الصدر الألم الإنساني ومعاناة الحياة التي لم تعد تحتمل والتي تؤدي الي مواقف الحياة..."سأحمل عدتي المتواضعة حرا مثل طير القرى المجاورة ...ادخل تلك البيوت الطيبة الفقيرة التي ألفتها وتألفني، أتسامح بالأجرة مع أهلها وأعيش حياتي مثلما ارغب. شيء غبي ذلك الذي منعني من الفعل كل العمر...إنه الفقر الذي يدوخ ولا يرحم. أريد ان أعيش بقية حياتي بعيدا، هناك في منحدر أو علي عتبة منزل في صيف، كنا نشد الحمير علي طريق مشجر، تفوح من جانبيه رائحة العشب والزبل والورد والمساكب المسقية وعطن الظلال... فمررنا بصبية انحنت علي نبع... واحدة فلاحة كالمرآة تنعكس عليها أشعة الشمس...أذهلتني ...كان بيدها قطعة صابون تغسل بها، وأصابعها من خلال طبقة الرغوة كالفضة في الماء المزبد. لكم وددت، والله، لو أغمرها بقبلة ورغوة الصابون فوق يديها...أن اشبع أصابعها ضما وبوسا، ثم تفعل، بعدها ماتختار. لتغمد سكينا في صدري المحتقن وتقبرني برغوة صابونها.لكنني لم افعل شيئا اكتفيت ببعض الهذر.

إن الملوك والسلاطين وذوي المال الفاحش ومن لف لفهم ينكحون يا عمي مائة أنثي وأنا ارغب في واحدة فقط.. وأما سبب حيويتهم الزائدة وتملكهم, فإنما هي قطع الذهب والفضة التي درجوا أبا عن جد ان يسرقوها من أتعاب المساكين والكادحين ويبتلعونها لوفرتها عوض الطعام حتي يحسنوا نسلهم ويطوروه. فغدوا علي مثل الهيئة التي نراها اليوم والعياذ بالله، قادرين علي أية متعة.جبارين بدماء الذهب الجارية في عروقهم التي لم يعد يشبع نهمتها حتي استغلال عباد الله من أمثالي. أهذا عدل؟ قد لا تصدق هذا الحديث أو بعضه.. ولكن اقسم لك بأنه صحيح, وما خفي أعظم... الواقع يشهده والكتب ذكرته وما زالت تحذرنا... فهل تكذب عمك...-لا(7)              

تتجلي في هذا النص وحوش الغابة علي نحو مباشر. إنه الإنسان الظالم الذي يباح عنده كل شيء طالما يمد بالبيوت والقصور الوفير الفاحش والنساء.

أما الضحية فهو الانسان المظلوم أيضا والذي يعمل ويكدح ولكنه لا يجني إلا الذل والهوان والقهر والضغوط التي لا تجلب له بيتا يسكنه أو مالا حلال قليلا يسد حاجياته أو زوجة تشاركه الحياة. انه الانسان المقهور والمظلوم والمعذب والمحروم والمهان... إنه المستعبد دائما.

وما بقي أي مسوغ لا يجعل هذا الانسان يثور ويتمرد بأشكال مختلفة من أهمها ما يسمونه اليوم (الإرهاب)؟ ولكن السؤل المركزي المحير هو هذا:من يرهب من؟ هل الظالم يرهب المظلوم أم أن المظلوم يرهب الظالم؟... وأين الخلاص؟ ومتى الخلاص؟ يبدو- لدى الكاتب دريد ذي البنية التفكيرية التأملية التي تفلسف الناس والأشياء والعالم وتحولاته- يبدو انه يرى (خلاصات) وليس (خلاصا واحدا) لكنها تندمج في صراع قطبي هو الظالم والمظلوم, والكاتب يعوض بحرارة وصدق واحترق في المغرب. هو دائما يسعى للخلاص لحل مشكلة الانسان. إنه يستعين هنا بما أحب ان اصطلح عليه بـ"بفلسفة الفن القصصي" والتي لخصها في قصة (ألليل والليل) بهذه الكلمات:

"متى تتبدل الأشياء والأسهم والمعاني في زمني؟

أغنية النهار والليل

تسقسق في حلقي

مازلت أزرع فيها انعتاقي

في خندق الخسارات"(8)

إن الكاتب في هذه القصة يبحث عن الخلاص من مونولوج داخلي يحدث الشخص نفسه ليصف الماضي الأليم والحاضر السقيم والمستقبل الذي تقف إمامه سيوف وعوائق وحريات. إنه انسداد النفق العربي بل قل (الأفق العربي) واضمحلاله وإفلاسه. ولكن إلام تأخذنا هذه الحركة مادام الإنسان ليس الإنسان، وما دام الزمن غير الزمن؟

إنها إشكالية الإنسان علي الأرض التي تزداد تعقيدا وتشاجر بسبب معطيات الظروف والأزمنة. ويبقي هذا المخلوق المشكل من  المتناقضات:(الخير/الشر). إنه قنبلة تتفجر باستمرار-عبر التاريخ-ليولد انفجارها الشرور والآثام والحروب المتلاحقة.

ود. دريد الكاتب هنا يأخذ القارئ الي الفلسفة التي ترحل به الي عوالم مختلفة ولكنها لا تخلصه من مصيره ولا تخلصه مما هو فيه الا بتبني المقاومة وحلم البقاء والتغيير مهما تعددت النكبات ومهما اندحرت أغلبية الفاقة..

إن هذه القصة تلخص كل ما خاء في (وحوش الغابة) وضحاياها بريشة فنان مبدع ومجرب. انه يعيد طرح المسالة الفلسفية الانسان ويبحث عن حل، ولكنه لا يجده في الحياة الا مؤقتا. وكان هذا الحل المؤقت هو من طبائع مجريات الأمور حيث الحياة لا تستمر الا بالتضاد الذي يورث الصراع من اجل البقاء صراع لا ينتهي...

الحياة الخلاصية بالمراة:

وفي قصة (ماسحات الزجاج) يحس القارئ أن الخلاص عند الكاتب من الظلم يمكن في المرأة، لذلك نراه يرسم شخصية المرأة ويصفها في لوحة متكاملة، ولاسيما إذا كانت مرتبطة بالأرض، كما هي الحال عند المعلعة الانثى التي هي من الصحراء الجنوبية ذات الجمال المتميز والتي سنكتشف فيها بهد بانها مغنية.

إن بناء هذه القصة تركيبيا ودلاليا واسلوبيا هو بناء هندسي واع تماما. فهو لايبني مادة علي مادة، ولكنه يبني المشارع والأحاسيس الآتية من أعماق النفس البشرية، ومن هنا عظمة التركيب، وتفرد الصانع. إنه بناء نفسي فرويدي متميز. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا صارخا هو: هل يكفي الكاتب والفنان التخيل والتخييل لبناء هذا الصرح القصصي ام انللتجربة دورها وهو سؤال اتصل دائما بتاليف القصص الناجحة. ان الاجابة عن هذا السؤال تحتاج الي مناقشة  لا مجال للحديث عنها الآن.

خلاص الإنسان يحاربه الجهل الذي يتعلق بالأموات:

ولكن الكاتب في قصة (الإشارة، يا سيدس رحال) يرى ان الخلاص يمكن في زيارة المظلومين الي قبر هذا الرجل(سيدي رحال) وبث الشكوى له وحواره وهو في القبر معهم. إنه صاحب الخير والبركة والأمل:

"لكنك أملنا يا سيدي، في كل جلسة ادعوك. وها انتذا قبالتي...يا سيدي رحال يا نوري الأخضر... هذا زمن ملعون، غدونا أنا وانت نحتاج الي الله... ايه ياسيدي رحال، أنقذنا؟ أنقذنا ... هذا العالم ملعون ومسكين يعمه الشقاء والغموض.

الموتى لم يعودوا يستعطون وحدهم حمل التبعة. خرا جوا من قبورهم كالملسوعين من صراخ الحياء الضعفاء التائهين"(9) وهكذا فان جميع المعذبينياتون من كل مدن المغرب من طنجة والناضور والرباط والدار البيضاء ومراكش الي ضريح سيدي رحال طلبا للفرج ورفع الأذى.  وهكذا نرى أن المظلومين يهربون من الظالم ليتعلقوا بالاموات كحلول جزئية ترفع عنهم الظلم والضرر والأذى. إنها حلول... يختارها الكاتب من الواقع…ولكن آني للواقع ان يحل مشكلة الانسان الأبدية حلا مثاليا مستمرا.

الخلاص وثورة العنف والدم:

وفي قصة (عيطة مغربية) نرى الكاتب يطرح حلا أخر للخلاص يتمثل بـ"الدم"…إن اتحاد الخيرين ضد جبروت الظالمين يقارب الذروة لتحقيق العدالة الإنسانية علي ارض الواقع. ويسيل الدم هنا رمزا لانتصاره علي الظلم. إنه تراكم الظلم الذي بدا منذ بناء الحجرة الأولى في الفن القصصي حتي إنهاء هذا البناء الذي هدمه الدم.

دريد من الواقدين الكبار: النار والخلاص:

ولكن رغم انتصار الدم علي الظلم يظل الكاتب يبث الحزن والألم فيها هو آت. فما تكاد الشخصية تفرح وتغني للأمل وإذا بموجة حزن تلفعها وتخفيها من المصير... إنها جدلية الظلم وجدلية العدل المتشابكتين الي لابد، ويظل الكاتب يتدرج في حوله يصل الي أخر جرعة يمكن ان تكون فاعلة لحل مشكلة الظلم- ولكن مرة أخرى – في أطار الواقع.

ففي قصة (الترك) الخيرة في مجموعة نجد الترك:  "قد ضاق ذرعا من ظلم معلمة لذلك نراه يفرغ مستودع التبن كله ويضعه حول منزل معلمه.. ثم يشعله فتتأجج النيران بلمح البصر.. وفي رمشه عين غدت النيران تضطرم جائعة مثل نيران صدره.. وتحول البستان في هذا الليل السادر المعترك إلى أغنية نارية بألف لسان.. ودون أن يفطن هو بان يهرب بنفسه مما فعل، لأنه يريد أن يشهد هذه النيران خارج صدره، ولأنه يريد أن يحرق هذا الرجل، ولأنه بعد ذلك يريد ان يعلم الحاضر الغائب أنه هو الفاعل" (10) 

إنها النار التي تطفئ الظلم وتنير الإنسان طريقه في عالم الظلام والعتمة. وربما يكون هذا الحل ذروة الحلول الإنسانية لحل مشكلة الانسان من الظلم والقهر وشفاء الأعالم وإنهاء عدله ضمن إطار الفن القصصي الواقع.

2. الجغرافية والأدب (في وحوش الغابة) : تقاطع المعارف البشرية:

تتميز المجموعة القصصية(وحوش الغابة) بالوصف الإيحائي المثير للاماكن الجغرافية والذي يعود بفائدة عظيمة علي المهتمين بالأدب والجغرافية. ان المكان لدى القاص الخواجة هو شخصية من الشخصيات الفاعلة في القصة القصيرة، وان هذا الوصف المكاني للكاتب الخواجة يربط الإحساس والمعاني بالمكان ودلالاته. الأمر الذي يفعل فعله في القارئ المتلقي. وهذا يدل على أن الأماكن الجغرافية اكبر بكثير من كونها عناصر ومكونات فيزيائية علي ارض الواقع (11). إنها تمتزج مثلما هي هنا، امتزاجا نسيجيا بالإنسان الذي خرج منها واليها يعود. ويمكن لهذه الأماكن الجغرافية أن تكون مرتبطة بالسلوكات الحياتية والقيم الفردية والجماعية للشخصيات التي قدمها الكاتب إذ استطاع التقاطها وتصويرها علي شاشة اللغة القصصية الابتداعية في تقنية شعرية ذات إيحاء. وعلي حد تعبير سولتر ووليام، فان الكاتب "يهتمون بكشف طبيعة التجربة الإنسانية اكثر مما يهتمون بشرح السلوك الإنساني والتنبؤ به... فهم بهذا يقدمون وصفا إبداعيا خلاقا لجغرافية المكان وتضاريسه أكثر من معالجتهم لهذه الجغرافية معالجة موضعية.. علمية") (12).

لقد أكد الباحث جان فريزر هارب j .fraser hart)) هذا الشيء العميق المهم الذي لا نتكلم به كثيرا بصدد القصة القصيرة وخيارات أشكال سياقاتها المتطورة:

 "ان الصيغة الفنية العليا والمثلي التي يسعي الجغرافي الي تحققيها هي الجغرافيا الاقليمة الجيدة، ولكي يكون ذلك كذلك، فان الوصف الجغرافي الايحائى المثير سيسهل الوصول الي ذلك الهدف من خلال إعمال (الأدباء) الذين يقدرون النظرة الأدبية العميقة لجوهر الأماكن أكثر من النظرة الجغرافية في صيغتها النثرية المملة" (13).

توظيف جغرافية المكان المحلية والعربية:

وبوضوح وتثمين فان الكاتب دريد يحي الخواجة في (وحوش الغابة) كان يتجول في عالمه القصصي كالجغرافي والمؤرخ والأنثروبولوجي وعالم النفس مختصرا كل هذه العلوم بريشة فنان أديب بارع ليصور كل هذه المعارف بدقة، وتفصليه، في سرد جماليات خاصة به ليصون هذه الأشياء الأجيال القادمة. وإذا تلجا القصة القصيرة والرواية الطويلة الي هذا الأسلوب فان هذا يذكرنا بالشعر العربي القديم. فليس بوسع الجغرافي والنثر وبولوجي والمؤرخ وعالم النفس ان يتوصلوا إلى نتائج موضوعية الا اذا رجعوا الي الشعر العربي. وقديما كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: "إذا تعاجم عليكم شيء من القران فانظروا في الشعر فان الشعر عربي" (14) واظن أن الفن القصصي والروائي المعاصر يسير بهذا الاتجاه، الان.

حركية المشهد القصصي:

لقد استطاع الكاتب في (وحوش الغابة) ومن خلال ريشة فنان مبدع ان يرسم مشهدا نابضا بالحيات مستخدما معارفه الجغرافية المحلية والتاريخية والنفسية. فاذا القارئ يحس ب"حركة المشهد" وكان شيئا أو حدثا يتحرك ويحرك القارئ معه.

ويتبين هذا في قصة(الأثر) عندما وصف أبا سليم-البستاني- الذي كان يقود العربة (الطنبر) والفرس وهما يشقان الطريق عبر البساتين.

بين القاص دريد يحي الخواجة والشاعر نسيب عرضية/ جغرافية الثقافة المحلية.. والتناص التاريخي:

ان وصف الخواجة للفرس وللعربة والطاحونة والعاصي والماء والمتدفق والزرقة والعصافير والشمس الساطعة ونقيق الضفادع والإعشاب الطرية يشبه تماما وصف الشاعر المهجري نسيب عريضة لهذه البيئة (الدوير-العاصي) في (قصة ديك الجن ألحمصي: حكاية غرام شاعر عربي قديم) 15. ولكن نسيب عرضية وصف هذه البيئة بريشة الشاعر, ودريد يحي الخواجة وصفها بريشة القاص، وبين الرشتين الشعرية والقصصية تناص وتناغم وانسجام يصعب ان نجد مصطلحا له. ذلك لان نسيب عرضية يصف المضي البعيد والسحيق، ودريد يحي الخواجة يصف الماضي القريب وبين الماضي الأول والماضي الثاني شعرية الجغرافيا. وهكذا يمكننا أن نقول إن الجغرافيا مبعث للفن الأصيل عند الشعراء والروائيين والقصاصين.

فالكاتب الخواجة مثلا وفي قصة (الأثر) نفسها يعقد حوارا حيا بين جغرافية المكان وبين الانسان (أبي سليم) ليجعل المكان إيحاء يلهم الانسان ليصبح جزءا منه. وتصير كل لفظة تبث دلالتها في وحدة الدلالة الكلية المركزية في هذا النص الأسر، فلا تفلت كلمة، ولا تضيع أخرى مجاورة، خيط حي متوفر بالحيات يوظف كل ما تقع العين عليه ويتألف في النفس ليقول شيئا في تجربة الانسان الفاقد ..الأمل: يقول الكاتب: "وأنت أيتها الأحجار السود المتناثرة الهاربة... أقص عليك حكايتي الأسنة.. كان النهر يجري في تدفق وخصب مثل جريان دمه. في صدره ما يشبه دوي الريح, عيناه نصف مطبقتين والشمس تأتلق علي صفحة الماء التي تعكس حركة ولون الحياة علي جنبتيه، في الوقت الذي يتحاور أبو سليم ان يبعث نشيدا طفليا حبيبا  أملا- من قلبه إلى قلب النهر"16.

قصة(التنجيم) وجغرافية الثقافة المغربية:

يسن القارئ في قصة (التنجيم( التي تدور إحداثها في المغرب أن الكاتب انتقل نقلة نوعية من عالم جغرافي الي عالم جغرافي آخر ومن إيحاء إلى إيحاء مختلف ومن ريشة فنان غارق في المحلية الي ريشة واصف وراصد لحدث من بعيد. لقد كان في حمص يغرف من جغرافية الثقافة الحمضية شكلا ومضمونا بحيث يجعلك استغراقه وتصويره للحدث جزءا منه لا تنفك تغادره، ولكنه في الرباط كان ينحث من جغرافية الثقافة المغربية ولغتها ببطء وإشراق معا، إنه يريد أن يكون صادقا متلمسا بوعي وموضوعية واستشراف هذا العالم  المغربي الذي تتلمظ عيناه وروحه وهو يستغرق فيه. إنه هنا ينقل لنا تراثا أديبا مكتوبا يتميز بالإعداد والترابط والتسلسل المنطقي بحيث يكون المنتوج متسما بلغة الوعي الحذر القابض علي فنه، علي امتلاك ناره التي يحتطب لها.

في "حمص" نقل لنا الكاتب تراثا شفويا منطوقا ساخنا يتسم بالعفوية والتلقائية واللااعداد.انه خطاب قصصي مستغرق ومشظى  يتحدث إلى القارئ بلغة أللاوعي التي تنضح من وعاء النفس الحمصية المختلطة بثقافة التاريخ و الجغرافيا العتيقة. مرة أخرى نقول ان جغرافية المكان تشع ألوانا وأطياف مختلفة يوظفها الكاتب لأهداف متنوعة.

قصة الترك والجغرافية السيميائية:

والسؤال هو: لماذا يكون القارئ أحيانا في النص يحاور وكأنه شخصية من شخصيات القصة ويكون أحيانا خارج النص يراقب ويرصد من بعيد شخصيات القصة؟.

ربما نجد الجواب في قصة ­­­­(الترك) وهي أخر قصة في المجموعة الكاتب. أنها قصة تدور أحداثها  في حمص.وهدا يعني إن الكاتب رجع إلى الجغرافيا الأولى. حيث ان للمكان هنا دلالات خاصة. إن هده الأماكن تتكلم إلى القارئ بلغة سيميائية بليغة ومؤثرة متجاورة اللغة إلى ما وراء اللغة .فبعد ان يستعرض الكاتب الأمكنة القذرة التي كان الترك يتعامل معها نراه يقول على لسانه:

"توقفت فجأة عند زبالة باب حديدي كبير مزين في حي (المحطة الفاخر)" (17).     

إنهما جغرافيتان مختلفتان ومتناقضتان تدلان على ثقافتين اجتماعيتين مختلفتين طبقيا وتطرح المسألة طرحا يدل على ثقافة البؤس والحرمان والفقر والظلم، وثقافة الأغنياء والشبع والطمع والبطش والتكبر، إن المكان بفضاءاته وتضاريسه المادية والإنسانية والموصوف على نحو تقني ممنهج وفي إطار فني وجمالي وخيالي يتجلى بأدق تفاصيله وجزيئاته في (وحوش الغابة). إن أجمل مافعله الكاتب هنا مزجه بين جغرافية المكان وجغرافية الإنسان إذ كل منهما يعكس الأخر ويتماهى فيه، ويتحدث عنه، ويجادل به عندما يقول:"هذا وجه أدمي ليس بداية، غابة فيها شقرة حمراء منقطة بلون تربة حمص، وجه عريض ومستطيل معا، تحدده على الجانبين ترعتان عظيمتان تؤلفان الفكين، تعلوهما جبهة واسعة متغضنة بخطوط طولا نية أفقية متقاربة، وفي الوسط أنف مستقيم ثم فم واسع تعقد نهايات كل من شفتيه زاوية حادة تنفرج لتتصل بذقنه، أما عيناه البنيتان فقد ظهرتا أخيرا من تحث شده دائم، واغتراب وتعب وسهر وانقلاب نحو شيء يكبر في النفس– عيني فارس ذل في الأسر(18).  

إننا نحن  القراءة في مستويات عدة، علي اختلاف ذانقتنا الأدبية نحتاج الي اطلاعات واعية لا لمعرفة قراءة الفن القصصي عند الكاتب الخواجة فحسب بل لمعرفة كيفية فهمه أيضا في مكانه المناسب في خارطة الفنون والآداب العربية من اجل خدمة الانسان والإنسانية وهي –مكانة عالية– تليق به، وبالوطن الذي يضرم النار في أوضاره.

3. (وحوش الغابة) بين التراث الأدبي المكتوب والتراث الشفوي المنطوق:

نعني بالتراث الأدبي المكتوب أو ما دعاه كآي(1977)"اللغة المستقلة" طريقة الخطاب اللغوي الذي يركز على العمليات المنطقية والتحليلية من أجل نقل المحتوى أو المضمون مهملا ديناميكية التواصل الشخصية بين المرسل والمتلقي.

وعلى النقيض من دلك فان التراث الشفوي المنطوق أو (اللغة غير المستقلة) على حد تعبير كآي تركز على الوظيفة الشخصية المتداخلة، وتتطلب مساهمة فعالة من المتلقي لان يقدم المعرفة الاجتماعية المتمثلة في قوالب جاهزة(19)، إن قوة شرح التراث الشفوي المنطوق والتراث الأدبي المكتوب في مجموعة (وحوش الغابة) يمكن أن تسهم في فهمنا لوجوه استراتجيات التواصل عبر ثقافات تعيشي مجتمع واحد أوعبرثقافات تعيش في مجتمعات عديدة ومختلفة. 

*إستراتيجيةالتعابير الجاهزة:

إن أولى استراتيجيات التواصل الفعال مع القارئ,والتي استخدمها الكاتب في مجموعته تتمثل بالتعابير والكليشهات الجاهزة المقلوبة.وقد كان الكاتب يستخدم هده التعابير المقلوبة بكثافة ليجعل من القارئ يعيش الحدث ويستغرق في المحلية كما هو الحال في قصة (استدعاء) عندما طرح مجموعة من هده التعابير:

- بالوعد يا كمون ...

- يدك وما تعطيك ...

- أولاد المحروق ...

- بلغ السيل الزبى ...

- من هده المسطرة ...

- بعضهم كان يبرم شاربيه ...

- بعضهم يحدق ببدر البدور ...

وكما هي الحال في قصة(السقف):

- سوق النسوان ...

- بيت النار في حمام السوق ...

- في باحة دار عربية تسرح فيها الخيل ...

وكذلك في قصة (الحورة)

- مصلوبٌا كل النهار...

-زقاق الأربعين حرامي ...

وقصة (أورق الليل والنهار ) :

-زمان أول تحول ...

ونرى الكاتب في قصة الأخيرة (الترك) التي تدور أحداثها في حمص يجمع التعابير المقلوبة في عقد من اللؤلؤ تشع دلالاتها المكثفة لتدفئ القاري وتجعله يحلق بعيدا في عوالم مختلفة شعبية تفوح منها نكهة الشاعرية العتيقة:

ّطويلة رقيقة مثل عود الخيزران...بيضاء موردة الخدود لها عنق طويل كمنتصب الغزال...سمراء حنطيه مثل خاتم سليمان،حلوة الصورة والبيان ّ(20).  والواقع هناك مسوغ فلسفي لاستخدام الكاتب هذه التعابير الجاهزة المقلوبة...

ذلك أن الخواجة يشعر ان فيها الحكمة كلها والتي يمكن ان تفيد القارئ ويكون لها اثر فعال فيه. وهذا ما أكده اللساني الاجتماعي الأمريكي (اونج) عندما عد التعابير الجاهزة والمقلوبة في الثقافة الشفوية مستودعا للحكمة المستقبلة والتي يمكن للكاتب استخدامها في الوقت المناسب لتأثيرها القوي في المتلقي (القارئ)(21)

إن هذه التعابير الجاهزة المقبولة تعمل ككل واحد وكأنها طريقة سهلة للإشارة إلى المعرفة المشتركة والعامة بين الكاتب والقارئ ... إن الكلام هنا هو إشارة إلى المعنى الاجتماعي الذي تحويه هذه (الكبسولات) اللغوية.

إستراتيجية التحليل بالعاطفة الساخنة:                           

أما ثاني الاستراتجيات التواصلية الفعالة مع القارئ، والتي استخدامها الخواجة في مجموعته القصصية (وحوش الغابة)فتتمثل في استخدامه إطار التحليل المنطقي المتماسك والمضغوط  ليصب فيه كل ما يمكن ان يسمي ب العاطفة الساخنة والعفوية التلقائية التي تنضح من التراث الشفوي المنطوق والمشظي.

وهو بذلك يبني –بأدوات العقل الحاذف والفكر الحصيف والموضوعي وبريشة الفنان المرهف ذي الأحاسيس والمشاعر والعواطف الساخنة– هذا البناء الهندسي المتماسك بلمسة جمالية رائعة الكيان.

والواقع لقد بدأ البناء من قصة الظلم والقهر اللذين صاغهما الكاتب في لوحة الإهداء الذي  وجهه إلى روح أبيه عندما قال:"إلى روح أبي... التي أحيا بها كل يوم كأنها صورة كل الدين أحبهم بالعذاب، كل الجروح التي تبزغ ضد جوارح الغابة، كل الدين يمارسون بسلوكهم وفكرهم إزاحة أعداء الإنسان "(22).

 إذن أن  مجموعة الكاتب تمثل حالات إبطال يصارعون من أجل عالم أفضل ويقفون أمام جبروت: "الذين يبدون من أجل (المال والسيطرة)...مخلوقات عجيبة لا تشبع بطونها ولا يرتوي ظمؤها، تتوالد يوما بعد يوم كالنمل والقمل والبراغيث، تستأثر بالأرض جميعا وبالمال جميعا. أصوات مرعبة مسموعة في كل مكان واذرع نارية حاقدة تصل الي ابعد مكان، تربع الناس الفقراء وتحول بسحرها ومكرها المال القليل في تصل أيديهم الي تراب ثم تندرهم بان يسكنوا فورا الأشجار والمجاري.. إلا من اهتدى الي تعويده السحر لديهم فصار من طينتهم وانمسخ على صورتهم"(23).  

إن لهدا النصبعدا نفسيا واجتماعيا وثقافيا. هذه المعاناة الثلاثية الإبعاد متطورة ومتحولة، ذلك أن الكاتب يستخدم هنا تقنية الفك والربط أو التحويل والتركيب تحليل الواقع وفكه ثم إعادة بنائه وتركيبه في سياق عالم لا يسوده العدل والتكافؤ والمساواة.

معادلة العفوية في إطار القصدية:

  لقد أراد الكاتب دريد ان يعالج هذه المسالة بكل عفوية وتلقائية وان تبدو كذلك بحرية متخفية فهو يترك شخصيته تتحرك طبقا للظروف النفسية والاجتماعية والثقافية المحيطة بها دون إسقاطات ممنهجة ظاهرة. من هنا يأتي عنصر التشكيل والتلوين في الشخصيات ذات  الإمكانات المتنوعة التدفقة.

إن هذه الشخصيات تقوم بأدوارها من خلال "شاعرية عفوية ساخنة غير معدة" تعبير عن نفسية اجتماعية ثقافية هي نتيجة للواقع من اجل ان تؤثر في القارئ. ويتجلى هذا في الثلاثية(استدعاء- السقف –الحورة). فهذه القصص كان قد وضعها الكاتب في إطار ما طرحته اللسانية الاجتماعية الأمريكية ديبورا تانن حول الخطاب في التراث الشفوي المنطوق.( 24)

         فالكاتب يجمع هنا بين العفوية النابعة من اللاوعي ليضعها في إطار القصدية والإعداد الذي يتصف به الخطاب في التراث الأدبي المكتوب والاتي من الوعي. وبذلك فان قصص الكاتب تحقق المعادلة التي تقول ان الكاتب الحاذق هو الذي يعد خطابه الشفوي المنطوق من اجل الا يظهر أدبيا مكتوبا معدا.

من هنا فان القارئ لهذه القصص سينغمس فيها ويستغرق في تفاصيلها . وهذا ما حققه الكاتب في قصص أخرى مثل (الإشارة يا سيدي رحال)و(الترك) وغيرهما أنها قصص ذات بعد نفسي تأملي صوفي تتحرك شخصياتها ضمن ما اصطلح عليه اللساني الأمريكي تشو مسكي بـ "البنية العميقة "ليظهرها الكاتب في أطار "البنية السطحية "المنظمة من خلال الإعداد اللغوي الدقيق والصحيح.

فهده قصص تعبير عن واقع جيل كان قد ظلم نفسيا واجتماعيا وثقافيا وهو يحاول ان يلج إلى عالم عادل ومستقر من اجل بناء مجتمع عربي يتحرك إلى الأمام .ولكن أنى له دلك ما دام الذنب والخطيئة التي تجاوزت ما سنة الله للإنسان في الدنيا   والآخرة؟؟؟

إذن تتميز قصص الخواجة بسمات اجتماعية تحقق ما توصل إليه الباحثون الغربيون في حقل اللسانيات الاجتماعية التي من رحمها ولد ما يسمى اليوم بعلم تحليل الخطاب (المنطوق أو المكتوب) (Discourse Analysis).

فضاء تعامل اللغة مع الشخصيات /فرق وظيفي:

فقد طرح هذا العلم مفاهيم عديدة تنطبق علي قصص الكاتب الخواجة تماما، لذلك رأينا أن نذكرها ونشرحها بإيجاز حثي نقارب بينها وبين البنية القصصية ووظائفها عند الكاتب.

إن الفرق الذي سعي إليه الكاتب عندما وضع قصصه في أطار من الإعداد لتظهر غير معدة هو فرق وظيفي، ذلك أن صفات ألغة غير المعدة عند الكاتب تتكئ علي السياق المباشر الذي كان يعقده بين الشخصية أخرى( حوار) أو بين الشخصية ونفسيها (مونولوج) أو بين الشخصية الحية والشخصية الميتة أو بين الشخصية والجغرافيا، أو بين الشخصية  ومهنتها.

وهذا بالطبع جعل الكاتب يستخدم أدوات لغوية سيميائية دقيقة مبتعدة عن التراكيب المعقدة، ولكنه وضع كل ذلك في إطار لغوي شكلي مضغوط.

حوار المهنة:

ففي قصة (الحورة) يعقد الكاتب حوار ساخنا وجدليا بين المبيض وبين مهنة البياضة المتمثلة في الجورة والتي تخاطب صاحبها لتقول له:

"ماذا فعلت لك يا ابن ادم؟ الم يكفك يا قليل الدين ما امتصصته مني مدى تلك السنين؟ ما أنت إلا وحش وابن حرام" (25.)

نلاحظ هنا إشكالية الظلم في هذا الحوار. من هو الظالم ومن هو المظلوم؟ هل الظالم هو الانسان والمظلوم هي الجورة التي يعمل فيها؟ وهل الظلم الذي يقوم به الانسان الظالم يمتد ليعبث بالجغرافيا التي استطاع الكاتب ان ينطقها من شدة الظلم والألم عبر السنين؟؟

حوار الذات وشخوص الواقع:

وفي قصة (أوراق أليل والنهار) يعقد الكاتب حوارا منولوجيا بين شخصيات المعلم والزوجة والطفل عندما كانوا يحدثون أنفسهم عن هموم الحيات ولكن بنكهة نفسية عاطفية، ليبين المعلم انزعاجه من عجلة العصر. إننا نعجل في كل شيء:"نعجل في البناء والأدوات والغناء والمسرح ...وساعات العمل، وخطط التنمية والتعليم المد جن والمعني والثقافة والزمان والمكان(26). ..."نحن نشهد دخائل هذا الزمن العربي  الجديد من النهب علي حساب الفقراء المحيطين باسم ألاف النوايا البيضاء ومن عسف قوي الظلام التي تحمل بأيديها إلف اضمامة زهر تخبئ الموت في أحشائها، ومن مكابدات الأغلبية الصامتة علي طريق الحياة اليومية، ومن التزوير والتساهل غير المشروع باسم وغير اسم. الزمن العربي الجديد الذي تحاول فيه مخلوقات الحقد القديم غلي مساحة الوطن أن توجه حربة مكيفة ضد ترسانات من يقدرون علي حمل هموم الانسان العربي.

حوار الموتى مع الإحياء:

وتبرز عند الكاتب معادلة حوارية جديدة في قصة(الاشارة يا سيدي رحال)، وهي أن الموتى المقهورين يريدون معرفة ما إل إليه العصر والناس فيعقدون حوار مع الإحياء الذين يخبرونهم بان ما كان هو سيئ وما يكون هو أسوا وان هذا الزمن لملعون. أنها حوارية الموت يعقدها الكاتب مع الحياة، فالموت عذاب والحياة عذاب ومصير الانسان معلق بينهما.

اتجاه جديد في عالم الفن القصصي المعاصر / فلسفة القص:

والكاتب في قصته هذه يخرج عن واقعيه القص الي فلسفة القص. فالفلسفة القابعة في خلفية اللاوعي تشحذ الفن القصصي الذي يخرجه الكاتب الي الوعي ليصبح فنا رفيعا ذا مسحة جمالية. ان الكاتب يفلسف القص هنا لتحريك الفكر وجعله اكثر غوصا عند القارئ. وهذا اتجاه جديد في عالم الفن القصصي المعاصر.

فالكاتب عندما يعرض شخصياته وهي تتحاور فانه يعطيها قوة كافية من أجل البناء القصصي. فهو يترك لها حرية السرد بعد ان يدخل بعمق في عالمها الداخلي لينضح من اللاوعي من اجل ان يقولبه في الوعي الرفيع الذي يتميز بالدرجة العالية من الوحدة العضوية (integration) كما يذهب الي ذلك اللساني الأمريكي والس تشيف(27).

والواقع تتصف قصص الخواجة بالدراجة العالية من الاستغراق أو الانغماس والعفوية )(Involvemem والذي هو جزء من التراث الشفوي المنطوق. وقد فرضت صفة الاستغراق نفسها في قصص الخواجة نتيجة لاستخدامه الأدوات التي من خلالها يمكنه ان يتحكم بقناة الاتصال كارتفاع النغمة الصوتية للشخصية والتوقف والإيقاف بحيث يشعر القارئ وكان القصة تتحدث إليه، ويتحدث إليها، وبذلك يصبح جزءا من القصة يتحاور مع شخصياتها ويعيش عالمها.

لنلاحظ هذا الإيقاع المكرر الذي استخدمه الكاتب في قصة (السقف)، ذلك الإيقاع الذي جعل القارئ جزءا من الحدث: "أضع حذائي حيث أريد... اغتسل متى أريد... البس ما أريد ... اسهر... اصرخ... ابكي ...اضحك... أكل... وأنام." "قد يختاحصانا...سيارة...رجلا...طفلا...امرأة رائعة...ارفع صوتي ...ارقص...اغني ...اخلع ثيابي...ارقب نفسي...افلح...وازرع" (28) .

وكذلك الأمر في قصة (العاثر): "الحصان الحكيم  ينقل حوافره في دقة وخفة، رسنة راح يتهزز ويتلعب"(29). "عب عبة جائعة من الهواء...هدير الطاحون متمتع...والعاصي علي الجانبين ظهر اكثر كرما...وخصبا...وقربا"(30).

وفي قصة (عيطة مغربية) فان الكاتب استخدم أدوات الوقف وأدوات النغمة المرتفعة للشخصيات عندما وجد الدم هو الحل اللانتصار علي الظلم وذلك من خلال استعمال أسلوب نغمي تعبيري يبتعد عن التراكم الكمي للغناء العربي فيتعمد بدلالات الكلمات والصرخات:

"ووواو               و                        ووواو                      ووواو

وسيل سيل الدم المغدور                         وحوش الغابة ترهبت منك

دم المغدور ما نسلم فيه                         حق المظلوم إنا ماندوزو" (31)

الاستغراق في التفاصيل ومفهوم التصويرية:

ومن العوامل التي جعلت الكاتب يركز علي مسالة الاستغراق والانغماس والعفوية في النص القصصي مفهوم التصويرية (Imageability)  والاعتماد علي الأمور الشخصية ثم تأكيد الافعال الحركية التي تقوم بها الناس والإفراد، وأخيرا الاعتماد علي التفاصيل المحدودة والدقيقة للشخصية.

ويتجلى هذا الاستخدام التلقي للبناء القصصي في عدة نصوص في المجموعة . ففي قصة (استدعاء) فإن عنصر الوصف التفصيلي واضح: "وكان خمسة رجال ممن يسكنون حارة المشرق في حمص بشواربهم الضخمة وكوفياتهم الحمراء... وكان لا يبدو عليهم أنهم يفكرون أو ينتظرن أو يلاحظون ما يجري أو آبهون أي شيء...وجوههم جامدة مثل الحجارة" (32).

وفي قصة (الجورة)، فإننا نجد هذه التقنيات نفسها والتي استخدمها الكاتب من اجل ان يجعل قارئه مستغرقا ومنغمسا في النص: "كانت  هناك أرملة ارمنية في زقاق الأربعين حرامي، أتعرفه؟ كانت هناك...كنت أتي إليها مقلوب العين منهنها مقلقلا من السكر، وكانت تبتسم حين تراني، فان قصير كما ترى والسكران القصيريتدحرج كالبندقة. أليس هذا صحيحا؟ لكنها كانت- علي أي شكل –تهفو الي..تقرص إذني بأصابعها الغضة  تغمرني وهي تخلع ثوبا اسود بلون جدران دكاننا فتكشف الألطاف، ومن تحت الغيمة يندلق الصفاء والرخاوة، وكانت عيناه، آه عيناها، كشمعتين خزنتين، تستلقي وهي تمد يدها، وتسمح لي ان ادخل دفء الفراش، لو تزوجت في السابق لكان لي أولاد في مثل طولك  وعرضك الآن، ولكنت ترى كيف تكون التربية الحقة. الكل يكمل تعليمه، وفي الصيف أحيلهم الي –صنعته أحسن من التسكع في الشوارع وشحادة النقود. الصنعة شيء مهم يا عمي، أمانة من الفقير . لكنني بلا أولاد الان. الحيات صعبة وأنا لم أتعلم الصنعة التي تبور .كل هذا العمر وأنا في الجورة".

بناء هندسي متكامل / لعبة شطرنج حذرة:

نلاحظ هنا كيف يلعب الكاتب بالغة ودلالاتها عندما يجعل قصته بناء هندسيا متكاملا من حيث الصوت والتركيب والدلالة...أنها لعبة شطرنج حذرة يلعبها الكاتب بحيث يتجاوز اللغة الي ما وراء اللفة، أي: استخدام اللغة المجازية بكثير كالتشبيه والاستعارات والإيحاءات و الشعريات والسيميائيات.

إن النص القصصي هذا عند دريد يحي الخواجة يطرح قضايا عديدة ذات وظائف مختلفة مثل ارتباط المهنة بسلوك المبيض. فهو في حي الربعين حرامي،  ولكن يفعل الحرام، وهو في دكانه ذات الجدران السود ولكنه في حضن الأرملة الارمنية ذات الثوب السود المخلوع. فهو يريد ان يخلع عالما يعيش فيه ليسكن في عالم يخلع عنه ما يعيق حركته الجنسية. وهو يمارس جنسا لا يولد أي شيء الا الحرام. إنه يفضل أن يمارس جنسا يولد الحياة.

الانزياح النصي :

وفي قصة (ماسحات الزجاج) لكاتبنا الخواجة فان الخواجة تقنية الانزياح النصي تبدو متقنة تماما. فمن خلال بناء قصصي تراكمي , يتولد بناء قصصي أخر ليفاجئ  القارئ ويدهشه في الوقت نفسه . فما ان تجد شخصية الكاتب الخلاص في المراة البدوية البريئة المعلمة والجميلة والتي كان في الحافلة ويبني أحلامه وعوالمه عليها حتي يكتشف بأنه ظلم مرة أخر، ذلك ان هذه البدوية ليست بدوية وان المعلمة ليست معلمة وإنما هي امرأة مغنية ناشئة..أنها "ثريا.

ويبدأ الكاتب يرسم بريشة اهرى صورة ثريا الفنانة المغنية ويرسم عالمها وألبوماتها وصورها ومقابلاتها واسطواناتها ..الخ.

إنه مبدأ التحويل...من عالم المعلمة الي عالم المغنية، وهو بذاك يحقق اعلي درجات الانزياح الدلالي الأسلوبي. انه يشبه في هذا الكاتبة والشاعرة الانكليزية أميلي ديسكنسون(E.Dickinson).فالناقد تشاولوت دوني(C.Downey)يرى أن ديسكنسون تحاول أن تبني توقعات تراكمية عند قارئها. هذه التوقعات التراكمية تبدأ من التوقعات ذات الأثر البسيط وتنتهي بالتوقعات ذات الأثر القوي بحيث تراها فجأة تخذل قارئها عن طريق إحباط هذه التوقعات التي بناها في ذهنه ومخيلته، إذ إنها تغير في أسلوبها الذي يقلب اتجاه التفكير عند المتلقي رأسا علي عقب (34).

تجنيد سيمياء متعددة / الخلق القصصي اللامتناهي:

ولكن الكاتب الخواجة مع ذلك يظل يتحكم ويسيطر عن وعي عالم اللغة وعالم ماوراء اللغة بكل ما فيه من أداوت أسلوبية, كما انه يتحكم ويسيطر علي عالم الواقع الفيزيائي المحيط به بحيث ان القارئ في النتيجة لا يفرق بين سيمياء الواقع سيمياء اللغة ماوراء اللغة. وقد استخدم الكاتب هذه التقنية الاساوبية العالية في قصة (الترك) مرات عديدة. مرة عندما كان يجول بالقارئ في حمص وجغرافيتها ليبني عالما معينا في مخيلة القارئ , ومرة عندما يتحول الكاتب من حمص الي المغرب وجغرافيتها ليبني للقارئ عالما أخر ذا مذاق مختلفة علي صعيد الشخصيات والعلاقات والثقافة والتاريخ. إما في المرة الثالثة فأننا نرى الكاتب يعود عن وعي الي حمص التي أحبها وأحب كل ذرة تراب فيها لنراه يصل الحبل بين حمص الأولي وحمص الثانية ليشكل عالما متسعة دائرية ولكنه ملون بجغرافيته المغربية. وهنا يمكن الإبداع والخلق القصصي اللامتناهي عند الكاتب الخواجة. وكأنه بذلك لا ينفك عن مبدأ التحويل ألانزياحي لبناء فنه القصصي.

فهو يجعل من الترك شخصية تحاور نفسها لتحلق في عالم الخيال فتتأمل حيات غير حياتها الواقعية. وفجأة نرى الكاتب ينزل شخصيته من عالم الخيال –الحلم– إلي عالم الحياة –الواقع– ليجعل من تلك الشخصية تصف الواقع المرير بسردية مطلقة. انه انزياح من اللغة الشعرية السريالية الي اللغة الوصيفة المعجمية الواقعية:  "راح يبحث –دون نتيجة– عن تلك التي يحشرها معه تحت نير واحد ... كم حلم الترك ان تحبه امرأة ويحبها فيهربا كشجرتين ضعيفتين تصمدان في الريح الي مكان...ولكن الترك – الشخصية – ضاق ذرعا من تصرفات معلمة فما كان منه الا ان افرغ مستودع التبن كله وبعض الهشيم حول منزل معلمه...ثم أشعله فتأججت النيران بلمح البصر..وفي رمشه عين، غدت النيران تضطرم جائعة مثل نيران صدره..وتحول البستان في هذا الليل...إلى أغنيات نارية بألف لسان"(35).                  

إن توظيف ظاهرة النار دلاليا في قصة الخواجة بحاجة الي دراسة متأنية وحدها، والنار رمز عالمي ثري تمت معاجته من قبل كبار كتاب القصة القصيرة في العالم.

صحيح أن القصص في مجموعة (وحوش الغابة) تستخدم بعض الصفات الموجودة في الخطاب المنطوق الا ان وظيفتها في الحقيقة تبدو مرتبطة بصفات اللفة المكتوبة.

وينبغي ان نفرق هنا كما اقترحت ديبورا تانن بان صفة الوحدة العضوية(Integration) هي صفة مرتبطة بالشكل السطحي للغة إما صفة الاستغراق أو الانغماس (Involvement) فإنها وظيفة مرتبطة بالمضمون العميق للغة وما وراء اللغة. وهكذا فان الكاتب دريد كما رأينا في (وحوش الغابة) تمكن من جمع تينك الوظيفتين في إطار واحد. لقد وضع ولسون (1977) هذه المسالة في العبارة التالية:

(المعني هنا في السياق) ويقصد بـ(هنا): التراث الشفوي المحلي الفلكلوري (الاستغراق)، ولكن في التراث الأدبي المكتوب: (المعني في النص). أي في الوحدة العضوية (36). والواقع لقد جمع الكاتب دريد يحي الخواجة المعينين معا في قصصه (وحوش الغابة) إذ نراه ينقل القارئ من النص اللغوي في السياق السيميائي ثم نراه يعود من السياق السيميائي الي النص اللغوي في أطار من القص والحكاية الممتعة.

وبهذا استطاع الكاتب الخواجة ان ينقل الحقيقة للقارئ من خلال الفكر الذي توزع في خارطة قصصه بين التراث الشفوي المنطوق والتراث الأدبي المكتوب. من هنا فان الكاتب عندما كان ينضح من أتراث الشفوي المنطوق كان يستخدم في سرده القصصي ما كان قد عبر عنه اونج ب "الإفراط العاطفي الحماسي"(Rhapsodic). ولكن عندما كان ينضح من التراث الأدبي المكتوب كان يستخدم ما عبر عنه اونج ب "الفكر المنطقي التحليلي " (Analytic) والذي يسير وفق خط مستقيم متتابع.  (37) .

إن القارئ لقصص الخواجة يستطيع ان يتوصل الي الحقيقة من خلال إحساسه بالتجربة التي كانت شخصيات القصة تبثها (في حمص) ثم من خلال الحجة المنطقية المنسجمة والمتماسكة التي كانت تسم فكر المتحاورين (في المغرب). ويبقي فهم القارئ لقصص الخواجة يتأرجح بين كون القارئ يعتمد علي التراث الشفوي وعلي التراث الأدبي. ذلك ان الفهم في التراث الشفوي المنطوق هو شخصي (subjective) ولكنه موضوعي(objective) في التراث الأدبي المكتوب كما ذاك اللساني الاجتماعي هافلوك (38).   

وبشكل عام فان الاستراتيجيات المرتبطة بالتراث الشفوي تؤكد غلي المعرفة المشركة بين الكاتب الخواجة والقارئ لقصصه. وبهذا تحقق قصص (وحوش الغابة) مادعته اللسانية الاجتماعية باتسون(1972) بـ"الوظيفة ألما وراء لتصالحيه للغة"(Metacommunicative Function) أي استعمال الكلمات لتوصيل شيء ما (غير المعني المعجمي) حول العلاقة بين الكاتب والقارئ.

أما ما قلناه عن التراث الأدبي المكتوب في (وحوش الغابة ) فانه ينطبق علي ما دعته باتسون ب "الوظيفة الاتصالية للغة" (communicative Function) أي استعمال الكلمات لتوصيل المعاني المعجمية أو المضمون(39).

والواقع لقد راعي الكاتب الخواجة في (وحوش الغابة) ظاهرة دعاها اللساني الاجتماعي والس تشيف ب "التصويرية (Imageability)"،أي: استخدام التفاصيل الكثيرة المتعلقة بخصوصيات الشخصيات القصصية والتي تعطي القارئ حسا من التجربة وتشعره في الوقت نفسه بغني الفكر المتألق عند الكاتب (40).  

إن القصص الأدبية المكتوبة ينبغي الا يكون من أهدافها إقناع القارئ من خلال استخدام الحجة المنطقية التحليلية المتماسكة، ولكن من خلال إعطائه حسا من التجربة الغنية.

وتقترح "تانن" أن هذا التميز بين ما هو تراث شفوي منطوق وبين  ماهر تراث أدبي مكتوب ينبغي الا يفهم علي انه انقسام مشطور بحدة، بل ينبغي ان يفهم علي انه سلسلة متصلة مترابطة ولكن ذات وظائف مختلفة (41).

ومن خلال دراسة (وحوش الغابة)دراسة لسانية اجتماعية اثنوغرافية تواصلية(42) تبين أيضا أن الشخصيات يركزن علي الصفة التفسيرية للحوار مع الرجال والذين بدورهم يركزون علي صفة التقريرية دون الدخول بالتفاصيل (حوار المعلمة مع المعلم وحوار المغنية ثريا معه ايظا مثال علي ذلك).

إن نجاح المعلمة الاثنوغرافية التواصلية للوصول الي عقل القارئ وعاطفته لا يمكن أن يتم إلا من خلال الجهود المخلصة والنوايا الطبية والتعاون المثمر البناء بين الباحثين اللسانيين وكل من كانت له صلة بالأدب وفنونه وذلك من اجل بناء أدب قصصي عربي متقدم.

أيها القارئ ...

ان(وحوش الغابة) عميقة ...

أعمق مما تصوره حروفها ...

وأعمق مما ينطق به لسانها...

4        -  النتيجة:

          لقد استطاع الفنان القاص والأديب المتميز الدكتور دريد يحي الخواجة بهذه الرحلة في الوحوش ان يطلع القارئ بان الحياة هي مسرحية. لكل إنسان دور فيها. وما دامت الأدوار مختلفة بين الفجور والتقوى فان الحياة قائمة علي هذا الطيف من الألوان المتناقضة دائما. لأنه  بتناقضها تستمر الحيات، ولكنها تركد وتتوقف عندما تكون تضاريس النفس البشرية واحدة.

فسبحان الله في خلقه...

وسبحانه في كونه...

انه نور السموات والعارض...

فمن خلقه أتينا...

وفي مضطربة نصارع...

والي كونه نعود...

          هذا غيض تكريمي متواضع من فيض لا حدود له للفنان الأديب الدكتور دريد يحي الخواجة أمد الله في عمره ليبقي بنيات صلبا من أبنية الثقافية العربية الإسلامية.

 الإحالات

(*) القي هذا البحث في الندوة التكريمية للقاص والأديب الدكتور يحي الخواجة والتي أقامها المركز الثقافي العربي في حمص بتاريخ 15/3/2006 م.

لمعالجة هذا الواقع والتعامل معه . تلك التي نستسقيها بأنفسنا من خلال السياق القصصي وحمولته الدلالة.

 1-القران الكريم : سورة : الشمس –أية 7- 10.

2-طلاس, مصطفي (1997) – ص 61, 62 , 77, 78, 113 , 114- الذئب في آداب الشعوب ؟ دار

طلاس للدراسات والترجمة والنشر , دمشق.

(3) التوراة . سفر التثنية , أية 19,20.

(4) إنجيل متى 5- أية 43 – 46.

(5) عبده , (الشيخ) محمد (1989) : شرح نهج البلاغة. دار البلاغة للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت.

(6) الخواجة , دريد يحي (1979 : ص 132) : وحوش الغابة- قصص . منشورات اتحاد الكتاب العرب- دمشق.

وحوش الغابة , (ص 45-46).

(8) وحوش الغابة (ص71).

(9) وحوش الغابة (ص 97) .

(10) وحوش الغابة (ص 141).

لمزيد من التفصيل انظر:(11) William E. Mallory and Paul Sipson Horsley                       (1987)Geography and literature:A meeting of Disciplines.Suracuse University press,New york.

  (12) Salter, Christopher and William, Lloyd (1976) landscape and literature, Association of American Geographers, Washington, D.C.

 13)  Hart ,john Fraser (1982)  the Highest form of Geographer s Art Annals of the Association of American Geographers. 1, Washington .D.C.

(14) الفراء:معاني القران: 1/289-290. تحقيق احمد يوسف نجاتي ومحمدعلي النجار.مطبعة دار الكتب

(15) عريضة , نسيب (1920) "قصة ديك الجن ألحمصي : حكاية غرام شاعر عربي قديم " منشورات الرابطة القلمية –نيويورك.

(16) وحوش الغابة (ص 51-54).

(17)وحوش الغابة (ص 137).

(18) وحوش الغابة (ص132).

(19) tanner , D(1982) Analyzing Discourse :text and talk ,Georgetown university paess. Washington D. C.

(20)وحوش الغابة (ص136).

 (21) tanner, D (1982) Analyzing Discourse: text and talk ,Georgetown university paess.Washington D. C.

(22) وحوش الغابة (ص5).

(23) وحوش الغابة (ص31).

(24) tannen , D(1983) Spohen and written language Norwood , NJ Ablex .U.S.A.

(25) وحوش الغابة (ص39).

(26) وحوش الغابة (ص68).

(27) Chafe , w (1980)  Integration and  Involvement in spokitten language « A paper presented to the 2 nd congress of International Association for semiotic studies. Vienna.

(18) وحوش الغابة (ص34-35).

(19) وحوش الغابة(ص47).

(30) وحوش الغابة (53).

(31) وحوش الغابة (121).

(32) وحوش الغابة (ص15).

(33) وحوش الغابة (ص41).

(34) Downey, C(1978 – p8 – 16)” How Dickinson uses style to express inner conflict “ Bulletin (34).

(35) وحوش الغابة (ص 136- 141)

(36) Tannin , D. (1983) spoken and written language Norwood  NJ . Alex U.S.A.

(37)Tanner, D (1982) Analyzing Discourse : Text and talk. Georgetown University press Washington D.C.

(38) Ibid.

(39) Ibid.

(40) Ibid.

(41) Ibid.  

 (42)لمزيد من التفصيل حول هذا الاتجاه انظر:

Hymens, D and Gummers , j(1973) Directions in sociolinguistics : The Ethnography of communication.  Holt Rinehart and Winston N.Y.


* *- أستاذ وباحث في علوم اللغة العربية، بجامعة دمشق، في جمهورية سوريا العربية، له كتب ومقالات  ذات شأن عظيم في اللسانيات، منح مجلة "الأثر" هذا المقال، لتنفرد بنشره في هذا العدد الذي بين أيدينا،. وبناء على هذا الامتياز فإن هيئة التحرير للمجلة تقدم شكرها الجزيل إلى الأستاذ الفاضل الدكتور: مازن الوعر، وتتمنى له المزيد من العطاء العلمي والفكري، خدمة لبلده وأمته.