سمات نثـر الشاعـر أبي مروان الجزيري الأندلسيpdf

 

 أ.فورار أمحمد بن لخضر           

جامعةمحمد خيضر بسكرة- الجزائر

الملخص :

                تصدر المنصور بن أبي عامر ريادة مجالس الأدب في الأندلس في بلاطه، وفرسانها وزراؤه، ومنهم الوزير الكاتب الجزيري، الذي عرّفنا بعصره وسيرته الذاتية، وآثرنا دراسة نثره دون شعره، وأفضت هذه الدراسة إلى أهم السمات، وهي: جدة فن الرسائل الوصفية، والمفاضلة بين أكثر من زهرة، والتنوع بين النثر والشعر مع مراعاة التركيز والإيجاز وبأسلوب سهل وواضح، ومقياس الجودة يكمن في الارتجال غالبا. بهذا نال الجزيري سبق التأسيس لفن الرسائل الوصفية بخاصة،  في نهاية القرن الرابع الهجري، وساهم في استقلال النثر الفني الأندلسي عن التقاليد المشرقية، شكلا ومضمونا، إلى حد كبيـر.

   Résumé :

AL MANSOUR IBN ABI AMEUR était le doyen des cercles des lettres andalouses. Durant la fin du 4e siècles hidjri.

Parmi les célèbres et les ministres de son époque; on trouve ALJAZIRI le ministre et écrivain, que nous avant déterminé son autobiographie. Nous avons privilégie sa prose, sans la poésie. Et c’est ainsi que l’étude a bien donné des caractères suivant:

Les lettres descriptives, la comparaison, la diversité entre prose et poésie avec une concentration et un style facile et claire, ainsi que la critère de qualité sur l’improvisation.

Avec quoi ALJAZIRI fondait l’art des lettres descriptives, et contribuait largement dans l’autonomie de la prose artistique andalouse en vus les traditions orientales en styles et contenus.

مقدمة تاريخية موجزة :

         يتناول هدا البحث سمات نثر الشاعر أبي مروان الجزيري الأندلسي (ـ394هـ)، وقبل الحديث عنها نعرف بإيجاز بعصر الشاعر فترجمة له وعلاقته بحكام عصره.

         عاش أبو مروان الجزيري في القرن الرابع الهجري[1]، الذي يعد أزهى قرون الحكم العربي في الأندلس وأقواها على الإطلاق، وقد بدأ بتولي عبـد الرحمـن الناصر لدين الله الحكم سنة(300هـ-350هـ)، وهو أول خليفة أندلسي يتلقب بهذا اللقب الخطير لوجود خليفـة المسلمين في المشـرق، وقد أعلن نفسه خليفة سنة 316هـ. من أهم منشآته العمرانية بناؤه لمدينة الزهراء.

         تولى الحكم بن الناصر بعد أبيه الخلافة، وتلقب بالمستنصر بالله، وقد سار على نهج أبيه في توطيد أركان الحكم، وما يؤثر عنه أنه كان محبا للعلم وأهله، فازدهرت الحياة العلمية في عصره أيما ازدهار، إذ أسس المدارس وأسبغ العطاء على العلماء في مختلف العلوم وأنشأ مكتبة ضخمة جمع فيها نفائس من كل حدب وصـوب، ونفقـت في عهده سوق الآداب.

         يخلف هشام المؤيد بالله أباه بعد وفاته سنة 366هـ-399هـ، وهـو لم يـزل بعـد في سن الصبا، وكان المتغلب على الأمور محمد بن أبي عامر[2]، الفتى الطموح الذكي الداهيـة الـذي وفـد من أعمال الجزيرة الخضراء، (( ورد شابا إلى قرطبة فطلب العلم والأدب وسمع الحديث، وتميز في ذلك، وكانت له همة يحدث بها نفسه بإدراك معالي الأمور))[3].

         ترقى محمـد بن أي عامر في مناصب عدة في عهد الخليفة الحكم، وبعد وفاته استطاع التقـرب من السيدة صبح أم الخليفـة الصبي هشام، واستمالها وارتقى أعلى المناصـب في الدولة حتى أصبـح منافسا للحاجب المصحفي[4]، ثم نكل به، وزج به في السجن الذي قضى فيه زهاء خمس سنوات إلى أن أدركه الموت في المطبق بالزهراء سنة 372هـ، ويقال:((إنه دس له شربة سم قضت عليه))[5].

         بذلك تخلص محمد بن أبي عامر بمساعدة السيدة صبح من أشد منافس له قـوة وبأسا، ومحنة المصحفي وسجنه برز للمرة الأولى ذكر الجزيري كما سنرى.

         ثم تفـرغ لكافة منافسيه حتى أزالهم، يقول ابن الخطيب:((ولم يبق يدا يحذر بطشها إلا شلها، ولا عينا بريبة نظرُها إلا فقأها... قال بعض من تعنَّى بأخباره: كان آية من آيات الله فطرة دهاء ومكر سياسة، عدا بالمصاحفة على الصقالبة حتى قتلهم، ثم عدا بغالب على المصاحفة حتى قتلهم، ثم بجعفر بن الأندلسي على غالب حتى استراح منه، ثم عدا بنفسه على جعفر حتى أهلكه، ثم انفرد بنفسه))[6].

         انفرد ابن أبي عامر بالسلطة، استقر في مدينته الزاهرة سنة370هـ، وتسمي بالحاجب المنصور لدين الله، وقام بشؤون الدولة كلها، وظلت الدولة منيعة في عهده لشدة هيبتـه وكثرة غزواتـه التي فاقت الخمسين وانتصـر في جميعها، إلا أنه لم يجرد هشاما رمز الأمويين من الخلافـة الشرعيـة، بل أوصى ابنه عبد الملك المظفر بسلوك نفس السبيل بعد وفاته التي كانت زامنت  غزوته الأٍخيرة في مدينة سالم سنة392هـ، لكن ابنه عبد الرحمن شنجول خالف الوصية، واستأثر بالخلافة، فأشعل بذلك نار الفتنة، ولقي مصرعه سنة399هـ[7].

         ورغم استبداد المنصور وانفراده بالحكم، إلا أنه رعى الحركة العلمية والأدبيـة، فكثر الشعـراء والأدباء في دولته، أما الشعراء فإنه كان لهم((في أيام المنصور أبي عامر ديوان يرزقون منه على حسب مراتبهم))[8]، ويصحبهم معه في غزواته لتسجيل ما يحققـه من انتصارات[9].

         وأما العلماء والأدباء فإن للمنصور مجلسا يعقد كل أسبوع في قصره بالزاهرة يجتمعون فيه للمناظرة بحضرته متى كان مقيما بقرطبة[10]، ومدارسة مسائل اللغة والأدب، وبحث نثره ونقد شعره[11]، والزهراء والزاهرة كانتا قرطي قرطبة التي كانت إليها الحلة في الرواية والعلم[12]، ومع العقـد الأخير من القرن الرابع الهجري توفي شاعرنا وأديبنا أبي مروان عبد الملك الجزيري.

حياة أبي مروان عبد الملك الجزيري:

1 – اسمـه ونسبه:

         أجمع المترجمون لأبي مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري الخولاني الأزدي على نسبته إلى الجزيرة الخضراء في الأندلس، فهذا ابن الأثير يقول:( هذه النسبة إلى الجزيرة الخضراء بالأندلس ينسب إليـها الوزيـر أبو مروان عبد الملك بن إدريس المعروف بابن الجزيري))[13].

         أما نسبـة الخولاني فقد ذكرها ابن خاقان في المطمح[14] بنسبة الجزيري إلى بني خولان، وعنه نقل المقري في النفح[15] و((خولان بن عمر و بطن من كهلان من القحطانبة، وهم بنو خولان بن عمرو ابن مالك بن الحارث بن مرة بن  ابن زيد بن يشجثب بن عضريب بن زيد بن كهلان بن سبأ))[16].

وكذلك نسبه ابن بشكوال[17] إلى الأزد.

         والأزد : قبيلـة من أشهـر قبائل العـرب وأعظمـها تنسـب إلى الأزد بن الغـوث بن مالك بن كهـلان من القحطانية[18].

         وترد شهرته في المصادر الأندلسية والمشرقية التي ترجمت له أو وثقت شيئا من شعره بصيغتين؛ الجزيري وابن الجزيري، والصيغة الأولى هي الغالبة، فابن الأبار والمقـري وابن سعيد، يذكرونه بصيغة أبي مروان الجزيري[19].

         ويذكـره المراكشي، ومرة أخرى ابن سعيد بأبي مـروان عبد الملك بن إدريس الجزيـري، وهي أهم الصيغ[20]، كما يذكره ابن بسام بالصيغتين معا ففي الأولى ينعته باسم أبي مروان الجزيري[21]، وعبد الملك الجزيري[22]، والجزيـري[23]، وفي الثانية ينعتـه بأبي مروان بن الجزيـري[24]، وابن الجزيري[25]، إلا أن ما يؤكد كونه الجزيري لا ابن الجزيري أنه حينما ذكـر خبر مقتلـه وشيئا من شعره ونثـره عنون لـه باسم أبي مروان الجزيري[26].

         ولعـل ابن الجزيري المقصود به ابنه عبد العزيز بن عبد الملك المعـروف بابن الجزيـري، كاتب وأديب، روى عن أبيه قصيدته في الآداب والسنة[27].

         يتضح-مما تقدم- أن بعض المترجمين وبخاصة المشارقة لم يفرقوا بين الابن والأب، ولا يعتقد أن يتخذا لقبا واحدا، وأكثر المترجمين له بالأندلس يذكرونه بالجزيـري من دون ابن، ولذلك كله يرجـح أن يكون اسمـه هو أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري.

2 - مـولده ونشأته :

         لم تذكر المصادر التي ترجمت لعبد الملك الجزيري سنة ولادته، وذكرت أن مقتله كان سنة394هـ، فبسنة وفاته يمكن تقريب الأمر قليلا بالاعتماد على قصيدته الرائية التي نظمها في سجن المنصور أبي عامر، وذكر فيها أنه فقد الشباب وطار غرابه فشاب[28]:

فقد شاب همًّا في اقتبال شبابه          إن كنت شبتُ مع الشباب المدير

         إن أول ظهـور الشاعر الكاتب أبي مروان الجزيري كان في بداية عهد الحاجب المنصـور الذي استولى على الحكم، وتخلص على منافسه الحاجب المصحفي -كما تقدم- فطلب منه أن يرد على أبيات استعطفه بها الحاجب المصحفي في سجنه، ولم تلق قبولا لديه، فلا بد أن الشاعر الكاتب كان في سنٍّ تؤهله لذلك، ويشير جامع شعـره بأنه لم يجد له ذكرا في عهد الحكم المستنصر بالله (350هــ360هـ)[29]، ومن ذلك يمكن التكهن بأنه ولد في أواخر النصف الأول من القرن الأول الهجري ولعله في أثناء العقد الرابع أو الخامس منه.

         وأما مكان مولــده فإنه يرجح من نسبته ((الجزيـري)) إلى الجزيرة الخضـراء التي نسـب إليـها عند كل المترجمين له، وحينما انتقل منها إلى قرطبة لقب بالجزيري تذكـيرا بأصلـه، وما يوضـح ذلك أن ابن سعيد خصه في كتابه في قسم ((الحلة الحمراء في حلى الجزيرة الخضراء))[30].

         لا نعـرف شيئا عن نشأة الجزيري، طفولته وشبابه وتعليمه وعلمه، إلى أن أصبح مؤهلا ليكـون بمثـل هذا القدر من العلم والأدب ويتبوأ منصب كبير الكتاب لدى الجاجب المنصور بن أبي عامر، وصاحب ديـوان إنشاء في أيامه، ومن ثم وزيره ولابنه عبد الملك المظفر بعد أبيه[31]، ويشير بعض من ترجمـوا له بأنـه((وزيـر من وزراء الدولة العامرية، وكاتب من كتابها))(32) ووصفه إحسان عباس في ترجمته له بأنه ((من أبلغ كتاب الأندلس في دولة المنصور بن أبي عامر))(33)، فلا بد أنه نهل من العلـم الكثير إلى أن بلغ المرتبـة العلميـة التي وصفه الحميدي بها، وبالعلم حظي لـدى المنصـور بالوزارة والكتابـة على عادة حكام الأندلس .

         أغفل المترجمون له حياته الأولى، وأشاروا إلى أنه ((سكن قرطبة)) (34) أو أنـه ((نزيـل قرطبة))(35)، وخصه الزركلي بأنه ((من أهل قرطبة))، ولا عجب في انتقاله إلى قرطبة، لأنها كانت مقصد العلماء والأدباء والشعراء، وعاصمة الخلافة التي تستأثر بالطامحين في السلطة، وابن أبي عامر خير دليل على ذلك في هذه الفترة التي نتحدث عنها ، فصادف الحافزان رغبة الجزيري، فشد رحاله إليها واستقر فيها.

         لم يشر المترجمون للجزيري متى سكن قرطبة، ولكننا يمكن أن نستنتج – مما تقدم – أنه انتقـل إليها بعـد أن اكتسب القدرة المعرفية والعلمية، ونبغ في قول الشعر، وامتلك أدوات الكتابة النثرية، وبهذه المؤهلات استطـاع أن يتقرب من المنصور بن أبي عامر ويتبوأ مناصب عدة لديه وابنـه المظفر من بعده .

3 – الجزيري في عهد الحاجب المنصور:

         ترتبـط محنة الحاجب المصحفي –السالف الذكر– بأول ظهور الجزيري مع الحاجب المنصور بن أبي عامر، فقد استعطف المصحفي السجين الحاجب المنصور في مقطوعته الشعرية يبدي فيها الإذعان والندم مستغلا المثل القائل العفو عند المقدرة، وهو ما كان العرب يعتزون به، محاولا في نفس الوقت إثارة شفقته على شيخوختـه، يقـول 36:

هبـني أسأتُ أيـن العفـو و الكـرمُ         إذ  قـادني الإذعـان و النـدمُ

يا خيرَ من مُـدَّت الأيـدي إليه أمـا           ترثي لشيخ نعاه عنـدك القلـم

بالغتَ في السُّخط فاصفح صفح مقتدر        إن الملوك إذا ما استُرحموا رحِموا

فما كان من الحاجب المنصور إلا أن ((أمر عبد الملك بن إدريس أن يجاوبه عن هذه الأبيات، فقال:

الآن يا جاهـلا زلَّت بـك القـدم              تبغي التكـرُّم لما فاتـك الكرمُ

أغريـتَ بي ملِكا لـولا تكـرُّمـه            ما جاز لي عنده  نطق ولا كَلم

فايأس من العيش إذ صرت في طبـق         إن الملوك إذا ما استُنقموا نقموا

نفسي إذا سخطتْ ليست براضيـة     ولو تشفع فيك العُرْب والعجم))37.

وقد صدمه بهذا القرار النهائي بما يؤكد اليأس والاستسلام الأبدي، ويعلق النوشي على هذه الحادثة بقولـه: ((ويبدو أن المنصور كان مصمما على أن يبلغ بمأساة الوزير غايتها، فاصم أذنيه عنـه، ورد عليه بشعـر أنشأه عبد الملك الجزيري (ت سنة 394هـ) فيه كل معاني التيئيس والقسوة والتشفي)) 38.

هذا الرد على الحاجب المصحفي من قبل الجزيري دفعه إلى البروز في عالم الأدب والسياسة –زمن المنصور بن أبي عامر– ويلفت الأنظار نحوه في المناسبات التي يحضـرها، من ذلك مـا أورده ابن بسام عنه، يقول: ((ودخل يوما صاعد 39 على المنصور في يوم مطير وعليه ثياب جدد وخفٌّ طريّ، فمشى على حاشية الصهريج لازدحام مَنْ حضر فزلق وسقط في الماء، فضحك المنصور وأمر بإخراجه، وكاد البـرد يأتي عليـه، فلما نظر إليه أمر بخلع ثياب له، وأدنى مجلسه ثم قال له: يا أبا العلاء: هل قلت في سقطتك شيئا، فاطرق ثم قال:

شيئان كان في الزمان غريبة          ضرط ابن وهْب ثم زلقة صاعد

فاستبرد ما أتى به، وكان أبو مروان الجزيري حاضرا، فقال له يا أبا العـلاء: هلا قلت:

سروري بغرتـك المشرقـهْ          وديمـة راحتـك المغدقـهْ

ثناني نشـوان حتى هـويـ          ـتُ في  لجة البركة المطبقه

لئن ظل عبدك فيها الغريـق          فجودك من قبل ذا أغرقـه

فقال له المنصور: لله درك يا أبا مروان، قسناك بأهل العراق ففضلتهم فبمن تقاس بعد، فانهض الجزيري للشرطة)) 40.

لقد حظي الجزيري بمنصب رئيس الشرطة، وهو منصب سياسي سامي، ومن ثم ارتقى في المناصب السياسية والديوانية حتى تقلد (( ديوان الإنشاء))41، ويشير ابن خاقان إلى ذلـك : ((تولى التحبير أيام المنصور والإنشاء، وأشعر بدولته الأفراح والانتشاء، ولبس العزة مدتها، ضافية البرود، وورد بها النعمة صافية الـورود، وامتطى عن جياد التوجيه أعتق من لاحِق والوجيه، وتمادى طَلَقه، ولا أحد يلحقه)) 42.

وقـد أشار الحميدي أنه وزير من وزراء الدولة العامرية، ويؤكـد المراكشي ذلك بقولـه عن المنصـور: (( استوزر جماعة... منهم: الوزير الكاتب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الجزيري))43، ويضعه المقـري من وزراء المنصور المشهورين، يقول: وممن كان في أيام المنصور من الوزراء المشهوريـن الوزيـر الكاتـب أبو مروان عبد الملك بن إدريس الخولاني ))44.

تمـيز الجزيري بالبداهـة واللباقة والظرف ما مكنه حتى أصبح من المقربيـن من الحاجـب المنصـور، بل ومن ندمائه، فهذا ابن خاقان يصوره في مجلس المنصور مع أدباء وعلماء وغلمان، يقـول: ((ودخـل ليلـة على المنصور، والمنصور قد اتكأ وارتفق، وحكى بمجلسه ذلك الأفق، والدنيا بمجلسه ذلك مسوقه، وأحاديث الأماني به منسوقـه، فأمره بالنزول فنزل في جملة من الأصحاب، والقمـر يظهـر ويحتجب في السحاب، والأفق يبدو به أغرَّ ثم يعود مبهما، والليل يتراءى منه أشقر ثم يعود أدهما، وأبو مـروان قد انتشى، وجال في ميدان الأندلس ومشى، وبُرد خاطره قد دبجه السرور ووشى، فأقلقه ذلك المغيب والالتياح، وأنطقه ذلك السرور والارتياح، فقال:

أرى بدر السماء يلوح حينا            فيبدو ثم يلتحف  السـحابا

وذلـك أنـه  لما تبـدى             وأبصر وجهك استحيا فغابا

مقال  لو نمى  عندي إليـه              لراجعني بذا حقا وجـوابا )) 45 .

ويبلغ هذا الخبر مسامع ابن سعيد فيصرح بشرب الجزيري، يقول:((وشرب ليلـة مع المنصـور فكـان ما أوجب أن ارتجل)) 46.كما كان الحاجب المنصور يصحب الجزيري فيمن يصحب من قـواد ووزراء وأدباء وشعـراء، وقد ذكره ابن الخطيب ضمن هذه الطائفـة، ((الوزير عبد الملك بن إدريس الجزيري))47، وذلك ليسجلوا مآثر المنصور ومفاخره، وللجزيري شعر يمدحه فيه في حله وترحاله، و نثر في وصف بعض جوانب الطبيعة الطبيعية والاصطناعية، ورسائل مختلفة الموضوعات -وما وصلنا منها إلا القليل.

4 - سجـن الجزيري:

لا تقـل مأساة أبي مروان عبد الملك الجزيري في سجنه عن مأساة المصحفي،فكلاهـما سقـط من القمة إلى الحضيض.

وقـد سجن الجزيري مرتين أولاهما في عهد المنصور، والثانية في عهد ابنه عبد الملك الظفر، ولقي حتفه في السجن كما حدث للمصحفي من قبل كما سنرى.

أما سبب سجن الجزيري الأول فهو اغتراره بنفسه وظنه انه صار يحتل المكانـة الرفيعـة، وأن المنصور لا يستطيع الاستغناء عنه، وهذا إذا نظرنا إلى الفترة الزمنية التي فضاها في كنفه، والتي تزيد عن العقدين، إذ صار مقربا عنده ومنادما له، وغدا كاتبه الأول ورئيس ديوان الإنشاء لديه، فقد عتب عليه المنصور إلى درجـة الغضب، وسخط عليه ثم سجنه في المطبق بالزاهـرة مـدة، لأنه كان يزري بغيره من الكتاب ((وكان أكثر من يشركه أعطالا من الآداب العربيـة لتوفرهـم على علم العدد وانهماكهم في التعاليم الديوانية التي استدروا بها الجبايـة، وحصَّلوا على المراتب العالية، فكان الجزيري يزري بهم، ويحب الاشتمال على ابن أبي عامر، ويتصور فرط حاجته عليـه في الإنشاء ولم يكن شأنهم، فسخط عليه المنصو، وأقصاه عن حضرته على فرط حاجته إلى خدمته))48.

وقد سجن المنصور الجزيري ليكون درسا نافعا له، ومكافأة للـذنب الذي اقترفـه، وقد استعطفه الجزيري بالشعر والنثر، واحتفظ لنا ابن سعيد بجزء من رسالة في هذا الموضوع سنوردها فيما بعـد.

         ويشير ابن بسام إلى رسائـل شعرية ونثرية كثـيرة أرسلـها الجزيـري كانـت لا تنفـذ إلى قلب المنصور حتى وجدت إحداها سبيلا إليه، يقول:((وعتب عليه المنصور وسجنه في مطبق الزاهرة واستعطفه برسائل وأشعار عدة، فلم يسمع منه، ثم صفح بعـد عنه، فكتب إليه الجزيري:

عجبت من عفو أبي عامر             لا بـد أن تتبعه مِنّـَهْ

كذلك اللـه إذا مـا عفـا             عن عبده أدخله  الجنه

فسرّ المنصور بذلك، وصرفه إلى حاله، ورد عليه ما كان اعتقل من ماله)) 49.

         عفا المنصور على وزيره عبد الملك الجزيري وأحسن إليه، وظل رئيسا لديوان الرسائل إلى أن توفي المنصور، قال ابن الأبار:((ولم يزل يتولى ديوان الرسائل إلى أن هلك المنصور))50.

         وأما سجن الجزيري الثاني في عهد عبد الملك المظفر فلـم يدم طويلا إذ سـرعان ما قتل في السجن من قبل قوم من السودان دخلوا عليه في مطبقه (( وخنقوه، وأشيع موته، وأخرج ميتا بعد أيام، وأسلم إلى أهله ولا أثر به، ودفن في شوال سنة أربع وتسعين. فصُرع منه -رحمه الله– يومئذ فارس نثر ونظام،  ومزق بقتله وشي كلام، وكان يشبـه في ذكائه وأدبـه مع عبقريـة الطبـع، وكثرة الضـر وقلة النفع، محمد بن الزيات 51 في ذلك الصقع)) 52.

         يلقى عبد الملك الجزيري ما لقيه قبله الحاجب المصحفي على يد المنصور ابن أبي عامر، فهو يلقى المصير نفسه على يد المظفر بن المنصور سنة 394 هـ في السجن ((توفي بالمطبق في سخطة المظفر عبد الملك بن أبي عامر عليه سنة أربع وتسعين وثلاثمائة)) 53، وتبقى أشعاره تجوب الآفاق، وأما رسائله فإنها ترفعه إلى مصاف الفطاحل البلغاء كابن الزيات وزير المعتصم والواثق العباسيين. وسمـات نثـر الجزيري:

         نال الجزيري إعجاب العلماء والأدباء والشعراء من العامة والخاصة مكانة مرموقـة لما يمتلكـه من موهبة شعرية ونثرية، وبديهة وقادة، في حياته وبعدها، ولعل أول إعجاب به كان من المنصور بن أبي عامر -فيما تقدم مع صاعد البغدادي– إذ قال له المنصـور: ((لله درك يا أبا مروان قسنـاك بأهـل العراق ففضلتهـم فبمـن تقاس بعد))54، وكان هذا الإعجاب بداية للتتدرج في سلم المناصب العليا.

         وأول إعجاب أسبغه عليه بعد وفاته كان من ابن حيان الأندلسي إذ ذكـر أنه بوفاتـه((صُرع منه –رحمه الله– يومئذ فارسُ نثر ونظام، ومزق بقتله وشي كلام)) 55، وذكر أيضا أنـه (( لم يخلف مثله كتابة وخطابة وبلاغة وشعرا، وفهما ومعرفة، وبه خُتـم بلغاء كتاب الأنـدلس – رحمه الله )56.

         وينعته الحميدي بهذه الصورة الكامله من الثناء، يـقول:((وزير من وزراء الدولة العامريـة، وكاتـب من كتابـها، عـالم، أديـب، شاعـر، كثير الشعـر، غزير المادة، معدود في أكابر البلغاء، ومن ذوي البديهة في ذلك)) 57 .

         ويصفه ابن خاقان، فيقول:((علم من أعلام الزمان، وعين من أعيان البيـان، باهر الفصاحة، طاهر الجناب والساحة، تولى التحبير أيام المنصور والإنشاء))58 .

         وقد وضعه ابن سعيد في كتابه المقتطف في ((الخميلة الثالثة المشتملة على ((النثـر الممتع))، ووضع كتّاب الأندلس القدامى في الطبقة الثانيـة ((المجتمع في أسلوب ترسـل القدماء من كتّاب الأندلس )59 .

         وفي مجال النقد قدمه ابن سعيد في الرايات على كل كتّاب المائة الرابعة، وهذا فصل يختـص بمن تيقنـت أنه من الأندلـس60، وفي المغرب، أورد أنـه ((كان يشبـه بمحمد بن عبـد الملك الزيات في البلاغة والعبقرية )) 61 .

         وقد أعجب الحميري بنثره كثيرا، هذا الإعجاب رغبه في أن يقـدم لرسالة الجزيـري عن بنفسج العامرية فيصفها بأنها ((رسالة موصولة بالشعر جمالها باهر وكمالها ظاهـر)) 62، ويعلق على رسالته في وصف بهار العامـرية، بقوله: ((ولا نحتـاج إلى ذكر أكثر من هذا المدح كمـا لا يحتاج إلى إطـراء النظم والنثـر بأكثـر من أنهما حـلال في السحر ))63 .

         ويذكـر ابن بسام شعر الجزيري الذي ورد في النثر، فيقول: ((مما انـدرج لـه في أثناء نثـره الـذي ملُح فيه))64 .

         ومن المحدثين نجد إحسان عباس الذي يفضل الجزيري ويشيد بزمن الدولة العامرية، بقوله: (( وفيها ظهر أكابر الكتاب الناثرين ومنهم:

         1 – ابن برد الأكبر .

         2 – عبد الملك بن إدريس الجزيري.

         3 – ابن دراج القسطلي )) 65 .

         ويضيف قائلا : ((وفي طليعة هذه الطبقـة من الناثرين ابن الجزيري وابن برد الأكبر وابن دراج)) 66 .

         أما أسلوبـه النثري العام فإنه يتسم بالسرعة والبديهة ، فقد كان الجزيـري ((من ذوي البديهـة))67، وأما ابن دراج فقد كان كاتبا مروِّيا لا ينشئ إلا بعد الجهد والتنقيح والتجويد، ومما يؤكد هـذا ما ذكـره الحميـدي عن ابن حزم أنه قال : ((وأخبرني أن المنصور أبا عامر لما فتح شنت ياقوب 68... استدعي أبو عامر أحمد بن دراج، وأبو مـروان عبد الملك بن إدريس المعروف بابن الجزيري، وأمرا بإنشاء كتب الفتـح إلى الحضـرة، وإلى سائر الأعمال، فأما ابن الجزيري فقال: سمعا وطاعة، وأما ابن دراج فقـال: لا يتم لي ذلك في اقل من يومين أو ثلاثة، وكان معروفا بالتنقيح والتجويد والتؤدة))69 .

         ويضيف الحميدي القول: (( فخرج الأمر على ابن الجزيري بالشروع في ذلك فجلس في ظـل السـرادق ولم يبرح حتى أكمل الكتب في ذلك، وقيل لابن دراج افعل ذلك على اختيارك، فقد فسح لك فيه، ثم جاء بعد ذلك بنسخة الفتح، وقد وصف الغزاة من أولها إلى آخرها، ومشاهد القتال، بأحسن وصف، وأبدع وصف، فاستحسنت ووقـع الإعجـاب بها، ولم تـزل متداولـة إلى الآن، وما بقي مـن نسـخ ابن الجزيري في ذلك الفتح على كثرتها عين ولا أثر ))(70 .

         يتضح مما تقدم أن أسلوب الجزيري كان يتسم بالسرعة والبديهة إلا أنه ضاع رغم كثرتـه، على عكس أسلوب ابن دراج فإنه يتسم بالروية ، فبقي إلى عهـد الحميـدي لأن الـذوق العام كان يميـل إلى التنوق ، وإحسان عباس كان يؤثر أسلوب نثر الجزيري البسيط العفوي فيقـول : (( وهـذا الأسلـوب في رأيي أليـق بالمـقام، ولكن التنوق في الكتابة غلب حتى على الرسائل الديوانية )) (71) .

         لقد أجمع المترجمون على أن عبد الملك الجزيري كانت له ((رسائل وأشعار كثيرة ومدونة)) (72)، غيـر أن نثره وشعره لم يبق منهما إلا القليل، وأسلوبه متميز عن سائر كتاب عصره في رسائله التي تتسم بالجدة والطرافة، ولكنها ضاعت ولم يبق منها إلى النزر اليسير، ولو وصلتنا كاملة لكانت الصورة أكمل حول سمات نثر كاتبنا وشاعـرنا، كما حددها القدماء والمحدثون الذين ترجمـوا لـه أو نقـدوه أو أشاروا إلى شعره ونثره.

         فمن هذا القليل الذي حفظ لنا من نثره يتمثل في الرسائـل الوصفيـة، وهي تلك ((الرسائـل التي تناولـت فن الوصف تناولا مستقلا، فهو لون جديد في الموضوع والشكل، وهو يتمثل في تلك الرسائل التي كتبت على ألسنة الورود والأزهار، ويفضل فيها الكاتب وردا بعينه على غيره، وتقوم هذه الرسائل على أساس التفاخر والمناظرة والجدل والنقاش بين الورود والأزهار، كل يبدي محاسنه ويفخر بصفاته)) 73 .

         ولعل هذه الرسائل تكون خاصة بغرض الوصف ولا تتعداه، وقد تكون موجهـة إلى غرض آخر هو المديح غالبا، ومن النوع الثاني ما تبقى من رسائل الجزيري الوصفية، فقد وصلت إلينا رسالتان وصفيتان، أولاهما كتبها إلى المنصور بن أبي عامر آثر فيها بنفسج العامرية عن النرجس والبهار، وذلك يوم عيد الضحى سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، قال: ((منح الله مولاي صدق النظر، وعرفه جلية الخبر، وأطال مدته، ووصـل سلامتـه وعزتـه، إذا ترافعت الخصوم– أيد الله المنصور مـولاي– في مذاهبها، وتنافرت في مفاخرها، فإليك مفزعُها، وأنت المقْنَع في فصل القضية بينها، لاستيلائك على المفاخر بأسرها، وعلمك بسرِّها وجهـرها، وقد ذهـب البهـار والنرجـس في وصف محاسنها والفخرُ بمشابهها كل مذهب، وما منها إلا ذو فضيلة، غير أن فضلي عليهما أوضح من الشمس التي تعلونا، وأعرف من الغمام الذي يسقينا، فإن كانا قد تشبَّها في شعريْهما المرتفعين إلى مولاي – أبقاه الله وأيده– ببعض ما في الأرض من جواهر الأرض ومصابيح السماء، وهي من الموات الصامت، فإني أتشبه بأحسن ما زين الله به الإنسان، وهو الحيوان الناطق من أدوات خلقه، وأنفس ما رُكِّب فيه من مواد حياته مع إني أعطر منهما عطرا، وأحمد خُبْرا، وأكرمُ إمتاعا، شاهدا وغائبا، ويانعا وذابلا، وكلاهما لا يمتعك إلا ريثَ ما يبدو للعيـون، ويسلـم من الذبول، ثم تستكرِه الأنوفُ شمَّه، وتستدفَع الأكُفُّ ضمه فأين هذه الحال من الاستمتـاع بي رطـبا، وادِّخـاري في خزائن الملوك جافًّا، وتفضيلي على ألسنة الحكماء، وتصـريفي في منافـع الأعضـاء، وإن فخرا باستقلالهما على ساق هي أقوى من ساقي فلا غرو أن الوشي ضعيف، والهوى لطيف، والمسك خفيف.

وليس المجد يدرك بالصراع

         كما قال حكيم الشعراء، وقد أودعتُ – أيد الله المنصـور – قوافي الشعـر من وصـف مُشابهي ما أودعاه من وصـف مشابهها، وحضرتُ بنفسي لِئَلاَّ أغيبَ من حضرتهما. فقـديما فضلوا الحاضـر وإن كان مفضولا. ولهذا قالـوا ((ألذ الطعام ما حضر لوقتـه)) و((أشعر الناس من أنت في شعره)) ولمولاي – أيده الله – أن يعدل باختياره الصحيح، ويفصل بحكمه العـدل، إن شاء الله.والشعـر:

شهدت لنوار البنفسج  ألسُـن                   من لونه الأحوى  ومن أيناعه

بمَشابه الشَّعَر الأثيث أعــاره                 قمرُ الجبين الصلْت نورُ شعاعه

و لربما جف النجيع  من الطُّلى                 بصوارم المنصور يوم قراعــه

فحكاه غير مخالف في لونــه                 لا في روائحه و طيب طباعـه

ملك جهلنا قبله سبل العــلا                   حتى وضحن بنهجه و شراعـه

أمَّا نداه فهو صنف  للحيــا                       في صوبه لم أعْن في إقلاعــه

في سيفه  قصر  لطول نِجـاده                    وكمال ساعده وفُسحة  باعـه)) (74) .

سمات نثر الشاعر الكاتب الجزيري :

1 – جـدة فن الرسائل الوصفية:

         سبق الجزيري غيره من الشعراء الكتاب إلى فن الرسائل الوصفية ، فعلي بن محمد يعدها أول رسالة للنثر البياني يقدم لها بقوله: ((إن الرسالة التي يظهر فيها لأول مرة هذا النثر البياني جليا واضحا لا تخطئه العين ولا يختلف عليه اثنان إنما هي رسالة أبي مروان الجزيري )) 75، ويؤكد إحسان عباس هذا السبـق والاستقـلال، بقولـه: ((وفي هذه الفترة يستقل النثر الفني في بعض أحواله عن الكتابة الديوانية،ويتخـذ له موضوعات من الحياة تشبه الموضوعات التي يدور حولها الشعر وبخاصة الوصف) 76.

         ويشيـد علي بن محمد في تعقيبه على هذه الرسالة بنثر الجزيـري أيما إشادة، وينـوه بسبقـه إلى ولوج باب النثر الفني أي أنه رائد النثر الفني في الأندلس، يقول:((مما لا شك فيه أن النثر قد انتقل إلى مرحلـة جديـدة من تطوره مع الجزيري ورسالته هذه، وقد انتبه القدماء فيما يبدو إلى طبيعة هذا النثر وطرافته، ولكنهم لم يدركـوا كل أبعاده....والحق أن الجزيري قد ملَّح بشيئين:

الأول: هذه الطريقة في الحديث عن الزهور بالنثر، وهو حديث لم تتعود آذان الأندلسيين سماعه ّإلا ضمن بحور الشعر و قوافيه .

الثاني: أنه نقل الحوار الذي كان معـروفا بين البشر إلى النباتات ، فأجراه بين الزهور في مفاخرة حماسية ينتصر فيها كل نوع لأخص خصائصه، ويثني فيها على نفسه بأحسن أوصافه، وسيدخل النثر في القرن الخامس هذين البابين ويكون فيهما شأن كبير.

         هذه إذن خطوة كبيرة حاسمة خطاها النثر، ليس في تجديد قوالبه وأنماطه كما كانت الحال طوال القرون الثلاثة التي استعرضنا أهم ملامح تطوره فيها، ولكن في تغيير طبيعته بالذات،ولعل القـرن الرابـع لم يشهـد، في ميدان الأدب تحولا يشبه هذا أويضاهيه77

2 – الميل في الرسالة إلى المديح :

         الكاتـب يميل في رسالته إلى المديح، حيث يقول على لسان البنفسج مخاطـبا المنصـور بن أبي عامـر: ((إذا ترافعت الخصوم –أيد الله– مولاي المنصور في مذاهبها، وتنافرت في مفاخرها، فإليك مفزعها، وأنت المقنع في فصل القضية بينها لاستيلائك على المفاخر بأسرها وعلمك بسرّها وجهرها ))78.

         وبهذا الميل إلى المديح يعكس الجزيري في رسالته جانبا من التنافس الذي يحدث بين الكتّاب في البلاطات، والكاتب يرجـو التميز على أقرانه، ويوضح فضله على غيـره من كتّاب القصـر، فيقـول على لسان البنفسـج: (( إني أعطر منهما عِطرا، وأحمد خُبْرا وأكرم إمتاعا شاهدا أو غائبا ))79

3 – المفاضلة بين أكثر من زهرة :

         اتسمت رسالة الجزيري بأنها في ظاهرها كتبت في المفاضلة على لسان الأزهار، ولكـن الطـريف حـقا أنه كتبها في المفاضلة بين بنات المنصور بن أبي عامر ((الذي كان قد سمى بناته بأسماء الزهور، فنظم الشعـراء في وصف الزهور قصائد تبين فضيلة كل نوع منها، وهم في هذا يحكون خصائص بنات المنصور نفسه)) (80)، وكان ابن بسام قد قدم لرسالة الجزيري هذه بقوله:((ما اندرج له في أثناء نثره الذي ملُح فيه، مخاطبته، على ألسنة كرائمه، بزهور رياضه))(81).وقد أشار علي بن محمد -كما تقـدم– في نقل الحـوار بين البشـر إلى المفاخـرة والمفاضلـة بين الزهور، وأجاد الجزيري في ذلك.

4 – التنويع بين النثر والشعر :

         اتسمت رسالة الجزيري الوصفية بتضمينها مقطوعة شعرية من نظمه هو وقد أشار الكلاعي إلى ذلك بقوله: ((كان المجيد كثيرا ما يضمن رسائله أشعاره)) (82)، وكان يفعل ذلك للتدليـل على ما كان يسوقـه من معـان، أو للتأكيد على ما يبسطه من أفكار، ولعل إجادة الكاتب في تميز هذه الرسالة كان يلائم محتواها،وهو المفاضلـة بين البنفسج والنرجس والبهـار ((وقد ذهب البهار والنرجس في وصف محاسنهما والفخر بمشابهها كل مذهب، وما منهما إلا ذو فضيلة غير أن فضلي عليهما أوضح من الشمس التي تعلونا، وأعـرف من الغـمام الذي يسقينا )) (83).

         ولندرج رسالة ثانية تماثلها في الموضوع وبعـض السمات حتى تتضـح الصـورة أكثـر، وهي في المديح وردت على لسان بهار العامرية، و قد تفرد بإيرادها صاحب البديع في وصف الربيع يقول:((وكتب الوزير الكاتب أبو مروان بن الجزيري إلى المنصور محمد أبي عامربن أبي عامر بأرملاط عن بهار العامرية في كانون الأول الكائن في سنة ثلاث وثمانين وثلاثمئة:

         بسم الله الرحمن الرحيم -أطال الله بقاء المنصور مولاي، وأدام عزه، وهنأه سروره، وسوغه نعمه عنده-إني- أيد الله منصور مولاي- لما استقلَّت بزهرتها مائلةُ قُضُبي، وتنبهتْ من سِنتها نائمة جفوني، ونمَّت بعطرها ساطعة روائحي، وافترشتُ ديباج حديقة بكَّر وسْميَّهـا، وتتابع وليّها، فالتقى ثَرياها و﴿أخذت الأرض زُخرفـها وازّيّنت ﴾ وطاب صعيدُها حتى كان ترابَها فَتيتُ المسك، أو سحيق الكافور عنَّ لي زهور بحسني وارتياح لحالي، وإعجاب بمكاني، وشاركتُ ذلك دواعي هزة الشوق إليك، وشواجي لوعة البعد عنكَ حين فارقتْ محلي، وآثرت بالـزيارة غيـري، فحرَّكْـن مني ساكنا، وبعثـن لي على مناجاة الشعر خاطرا، فأجابني منه ما ضمّنتُه غرائب وصفي وأهديتُه إلى مولاي مع محاسن شخصي الذي هو غرس همته، وابن نعمته، لعل فعلي أن يوافق منه قبولا، ويَقسم لي من حسن تذكرة نصيبا بواسع تفضله وسابغ تطوله وكريم تحاوره. والشعر:

حدقُ الحسان تَقر لي و تَغــار                وتضِل في صِفة النُّهى  تحارُ

طلعتِ على قُضبي عيونُ كمائمي               مثل العيون  تحفها  الأشفـار

و أخصُّ شيءٍ بي إذا شبَّهتنــي               دُرر  تَنطَّق  سَلْكَها  دينــار

أهدت له قُضبُ الزُّمُرُّدِ ساقــه                وحباه أنفس عطره  العطَّـار

أنا نرجس حقًّا بهرت عقولهــم                ببديع تركيبي  فقيل بهـــار

إني لمن زمن الربيع تَرُبُّنـــي               قِطع الرياض و تُلقِح الأمطـار

فأكون عطرا  للأنوف و منظـرا               بهجا تهافتُ نحوه الأبصــار

و تحية بين النِّدام تُحَـــثُّ لي               نُخَب الكؤوس  وتَنطق الأوتار

وأقلُّ جُود العامري محمـــد                  أَلْف حكتْ حَدَقي و تلك نُضار

عشرٌ تُعد من المِئين لأنْمُـــل                عشرٍ يُصرّفُها  و هنَّ بِحار)) (84)

         إذا فالرسالة موجهة لمديح المنصور بن أبي عامر الذي كان يشجـع الشعـراء والكتاب على تأليـف قطـع في وصف الزهور، بل كان شغوفا بها وفي وصفها، مما دفع به إلى أن زين قصره (( بشقائق مصنوعة من جميع النواوير، ووُضع على السقائف لُعَب من ياسمين في شكل الجواري ))85، ((وكان إلى ناحية من السقائف سفينة فيها جارية من النوار )) 86، وقد أعجبته قصيدة في وصـف نورة مـن النواويـر فكتبها بخـط يـده87، وأمر لصاحب هذه البديهة بألف دينار ومائـة ثوب، ورتب له في كل شهر ثلاثين دينارا، وألحقه بالندماء 88 .

         إذا هذه الرسالة اتسمت بالجدة والطرافة، وهي موجهة إلى مديح المنصور المولع بوصف الأزهار، ويكافئ كل من أجاد وصفها، والجزيري تمكن من ذلك نثرا وشعـرا، فكان الاشتـراك مع الرسالة الأولى في هذه السمات، وسمات أخرى كما سنرى.

5 - سهولة الألفاظ ووضوحها :

         عرف عن النثر وكذا الشعر الأندلسي أنه سهل الألفاظ بسيط التراكيب، واضح الأسلوب، عذب الموسيقى، وهذا ما يجب أن يتسم به، إذا أخذنا بعين الاعتبار البيئة الأندلسية بما فيها الطبيعة الساحـرة التي وجد الشعراء والكتّاب الأندلسيون أنفسهم في أحضانها، وواضح ما للبيئة من أثر في الأسلوب89، وإذا أعرنا اهتماما لطبيعة الشعب الأندلسي الميال إلى التبسُّط والتحرر والانفتاح، حيث ((أن سلاسة اللفظ تتبع سلاسة الطبع)) 90 كما يقول الثعالبي، نجد أن الجزيري يسير في هذا المنحى، فهذا حازم عبد الله يعلق على الرسالة الوصفية الأولى، والثانية تجري على غرارها، مبينا خصائصها ومزاياها، يقـول: ((ولعل ألفاظ هذه القطعة النثرية بما تمتاز به من سمات السهولة واليسر وموافقتها للطبع والذوق، وتلاؤم عباراتها وانسجام ألفاظها ومتانتها مما يدل على عناية أدبية وقدرة فنية بلاغية تترجم الأشياء والأوصاف وتجري الترجمة بطريق الحوار ))91 .

         إذا فرسالتا الجزيري تتسمان بالسهولة واليسر، فالألفاظ سهلة والمفردات واضحة ومعـبرة عما يشعر به الكاتب من نشوة واقتناع واطمئنان.

         نجد مثل هذه السهولة في الألفاظ، والوضوح في المفردات في الرسالتين للجزيـري ففي الأولى، يقـول:((منح الله مولاي صدق النظر، وعرفه جليّة الخبر، وأطال مدته، ووصل سلامتـه وعزتـه...إذا تدافعت الخصوم –أيد الله المنصور مولاي– في مذاهبها ، وتنافرت في مفاخرها، فعليك مفزعـها وأنت المقنَع في فصل القضية بينها لاستيلائك على المفاخر بأسرها، وعلمك بسرها وجهرها )) (92) .

         والثانية التي افتتحها بالبسملة، يقول فيها:((بسـم الله الرحمن الرحيم– أطال اللـه بقاء المنصور مولاي، وأدام عزه، وهنأه سروره، وسوغه نعمه عنده – إني– أيد اللـه المنصور مولاي – لما استقلتْ بزهرتها مائلةُ قُضُبي، وتنبَّهتْ من سِنتـها نائمـة جفوني )) (93) .

         فلقد جاءت ألفاظ هاتين الرسالتين سهلة واضحة منسجمة مع غرضيهما معبرتين عن سمات الجمال في أيام الربيع البهيجة، ودالة على ما كان يحس به الجزيري من فرح وسرور عظيمين بسحر الطبيعة، وبهما وغيرهما استأثر بولاء سيده ومولاه بالمدح والثناء، وقد اتخذ الجزيري ضمير الغالب أحيانا في مخاطبته، في المفاضلـة والمحاورة للكشف عن سر جمال كـل زهـرة وصفـها، وفي الحقيقـة ما هي إلا وصف لبنات المنصور بهذه اللغة الواضحة.

ومن الموضوعات التي عالجتها الرسائل الديوانية، الأمور الحربية، وقد تعددت أغراض الرسائل الحربية بحسب المواقف التي تمليها طبيعة الظروف الحربية السائدة، وللجزيري رسالة في فتح شنت ياقوب، ولكنها ضاعت، وقد تقدم الحديث عنها. وأما عن ضياع رسائله النثرية، ((رغم أنها تعد وثائق تاريخيـة وأدبيـة على جانب كبيـر من القيمة، ذلك أنه لم يتح لها رواة ينقلونها، وكتّاب يدونونها)) (94)، فإن مرده – في نظري– إلى شغف الأندلسيين بتراث المشارقة، مما أدى إلى ضعف عنايتهم بأدبهم وتدوينه، يقـول ابن بسام: ((ألا أن أهل هذا الأفق، أبوا إلا متابعة أهل الشرق، يرجعون إلى أخبارهـم رجـوع الحديث إلى قتَادة، حتى لو نعـق بتلك الآفـاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنم، وتلو ذلك كتابا محكما: وأخبارهم الباهرة، وأشعارهم السائرة، مرمى القَصِيَّة، ومناخ الرذِيّة، ولا يعمر بها جَنانُ ولا خَلَد، ولا يُصَرَّف فيها لسان ولا يد )) (95) .

         يستخلص من حديث ابن بسام عدم اهتمام الأندلسيين، رواة وكتابا ، بتدويـن أدبهـم، فكان فقـدان كثيـر من الرسائل، وبخاصة رسائل الجزيري التي لم يصلنا منها إلا فصل من رسالة أنشاها بأمر من الحاجب المنصـور بعد انتهاء حرب صائفة سنة 390 هـ يعاتب فيها جنده الذين نكصوا على أعقابهـم في حربهـم مع النصـارى، وأمر قواد الجند باستنساخ الرسالة ليقرؤوها على الجند كافة(96):

         ومن فصولها: (( وكثيرا ما فرط من قولكم،  وسبق من عزمهم،  أنكم تجهلون قتال المعاقل والحصون، وتشتاقون ملاقاة الرجال على العَجول، فحين جاءكم شانجه بالأمنية، وقاتلكم بالشرطيَّة، وظهرت لكم رعلةُ الطائفة النصرانية، أنكرتم ما عرفتم، ونفـرتم ما ألفت، حتى فررتم فرار اليعافيـر من آساد الغيل، وأجفلتم إجفال الرئال عن المقتنصين! فألحقتم العار بأنفسكم، بعد اختياري لكم؛ وطرقتم الشر على أعناقكم، وضيعتم حرماتكم، وأحضرتم ذمّتكم؛ فلا نعمـتي رعيتـم، ولا تزييني حفظتـم، ولا وجوهكم أبقيتم، ولا غضب الله ورسوله أتقيتم! فقد قال الله عز وجل:)يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً، فاثبُتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تُفلحون ((97)، وقال : ﴿ومن يُوَلِّهم يومئذ دُبُرَهُ إلا مُتَحرِّفا لقتـال أو متحيزا إلا فئة فقد باء بغضبٍ و مأواه جهنمُ وبئس المصيرُ ﴾(98)، ففيما ولما كان انحيازكم، أشكا في وعـد ربكم؟ أم خورا في أصل طبعكم؟ أم عجزا عن دفـع باطلهـم بحقكـم؟ ما كان إلا لسفهِ أحلامكم وسوء نظركم في عاقبة أموركم؟ يا أحلام الأطفال، وأخلاق الرجال! أنجوتم إلا دار الفناء، التي لا تنقطع همومُها ولا ترتفع همومها؟ وتركتم النزوع إلا دار البقاء، التي لا ينصرم نعيمها؟ لولا رجال من الله صدقوا، فرفضوا عنكم العار بجلادهم وحرروا رقابكم من الذل بجهادهم، وبذَّلوا في الله ما بذلوه بحكم القرآن، والرعاية لذمم الدين والسلطان، لبرئتُ من جماعتكم، وأوجبتُ المؤاخذة على كافّتكـم، وخرجـتُ الإمام والأمـة عن عهدتكم، ونصحتُ المسلمين في الاستبدال منكم بغيركم!ولن أعدمْ من الله العلي العظيم عاجلَ نصر وحسن عقبى لعباده المخلصين، وأوليائه المتقين! فلابد أن ينصر دينـه بما شاء)ليظهـره على الدين كله ولو كره المشركون((99)  )) (100).

         لقد تحدث الجزيري عن القواد والجنود الذين أبدوا رغبتهم في الجهاد، وولوا أدبارهم حين واجهوا أعداءهم النصارى في غزوة جرْبيرة وشبههم بفرار فراخ النعام الصغيرة من أسود الغاب الضارية، وبالظباء التي ولت خائفـة من الصيادين، وهي صورة تحمل طابع التعريض والسخرية بالفارين، وإن كانت تحمـل في الوقت نفسـه ملامـح من المرارة، ومع ذلك فالمنصور أحرز نصرا باهرا على أعدائه النصارى بوجود رجال صادقين جاهدوا رفضا للعار، ورعاية لذمم الدين والسلطان .

6 – التركيز والإيجـاز:

         اتسمت هذه الرسالة بالتركيز والإيجاز لأنها نابعة من طبيعة الموضوع، والظروف التي قيلت فيها، ومراعاة للهدف المرجو منها، إلى جانب السرعة، وعدم توافر الوقت الكافي، فقد لجأ الجزيري فيها–رغم عدم وصولها كاملة– إلى التركيز والإيجاز، وأدت غرضها المطلوب، وكذا الرسالـة التي كتبـها من سجنه إلى المنصور، يستعطفه فيها، وهي أيضا توحي بأنها موجزة –رغم أنها لم تصل إلينا كاملة، كما سيأتي ما بقي منها–ومركزة لأنها تفي بغرضها المقصـود، وهو أن يطلع عليها الحاجب المنصور في أقصر وقت وأقل جهد .

7 – الاقتباس من القرآن الكريم:

         اتسمت هذه الرسالة بالاقتباس من القرآن الكريم، وتضمين آياته الكريمة حينا ، ومعنى حينا آخر، وهذا دليل على البيان والفصاحة لدى الجزيري، لأن طبيعة الموضوع تقتضي ذلك، فهي رسالة سياسية موضوعها الجهاد ضد النصارى، ومن الآيات التي اقتبسها، فقد قال الله عز وجل: )يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبُتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تُفلحون(101 وقال تعالى: )ومن يُوَلِّهم يومئذ دُبُرَهُ إلا مُتَحرِّفا لقتال أو متحيزا إلى فئةٍ فقد باء بغضبٍ ومأواه جهنمُ وبئس المصيرُ ((102)  وختم الجزيري الرسالة مضمنا إياها بمعاني القرآن، بقوله: فلابد أن ينصر دينـه بما شاء، ثم أنهاها بقوله تعالى:   )ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ((103).

         ومن أمثلة معاني القرآن الكريم وسيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : وعد ربكم، دفعا باطلهم بحقكم، عاقبة أموركم، رجال من الله صدقوا، دار الفناء، دار البقاء، حكم القرآن، الجهاد، المسلمين، ذمم الدين

         هذا الاقتباس من القرآن الكريم، لفظا ومعنى، دليل على تشبع الكاتب الجزيري بالثقافة الدينية، وحسن استفادته من المحفوظ القرآني وقدرته على استعمال آياته وألفاظه ومعانيه وصوره في المعنى المناسب، بشكل تلقائي يدل على استيعابه لروح القرآن الكريم، وكذا وورود ألفاظ استقاها الكاتب من سنة رسول الله وصحابتـه، لا يتسع المقام لتوضيحها.

8 – الارتجـال:

         يعـد حرص الأندلسيين على الارتجال في الشعر والنثر، واهتمامهـم به دلالـة على إجلالهم له، وتقديرهم لأصحابه، بل لعلهم يعتبرونه أحد مقاييس البراعـة والتقـدم في الشعر والنثر على السواء، لذلك نجد المنصور بن أبي عامر يؤثر الجزيـري ، ويأمره بالارتجال، فيفعل، ولا يبرح مكانـه حتى يكمـل كتبـه في ذلك - كما تقـدم من إشارات – ولكن لم تصلنا للأسباب التي ذكرنا ، وهذا الارتجال يدل على سرعة وبداهة الجزيري، بإقرار المترجمن له، ومدى قدرته على امتلاك أدوات الكتابة في مجال النثر البياني أو الفني بأسلوب مقنع وممتع، ولغة سهلة أو جزلة حسب طبيعـة الموضوع المطلوب أو المطروق ؛فالرسلة الوصفية تدبج بلغة سهلة وواضحة، لأن معين الجزيـري الطبيعة وما تزخر به من صور الجمال، ولغة الرسائل في موضوعات الحرب، فهي جزلـة وغريبـة إلى حد ما، وذلك طبيعى، لأن الموضوع يحتاج إلى أسلوب قوي، ولغة فخمة مجلجلة تغلب عليها الثقافة الدينية، نصا ومعنى، يقتدي بها المجاهدون المخلصون، وتقرع أسماع المتقاعسين والفارين من الحرب كما تقدم.

         وأما الرسالة الأخيرة للجزيري، فهي تصور عواطفه وانفعالاته ومشاعره الخاصة، وتندرج ضمن الرسائل الإخوانية، وموضوعها الشكوى والاستعطاف.

         لقد زج المنصور بن أبي عامر بكاتبه الجزيري في السجن - كما تقدم – ولعـل ما قاله فيه هذه الرسالـة الفائقـة الأهميـة أورد ابن سعيد شيئا منها، يقول: ((عبد الملك بن إدريس الجزيري كاتب المنصور بن أبي عامر، كتب عن نفسه إلى مخدومه وقد سخط عليه:

         وبعد حمد الله، المحمود على السراء والضراء، المسلم لحكم الله وقضائه في السخـط والرضا، فقد علم سيدي ورب النعمة علي، أن النفوس خيل حلبة تتسابـق إلى الغايات التي قدرت لها، والسعيد سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه، وقد كان من قدر الله سبحانه إنعامه علي مرة جررت بها ذيول العـز في بسـاط الإذلال إلى أن طالت فعثرت فيها بالاغترار وسابـق الأقـدار عثـرة لا تستقال إلا بالمعتاد من كرمك وإغضائك عن هفوات صنائعك، والحاجب المنصور –أدام الله حلو نصره– يعلم أن ريَّض الخيل بعـد الأدب أمتع، والمهيض بعد الجبر أصلح ))104 .

         يعتـرف الجزيـري بالاغترار فضلا عن كون ذلك قدرا من الأقدار، وهذه الرسالـة تميـل إلى التفـاؤل في فحواها، وإلى الاتزان في أسلوبها، حيث التسليم لقضاء الله وقدره على جميـع الأحوال، والمنطقيـة في عرض القضية فالبدء بذكر جبلة النفوس ثم عرض قضيته، والختـام بالإشارة على المنصـور بأنـه إذا أطلقه وجبر كسـره فإنـه هو الفائز، لأن الجزيري سيكون خيرا مما كان عليه.

 الخـاتمـة:

         سطع نجم الجزيري ككاتب في ربوع الأندلس، وطار ذكره إلى أرجاء المشرق، لسرعة بديهته، وقوة حافظته، وتمكنه من امتلاكه لأدوات الكتابة الفنية، وبخاصة في موضوعات الرسائل الوصفية والحربية والذاتية، فتميز بالسبق في جدة الموضوعات والميل بها إلى المديح، والمفاضلة بين الأزهار، والتنويع بين النثر والشعر، واعتماده الأسلوب السهل الملائم للمقام، وانتقائه لألفاظ سهلة حينا وجزلة حينا آخر، حسب طبيعة الموضوع المطروق، واقتداره على توظيف محفوظه الثقافي والديني، في شعره ونثره، فبز مِن أقرانه لقب الشاعر الكاتب بح، كيف لا ؟ وهو من خاصة الحاجب المنصور الناقد الصارم، شاعرا وكاتبا، ونال بنثره إعجابه وتقديره، ولا يستغني عنـه، حتى في آخر يوم وفاته، يذكر ابن بسام ذلك بقولـه:((هجر الأطباء في علتـه تلك لاختلافهـم فيها واقتصـر على أوصاف كاتبه الجزيري))105.

         يعـد الجزيري أول كاتب-في نظرنا- وضع البذرة الأولى لفن الرسائل الوصفية، ومن الذين ساهمـوا في استقلال النثر الفني الأندلسي عن التقاليد المشرقية، شكلا ومضمونا، إلى حد كبي.

 الإحالات


[1]– من أهم مراجع التاريخ الأندلسي في هذا العصر: عنان، محمد عبد الله. دولة الإسلام في الأنـدلس، العـادي، أحمد مختار. في تاريخ المغرب والأندلس. سالم، السيد عبد العزيز. تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس من الفتح إلى سقوط الخلافة بقرطبة. بيضون. الدولة العربية في إسبانية منذ الفتح إلى سقوط الخلافة.

[2]– انظر: فورار امحمد بن لخضر. الشعر الأندلسي في ظل الدولة العامرية(366هـ- 399هـ). رسالة ماجستير. إشراف المرحوم الدكتور جودت الركابي. جامعة قسنطينة. الجزائر.ص4 –6.

[3]– المراكشي، عبد الواحد. المعجـب في تلخيص أخبار المغرب.تحقيق محمد سعيد العريان. القاهرة. 1960.28.

[4]– انظر حياة المصحفي: فورار امحمد بن لخضر. ما تبقى من شعر الحاجب المصحفي الأندلسي. صحيفة دار العلوم. مكتبة زهراء الشرق. القاهرة. العدد 24.  ديسمبر.2005. ص 93 – 121 .

[5]– ابن بسام . الذخيرة . تحقيق أحسان عباس . الدار العربية للكتاب . ليبيا – تونس . 1978. ق 4 م 1 ص 66 .

[6]– ابن الخطيب . أعمال الأعلام . تحقيق ليفي بروفنسال . دار المكشوف . لبنان . ط 2 . 1956 . ص 65 ،77 .

[7]– انظر توضيح ذلك : فورار امحمد . الشعر الأندلسي في ظل الدولة العامرية . 4 – 59 .

[8]– الحميدي . جذوة المقتبس .الدار المصرية للتأليف والترجمة . 1966 . ص 111 .

[9]– ابن الخطيب . الإحاطة في أخبار غرناطة . تحقيق محمد عبد الله عنان . القاهـرة ج 2 ص 106 .

[10]– المراكشي . المعجب . 83 .

[11]– انظر : ابن بسام . الذخيرة . 4/1 : 14 – 26 ، المقري . نفح الطيب . قيق إحسان عباس . دار صادر . بيروت . ج 1 ص 582 – 584 ، ج 3 ص 79 – 81 .

[12]– المقري . المصدر نفسه . 1 : 153 .

[13]– ابن الأثير الجزري . اللباب في تهذيب الأنساب . مكتبة المثنى . د ت . ج 1 ص 278 .

[14]– الفتح بن خاقان . مطمح الأنفس . تحقيق محمد علي شوابكة . مؤسسة الرسالـة . بيـروت. 1983 .ص 177.

[15]– المقري . نفح الطيب . 1 : 586 .

[16]– ابن حزم . جمهرة أنساب العرب . تحقيق عبد السلام محمد هارون . دار المعارف . مصر. 1962 . ص 418.

[17]– ابن بشكوال . الصلة . الدار المصرية للتأليف والترجمة . القاهرة . 1966 . ص 365 .

[18]– ابن حزم . جمهرة انساب العرب . 484

[19]– ابن الأبار . الحلة السيراء . تحقيق حسين مؤنس . دار المعارف . مصر . ط 1 . 1963 . ج 2 ص 225 ، المقري . نفح الطيب . 3 : 95 ، 4 : 306 ، ابن سعيد . المغرب في حلى المغرب . تحقيق شوقي ضيـف . دار المعارف . مصـر . ط 4 . 1964 . ج 1 ص 204 .

[20]– المراكشي . المعجب . 130 ، ابن سعيد . المغرب . 1 : 321 .

[21]– ابن بسام . الذخيرة . 4/1 : 35 ، 69 .

[22]– ابن بسام . الذخيرة . 4/1 : 35 ، 69 .

[23]– المصدر نفسه . 3/2 : 677 .

[24]– المصدر نفسه . 1/1 : 218 .

[25]– المصدر نفسه . 1/2 : 607 ، 1/1 : 103 .

[26]– المصدر نفسه . 4/1 : 46 .

[27]– الحميدي . جذوة المقتبس . 289 ، الضبي . بغية الملتمس . دار الكاتب العربي . مصر. 1967 . ص 386 .

[28]–أبو مروان الجزيري الأندلسي. شعره. تحقيقأحمد عبد القادر صلاحية.دار المكتبي.سورية.ط 1. 1997 ص141.

[29] – المصدر نفسه . 32 .

[30]– ابن سعيد . المعرب . 1 : 320 – 321 .

[31]– تقلد االمظفر الحجابة بعد أبيه بين (392 هـ - 399 هـ ) .

32 – الحميدي . جذوة المقتبس . 280 .

33 – ابن الكتاني. كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس.تحقيق إحسان عباسدار الثقافة.بيروت 1966.ص317.

34 – ابن بشكوال . الصلة . 356 .

35 – الزركلي . الأعلام . 4 : 156.

36 –ابن الأبار.الحلة السيراء1: 265 ، فورار امحمد. ما تبقى من شعر المصحفي. مجلة صحيفة دار العلوم.115.

37 – ابن الأبار. المصدر نفسه. 1: 267. ابن عذارى . البيان المغرب . تحقيق ح س كولان وليفي بروفنسال. دار القافة. بيروت. ط 4. 1983. ج 2 ص286 ، المقري . نفح الطيب . 1: 601.

38–النوشي، حسن أحمد. التصوير الفني للحياة الاجتماعية في الشعر الأندلسي.دار الجيل .بيروت .ط1.1992. ص405.

39 – هو صاعد بن الحسن بن عيسى الربعي البغدادي، أبو العلاء عالم بالأدب واللغة ، نشا ببغداد وانتقل لإلى الأندلس حوالى 380 هـ ، فأكرمه الحاجب المنصور وصنف له كتاب الفصوص على غرار أمالي القالي ، وكافاه عليـه بخمسـة آلاف دينار . تـوفي سنـة 417 هـ . انظر ترجمته : الحميدي . جذوة المقتبس . 373 ، ابن بسام . الذخيرة . 4/1 : 2 – 39 ، ابن خلكان . وفيات الأعيان. تحقيـق إحسان عباس . دار الثقافة . بيروت . 1968 .ج 2 ص 4 ، السيوطي . بغية الوعاة . تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم دار الفكر القاهرة . ط 2 . 1979 . ج 2 ص 7 – 8 ، المقري . نفح الطيب . 3 : 75 - الزركلي . الأعلام . 1 : 186 – 187 .

40 – ابن بسام . الذخيرة . 4/1 : 35 – 36 ، ابن سعيد . المغرب . 1 : 322 .

41 – ابن بسام . المصدر نفسه . 1/1 : 103 .

42 – ابن خاقان . مطمح الأنفس . 177 .

43 – المراكشي . المعجب . 30 .

44 – المقري . نفح الطيب . 1: 586 .

45 – ابن خاقان  .مطمح الأنفس . 179 – 180 .

46 – ابن سعيد . المغرب . 1 : 322.

47 – ابن الخطيب . الإحاطة . 2 : 107. وأورد قائمة فيها أكثر من ثلاثين شاعرا رافقوا المنصور بن أبي عامـر في غزوة من غزواته .

48 – ابن الأبار . إعتاب الكتاب . تحقيق صالح الأشتر . مجمع اللغة العربية . دمشق . 1961.

49 – ابن بسام . الذخيرة . 4/1: 47، ابن سعيد . رايات المبرزين وغايات المميزين . تحقيق النعمان عبد المتعال القاضي . مطابع الهرام التجارية . القاهرة  . 1973 . ص 126 .

50 – ابن الأبار . إعتاب الكتاب . 196.

51 – محمد بن عبد الملك بن أبان بن حمزة بن أبو جعفر المعروف بابن الزيات (173 هـ - 233 هـ ) ، وزير المعتصم والواثق العباسيين ، وعالم باللغة و الأدب من بلغاء الكتاب و الشعراء ، نشأ في بيت تجارة في الدسكرة (قرب بغداد) ونبغ فتقدم حتى بلغ الوزارة و عول عليه المعتصم في مهام دولته و كذلك ابنـه الواثق ، ولما مرض الواثق عمـل ابن الزيـات على تولية ابنه وحرمان المتوكل فلم يفلح ، وولي المتوكل فنكبه و عذبه إلى أن مات ببغـداد ، وكان من العقـلاء الدهاة ، وفي سيرته قوة وحزم . و له ديوان شعر . الزركلي . الأعلام . 6 : 248.

52 – ابن بسام . الذخيرة . 4/1 : 52 .

53 – ابن بشكوال . الصلة . 356 – 357 .

54 – انظر : هامش 40 من هذا البحث .

55 – انظر : هامش 52 من هذا البحث .

56 – ابن بشكوال . الصلة . 357 .

57 – الحميدي . جذوة المقتبس . 280 .

58 – ابن خاقان . مطمح الأنفس . 177 .

59 – ابن سعيد . المقتطف من أزاهر الطرف . تحقيق سيد حنفي حسنين . الهيئة المصرية العامة للكتاب . القاهرة . 1984 . ص 81 ، 84 ، 85 .

60 – ابن سعيد . رايات المبرزين . 126 .

61 – ابن سعيد . المغرب . 1 : 321 .

62، 63 – الحميري. البديع في وصف الربيع. نشر هنري بيريـس المطبعة الاقتصاديـة.الربـاط. ص77،100

64 – ابن بسام . الذخيرة . 4/1 : 47 .

65 - عباس ، إحسان . تاريخ الأدب الأندلسي ، عصر سيادة قرطية . دار الثقافة . بيروت . 1981 . ص 329 .

66 – المرجع نفسه . 331 .

67 – الحميدي . جذوة المقتبس . 280 .

68 – شنت ياقوب : العاصمة القديمة لمنطقة جليقية ، وهي الآن من أعمال (لاكرونيا ) وفيه الكنيسة المشهورة ، وقد ارتفعت مكانة شنت ياقوب في العصور الوسطى بين المسيحيين في غرب أوربا كله ، حتى أصبحت من أول مراكز الحج بين أمم النصرانية . أما تاريخ غزو المنصور بن أبي عامر لهذه لشنت ياقوب ، فقد كان في سنة 387 هـ . انظر : ابن دراج القسطلي ، أبو عمر. الديوان . تحقيق الطاهر أحمد مكي . المكتب . سورية . ط 2 .ص 373 هامش 1 ، الحميري ، محمد عبد المنعم. الروض المعطار في خبر الأقطار . تحقيق إحسان عباس . دار القلم للطباعـة . بيروت . 1975 . ص 348 .

69 ، 70 – الحميدي . جذوة المقتبس . 112 .

71 – عباس ، إحسان . تاريخ الأدب الأندلسي . 332 .

72 – الحميدي . جذوة المقتبس . 280 .

73 – القيسي ، فايز عبد النبي . أدب الرسائل في الأندلس في القرن الخامس الهجري . دار البشير للنشر والتوزيع  . الأردن. ط 1 . 1989 . ص  138 .

74 – الحميري . البديع في وصف الربيع . 78 – 79 .

75 – علي بن محمد . النثر الأدبي الأندلسي في القرن الخامس الهجري . دار الغرب الإسلامي . بيروت . ط 1 . 1990 . ج 1 ص 195 ، القيسي . أدب الرسائل في الأندلس . 139 .

76 - عباس ، إحسان . تاريخ الأدب الأندلسي . 331 .

77 – علي بن محمد . النثر الأدبي الأندلسي . 196 – 197 .

78 ، 79 – الحميري . البديع في وصف الربيع . 78 .

80 – عباس ، إحسان . تاريخ الأدب الأندلسي . 111 .

81 – ابن بسام . الذخيرة . 4/1: 47 .

82 – الكلاعي الإشبيلي ، محمد بن عبد الغفور . إحكام صنعة الكلام . تحقيق محمد رضوان الداية . عالم الكتب . بيروت . ط 2 . 1985.  ص 71 .

83 ، 84 – الحميري . البديع في وصف الربيع . 78 .

85 ، 86 ، 87 ، 88 - ابن بسام . الذخيرة . 4/1: 18 ، 19 ، المقري . نفح الطيب . 3: 80، 81 .

89 –  الطيب ، عبد الله  .المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها . دار الفكر . بيروت . 1970 . ج 2 ص 469 .

90 – الثعالبي ، أبو منصور . يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر . تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد . دار الفكر . بيروت . ط 2 . 1973 . ج 4 . ص 6 .

91 – خضر ، حازم عبد الله . النثر الأندلسي في عصر الطوائف والمرابطين . وزارة الثقافة والإعلام . العراق . 1981 . ص 83 .

92 ، 93 – الحميري . البديع في وصف الربيع . 78 ، 98 .

94 – القيسي ، فايز عبد النبي . أدب الرسائل في الأندلس . 99 .

95 – ابن بسام . الذخيرة . 1/1 : 12 .

96 –النباهي المالقي الأندلسي ، أبو الحسن . تاريخ قضاة قرطبة . تحقيق لجنة إحياء التراث العربي . دار الآفاق الجديدة . بيروت . 1980 . ص 83  ابن الخطيب . أعمال الأعلام . 69 ، 72 .

97 ، 98 ، 99 – سورة الأنفال :45 ، 16 ، وسورة التوبة : 33 .

100 – النباهي . تاريخ قضاة قرطبة . 83 – 84 .

101 ، 102 ، 103 – انظر : هوامش 97 ، 98 ، 99 .

104 – ابن سعيد . المقتطف . 85 – 86 .

105 – ابن بسام . الذخيرة . 4/1 : 74 .