الخطاب الكرامي خطاب المجتمعpdf

 

 د.احمد موساوي                      

جامعةقاصدي مرباح- ورقلة-  الجزائر

  كثيرا ما يذهب ذهن القارئ عند سماعه اصطلاح الكرامة الصوفية أو كرامات الأولياء إلى مدلول ديني صوفي صرف ذلك المدلول الذي شكلته المفاهيم الكثيرة والتعاريف المتعددة التي ارتبطت بهذا المجال وحامت حول حماه واعتبرت الكرامة من خلال ذلك التوجه مشاهدات سحرية وظواهر خرافية خارقة يختص بها الولي الصالح المتدين المتصوف دون غيره من عامة الناس.

           ومن الذين وقفوا عند هذه العتبة أبو بكر الكلاباذي[1] الذي وافق جمهور المتصوفة على أن الكرامات كالمعجزات تدخل في باب خرق العادة يجريها الله على الأولياء من عباده تكريما لهم ومكافأة. ومنها مشي الولي على الماء  وتكليمه للبهائم وظهور الأشياء له في غير موضعها ووقتها.

ويعد القشيري في رسالته الكرامة "...علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله ....ولا بد أن تكون هده الكرامة  فعلا ناقضة للعادة في أيام التكليف  ظاهرة على موصوف بالولاية في معنى تصديقها في حاله..."[2].

           ويرى ابن الزيات في التشوف[3] أن الكرامة تختص بأهل اليقين  وهي جائزة عقلا ومعلومة قطعا ومن أعظم كرامات الله تيسيره لأسباب الخير.

وإجراؤه على أيدي الأولياء  وتعسير مسببات الشر عليهم. وكلما زاد التيسير كانت الكرامات وافرة كثيرة   وتضاعف انخراق العادات بإجابة الدعوات.

           وهكذا نجد أن هذه المصادر وغيرها كثير قد نظرت إلى الخطاب الكرامي من منظور ديني / صوفي واعتبر سلوكا مرتبطا بالغيبيات وخوارق الأمور ولا علاقة له بالواقع الاجتماعي. فهو حسب العزفي خطاب خارق للعادة يظهر على يد عبد عرف بصلاح دينه وتمسكه بطاعة ربه في أحواله  مستقيم الطريقة  في تصرفاته.

              وفي هذه الورقات التي سودناها لا نكتفي بالشق الديني الصوفي في التعامل مع الخطاب الكرامي في المغرب الإسلامي بل نتجاوزه ونتخطاه إلى مستويات ميزت هدا الخطاب وجعلته واحدا من الخطابات المختلفة التي عرفها المجتمع المغربي آنذاك وافرزها. فالكرامة شكل من أشكال الخطابو"...رسالة تندرج في العالم الثقافي الذي ينتمي إليه مرسلها. وتحمل كل القيم  جمالية كانت أو اقتصادية أو دينية أو تراثية أو ما إلى ذلك مما يدخل في تركيبة عالم ثقافي معين..."[4].

فالخطاب الكرامي من هذا المنظور يسهم بدوره في نقد الواقع وتعريته ومحاسبته ويطرح عبر هذا النقد تصورات بديلة له ويكشف في الوقت نفسه عن تطلعات خفية في المجتمع المغربي.

إن الاصطراع الذي عرفه المغرب الإسلامي وطبع محطاته المختلفة زمن الحفصيين والمرينيين والزيانيين والموحدين  أفرز الكثير من العيوب والسلبيات كما مر بفتن وخطوب متعددة لونت تلك الأزمنة بألوان قاتمة مما غذى الطبقية والفروقات الاجتماعية فأثرت طبقات محدودة وقهر الفقر بقية المجتمع وانكشفت بذلك عورة النظام السياسي وخاصة في المرحلة الأخيرة من الحكم الموحدي[5] إضافة إلى تفشي الانحلال الخلقي وتزايد المد المسيحي وخطره وغيرها من عوامل التأزم والانسداد على المستوى الاجتماعي.  

ولعل المطلع على عنوان الدراية للغبريني وكتاب التشوف إلى رجال التصوف  لابن الزيات يمكنه أن يتلمس في تؤدة وهدوء دلك الخطاب الكرامي المتميز والمتنوع. والذي عكس سلوك وحياة صلحاء وأولياء الأمة الذين لم يكن لكراماتهم الدور الديني والمنحى الصوفي فقط بل كانت أداة ورسالة أسهمت في النقد والبناء والسعي إلى الإصلاح والتغيير بأسلوب عد من أكثر الأساليب التواء ودورانا في التعبير عن الواقع ومحاسبته.

ويمكن أن نصف الكرامة في المغرب بأنها ذات شقين  دنيوي وأخروي في جدلية تكشف أن الرغبة في مصير المتيقن  تدعو الصوفي إلى التعبد من جهة ولأنه يعيش وسط مجتمع له همومه وانشغالاته  كان يجتهد ليتصدق ويتحرك لينقد  وكلا العملين من اجل الجزاء الأوفى عند الله[6] .

والخطاب الكرامي نزاع للسلم في محاورة الواقع والأزمات وليس من طبيعته المواجهة. ولا يرغب في تكريس العزلة بل يسعى جاهدا إلى الإسهام في الإصلاح والتغيير بالوسائل المتاحة. ونورد في هذا المقام ما روي عن الولي أبي الفضل القرشي القرطبي في عنوان الدراية-أن احدهم ولدت زوجته طفلة هو فقير معوزفهرب هائما على وجهه إلى أن دخل مسجدا فرأى شخصا صلى ركعتين خفيفتين فاسر في داخله لو أطال فيهما لكان أحسن فالتفت إليه الرجل وكأنه سمعه  وقال له أيهما عندكم أحسن من يخفف صلاته أم من تلد امرأته فيهرب  فعجب لقوله. ثم أعطاه صرة  وقال له خذها ولا تعدها ففعل. فانفق منها أياما ومرة حاول عدها  فنفذت فرجع إلى الرجل الصالح فقال له الم اقل لك لا تعدها.[7]    

فهدا يقودنا إلى القول أن أصحاب الكرامات ليسوا بمعزل عن معاناة الناس بل هم قريبون جدا منهم يسعون من خلال ما وهبهم الله من مزايا وقدرات خارقة تلطيف تلك المعانة ومواساة الناس معنويا وماديا أن كان في المقدور. والشيء الآخر الذي يؤكده هذا النموذج من الخطاب الكرامي هو ضرورة الالتزام بوصايا الولي حتى يستمر العطاء والخير وإلا حصل العكس ودلك ما حدث مع الرجل حينما اخل بشرط الوصية فعد ما في الصرة من دراهم مما جعلها تختفي. وهي إشارة رمزية إلى ضرورة الالتزام بما ينصح به الرجل الصالح صاحب الكرامة. الم يطلب الخضر من موسى إلا يسأله  ولما فعل ذلك واخل بالشرط والاتفاق حرم صحبته وحرم المعرفة فأضاع خيرا كثيرا.

وإن احتواء الخطاب الكرامي على النصوص الدينية المختلفة والمرتبطة بالشرع والقران الكريم جعل منه خطابا يستوجب الاحترام ويفرضه على السلطة والتي بسبب ذلك لم تستطع رفضه بل قبلته مرغمة.

وما دعم الخطاب الكرامي أيضا  ذلك التقبل الواسع للجمهور له إضافة إلى تداوله والترويج له وتقديسه والتعلق بأصحاب الكرامات والتبرك بهم.

ورأى الخطاب الكرامي أن المؤهل والقادر على الخروج بالناس من المحن والأزمات إلى بر الأمان هم الأولياء وصلحاء الأمة فهم النخبة وأصحاب خوارق وبطولات متميزون ومختلفون عن عامة الناس تخافهم السلطة وتقدسهم الجماهير وبإمكانهم تشكيل بديل في المجتمع وانقاد الأمة وتحقيق آمال الضعفاء والفقراء. وما كان يشاع عنهم كثيرا آنذاك أن من يقصدهم لا يخيب أبدا.

فإن إيمان العامة بعصمة الأولياء وتشبيههم لهم بالأنبياء قيض لهم تلك المكانة المتميزة في قلوب الناس وأكد على أنهم دائما على صواب..فكراماتهم لاحقة بمعجزات نبينا كما جاء في الرسالة القشيرية.[8] فالأولياء أصحاب عقول تدرك ما لا تدركه عقول الآخرين وقدراتهم ارفع وأعلى من قدرات الغير. فقد كان للولي أبي الحسن علي بن أبي نصر "....بنات متسترات فطلب من الله أن لا يطلع عليهن احد فمتن في حياته....."[9] . وشبيه بدلك ما حدث في زمن الجفاف لما طلب الولي من زوجته إعطاء الناس الماء فرفضت فاقسم أن يشرب من ماء المطر في ساعته فدعا ربه أن يسقيه فحدث دلك وشرب هو ومن معه وهو يقول.. "...مرحبا بقريب عهد من ربه..."[10] ومن كرامات الأولياء قطعهم المسافات البعيدة بشكل يدل على أن سلوكهم خارق للعادة ومخالف للقوانين المألوفة كصلاة احدهم العشاء في المغرب ومبيته بمكة[11].. ومن اجل هذا وذاك يبقى الخطاب الكرامي حاملا لهم الجماعة ومجددا قواه الروحية من خلال محطة الحج والتي تعد محطة تطهير ورحيل عن الذنوب وتطور نحو النضج من أجل دخول عالم جديد وإلغاء السائد فالرحلة هنا هي نحو عالم النقاء والصفاء وتوجه إلى المستقبل.

وإن الطريق الذي يشقه الخطاب الكرامي لبناء المستقبل يبدأ من مواجهة الواقع وعدم الخوف من السلطة وما يمثلها. فالولي لا يبالي بالقيود وبالسجن لان قيوده سرعان ما تفك ويخرج لأداء صلاته خارج السجن. فلا معنى للسجن في هدا الخطاب ولا وظيفة إلا الكشف عن حقيقة الكرامة الصوفية. ولا وجود لشيء اسمه الخوف من السلطة[12]. بل العكس هو الصحيح الخطاب الكرامي يخيف السلطة ويفرض عليها احترام الولي.

ونجد في كرامة ابن نعيم الحضرمي القرطبي الذي سجن فرأى أمير البلاد في منامه النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بإطلاق سراحه فسارع إلى ذلك خائفا وسأل الولي السجين عما حدث له فقال له  لقد خمست جيمية ابن النحوي فنفعتني ببركاتها. ومنها ..

لا بد لضيق من فرج *والصبر مطية كل شج* وبدعوة احمد فابتهج

اشتدي أزمة تنفرج ***فقد أذن ليلك بالبلج [13]

وهكذا الخطاب الكرامي لم يعد ضربا من الخوارق متعاليا في عالم من الغيبيات بعيدا عن ارض الواقع بل هو خطاب يشجع على التقرب من أصحاب الكرامات والولوج في عالم التصوف والانضمام إلى عالم النقاء والعمل على إصلاح ما فسد في المجتمع والتمرد على الباطل فالصلحاء لا يعرفون خوفا  ولا تمنعهم قيود أو سجون عن بلوغ الغاية وتحقيق المرام وفرض التغيير على السلطة كيفما كان شكلها أو لونها.

وإلى جانب هذا نجد صورة أخرى في هذا الخطاب تنكشف للقارئ من خلال نصوص كرامية متعددة منغمسة في الواقع ومتفاعلة مع قضاياه وهذه الصورة هي الدعاء على الظالم ومحاربته برفع الأيدي والتوجه إلى الله فهذا المسلك نصرة للمظلوم دون مواجهة حقيقية مع السلطة/الظالم فإذا رفع الظلم رفع الضر عن الظالم و هذا عن طريق توجيه النصح فإن قبله وسمع نجا وإن رفض وأعرض تأذى.

ونذكر على سبيل التمثيل قصة عبد الله ابن وكريسي الذي دعا على رجل تهدد احدهم بالقتل قائلا (رد الله عنك) فأصابه وجع قتله في حينه[14]. ومنه أيضا دعاء أحد الصلحاء على احد رؤساء البلد لما منعه وطرده من المسجد حتى لا يدرس فيه أصول الدين، وقال فيه (أمت العلم أماتك الله هاهنا) فقيل انه بعد ذلك حضر عقد نكاح في ذلك المسجد فقتل فيه بالرماح.[15]

ولم يغفل الخطاب الكرام تناول واقع الأمة الإسلامية ومصيرها فكثيرا ما دعا إلى توحيد أبناء الأمة، وناصر المجاهدين في سبيل الله ضد الأعداء، وكان هدا الخطاب يركز على الدعم المعنوي والنفسي عن طريق التنبؤ بالانتصار مثلما روي عن أب عبد الله العربي الذي ((...جعل يكر ويفر، وهو يتفصد عرقا إلى أن رمى بالقصبة من يده ضاربا بها في جهة عدوه قائلا عند رميها: في سبيل الله وسقط إلى الأرض...فكان ذلك اليوم الذي هزم فيه النصارى عام 591هـ ...))[16].

وإلى جانب هذه الدعوات إلى الوحدة والالتفات إلى إصلاح حال الأمة استكرهت الكرامات المال والثروة وجمعهما دون استغلالها في التخفيف عن الفقراء وكانت الأحلام وسيلة تخفيف من تلك المعاناة وعاملا من عوامل التوازن الاجتماعي، والقصة التالية لأبي الحسن علي الزواوي مع رجل فقير "...عرضت له ضرورة قوت، أتاه يسأله أن ينظر له نظرا يستعين به وكان للرجل عائلة، قال فدخل إلى منزله فأخرج لي أربعة أمداد قمحا وقال لي لا تتناول منها إلا وأنت على طهارة...فحملتها ولزمت ما قال لي، وكان ذلك في آخر الشتاء وأوائل الربيع، فكفاني ذلك وعائلتي حتى وصلنا إلى الأكل من حراثتنا بعد دخول زمان الصيف"[17].

فهذا النص يدلل على هذا الاهتمام الخاص للكرامة بالوضع الاجتماعي للناس، والملاحظ أنها ارتبطت بالدين كما سلف ارتباطا وثيقا، فيشترط الرجل الصالح الطهارة للحفاظ على النعمة فانتفاء الطهارة يعني غياب الرزق وهنا الخطاب الكرامي يسهم في الإصلاح وتنبيه الأمة إلى دينها، فالغذاء مرتبط به، فإذا صلح دين الأمة صلحت حياتها الاجتماعية.

وكما أشرنا إلى اهتمامات الخطاب الكرامي بالمنافحة عن الأمة وانتقاد السلطة والالتفات إلى معاناة الناس المعنوية  والمادية فإنه يلتفت أيضا إلى معالجة أخلاق البعض الفاسدة وانحرافات الأفراد.

فالخطاب الكرامي خطاب لا يقبل العزلة، ولا يمكنه تقبل الفساد، فهو يستمد معانيه وشرعيته من الإسلام ومن معاني القرآن وتوجيهاته فلذلك يسارع بشكل فيه رمز وإيحاء للمشاركة في التربية والإرشاد والإصلاح ومنه ما روي عن أبي الحسن علي التجيبي أنه((...كان يوما يسير إلى باب البحر وبعض من خواص أصحابه معه، وإذا بشخص يتمايل سكرا فألقى يده إلى الشيخ وقال له: يا سيدي ادفع لي ما أتم به هذه السكرة، فانتهره الناس، فقال لهم: لا عليكم دعوه فتركوه فأخذ سرواله ودفعه إليه...فبعد ساعة وإذا بالرجل قد وصل تائبا منيبا...))[18]

وهكذا كان الخطاب الكرامي المغربي بحق نتاجا للواقع الاجتماعي ومتفاعلا معه، ساعيا إلى بناء مجتمع أفضل عن طريق المساهمة في السياسي والاجتماعي والأخلاقي وهذا عبر رؤية خاصة للأشياء وللواقع قدمت بأدوات متميزة مشرحة ذلك الواقع وكاشفة عن الهواجس الخفية في قالب حكائي مقتضب ومكثف.

الإحالات


- أبو بكر الكلابادي .التعرف لمذهب أهل التصوف ص: 79.[1]

[2]- القشيري .الرسالة القشيرية ص: 353.

[3]- أبن الزيات.التشوف إلى رجال التصوف .ص :54 ،55 ،58.

[4]- إبراهيم صحراوي .تحليل الخطاب الأدبي .ص : 18.

[5]- إبراهيم بوتشيش.تاريخ الغرب الإسلامي .ص : 106، 107.

[6]- محمد مفتاح.تحليل الخطاب الشعري.ص : 137.

[7]- الغبريني.عنوان الدراية.ص : 161.

[8]- القشيري .السابق.ص :356.

[9]- الغبريني. السابق.ص : 142.

[10]-نفسه.ص 151.

[11]- ابن الزيات.السابق.ص : 164.

[12]- إبراهيم بوتشيش.السابق .ص : 114، 115.

[13]- الغبريني. السابق.ص : 272.

[14]- ابن الزيات.السابق.ص : 131.

[15]- نفسه.ص 98.

[16]- الغبريني. السابق.ص : 81.

[17]- نفسه.ص 134.

[18]- نفسه.ص 152.