الشعر العربي في عصر العولمةpdf

 خصوصية النص : وحوار الآخر

 د. مشري بن خليفة                     

 جامعة قاصدي مرباح – ورقلة - الجزائر 

إن ما نعيشه اليوم هو نقلة حضارية، لم يشهدها العالم من قبل، فمع هذا القرن بدأ يتشكل لدى البشرية وعي جديد، وهو الوعي الكوني (العولمة)، ومن ثم جعلت العولمة العالم أكثر اندماجا، وسهلت حركة الأفراد ورأس المال والسلع والمعلومات والخدمات، وهي التي جعلت التحولات سريعة ومذهلة في سرعتها، وساهمت أيضا في انتقال المفاهيم والقناعات والمفردات والأذواق في ما بين الثقافات والحضارات وجعلتها ممكنة ونقلت العالم من مرحلة الحداثة إلى مرحلة ما بعد الحداثة، وبالتالي الدخول إلى عصر العولمة، وضمن هذا التصور سنتطرق لمسألة الشعر والعولمة، انطلاقا من أسئلة إشكالية محددة وهي:

 1- هل تستطيع العولمة أن تحول الشعر إلى سلعة ؟

 2- هل تحدث تحولات عميقة في طرائق بناء النص الشعري، عبر شبكة الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة ؟

 3- وهل تنتهي خصوصية النص الشعري العربي في عصر العولمة ؟

 4- وهل الحوار مع الآخر، يلغي الخصوصيات أم يكرس التعدد والاختلاف في إطار حركية العولمة؟

  1- العالمية والعولمة:

          تشير العالمية إلى الجوهري الذي لا يتغير، وهي حالة من الانتشار التي يحققها أدب ما، حينما يخرج من حدوده المحلية، ليصبح مقروءا في أماكن أخرى من العالم، وعليه ينطلق الشاعر الألماني جوته من ذلك الترادف بين العالمي والجوهري ليقول إن " تناول الشعر لموضوع من موضوعات الواقع يقتضي نقل ذلك الموضوع من الخاص إلى العام أو العالمي، أي أن طبيعة الشعر تقتضي هذه العالمية أو الوصول إلى جوهر الأشياء أو بعدها الكوني .. "(1)، على الرغم من هذا الفهم لمفهوم العالمية عند جوته، إلا أنه لم يوظفه بهذا المعنى، وإنما أخذ المفهوم عنده بعده الجغرافي / الثقافي، الذي يشير إلى أوروبا جغرافيا، وكذلك آدابها، واستنادا إلى هذا المفهوم فقد كرس الغرب دلالة العالمية بوصفها لصيقة بما يصدر عن المركزية الأوروبية، ومن ثم فإن العالمية ضمن هذا المنظور تشير بالتحديد إلى الغرب فقط دون غيره، وعليه فإن عالمية الأدب تشترط "الدخول في نطاق لغات معينة هي في الوقت الحاضر اللغات الأوروبية، خاصة الإنجليزية..."(2) وهذا يعني هيمنة اللغات الأوروبية وانتشارها، خاصة الإنجليزية والفرنسية بما تحملانه من إرث  استعماري (3).

          ويتبين مما سبق أن العالمية هي نتيجة منطقية لما نسيمه بانتصار ثقافة الغالب، خاصة أن البلدان المستعمرة،أصبحت جزءا من ثقافة الآخر، عن طريق ما يسميه البعض بـ"غنيمة الحرب"، وهي اللغة، على اعتبار أن النموذج الحضاري الأوروبي وعلى الرغم من طابعه الاستعماري، تحول إلى إرث حضاري إنساني يشترك فيه الغالب والمغلوب، لأن الاستعمار عمل عبر قرون عدة على ربط المستعمرات في أنحاء شتى من الكرة الأرضية، بمركز غربي واحد، ومحاولة إعادة تشكيل تلك المستعمرات، بما يتوافق ومعطيات الحضارة الأوروبية.

 ·الحداثة وما بعد الحداثة :

          مما لا شك فيه أن الحداثة هي منتوج غربي، ومشروع هدفه ضمن إستراتيجية الثقافة المركزية الأوروبية، هو تخليص الإنسان من أوهامه وتحريره من قيوده، وأن مثل هذا المشروع لن يتحقق ما لم يقطع الإنسان صلته نهائيا بالماضي ومؤسساته، ويهتم بالراهن، وعليه اهتمت الحداثة الغربية بإبراز أهمية التكنولوجيا في التقنية الجمالية واكتشاف خامات جديدة كوسائط جمالية في الفن، وأن هذه التكنولوجيا توفر الجهد والوقت، ولكنها لن تكون بديلا عن الوعي الإنساني، (4)وعملت الحداثة على إبراز التناقض بين الثقافات.

          وجاءت ما بعد الحداثة لتقلب مقولات الحداثة وكل فرضياتها، فهي لا تؤمن بالفواصل والفوارق الثقافية المعرفية لأن أشكال المعرفة هي نفسها، وانطلاقا من ذلك نادت بعدم ثبات المعنى وعدم جوهريته(5)، وأن العالم قرية كونية، وأن استخدام التكنولوجيا، خاصة الكمبيوتر، هو بديل للوعي واحتفت بالتعايش مع الثقافات الأخرى، ونتيجة هذا نشير إلى حقل آخر من التحليل وهو "نظرية ما بعد الاستعمارية" والتي تنطلق من فرضية "أن الاستعمار التقليدي قد انتهى وأن مرحلة من الهيمنة قد حلت"(6) وهذا المشروع في حقيقة الأمر، يحاول أن يدرس القضايا المتعلقة بإنتقاد "المعنى وحالات الهوية المنقسمة على ذاتها. ومعرفة الذات عبر معرفة الآخر، والوعي بثقافة الذات للدخول في التعدد الثقافي الذي لف العالم اليوم تحت غطاء "العولمة "(7).

 ·العولمة الثقافية:

          إن العولمة في حقيقتها مصطلح سياسي، شاع في حقل الاقتصاد أولا، للدلالة على تعميم نطاق السوق المفتوح، أي الاقتصاد الرأسمالي الحر، في مختلف أنحاء العالم، ثم إنتقل هذا المفهوم من الفضاء السياسي والاقتصادي إلى الفضاء  الثقافي والإعلامي والأدبي .

 يرى برهان غليون (8) أن العولمة تتجسد في اندماج منظومات ثلاث رئيسية في حياتنا الاجتماعية والدولية الراهنة:

 1- المنظومة الأولى هي المنظومة المالية، فقد أصبحنا نعيش في إطار سوق واحدة لرأس مال، وبورصة عالمية واحدة،على الرغم من تعدد مراكز نشاطها .

 2- المنظومة الثانية هي المنظومة الإعلامية والاتصالية، فمن الممكن اليوم لجميع سكان الأرض القادرين على دفع الثمن، الارتباط من خلال الصحن الهوائي بالقنوات التلفزيونية ذاتها الموجودة في كل العالم، والتي تتوجه في بثها لجمهور عالمي، لا جمهور محلي.

 3- والمنظومة الثالثة هي المنظومة المعلوماتية التي تجسدها بشكل واضح شبكة الإنترنت فهي شبكة واحدة، يشارك فيها الأفراد، وينفذون إلى ما تنطوي عليه من معلومات وعروض،  بصرف النظر عن الحدود السياسية والخصوصيات الثقافية.

 إن العولمة ضمن هذا التصور، هي مصير مشترك لجميع المجتمعات البشرية، وهي تقود إلى وعي بتوحيد القيم وطرائق السلوك وأنماط الإنتاج والاستهلاك.

   وهذا يعني أن جميع المجتمعات البشرية تبدأ شيئا فشيئا، بفقدان ما يسمى بالسيادة، والخروج من مرحلة الدولة الوطنية، إلى مرحلة أخرى هي العالم الواحد الموحد، أي القرية الكونية، على اعتبار أن الثورة العلمية والتقنية والمعلوماتية، هي المحرك الرئيس للعولمة.

          فالعولمة تنتج مشتركا على مستوى المعلومة وتسويقها، ومن ثم تصبح الثقافة سلعة، ضمن قيم قانون السوق الحرة، وقد تؤدي هذه النقلة إلى نشوء صراع بين الثقافات المختلفة، ولكنها لن تستطيع محو الثقافات القومية.

          ولعل أبرز مظاهر تأثير العولمة الثقافية، أن وسائل الاتصال المتعددة، وشبكة الإنترنت، وغيرها من الوسائط، تساعد على إيصال المنتوج الثقافي بمختلف مصادره، إلى جميع أنحاء العالم، في نفس اللحظة. والمقصود بالثقافة في حركة العولمة، هي "الاستهلاكية" الموجهة أساسا لدعم العمل الاقتصادي والتجاري، من مثل السينما، والموضة والفنون بمختلف أشكالها.

 * الشعر العربي في عصر العولمة:

          لا ريب أن الشعر العربي يواجه تحديات كثيرة في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين، ولكن نستطيع التأكيد على أن حركة الشعر العربي الحداثي، تحاول الانخراط في مسار العولمة، من خلال ممارسات نصية عدة خاصة قصيدة النثر التي تعمل على محو الحدود بين الأجناس وتدمر الثنائية التقليدية: شعر/ نثر.

 "فالمحو هنا بداية الاكتشاف، اكتشاف الذات وتحريرها واكتشاف الآخر"(9) وعليه فإن قصيدة النثر هي اللقاء بالآخر، وفي الآن نفسه لقاء بالذات.

 ومن ثم كان تشكل القصيدة الرؤيا، تعبير عن حالة التشظي العربية منذ نهاية الحرب الباردة، في عالم الباطن، وتحول الشاعر إلى رائي في تعامله مع العالم، وأصبحت كل رؤيا تغيير لنظام الأشياء، وتحويل لعلاقات الأشياء، ويدخل النص في أشكال عدة غير معروفة، أي في المتاه، فهناك من وصف قصيدة النثر بأنها "قصيدة العولمة"، ويدخل الشعر العربي الحداثي بعد ذلك مرحلة أخرى أكثر جرأة، وهي الكتابة، التي تحتفل بالفراغ، وتستلزم اختراق الكلام، الصوت، بالخط الذي ليس حلية، وإنما هو نسق مغاير يعيد بناء الفضاء / المكان، واللغة، وتبتعد الكتابة عن قصيدة الحلم، وتلتصق بالملموس والمحسوس، فالشعر العربي الحداثي ضمن هذه الرؤية، والنسق يصبح جزء من تحولات حاصلة في الشعر الغربي عموما، وبذلك تحدث هجرة معرفية ونصية من وإلى العالم العربي، ويتم كل ذلك عن طريق شبكة الإنترنت، والوسائط الاتصالية الأخرى، فالتكنولوجيا تقدم بعض الإمكانات المثيرة عن طريق الكمبيوتر، وبعض الأساليب المفيدة للعرض والبيع، والأدب عموما والشعر خصوصا يواجه تغيرات في التوزيع عميقة المغزى مثل الموسيقى، وبناء على التحولات التقنية الحاصلة فإننا نجد النص المفرّع، "متحرر من سلطة السطر أصلا ويستفيد من دينامية التكنولوجيا، وقدمت له الكتابة الالكترونية فرصة للمرونة لا حدود لها".(10)

 وهو نص متحرك ومتعدد الوسائط والحواس، ومنفتح على النصوص الأخرى ومتصل بها دون حواجز، فشبكات الانترنت تنقل الشعر بشكل أسرع، وتسهل الإطلاع عليه، وتكرس النص الالكتروني، المفتوح، وهناك تجربة رائدة في العالم العربي وهي "اتحاد كتاب الانترنت العرب"، ولهذا فسيكون للعولمة تأثيرها في جوانب صناعة الأدب وصناعة الشعر خاصة ونشر وبيع هذه السلعة عن طريق الانترنت، تثير الكثير من الأسئلة حول النزاهة والسلامة والأمان الذي يحط بمدونة ما، لمؤلف أصلي، فمثلما يمكن إجراء تعديل أثناء عملية التداول الالكتروني، فسيكون كذلك من اليسير تعديل المدونة أو تغييرها.

 اعتقد أن الشعر العربي الحداثي في عصر العولمة، يستطيع أن يستوعب التحولات الحاصلة في العالم، لأنه جزء من تجربة الإنسان ووعيه، وهو تعبير عن ذلك التراكم المعرفي والجمالي الإنساني، فالشعر يلامس الداخل، ويفرض على المتلقي مهما تكن ثقافته أن يتلقاه دون حواجز تذكر.

 الواقع أن أثر العولمة في الشعر، يستحقان المساءلة والمناقشة، على اعتبار أن العولمة واقعة موضوعية، وجب التعامل معها كونها معطى حقيقيا لفعل قائم، لا الاكتفاء بإنكارها أو بإدانتها، فالعولمة تستطيع أن تكون قوة للتطور الايجابي، وليس المفروض أن تمحو التنوع الثقافي، وإنما ينبغي أن تعمل على التكامل من أجل عالم أكثر استقرارا ونحو حياة أفضل للشعوب فيه.

 فالشعر هو محرك العولمة، مادامت تستهدف تطور الإنسان، ومن ثم فإن أفضل وسيلة للتعاطي مع العولمة، ليس رفضها، لأنه لا يجدي شيئا بل تقوية الثقافة المحلية، وتحويلها إلى سلعة مقبولة حتى يكون الحوار مع الآخر فاعلا ومثمرا.

 الإحــالات

  (1)- ميجان الرويلي وسعد البازعي ، دليل الناقد الأدبي ، ط 3 ، المركز الثقافي العربي، بيروت 2002. ص: 186

 (2)- المرجع نفسه ، ص: 187

 (3)- المرجع نفسه ، ص: 194

 (4)- حسام الخطيب ورمضان بسطاويسي محمد آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية . . دار الفكر ، ط1 . دمشق 2001 ص: 114 .

 (5)- دليل الناقد الأدبي . (م،س) ، ص: 226

 (6)- المرجع نفسه ، ص: 158

 (7)- عباس يوسف حداد ، نقد مابعد الكولونيالية ، مجلة البيان ، العدد 366 ، يناير 2001 . الكويت . ص:37

 (8)- برهان غليون ،(مشترك) ثقافة العولمة ، وعولمة الثقافة ، دار الفكر ، ط1 ، دمشق 1999 . ص:16/17

 (9)- مشري بن خليفة ، الشعرية العربية ، مرجعياتها وابدالاتها النصية، أطروحة دكتوراه دولة ، جامعة الجزائر 2004 . ص: 173/174

 (10)- آفاق الإبداع ، (م،س) . ص:57 .