مفهوم الالتزام في الأدب الإسلاميpdf

 

 د..لخضر العرابي      

جامعة تلمسانالجزائر

إنّ الالتزام في الإسلام بمعناه الأصيل ليس نقيض الحرية التي يختلف مفهومها من فلسفة إلى أخرى ومن مذهب لآخر. فالحرية في الدول الشيوعية والبلدان الاشتراكية ترتبط أساسا بلقمة العيش، ولا مكانة فيها لرأي يحيد عن النظام المتبع. والحرية في العالم الغربي تتمثل في حرية رأس المال، وفي التعبير الفردي. مهما أخل بالقيم والأخلاق العامة. أما في الإسلام، فإن هناك ضوابط للحرية من صنع الخالق روعيت فيها طبيعة الإنسان وطبيعة المجتمع. وهكذا" يتصل الالتزاموالتحرر في داخل النفس وفي واقع الحياة، ويتعاونان معا في أداء مهمة مشتركة، ولو بدا لأول وهلة أنهما متضادان ومتناقضان"1.

  وإذا كان الالتزام في المذهب الماركسي يفرض على الأديب نوعا من القضايا وفي الفلسفة الوجودية دعوة إلى الحرية المطلقة، فإن" الالتزام في نطاق الحرية الإسلامية ـ لا يضع قيدا على فكر ولا يعطل مسيرة أي جهد علمي، ولا يصادر إبداعا فنيا، إنه تحرير للطاقات الإنسانية كي تؤدي دورها، وتحقق ذاتها، ولا يحدّ من طبيعة التفاعل الإنساني الخلاّق"2. ما دام في خدمة الإنسان والمجتمع. والالتزام من وجهة نظر الأدب الإسلامي شيء فطري وأمر طبيعي لأننا نجد دوما" في الإنسان ميلا للالتزام، ميلا لأن يلتزم بأشياء معينة وينفذها، ولو وجد في نفسه طليقا من كل التزام خارجي لفرض على نفسه أمورا معينة والتزم بها... إرضاء لما في طبيعته من ميل للالتزام. ومن ثمّ فالفوضى المطلقة لا وجود لها، ولا يمكن أن توجد، لأنها ليست جزءا من طبيعة الإنسان. ومع عمق هذا الميل للالتزام في الطبع البشري فإن فيه إلى جانب ذلك ميلا للإحساس بأنه غير ملتزم، وأنه يؤدي الأشياء لأنه هو يريد أن يؤديها لا لأنها مفروضة عليه"3

  والالتزام هو نظام يتبع في الحياة من لدن الفرد والجماعة، فلا تستقيم الحياة إلاّ به كما ذهب إلى ذلك محمد قطب في قوله "الالتزام هوالذي "ينظم" حياة البشرية... فحياة الفرد لا تنتظم إلا بالتزامه نظاما معينا في معيشته... يشمل طريقة أداء كل عمل من هذه الأعمال ...ويشمل إنشاء علاقات بأفراد الأسرة وأفراد المجتمع ...وحياة المجتمعلا تستقيم كذلك إلاّ بالتزامه نظاما معينا يشمل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والسلوكية والخلقية والروحية"4. ففي كل مجتمع من المجتمعات البشرية نظم وقوانين وضعت خصيصا لتنظيم الحياة وتنسيق العلاقات بين الناس في كل المجالات الحياتية. وكل فنان يقف إزاءها موقفا معينا. لأن الالتزام "منهج وأسلوب عمل وفق تصور معين، و يمكن القول : بأنه تقيّد بمضمون أو شكل  وهو أمر قديم قدم الفنون و لآداب"5.

وانطلاقا من هذا القول يبدو أنّ الالتزام ليس شيئا جديدا على الآداب العالمية، قديمهاو حديثها، ولا حتى على الذين ينادون بنظرية الفن للفن لالتزامهم بنوع معين له علاقة بوجهة نظرهم في الفن.

إذًا، فالأدب "الإسلامي، قديمه وحديثه، ملتزم بالرؤية الإسلامية تجاه الكون والحياة والإنسان... ومن هنا يصبح للالتزام، كما ينبغي أن يدركه الأدباء المسلمون، أربع شعب رؤيوية، وداخلية وأدبية وخارجية، أي تصورية وذاتية وفنية واجتماعية. إنه بؤرة تتجمع عندها جميع الجوانب المذكورة لتخلق معادلة تعطي كل جانب حقه من الوظيفة فلا يغيب عنصر لصالح بقية العناصر، ولا يتم التركيز على جانب دون الجوانب الأخرى كما هو حاصل في قطاع كبير من الإبداع الأدبي الإسلامي"6. وهذه العناصر الأربعة لا يمكن التضحية بواحد منها على حساب الآخر كأن نعتني بالأمور العقلية ونهمل الأمور العاطفية أو نهتم بالشكل دون المضمون والعكس صحيح. ذلك أنّ التصور الإسلامي تصور وسطي.

فالفن الإسلامي عموما والأدب خصوصا كان عبر رحلته الطويلة ملتزاما ولا يزال ملتزما بالقضايا الاجتماعية والعناصر الفنية للأدب. وعندما يغيب الالتزام عن معترك الحياة وساحة الأدب تميل الأمور الاجتماعية والفنية نحو الميوعة والانحلال والابتعاد عن الأعراف والتقاليد، مما يؤدي إلى اضطراب فني واجتماعي على حد سواء. وفي هذا الغرض يقول عماد الدين خليل: "إنّ الأديب هو واحد من المدعوين لممارسة المهمة الخطيرة، بنفسه القادر على التأثير والتحصين، بل إنه مدعو إلى أكثر من هذا، إلى دعوة المجتمعات الإسلامية لإستعادة ممارستها الأصيلة، وقيمها المفقودة وتكاملها الضائع، وتقاليدها الطيبة،  وإحساسها المتوحد، وصبغتها الإيمانية التي أبهتتها رياح التشريق والتغريب"7.

ولا جدال في أنّ علاقة الأدب الإسلامي بالمجتمع علاقة وطيدة ظلت تواكبه منذ العصور الأولى للأدب الإسلامي إلى يومنا هذا. وهي تستمد مقوماتها من التصور الإسلامي العام الذي يهدف إلى تحقيق السعادة النفسية لدى الأفراد وتحقيق التوازن بين طبقات المجتمع المختلفة.

والمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق الأديب المسلم تجعله ينظر إلى الواقع الاجتماعي نظرة الطبيب لمريضه وتقتضي معالجة النقائص الاجتماعية والإنسانية بتقديم الحلول الناجعة لها.

ومن علاقة الأدب الإسلامي بالمجتمع التي ذكرناها آنفا نستطيع القول بأنّ عنصر الالتزام ظلّ يرافق الأدب الإسلامي منذ نشأته ولم يظهر بشكل جلي إلاّ مع بروز أبحاث محمد قطب في كتابه "منهج الفن الإسلامي"، ونجيب الكلاني في كتابه "مدخل إلى الأدب الإسلامي"، ومحمد إقبال عروى في كتابه "جمالية الأدب الإسلامي" وغيرهم. وكلها تدور حول تعريف الالتزام الإسلامي بأنه "ليس جمودا وتحجّرا، وذلك لأنه التزام بالثوابت والأصول التي لا تتغير أبد الدهر...وهكذا تبقى القيم الخالدة ما بقي الدهر ويبقى الالتزام بها حفاظا على الحياة وحماية لها من الزيغ والفساد والانحراف والظلم والفتن"8.

نعم، إنّ الأدب الخالد هو الذي يلتزم بثوابت الأمة الباقية ببقاء الدهر. والالتزام الإسلامي هو المحافظة على الثوابت وصيانتها من الانحراف والفساد. والأديب المسلم مدعو إلى تقديم في إنتاجه الفني الرسالة الحضارية للإنسانية دون إغفال للشكل. وعلى حد قول نجيب الكيلاني، فإنّ "الالتزام الأمثل تلقائي من قلب المؤمن وفكره ونفسه، وهو ليس تصورا هلاميا، أو شعورا عاما،لكنه حقيقة واقعة، تقوم الأحكام والآداب الإسلاميةبتوصيفها،وتحديد ملامحها"9.

وعلى هذا النحو، فإنّ الالتزام في الإسلام ليس التزام مضمون فحسب، كما هو عند الماركسيين والوجوديين، بل التزام مضمون وشكل بحيث لا يهتم بمضامين دون غيرها ولا بغرض دون آخر ويكون في كل الأجناس الأدبية.

وعن علاقة الإسلام بالمسؤولية، فإنّ كلمة "مسؤول" أشمل من كلمة "ملتزم" وهي البديل الذي يعطي للأديب المسلم الحرية في أن يتناول أي موضوع أراد أو أي قضية شاء وبالأسلوب الذي يريد. ولكن هناك شيئا داخليا يتحكم فيه وهو الشعور بالمسؤولية أمام اللّه عن كل كلمة يتفوه بها.

من جهة أخرى فإنّ الالتزام يهتم بالمنافع الدنياوية فقط، أما المسؤولية، فهي تجمع بين الدنيا والآخرة في توازن كامل. وهناك من يذهب إلى أبعد من هذا ويرى أنّ "الالتزام بمعناه الإسلامي الواسع هو "الطاعة"؛ والطاعة الحقيقية قناعة إيمانية، وفرح في قلب المؤمن، وسلوك مطابق لحقيقة العقيدة وكل ما يتعلّق بها. الالتزام إذن عمل، يبدأ بالنية الصادقة، والعزم الذي لا يتزعزع، وينطلق من ممارسات واقعية في مختلف جنبات الحياة، إنه وئام بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الآخرين، وهو يضم تحت جناحيه قيم الحياة الإسلامية وقوانينها وأحكامها، وتصورات المؤمن لما يحيط به من كون وسنن، وحيوان وجماد ونبات، ويمتدّ ذلك التصور لربط الحياة الدنيا بالآخرة. ومرجع ذلك كله كتاب اللّه وسنة نبيّه"10.

ومن هنا نخلص إلى أنّ الالتزام في الفلسفة الماركسية والوجودية يهتم بقضايا مادية آنية. أمّا في المنظور الإسلامي، فهو طاعة ومسؤولية يجمع بين القضايا الدنيوية والأخروية. وهذا هو الفرق الجوهري بين الالتزامين.

@        @       @

  إنّ ثمّة تساؤلات وشبهات تثار حول موضوع الالتزام، وتزعم بأنّ الأدب الإسلامي لا يسمح بنمو التعبير الأدبي والفني في حرية تضمن له الإفادة والإستفادة شكلا ومضمونا من كل تجارب الأمم والشعوب التي تشكلت عبر تاريخها السحيق... تساؤلات وشبهات تقول بأنّ الالتزام الإسلامي يقيد الفن، ويضع في طريقه ضوابط، وينشئ في دروبه معالم وحدودا!!  وهذه الضوابط والمعالم تعني كبت طاقات جمالية وروحية عظيمة، أو تعتبر تسلطا قسريا على الفن الذي يقوم على الابتكار الذاتي والحرية.

  ولكي يكون الطرح سليما، ينبغي أن نعكس هذه التساؤلات ونقول: هل تُتْرَكُ للفنان الحرية المطلقة في اختيار شكل التعبير ومداه؟ وإذا لم يلتزم الفنان بالشكل ولا بالمضمون، يعبر كيف شاء، وبأي قالب شاء، من غير أن يتقيد بالمقاييس الفنية والاجتماعية المتفق عليها!! ألا يعني هذا خروجا عن الطريق القويم؟ أو لم تكن الحرية المطلقة والخروج عن المعايير الأخلاقية والاجتماعية والحضارية والفنية سببا مباشرا في طغيان الارتجالية وانتشار الشذوذ والتطرف، كما هو الحال في المجتمعات المعاصرة؟

  ولكي لا تطغى الارتجالية على الأعمال الأدبية الفنية ولا يسود التطرف الذي يزج بالفنانين في أودية الضلال، و لكي لا ينتشر الشذوذ الأدبي الذي يؤدي إلى الخروج على كل الأعراف الاجتماعية والمعايير الفنية المتعارف عليها، ينبغي على المجتمع أن يلزم الأدباء والفنانين بطريقة معينة في التعبير الذاتي، ولا يصدر هؤلاء الفنانون في تعبيرهم إلاّ عن نظام الحضارة التي يحيونها، لأنّ كل خروج عن مفاهيم تلك الحضارة أو تجاوزها قد يؤدي إلى انحراف خطير، كما وقع في فترات شتى من التاريخ الإسلامي، وخير مثال على ذلك مجون وخمريات العصر العباسي، و ما يحدث الآن من انحرافات صريحة وتحدٍّ سافر للقيم الإسلامية.

  كلّ هذا يشكل مثالا عمليا على مدى خطر الحرية المطلقة في التعبير الذاتي. لأنّ كل انحراف في التعبير من شأنه أن يفضي إلى خطر يتهدد القيم الأخلاقية والاعتقادية على السواء في المجتمع الإسلامي.

  وربما يظن بعض الناس، أننا نريد أن نحكّم المعيار الأخلاقي في الفن وحتى نرفع كل التباس، نقول إننا لا نريد أن نجعل من الأخلاق مقياسا فنيا، نقيس به جودة الفن أو ردائته، بل الفن الرفيع يبقى فنا رفيعا سواء خالف المعيار الأخلاقي أو انسجم معه، وكذلك الفن الرديء يبقى فنا رديئا سواء وافق المعيار الأخلاقي أو خالفه. ومن ثم، فإننا لا ننفي جودته لكونه خرج عن المعيار الأخلاقي، و إنما ننكر عليه رسالته غير الحضارية، ونعيب عليه توجّهه الهدّام. لأنه "عندما يغيب الالتزام عن ساحة الأدب، ويميل الإبداع جهة الميوعة  والانحلال دون اعتبار للقيم الأخلاقية للمجتمع، فإنّ ذلك يخلق جواً أدبيا مضطربا، تتجاذبه السلبيات من جميع النواحي"11.

  وإذا كان مفهوم الالتزام في الإسلام، يعني التزام الفن بالقيم الإنسانية النبيلة، فهذه ليست دعوة إلى مصادرة الإنتاجات الأدبية المنحرفة عن تلك القيم، كما وقع في كثير من البلدان12 التي أقدمت على إصدار قرارات تقضي بمصادرة بعض الأعمال الأدبية بدعوى الخوف على أخلاق الشباب من الإنحراف، وعلى المجتمع من الفساد.

  والحق، هذه فكرة مغلوطة، لأنّ الفن الإسلامي يستمد تصوره من الفكر الإسلامي الذي يرتكز على مبدأ "لا إكراه في الدين"، يرفض الحجر، ويدين أساليب العنف والقساوة، وتبنى أسلوب الحوار الأدبي الذي "يظلّ حوارا علميا مهما كانت حدّته وجسامته وهذا عين ما يؤمن به الأدب الإسلامي... إنّه من أجل أن يكفّ ولدك عن البكاء، لا ينبغي لك أن تضربه وتمنعه من البكاء... ونما عليك أن تقدم له بديل البكاء..."13 فكذلك يجب على الأدب الإسلامي - كما يقول محمد إقبال عروي - أن يرفض المصادرة ويفسح المجال للأدب البناء ليقوم بدوره التغييري. ولكي لا يكون اضطهاد فكري ينبغي مواجهة الأدب بالأدب، والإنتاج بالإنتاج، وليس بالسوط، أو بالتصفية الجسدية، أو بالسجن.

  لأنّ مفهوم الإسلام للالتزام "أن يمتلك الفنان - أولا - تصورا شاملا متكاملا صحيحا للكون والحياة والإنسان، يوازيه انفتاح وجداني دائم، و توتر نفسي لا ينضب له معين إزاء الكون والحياة و لإنسان ومن بعد ذلك يجيء الالتزام... عفويا متساوقا... منسابا... علاقته بالعطاء الفني لا تقوم مطلقا على القسر والتكلف والإكراه... ولا تعترف أبدا بالمدرسيةأو الوعظية أو المباشرة... هذا إذن هو مفهوم الإسلام للالتزام الفني: تصوّر لا يتحرك الفنان إلاّ على ضوئه، وبنوره... وحس وجداني مفعم، يمنحه فرصة الوفاق مع كل شيء... وبين هذاوذاك يبدو الفن الإسلامي كالينبوع الذي لا ينضب، وكنور الشمس والقمر اللذين لا يكفان عن إرسال النور، وكالأرض الخصبة التي لا تقف عن بعث الحياة والجمال على سطح الأرض... وبين هذا وذاك يتدفق الفن الإسلامي شعاعا ورديا -حينا-  يغني للتناغم والتآلف والانسجام، وينصب حين آخر نارا تحرق الدنس والشوائب والصّغار... وأحيانا ثالثة يتفجر حمما تقذف الطواغيت، وتسحق رؤوس الذين يعبّدون الناس للناس من دون اللّه... هذه مساحات الفن الإسلامي، وهذا مداه... وفي مراته الثلاث لم يخرج عن سمته التي لا تزول: شهادة لا إله إلاّ اللّه، وإسلام النفس له ... ومن  ثم يجيء الالتزام عجيبا فذا، لم تشهده مذاهب الفن الأخرى ومدارسه التي دعت إلى الالتزام، لكنها سرعان ما مارست الضغط و الإكراه و التكلف،و الثنائية، والإزدواج والوعظ والمدرسية. لا لشيء إلاّ لأنها لم تطرح التصور الذي ينسجموفطرة الكون والإنسان. وإلا لأنها لم تشحن حسّ فنّانيها بما يفتح وجدانهم على ما يحيط بهم من مخلوقات"14.

@        @       @

  ولا جدال في أنّ علاقة الأدب الإسلامي بالمجتمع علاقة وطيدة، مستمدة من التصور الإسلامي العام للمجتمع؛ لذا يأخذ على عاتقه مهمة الاهتمام بقضايا المجتمع وشؤونه. و ما أنّ الإسلام حياة الأفراد والمجتمعات، فإنّ مسألة الالتزام في الأدب ينبغي أن تكون محل تقدير من قبل الجميع. فيجب على الأديب المسلم أن يبرز القيم العقدية والخلقية في إنتاجه الأدبي.

  وإذا كنا ندرك أن الأدب الإسلامي لا يمكن أن يحيا بمنأى عن الالتزام، فهذا لا يعني أبدا أننا نريد له أن يكون أدب دعوة. ذلك أن أيّ أدب يحصر نفسه في الدعوة لأمر ما أو في إيديولوجيا معينة، يجيء أكثره دون المستوى المطلوب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، إذا كان الأدب الإسلامي -كما يعتقد البعض- محصورا في الدعوة، فأين نضع مثلا الأدب الذاتي الذي يتحدث عن هموم الفرد وعواطفه؟ وفي أي خانة نضع مثلا أدب الرثاء وشعر الطبيعة؟ ومن هنا لا نريد للأدب الإسلامي الملتزم أن يهتم بمضامين دون غيرها، وإنما نريد له أن يهتمّ بكل الأغراض، يهتم بكل الأجناس الأدبية، ونريد كذلك من كل من يتعاطى للفن عموما أن يجعل فنّه خاضعا للتصور الإسلامي، ومنفتحا على كل الثقافات، لكنه انفتاح مسؤول.

  وذلك يعني أن الالتزام في الأدب الإسلامي يجمع بين الفردية والجماعية، ولا يتحرج من أن يتسع مجال القول فيه فيعالج قضايا متعددة؛ كأن يتحدث الأديب فيه عن ذاته وهمومه أو يتغنى بآلام المستضعفين من البشر. إنّه أدب مفتوح على المجتمع وعلى العالم، مفتوح للنصوص الأدبية التي هي عبارة عن مناجاة روحية أو عاطفية. إنه أدب مسؤول له أن يوظف هذا الرمز أو ذاك سواء كان مصدره ثقافتنا الإسلامية أو غيرها، وله أن يستفيد من هذه الثقافة أو من تلك، لأنه أدب يصدر عن أديب مسلم، يدرك بأنه مسؤول أمام اللّه عن كلمة ينطق بها؛ ولأن قاعدته الأصلية تقوم على الالتزام الأخلاقي والمسؤولية الفردية، فهو ملتزم إزاء المجتمع بالقيم النبيلةومرتبط بالمسؤولية في الآخرة في آن. لأن الأعمال الفنية من المنظور الإسلامي، لا تنقسم إلى قسمين : قسم لقيصر وقسم للّه، كما هو الشأن في الدينية المسيحية، و إنما كلها لله.

  إنّ غاية الأدب الإسلامي تكمن في تبليغ الناس ما في الكون والحياة من خير وشر، وحق وباطل، وجميل وقبيح، والأديب المسلم مدعو لممارسة هذه المهمة في نطاق الالتزام "بمنهج شامل في الحياة، يعبر عنه بالقول والعمل، ويتمثله في وحدته مع نفسه، وفي اندماجه مع أفراد مجتمعه. وهذا المنهج الشامل ليس محصورا في نظرية اقتصادية مغلقة، ولا في مدرسة فلسفية مقفلة؛ ولا يرتبط بأية بقعة على وجه البسيطة دون غيرها،ولا بدولة ذات مذهب بعينه، وإنما يتسم هذا المنهج بسمات إنسانية عالمية شاملة تتسع لبني البشر أجمعين، وتمجد الفضائل البشرية من حب وأخوة وتعاون، وشجاعة، وعدالة و رحمة"15.

  وهكذا نفهم أنّ الأدب الإسلامي بالنسبة للحضارة الإسلامية، لا يعيش بعيدا عن الأحداث المتفاعلة في تحريك تلك الحضارة، ولا يخرج عن الأهداف العامة التي ترسمها المفاهيم الإسلامية الكبرى، ذلك لأنه ليس ترفا لغويا، أو عبثا باطلا، بل هو على العكس من ذلك يتفاعل مع الحياة والأحداث، ويتخذ موقفا صادقا من الكون وما فيه؛ لأن "المقاربة النقدية الواعية لأي نص أدبي تبرز بما لا يقبل أدنى شك أنّ للأدب وظيفته في الحياة التاريخية والاجتماعية... وظيفة الكشف والشهادة على كل القضايا المتفاعلة داخل الوجود الحياتي، وظيفة الإدانة والتبشير بما هو أفضل... إنّه تجاوز للكائن الفاسد بغية استشراق الغد الأحسن، وهي وظيفة يشهد له بها النقد الأدبي الحديث برغم الدعاوي والتهم التي تسمع بين الآونة والأخرى من دعاة"الفن للفن"أو"الفن الخالص"ممنلا يرضونللأدب وظيفة فعّالة في الحياة الاجتماعية...والأدب الإسلامي يشهد للأدب بهذه الوظيفة، بل يوجبها عليه، وإلاّ فإنه لن يخرج عن إطار الذين "هم في كل واد يهيمون"16.

  حقيقة، الالتزام في الأدب الإسلامي لا يقتصر على الجانب المضموني، بل لابد من الالتزام بالقيم الجمالية بغية المحافظة على طبيعة الأدب. فهو يؤكد على الجمال بقدر ما يؤكد على الحق في الإنتاجات الأدبية.

  وإذا كان الأدب الغربي عموما يعطي للالتزام بعدا سلبيا، إذ يحدد وظيفة الخطاب الأدبي  في: مرسل، ورسالة، ومرسل إليه، كما هو الشأن في البنيوية؛ فإنّ الأدب الإسلامي مدعو إلى تقديم رسالته الحضارية للإنسانية كافة " ومن دون إغفال للجوانب الفنية الأخرى التي تشكل طبيعة الأدب وجوهره الحقيقي"17 الذي ينبغي أن يوظف في البناء والاستمرارية ويربأ بنفسه عن السقوط في حضيض الهدم والارتكاس.

  فعلا، الالتزام بالقيم الثابتة يجعل الأدب الإسلامي يرقى إلى مقام رسالته الحضارية التي تهدف إلى تحقيق إنسانية الإنسان وسعادته في هذا العالم. لذا يُعَدُّ فيه منارة تضيء طريقه   وحاديا يسوقه إلى الغاية، و هاديا  يُخرجه من شرنقة الإستلاب الحضاري، لأنّ "غذاء الجسد معروف، وغذاء العقل لا جدال فيه، ولكن تبقى عاطفة الإنسان، فما هو غذاؤها؟ إنّ الفن الإسلامي عموما والأدب منه خصوصا، هو المسؤول على تغذية جانب كبير من تلك العاطفة... أن ينمي أشواقها و يهذبها ويرقى بعناصرها، وهنا تكمن وظيفته الذاتية.

ومن جهة ثانية، فهو ملتزم بقضايا المجتمع، وبهذا يكسب وظيفته الاجتماعية...ثمّ -من جهة ثالثة - فهو ملتزم بالأدب، أي بالمحافظة على العناصر الفنية للأدب عبر رحلته الطويلة في مسارب الزمان والمكان،  والحرص على تنميتها وإمدادها بكل جديد يثري التجربة الفنية ويعمق صورتها... وقد تبدو هذه الوظيفة غريبة جدا، ولكن حتما ستزول تلك الغرابة عندما نتأكد بأنّ قطاعا كبيرا من المنتمين للأدب يخيّل إليهم أنهم يمارسون تجديدهم في الأدب - وفق منظورهم القاصر للحداثةوأبعادها النفسية والفنية -لكنهم- في حقيقة الأمر - يعيشون بروح الأدب ويتلفون خصائصه الفنية. ويدمرون قيما جمالية تكسب مشروعيتها مع تقدم الإنسانية... بحثا عن حداثة تجريبية زئبقية بحثا عن صيغ لا صيغ لها... أو لنقل بحثا عن المجهول في أرض المستحيل... نعم!، عندما ندرك هذا الوضع المزري، وهذه المكيدة التي تدبّر للأدب باسم الأدب. عندها : ندرك قيمة وظيفة الأدب الأدبية. كما يتبين لنا الهدف  من الدعوة أن يلتزم الأب بالقيم الفنية. وأخيرا، هذا أمر طبيعي، فإنّ الأدب الإسلامي قديمه وحديثه، ملتزم بالرؤية الإسلامية تجاه الكون والحياة والإنسان"18.

فالمفهوم الحقيقي للالتزام في التصور الإسلامي يجمع بين الأسلوب والمضمون معا، فالتركيز فقط على المضامين التي تواكب الدعوة الإسلامية، نتج عنه إسقاط بعض الأسماء من تاريخ الأدب الإسلامي قديما وحديثا. هذه الأسماء التي أغفلها بعض النقاد هي في نظري أفضل من مارس الأدب الإسلامي إبداعا ودراسة، فمن أبرز هذه الأسماء على سبيل المثال: الجاحظ، ابن رشيق، البحتري، ابن بسام، المتنبي، المعري، الرافعي، المنفلوطي، محمد المويلحي، الكواكبي، الشابي، محمد العيد آل خليفة، وهناك آخرون.

  فلتصحيح هذه المفاهيم التي روّجها بعض المشتغلين بالدراسات الإسلامية، نقول: إننا لا نريد من الأدب الإسلامي أن يهتم بمضامين دون غيرها أو يهتم بالمضمون دون الأسلوب، وإنما نريد أدبا إسلاميا يهتم بأدبية النص وجماليته، نريد أدبا يهتم بالشكل والمضمون معا وذلك في نطاق التصور الإسلامي الشامل للفن والحياة.      

الإحالات

[1]- محمد قطب ـ دراسات في النفس الإنسانية ـ دار الشروق ـ بيروت ـ 1974 ـ     ص 123.

2- نجيب الكيلاني ـ مدخل إلى الأدب الإسلامي ـ كتاب الأمة ـ ع 14 ـ ط1 ـ      (ب ت ) ، قطر، ص 84.

3- دراسات في النفس الإنسانية ـ ص 120.

4- دراسات في النفس الإنسانية - ص 121.

5- مدخل إلى الأدب الإسلامي - ص 76.

6- محمد إقبال عروى - جمالية الأدب الإسلامي -المكتبة السلفية - الدار البيضاء - ط 1 - 1986- ص 113.

7- المرجع نفسه - ص 111.

8- مدخل إلى الأدب الإسلامي - ص 83.

9- المرجع نفسه - ص 85.

10- المرجع السابق - ص 79.

11- محمد إقبال عروى - جمالية الأدب الإسلامي - ص 121.

12- صودرت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح؛ ورواية "ألف ليلة وليلة" في مصر مثلا، في المغرب.

13- المرجع السابق - ص 124.

14- عماد الدين خليل - في النقد الإسلامي المعاصر - ص 189-191.

15- نجيب الكلاني - أفسلامية و المذاهب الأدبية - ص 31.

16- محمد إقبال عروي - جمالية الأدب الإسلامي - ص 111.

  17-المرجع السابق - ص 119.

18- المرجع السابق - ص 112-113.