نظرية  محمد مفتاح في تحليل الخطاب الشعري وتطبيقهاpdf


  أ.  محمد بلقاسم          

 جامعة تلمسان  - الجزائر

 1/1   تعرفت الساحة الثقافية المغربية عن طريق المثاقفة النقدية والمعرفية، على كتابات ومناهج واتجاهات كثيرة في البنيوية والشكلانية والسيميائية، فقد تعرف المغاربة على أبحاث الشكلانيين الروس عن طريق الترجمات الفرنسية واطلعوا على أعمال وإنتاج: ياكبسون، وبارط، وتودوروف، وجيرار جنيت وكريستيفا وامبرطو ايكو، وجاك دريدا، وجيرار سيلفا، ودانيال شلوزر وتيري ميرس واوستين وسورل وبيرس، وتوشمسكي،ودي سوسير، وسيغريد شميث، وبيطيطو، وكوكوردا، ورونيه طوم ، وجان كوهين، ج مولينو وبول مودن، وهارتمان وميكائيل ريفاتير، وايرز وولف، وأج قريماس... وغيرها من الأعمال في مختلف البلدان، فالساحة النقدية المغربية عرفت تنوعًا في المعرفة النقدية من البنيوية إلى الانتروبولوجيا إلى السيميائيات ...  وغيرها من الأعمال التي عمقت التحليلات الأدبية وطعمتها بأبحاث وآليات إجرائية مع العلم أن التطبيقات البنيوية في النقد الأدبي المعاصر قد تجلت على  مستويات إجرائية مختلفة، ومن حيث الاهتمام بالبنية اللغوية الشكلانية  للنص الأدبي أو من حيث بعده الاجتماعي والتاريخي وطبيعته السيميائية مثلا فرغم إلتقاء هذه المستويات على الاعتناء بالبنية الداخلية للنص الأدبي فبعض الدارسين يميز بين المنهج الشكلي، الذي يعنى عناية بالغة بالبينة الشكلية للنص الأدبي، ويلغي جانب المضمون والدلالة، وبين  « المنهج البنيوي» الذي لا يفصل بين الشكل والمضمون ويهتم بهما معًا([1]).

          وقد أشار تودوروف إلى « أن فعالية منهجه تتجه بالأساس إلىالخطاب الأدبي وإلى طبيعة القوانين التي تحكم العلاقات الدقيقة بين بنيانه المتشابكة، أي إلى تلك الخاصية التجريدية التي تصنع تفرد العمل الأدبي وتكسبه«أدبيته» والتي هي موضع « الشعرية » عنده »([2]) ونجد  بارط يفرق ويميز بين « النقد الأدبي » الذي هو عملية تفسير مرتبطة بنص أدبي معين، من أجل تحليله واكتشاف معانيه العميقة، وبين « علم الأدب» الذي يبحث في القواعد والقوانين العامة للأدب باعتباره نوعًا مميزا من الخطاب، فالنقد منصب على التفسير والتأويل ويمكن أن يتخذ طابعًا أيديولوجيا، أما علم الأدب فيهتم بالخصائص النوعية المجردة التي تحقق للأدب أدبيته، وهو  وذو نزعة علمية عامة ([3])..ويمكن أن نميز في المقاربات البنيوية للعمل الأدبي بين أربع مستويات:

  1ـ الاهتمام بالجانب الأسلوبي والبلاغي ودراسة تحولات الخطاب الأدبي وتأثيراته الغنية والجمالية.

 2ـ الاعتماد على النظريات الحديثة في «اللسانيات» والاهتمام بتحليل البنية اللغوية للنص من حيث المعجم والتركيب والتوليفات الصوتية .

 3ـ الاعتناء برصد الأفكار المتكررة والقضايا الملحة على الظهور في الأثر  لتحديد «الموضوعات» أو «الجذور» التي ينبني عليها .

   النظر إلى النص على أنه شبكة من الرموز والعلامات التي تترابط فيما بينها ترابطا بنائيا خاصًا، ودراسة طبيعية تلك العلامات والرموز بقصد تحليلها تحليلا «سيميولوجيا» ومعرفة أبعادها النفسية والاجتماعية والثقافية على اعتبار أنها علامات تمثل كيانا قائما بذاته، وليست مجرد انعكاس أو وسيط دلالي([4]) .

 1/2   واستفاد النقاد المغاربة من النقد الغربي باتجاهاته في تحليل الأدب والإبداع،  

 وذلك إما عن طريق المثاقفة المباشرة بالقراءة مباشرة في لغتها الأصلية وبخاصة اللغة الفرنسية والإنجليزية والإسبانية ونوعا ما الألمانية أو عن طريق الترجمات المختلفة التي ظهرت في المغرب أو الوطن العربي([5]) وقد قامت عدة أبحاث للمقاربة البنيوية والسيميائية ويمكن اعتبارها انحيازا إلى الجانب العلمي والفني وربما في مقابلة التوجه الاجتماعي أو الجدلي والأيديولوجي باعتبار  أنه يصعب إرجاع كل شيء في الأدب إلى الأيديولوجية...

          ومن تلك الدراسات ما قام به إبراهيم الخطيب([6]) الذي دعا إلى بناء مفاهيم نقدية  جديدة حيث يقول: « اعتقد أن تنمية مفاهيم خاصة بالنقد الأدبي ـ تستمد بالطبع من النظرية العامة للأدب ـ وليس من سوسيولوجية أدبية متجاوزة أو من تأويل تاريخي مزعوم لتسلسل الأشكال ـ أمر حيوي »([7]) وهذا يدل عنده على الاهتمام بالأدب كبنية لغوية ذات نسق فني تتضمنه نظرية الأدب وأنواعه.

          ويرى الخطيب أن أزمة المنهج في النقد الأدبي أزمة ناتجة عن غياب النظرية الأدبية وعن انعدام الدقة في تحديد طبيعة الأدب، ورسم الحدود بين النقد الأدبي وبين الصراعات السياسية والاجتماعية من جهة وكيفية استفادة النقد من  الأبحاث الشكلية في الأدب من جهة أخرى ([8]) ويعتقد أن المطلوب من النقد أن يفهم البنية الكلية للعمل الأدبي وان يصل إلى النظام الذي  تتجسد فيه أجزاء النص كعلاقات، أما القراءات التي تتم في غياب هذه المبادئ فهي قراءات عشوائية لا تشكل نظاما نظريا ولا تفسر النص المدروس  تفسيرًا متكاملاً ([9])

 2/1  ويُعد كتاب محمد مفتاح « في سيمياء الشعر القديم » محاولة رائدة  في التحليل السيميائي، يوضح في التقديم أن محاولته هذه نظرية وتطبيقية،  وهي نظرية اختارها لدراسة قصيدة أبي البقاء الرندي « النونية» وذلك « لتحقيق نياتي، ولتطبيق نحَتْتُها مما ورد عند بعض النقاد العرب القدامى  ومن مبادئ ومما انتهيت إليه الدراسات الشعرية ـ السيميائية الآن فالمحاولة ـ إذن ـ  تدخل ضمن القراءة المتعددة» ، و« على الرغم من أن القراءة المتعددة محفوفة بالمخاطر والمزالق إذ تتطلب من  منجزها المشاركة في كثير من العلوم ([10])

 2/2  وهذه الدراسة تتألف من قسمين ، نظري، وتطبيقي، فقدم في القسم الأول منه معلومات نظرية عن المعايير التي استخدمها القدماء في تحليل الشعر، وعن بعض المفاهيم المعاصرة التي يمكن أن تقربنا من الحقيقة الفنية في النص الشعري وعن ذلك يقول : « وقادني اتجاهي هذا إلى استعراض جملة من الآراء لدارسين عرب خاصة بموسيقى الشعرأو الصورة الشعرية فبينت قصورها لأنها لم تأخذ في حسبانها كل مكونات الخطاب الشعري، كما ناقشت بعض الدراسات الأجنبية مبينّا ما تحتوي عليه من مبالغة في الاختزال»([11]) وفي القسم الثاني درس نونية أبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس مستعملا أولا مقاييس القدماء أو بعضهم، ومستعينا ثانيا ببعض المفاهيم التي استقاها من الأبحاث اللسانية والشعرية والسيميولوجية المعاصرة ويعتقد محمد مفتاح أن « استغلال ما يصبح... من آراء القدماء فيه وفاء للتاريخ وتوفير لجهود قد تبذل هدرًا  ومعاصرة محتوية للصالح من التراث ونبذ ما لا يصلح لقصوره الإجرائي أو حمولته الميتافيزيقية أو القدحية يجنبنا الوقوع في الخلل المنهجي » ويضيف « وحسبنا في هذه المحاولة الأولية أن نكون مستثمرين بعض ما ترك القدماء وما توصل إليه بعض المحدثين لصياغة  « تركيبةٍ » تعليمية بالدرجة الأولى »([12]).

 2/3   وقراءة الشعر القديم يحسن أن يقرأ بمقاييس عصره، لأن في ذلك موازاة وتوظيفا للآثار التي عاصرته ، سواء كانت شعرية أو تاريخية أو فقهية أو نقدية أو غيرها، فقراءة التراث، كما يرى مفتاح، هي من أنجع ما يؤدي إلى  الفهم التاريخي الحق ، ومن أحسن ما يجنبنا الإسقاط، فلا تفهم قصيدة  الرندى بحق إلا إذا وازنّاها بقصيدة ابن عبدون الرائية، وقصيدة ابن الأبّار السينية وغيرهما من القصائد التي سلكت نفس المنهج أو ما يشبهه...فالتراث يفسر بعضه بعضا ، وهو متعدد الأشكال والألوان »([13]) ولذا فقد عمد إلى استخلاص بعض المعايير النقدية من كتاب « منهاج البلغاء وسراج الأدباء » لحازم القرطاجني، وفي كتاب « الوافي في نظم القوافي » لأبي البقاء الرندي نفسه، وهي معايير متعلقة بما تعنيه بعض التسميات في الشعر القديم  مثل القصائد والمقطوعات  وغيرها ، بمقاصد القول من أغراض بسيطة أو مركبة، وبالتقسيمات الهيكلية ومتطلباتها مثل المطالع والمقدمات والانتقال من  موضوع إلى آخر في حسن تخلص، وكذا بشروط البناء: بناء القصيدة  ككل أو بناء البيت الشعري بما يتطلبه أيضًا من عناصر لغوية وبلاغية يذكر منها: المجاز،والتجنيس، والتناص،والتماثل، والترتيب،والغموض أو التعقيد، ويرجعهما كلها إلى مبدأين أساسيين:

   مبدأ التكرار ، سلَّم به معظم النقاد المحدثون وجعلوه جوهر الخطاب الشعري ويكون على مستوى الأصوات، وعلى مستوى الوزن والقافية وعلى مستوى التركيب النحوي، وفي المعنى، وإذا كان التكرار في  الخطاب العلمي، وفي أنواع الخطاب الأخرى يُعتبر حشوا لا قيمة له، فإنه في  الخطاب الشعري ليس كذلك، لأن الشعر عبارة عن إطناب معنوي ناتج عنه ويقصِدُ الشاعر إلى ذلك قصدًا ([14]).

   مبدأ الإيجاز: الذي تحدث عنه البلاغيون القدامى، وهو في ـ نظره ـ غير موجود في الشعر، لأنه ليس من خصائصه، ولكنّه متصور عليه في القسمة العقلية وإذ وجد في بعض الأمثلة التي استشهدوا بها عليه فغالبا ما يخطئون قائليها، ومعنى هذا انه خرق للعرف الشعري ([15]) ويؤكد مفتاح على «أن الشعر يقوم على التكرار وهو تكرار يحيل القصيدة أو المقطوعة إلى كلمة واحدة وفي ضوء هذا المبدأ العام سننجز تحليلنا([16]).

 3/1  وبعد تحليل هذه القصيدة وفق المعايير التي  رصدها يتبيّن له أنها تستجيب لها ، وتبعا لذلك فهي خاضعة لتقاليد الشعر العربي الجيد، وعند تحليله لهذه القصيدة ينطلق من مفاهيم بنيوية حديثة ومن اعتبار: أن القصيدة بنية تتكون من عناصر تؤلف بينها علاقات، وأن لكل عنصر من تلك العناصر خصوصية أو خصوصيات تميزه من غيره ، فإنه يجب فرز كل عنصر على حدة وتخصيصه بالوصف »([17]) والعناصر المكنوة والتي يجب البحث عنها  وعن علاقاتها هي في رأيه.

 1 ـ  المواد الصوتية:وهي عناصر صوتية منها تكرار الحروف ورمزيتها  ومنها التنغيم والنبر، والإيقاع والوزن والقافية، وغيرها .

 2ـ المعجم الخاص: وهي عناصر معجمية تتعلق بخصائص الألفاظ وأبعادها الدلالية الإيحائية .

   التركيب: وهو يتكون من عناصر لغوية كالتركيب النحوي والمعنوي والتركيب البلاغي.

   المقصدية: وهو عنصر هام لأن فيه تحدد اختيار الوزن والألفاظ الملائمة  وتركيبها بطرق معينة لتؤدي المعنى العام المتوخى ، فهي البوصلة التي توجه تلك العناصر وتجعلها تتضام وتتضافر وتتوجه إلى مقصد عام ([18])

       3/2وتحليل الخطاب الشعري عند ، محمد مفتاح، لا بد من استخلاص كل هذه العناصر وبحث العلاقات الموجودة بينهما، وإما البحث عن عنصر واحد      منها بمعزل عن باقي العناصر الأخرى فإنه يجعل النتائج  المتوصل إليها  متناقضة وجزئية وخاطئة... ولكن الدراسة الكلية إذا كانت أكثر جدوى من الدراسة الجزئية، فإنها محفوفة ـ أيضًا ـ بمخاطر الوقوع في الخطأ المنهاجي  والمعرفي ([19]) وعلى ضوء هذا المنظور يقسم القصيدة إلى بنيتين مزدوجتين: بنية الدهر في مواجهة الإنسان وتقوم على التناقض والتضاد، وبنية الدهر مع الإنسان في مواجهة الإنسان، وتمثل مأساة سقوط الأندلس، ولكن  يستخلص كل بنية على حدة ليكون البنية العامة فقد تتبع العناصر التي ذكرها، في كل بيت او في مقطع مستعينا بمصطلحات بنيوية وسيميائية مثل التركيب المعجمي والنحوي ومثل التناص ومثل المعنى والدلالة وغيرها، ورغم اهتمامه الكبير بالبنية الداخلية للنص وإيجاد العناصر التي تكونها، ويبحث شبكة العلاقات التي تجمعها فهو يعتبر أن النص غير منغلق على نفسه، وان معرفة حقيقته الشاملة  لا تكتمل إلا بمعرفة « سياقه العام » وأبعاده الاجتماعية والثقافية وربطه بالنصوص التي يتداخل معها، ومن هنا تأتى عنده أهمية مفهوم «المقصدية» التي تتحكم في تحديد طبيعة بنية القصيدة وعناصرها التركيبية والبلاغية  وأهمية مصطلح « التداولية» التي ترى  بان الحديث يقصد به « تعبير وضع المتلقي وتغيير نظام معتقداته أو تغيير موقفه السلوكي »([20])

 3/3    والملاحظ أن الناقد محمد مفتاح لم يصرح بأنه يشتغل بالبنيوية التكوينية، وانه بعيد عن فلسفة هذا المنهج، إلا أن من خلال « مقصديته» وبإدماج النص في  سياقه العام لا يبقى بنيويا فقط ولكنه يخرج إلى شيء من التكوينية ولو من خلال نظرة مباشرة أو تفسيرية علائقية منطقية وهذا التراوح بين الاهتمام حينا بالبنية الشكلية،وحينا بالدلالة والقصد جعله غير مستقر لا في البنيوية، ولا في الاجتماعية ولا في منهج قديم ولا في منهج معين حديث.فهو مرة يعمق التحليل ويهتم بمختلف المستويات، ومرة يكتفي بنثر البيت أو الأبيات التي تكوّن مقطعا أو تتضمن معنى أو موقفًا، ثم إن الكثير من مصطلحاته لا تزال غامضة رغم محاولة تقديمها، كما أنها تبدو عائمة وغريبة، وقد يصعب تنسيبها أو موضعتها،زد على ذلك لم ينته إلى نتيجة أصيلة متولدة عن قوة التحليل وعن فعالية المفاهيم التي وظفها، وإنما سقط في نفس التفسير أو التبرير الغيبي الذي تقدمه القصيدة لسقوط الأندلس، والراجع إلى عامل الزمان أو دوران الأيام أو سوء الحظ أو غير ذلك مما لا يستقيم كفهم علمي للأحداث وللتاريخ، ولا شك أن القصيدة التي جاءت موافقة لتقاليد الشعر العربي الجيد والتي توصل الشاعر في بنائها بكل تلك الوسائل الصوتية والتركيبية والبلاغية حتى كانت مؤثرة ومأساوية، لا شك أنها تتضمن طاقة تعبيرية كامنة وزاخرة ورؤية عميقة ودالة، فهي إذن بحاجة إلى منهج أنجع وأقوى  يفجر إمكاناتها وطاقاتها ويبرز كل أبعادها ودلالاتها .

 4/1    وعلى الرغم من أن محمد مفتاح بذل كل ما في وسعه من اجل ذلك فاستعان بمقولات القدامى والمحدثين العرب وبالدراسات الغريبة وبوسائل إجرائية  هامة من رسومات وخطاطات وتشجير هندسي لتقريب مقصده من التحليل الذي واجه فيه بعض الصعوبات التي يقول عنها « فقد واجهتني صعوباتٌ مختلفة عند صياغة كل فقرة من هذا البحث فحاولت تذليلها ما استطعت وقد احتاص كثير منها، ولكن الشعور بنقط الضعف والرّغبة في التعلم والدأب على البحث كفيلة بأن تذلل ما صعب وتقوِّم ما اعوجّ »([21]) .

 ومحاولة محمد مفتاح متعددة القراءة كما صرح في التقديم، وهي شعرية الاتجاه كما أكد في الخلاصة قائلا:«إن محاولتنا تدخل ضمن نظرية الشعرية التي لها مسلماتها وفروضها ونظرياتها كما نجد عند «ياكبسون»، و«لوتمان» و«جان كوهين»... ومع اختلافهم، فإنهم يشتركون جميعًا في محاولتهم صياغة مبادئ عامة للشعر وقد اتجهت محاولتنا هذه إلى اخذ الراجح من مبادئ تلك النظريات، وصياغته في بناءعام، وقد التجأنا، أحيانا إلى التحليل السيميائي متممين به النظرية الشعرية إذا وجدنا في بعض الأبيات عناصر سردية »([22]).

 4/2   وحاول الناقد  محمد مفتاح تعميق «منهجه» فيما بعد من خلال التوفيق بين عدة مفاهيم نقدية مقتبسة من اتجاهات لسانية وسيميائية رغم ما تتضمنه العملية من «مشاق ومخاطر ومزالق» وهو مقتنع بأن «الانتقائية» مفيدة  في بناء المنهج الناجح ما دامت كل مدرسة تتضمن مبادئ جزئية  ونسبية إذا أضاءت جوانب بقيت أخرى مظلمة»([23])  وهو لا يذكر إلا أسماء علماء غربيين معينة ومختارة ومن نظريات لسانية صنفها في مجموعات تنضوي تحتها فروع، وهي في اعتقاده تصنف في تيارات منها.

   التيار التداولي: الذي يتفرع إلى شعبتين كبيرتين.

 أ ـ  النظرية الذاتية اللغوية، وقد وضعها الفيلسوف «هوريس»

 ب ـ نظرية الأفعال الكلامية والتي أسسها فلاسفة أكسفورد وأبرز ممثلها «اوستين» و«سورل» و«كرايس».

 2 ـ التيار السيميوطيقي«السيميائي» واهم ممثلة «قريماص» ومدرسته وقد استقى نظريته من مصادر معرفية متعددة انتروبولوجية ـ لسانية ـ منطقية  ولهذا التيار مواقف من تحليل الخطاب الشعري  تجلت في مؤلفات  ومعجم قريماص وكوتس.

 3ـ التيارالشعري: المساهمون فيه: ياكبسون، وجان كوهين،ج مولينيو، وج طامين.  

 4/3وبعد استعراضه لهذه التيارات وما قامت به ومفاهيمها ومقولاتها، فإن محمد مفتاح يقول: «تبيّن لنا من هذا الجرد السريع أن هناك تيارات لسانية  متعددة لها موقف من دراسة الخطاب الشعري وكل منها مشروط بتجربة الباحث الثقافية والتاريخية والحضارية «فسورل وقريماص» اتفقا على أن الأدب ومنه الشعر ليس له قوانين خاصة، فأبعد سورل الأدب من  مجال اهتمامه، وجعل «قريماص» البحث عن الأدبية آخر المطاف  واتفق « مولينو» و«ج طامين» و« ريفاتير» على أن اللسانيات لن تصل بعد إلى قوانين عامة شاملة، وحتى إذا أنجزتها فإن إلصاقها بالشعر ليس ملائما »([24]).

           ويستنتج بعد هذا أنه لا بد من محاولة تركيب بعد التغلب على تلك الاختلافات وذلك « أي نتمكن من فرز العناصر النظرية الصالحة لاستثمارها في إطار بناء منسجم إذا تعرفنا على تلك الخلفية وأهم عناصرها .

 *  اللغة محايدة بريئة شفافة...  /اللغة مخادعة مضللة تُظهِرُ غير ما تخفي

     ( تشومسكي ،  كرايس ...)      (بارط وأضرابه)

 *  اللغة تصف الواقع وتعكسه     /اللغة تخلق واقعا جديدا

     ( الوضعيون، الماركسيون)       (الجشطالتيون ، والشعراء ...)

 * الذات المتكلمة هي العلة الأولى والخيرة في إصدار الخطاب /  الهيئة المتلقية لها دور كبير في ايجاد الخطاب وتكوينه.

     ( سورل  ـ نظرية المقصدية )   ( نظرية التفاعل )

 *  الثنائية الضيقة  /  الثنائية الموسعة

      ( المناطقة والعلماء)  ( الاحتماليون )

 وبعد إبراز هذه الثنائيات المتضادة ، يصرح مفتاح بان هذه المحاور الثنائية هي  التي جعلت المعسكرين متقابلين، ولكن اتجاهات البحث المعاصر تنحو نحو  تحطيم الثنائية المانوية الحادة، وصوب فسح المجال أمام تعايش عدة عناصر وقد سرنا نحن في هذه الوجهة فاستغللنا عناصر من النظريات اللغوية الوضعية والذاتية ووقفنا بين الذاتية والمجتمعية([25]) ويعتقد أن هذه النظرية المركبة او الكلية الجامعية بين اللسانيات الوضعية والذاتية  المستغلة لكل معطيات النص، قربت خطوات في سبيل إدراك خصوصيات النص الأدبي، وهي تراكم الأصوات، واللعب بالكلمات، وتشاكل التركيب، ودورية المعنى وكثافته وخرق الواقع على أن هذه الخصوصيات احتمالية  تتحقق بحسب المقصدية الاجتماعية، وهي المحور العمودي للنص ([26]).

 5/1    وحاول الوقوف على كل هذا في تطبيق تلك المفاهيم على قصيدة ابن عبدون الرائية في رثاء الأندلس، ويحلل مفتاح، هذه القصيدة تحليلا لسانيا ويجرب المربع السيميائي لقريماص، على عدة أبيات إلى متضادات كثيرة في القصيدة . تتراوح بين «بنية التوتر ( الدهرالغرار) و«بنية الاستسلام»( الدهرالعادل ـ الدهر الحائر العادل » وبنية الرجاء والرهبة ( الدهرالعادل الجائر) وتطبعها «الغنائية» و«الملحمية» و« المأساوية كما تربط بين أنسجتها «ذاتية اللغة» و«نزعة السرد القائمة على الصراع» وكل ذلك يقصد التعبير عن اتخاذ البشرية الجدال بالسيوف والدفع بالرّماح قانونا بدلا من الدفع بالتي هي أحسن ومخالفة الطبيعة البشرية لسنن الكون هذه جعلت الشاعر يذم الدهر ولكنّه في نفس الوقت يمدحه لأنه هو  المقتص للمظلومين من الظالمين ». وهي في الحقيقة نتيجة شبيهة بما توصل إليه تحليل قصيدة « الرندي»([27]) بعد كل هذا الجهد الكبير، الذي بذل في طرح التصور المنهجي، وفي محاولة تطبيقه، وهو تصور يصر الناقد محمد مفتاح على أنه « منهاجية  ملائمة شاملة وفروضا تأويلية وجيهة » وأن بناءها يتم في نظره بالتوجه صوب « اللسانيات »،« والسيميوطيقيات » وما تفرع عنهما من دراسات([28]) إلا انه بعد أن يستعرض بعض مواقف هذين المجالين من خصوصية الخطاب الشعري يعبّر عن قناعته «بضرورة التحاور» معهما وتكييف مبادئها لاستخلاص مبادئ كلية أو متعالية (المقصدية والتفاعل، والفضاء والزمان، مثلا ) ملائمة لدراسة الخطاب الشعري ([29]) ويرى أن كل نظرية في العلوم الإنسانية والأدبية هي تلفيق بمعنى ما، لكنّه هو يميل إلى «السيميوطيقيات» لأنها في اعتقاده، الأكثر مناسبة من غيرها لتحليل الخطاب ومنه الخطاب الشعري بعد أن يزاد «تلفيقها» وتطويرها واغناؤها وتشذيبها([30]) وهذا التلفيق والتطوير هو ما درج عليه محمد مفتاح في بنيويته وسيميائيته…

       الإحالات


[1]( انظر صلاح فضل : نظرية البنائية في النقد الأدبي، القاهرة 1980 ص:202-203.

[2])Tzvetan Todorov ; qu’est- ce que le structuralisme ? poétique 2 , ed :  du seuil ,p :19-20.

[3]) انظر 19-20. .R.Baches  critique et vérité ,coll- tel-quel , ed du seuil ,paris ,p .

[4]) انظر المعجم الموسوعي لعلوم اللغة ص:131 وما بعدها.

‘) Oswald  Ducrot et Tzvetan Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage , ed du seuil paris 1979 ,p :131 et suite.

[5]) مثل: اعمال صلاح فضل عبد السلام المسدى، كمال ابو ديب، زكريا إبراهيم يمنى العيد، إبراهيم الخطيب

[6]) ترجم: نظرية المنهج الشكلي ( نصوص الشكلانيين الروس ) وكتاب النقد والحقيقة لرولان بارط

[7]) ابراهيم الخطيب: تركة الماضي وشرعية التساؤل (حوار)الثقافة الجديدة (مجلة مغربية)عدد9-1979 ص:34-35

[8]) إبراهيم الخطيب: عناصر لفهم أزمتنا النقدية ـ الثقافة الجديدة عدد12 –1979 ص:46.

[9]) السابق ، ص:147

[10]) محمد مفتاح : في سيمياء الشعر القديم، دار الثقافة ن الدار البيضاء ،1982 ص:5.

[11]) نفسه ، ص:5

[12]) نفسه ، ص:21.

[13]) السابق ، ص:21-22.

[14]) محمد مفتاح: في سيمياء الشعر القديم : ص:26-27 مع الإشارة في الهامش إلى أن الرأي نجده عند كل من : ياكبسون، ولوتمان ، وكريستيفا، وكوهن... دون تحديد لأقوالهم أو كتبهم .

[15]) السابق ، ص:27

[16]) نفسه ، ص:27

[17]) نفسه ، ص:28.

[18]) محمد مفتاح : في سيمياء الشعر القديم : انظر الصفحات من 28 إلى 53.

[19]) نفسه ، ص:58.

[20]) نفسه ، ص:55 ويحيل على كتاب.

Catherine Kerbart orchioni ; énonciation de la subjectivité dans le langage – Armand colin ,paris1980 ;p :181

[21]( محمد مفتاح في سيمياء الشعر القديم ، ص:5.

[22]) نفسه ، ص:58.

[23])محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)المركز الثقافي العربي، بيروت، ط3،1992 ص:7.

[24]) تحليل الخطاب ، ص:14.

[25]) السابق ، ص:15.

[26]) نفسه ، ص:16 وانظر ص:169.

[27]) محمد مفتاح : تحليل الخطاب الشعري : ص:342.

[28]) محمد مفتاح : المنهاجية بين خصوصيتي علم الموضوع والثقافة القومية ـ ضمن كتاب قضايا المنهج في اللغة والأدب ( مجموعة عروض ) ط. دار توبقال ، الدار البيضاء 1987 ص:5-6

[29]) نفسه ، ص:15-17

[30]) السابق ، ص:15